الآية ١٨١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٨١ من سورة الأعراف

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ١٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وممن خلقنا ) أي : ومن الأمم ) أمة ) قائمة بالحق ، قولا وعملا ( يهدون بالحق ) يقولونه ويدعون إليه ، ( وبه يعدلون ) يعملون ويقضون .

وقد جاء في الآثار : أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية ، هي هذه الأمة المحمدية .

قال سعيد ، عن قتادة في تفسير هذه الآية : بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية : " هذه لكم ، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) [ الأعراف : 159 ] وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس في قوله تعالى : ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أمتي قوما على الحق ، حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل " .

وفي الصحيحين ، عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتى تقوم الساعة - وفي رواية - : حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك - وفي رواية - : وهم بالشام "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الخلق الذين خلقنا " أمة ", يعني جماعة (23) = " يهدون ", يقول: يهتدون بالحق (24) =(وبه يعدلون)، يقول: وبالحق يقضُون ويُنصفون الناس, (25) كما قال ابن جريج: - 15458 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قوله: (أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: هذه أمتي!

قال: بالحق يأخُذون ويعطون ويَقْضُون.

15459 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)...

(26) 15460 - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها: هذه لكم, وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلَها: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ، [سورة الأعراف: 159] .

-------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص : 208 .

تعليق : 2 .

والمراجع هناك (24) انظر تفسير (( هدى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) .

(25) انظر تفسير (( عدل )) فيما سلف ص : 172 ، تعليق .

3 ، والمراجع هناك (26) وضعت هذه النقط ، لأن الخبر لم يتم ، فإما أن يكون سقط من الناسخ ، وإما أن يكون إسناداً آخر للخبر الذي يليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هم هذه الأمة وروي أنه قال : هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها وقرأ هذه الآية وقال : إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسىابن مريم .

فدلت الآية على أن الله عز وجل لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها، يهدون أنفسهم وغيرهم بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلِّمونه، ويدعون إليه وإلى العمل به.

وَبِهِ يَعْدِلُونَ بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال والدماء والحقوق والمقالات، وغير ذلك، وهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين أنعم اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهم الصديقون الذين مرتبتهم تلي مرتبة الرسالة، وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة كل بحسب حاله وعلو منـزلته، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، واللّه ذو الفضل العظيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وممن خلقنا أمة ) أي : عصابة ، ( يهدون بالحق وبه يعدلون ) قال عطاء عن ابن عباس : يريد أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان .

وقال قتادة : بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ هذه الآية قال : " هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، حدثني الوليد ، حدثني ابن جابر ، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " .

وقال الكلبي : هم من جميع الخلق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يَعدِلون» هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما في حديث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن الذين خَلَقْنا جماعة فاضلة يهتدون بالحق ويَدْعون إليه، وبه يقضون وينصفون الناس، وهم أئمة الهدى ممن أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تمضى السورة الكريمة فى هديها وتوجيهها فتفصل صنوف الخلق ، وتمدح من يستحق المدح وتذم من يستحق الذم فتقول : ( وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ .

.

.

) .قوله ( وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) معطوف على قوله ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ) أمة يهدون بالحق ، أى : يدعون إليه ويسيرون عليه ، وبه يعدلون أى : به يقضون وينصفون الناس .وقد وردت آثار تفيد أن المراد بهذه الأمة : الأمة المحمدية ففى الصحيحين عن معاوية بن أبى سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة ، وفى رواية : " حتى يأمر الله وهم على ذلك "وقال قتادة : بلغنا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذا الآية يقول : هذه لكم ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها .وعن الربيع بن أنس - فى هذه الآية - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل " .وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الإجماع حجة فى كل عصر ، وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس  ﴾ فأخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ليبين أيضاً أن كثيراً منهم مخلوقون للجنة.

واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام هاهنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها وعن الربيع بن أنس أنه قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار.

قال الجبائي: هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية.

أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل.

لأنه قد كان ظاهراً لكل الناس أن محمداً وأصحابه على الحق، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة، والثاني باطل أيضاً، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جَمْعٌ من المحقين، فلم يبق إلا القسم الثالث.

وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما قال: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا ﴾ [الأعراف: 179] فأخبر أنّ كثيراً من الثقلين عاملون بأعمال أهل النار، أتبعه قوله: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول إذا قرأها: «هذه لكم» وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق ﴾ [الأعراف: 159] وعنه صلى الله عليه وسلم: «إنّ من أمّتي قوماً على الحقّ حتى ينزل عيسى عليه السلام» وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.

وقيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى مَعانٍ هي أحْسَنُ المَعانِي، والمُرادُ بِها الألْفاظُ وقِيلَ الصِّفاتُ.

﴿ فادْعُوهُ بِها ﴾ فَسَمُّوهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ.

﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ ﴾ واتْرُكُوا تَسْمِيَةَ الزّائِغِينَ فِيها الَّذِينَ يُسَمُّونَهُ بِما لا تَوْقِيفَ فِيهِ، إذْ رُبَّما يُوهِمُ مَعْنًى فاسِدًا كَقَوْلِهِمْ يا أبا المَكارِمِ يا أبْيَضَ الوَجْهِ، أوْ لا تُبالُوا بِإنْكارِهِمْ ما سَمّى بِهِ نَفْسَهُ كَقَوْلِهِمْ: ما نَعْرِفُ إلّا رَحْمانَ اليَمامَةِ، أوْ وذَرُوهم وإلْحادَهم فِيها بِإطْلاقِها عَلى الأصْنامِ واشْتِقاقِ أسْمائِها مِنها كاللّاتِ مِنَ « اللَّهِ»، والعُزّى مِنَ « العَزِيزِ» ولا تُوافِقُوهم عَلَيْهِ أوْ أعْرِضُوا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ مُجازِيهِمْ كَما قالَ: ﴿ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ بِالفَتْحِ يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ.

﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ لِلنّارِ طائِفَةً ضالِّينَ مُلْحِدِينَ عَنِ الحَقِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ خَلَقَ أيْضًا لِلْجَنَّةِ أُمَّةً هادِينَ بِالحَقِّ عادِلِينَ في الأمْرِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ في كُلِّ قَرْنٍ طائِفَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا تَزالُ مِن أُمَّتِي طائِفَةٌ عَلى الحَقِّ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ»، إذْ لَوِ اخْتُصَّ بِعَهْدِ الرَّسُولِ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ فائِدَةٌ فَإنَّهُ مَعْلُومٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا} للجنة لأنه في مقابلة وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ {أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} في أحكامهم قيل هم العلماء والدعاة إلى الدين وفيه دلالى ة على إجماع كل عصر حجة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ قِيلَ: بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ مَن عَدا المَذْكُورِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهو عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى ما ظَهَرَ لِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ ولَقَدْ ذَرَأْنا ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَهْدُونَ ﴾ إلَخْ.

إذا أُخِذَ بِجُمْلَتِهِ وزُبْدَتِهِ كانَ كالمُقابِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم قُلُوبٌ ﴾ إلى ﴿ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ وكِلْتا الآيَتَيْنِ كالنَّشْرِ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ وهو كالتَّذْيِيلِ لِحَدِيثِ الَّذِي أُوتِيَ آياتِ اللَّهِ تَعالى والأسْماءَ العِظامَ فانْسَلَخَ مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ اعْتِراضٌ لِمُناسَبَةِ حَدِيثِ الأسْماءِ حَدِيثِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى العِظامِ الَّتِي أُوتِيَها ذَلِكَ المُنْسَلِخُ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ هو الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ أسْمائِهِ الحُسْنى، وأرْبابُ الذَّوْقِ والمُشاهَدَةِ يَجِدُونَ ذَلِكَ مِن أرْواحِهِمْ؛ لِأنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها وقَعَ في نارِ الحِرْصِ ولا يَزالُ يَهْوِي مِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى دَرَكاتِ الحِرْمانِ، وبِخِلافِ ذَلِكَ إذا انْفَتَحَ عَلى القَلْبِ بابُ الذِّكْرِ فَإنَّهُ يَقَعُ في جَنَّةِ القَناعَةِ ولا يَزالُ يَتَرَقّى مِن نُورٍ إلى نُورٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أعْلى دَرَجاتِ الإحْسانِ، و(مِن) إمّا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أوْ بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ بَعْضُ مَن خَلَقْنا أوْ بَعْضٌ مِمَّنْ خَلَقْنا طائِفَةٌ جَلِيلَةٌ كَثِيرَةٌ يَهْدُونَ النّاسَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ في الحُكُوماتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم ولا يَجُورُونَ فِيها.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: هَذِهِ أُمَّتِي»».

وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلُها ﴿ ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»».

ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ مُعاوِيَةَ والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا تَزالُ مِن أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم عَلى ذَلِكَ»».

واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ في كُلِّ عَصْرٍ سَواءٌ في ذَلِكَ عَصْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وغَيْرُهُ؛ إذْ لَوِ اخْتُصَّ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، وعَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَصْرٌ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ لِأنَّ المُجْتَهِدِينَ هم أرْبابُ الإجْماعِ، قِيلَ: وهو مُخالِفٌ لِما رُوِيَ مِن أنَّهُ «لا تَقُومُ السّاعَةُ إلّا عَلى أشْرارِ الخَلْقِ، ولا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى لا يُقالَ في الأرْضِ اللَّهُ،» وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ مُلْحَقٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِمُعانَقَتِهِ لَهُ، والمُرادُ عَدَمُ خُلُوِّ العَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ فِيما عَداهُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الخَبَرَيْنِ الإشارَةُ إلى غَلَبَةِ الشَّرِّ فَلا يُنافِي وُجُودَ النَّزْرِ مِن أهْلِ ذَلِكَ العُنْوانِ، والواحِدُ مِنهم كافٍ وهو حِينَئِذٍ الأُمَّةُ، والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِمْ بِهِدايَةِ النّاسِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اهْتِداءَهم في أنْفُسِهِمْ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني: جماعة وهم أمة محمد  يهدون بالحق يعني يدعون إلى الحق ويأمرون بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني بالحق يعملون وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب رسول الله  : يا رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين، ولنا أجراً واحداً، وقد صدقناك والرسل والكتب فنزل وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يعني: من أمة محمد  يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد والقرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: سنأخذهم بالعذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ.

وقال الكلبي: يعني نزيّن لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون.

يقول: سنأتيهم وهم المستهزئون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه.

وقال القتبي: الاستدراج أن يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً.

ويقال: استدرج فلان فلاناً يعني: يعرف ما عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة.

فاستعير من هذا كقوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات: 1] يعني: الملائكة يتابعون بعضهم بعضاً كعرف الفرس.

وكقوله تعالى: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة: 67] يمسكون عن العطية.

وقال السدي: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها، ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون، فذلك الاستدراج.

ثم قال: وَأُمْلِي لَهُمْ يعني: وأمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ يعني: عقوبتي شديدة.

ويقال: إن صنيعي محكم.

ويقال: إن أخذي شديد.

ثم قال تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا يعني: أهل مكة فيما يأمرهم محمد  أن يعبدوا خالقهم، ورازقهم، وكاشف الضر عنهم، ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه أمثل هذا يكون مجنوناً.

ويقال: معناه أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في دلائل النبي  ومعجزاته ليستدلوا بأنه نبي وقد تم الكلام.

ثم استأنف فقال مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ويقال: هذا على وجه البناء.

ومعناه: أو لم يتفكروا ليعلموا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: جنوناً.

ويقال: إن النبيّ  صعد ذات ليلة الصفا، فدعا قريشاً إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فرداً فرداً، فقال بعضهم: إن صاحبكم لمجنون.

فوعظهم الله تعالى فقال أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا يقول: أو لم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي رسولاً بيناً.

وهذا كقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبإ: 46] .

ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في خلق السموات والأرض وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا، ويؤمنوا بأن الذي خلق الذي ترون، هو رَبّ واحد لا شريك له وَأَنْ عَسى يعني: وينظروا في أن عسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ يعني: قد دنا هلاكهم فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يعني: إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن.

لأن هذا آخر الكتب نزولاً وليس بعده كتاب ينزل.

ثم قال تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ أي: من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي: يتركهم في ضلالتهم يترددون.

قرأ أبو عمرو وَيَذَرُهُمْ بالياء وضم الراء على معنى الخبر.

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وَنَذَرُهُمْ بالنون وضم الراء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَيَذَرُهُمْ بالياء وجزم الراء وجعلوه جواب الشرط.

ومعناه: من يضلل الله يذره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الرُّوحُ مِنْ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ مَبْدَؤُه ...

وَتُرْبَةُ الأَرْضِ أَصْلُ الجِسْمِ والبَدَنِ

قَدْ أَلَّفَ المَلِكُ الجَبَّارُ بَيْنَهُمَا ...

لِيَصْلُحَا لِقَبُولِ الأَمْرِ والْمِحَنِ

فَالرُّوحُ فِي غُرْبةٍ وَالجِسْمُ في وَطَن ...

فَلْتَعْرِفَنَّ ذِمَامَ النَّازِحِ الوَطنِ

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ...

الآية: السببُ في هذه الآية على ما روي، أن أبَا جهلٍ سمع بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ، فيذكُر اللَّه تعالَى في قراءته، وَمَرَّةَ يَذْكُر الرحمن، ونَحْوَ ذلك، فقال: محمَّدٌ يَزعم أنَّ إلإله واحِدٌ، وهو إِنما يعبدُ آلهةً كثيرةً، فنزلَتْ هذه الآية، ومِنْ أسماء اللَّه تعالى ما ورد في القُرآن، ومنها ما ورد في الحديث وتواتَرَ، وهذا هو الذي ينبغي أَنْ يُعْتَمدَ عليه.

وقوله سبحانه: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، قال ابن زيد: معناه:

اتركوهم «١» ، فالآية على هذا منسوخةٌ، وقيل: معناه: الوعيدُ كقوله سبحانه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر: ١١] وذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا [الحجر: ٣] يقال: أَلْحَد وَلَحَدَ بمعنى جَارَ، ومَالَ، وانحرف، و «ألْحَدَ» : أشهرُ ومنه لَحْدُ القَبْرِ، ومعنى الإِلحاد في أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ: أنْ يسمُّوا اللاَّتَ نظيرَ اسم اللَّه تعالى قاله ابن عباس «٢» ، والعُزَّى نظيرَ العزيزِ قاله مجاهد «٣» ، ويسمُّون اللَّه أباً، ويسمُّون أوثانهم أرْباباً.

وقوله سبحانه: سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ: وعيد محض.

وقوله سبحانه: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، الآية تتضمَّن الإِخبار عن قَوْمٍ أهْلِ إِيمانٍ واستقامةٍ وهدايةٍ، وظاهُرها، يقتضي كُلَّ مُؤْمِنٍ كان مِنْ لَدُنْ آدم عليه السلام إِلى قيام الساعة، ورُوِيَ عن كثيرٍ من المفسِّرين: أنها في أمَّة نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وروي في ذلك حديث أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ، ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ أيْ: وبِالعَمَلِ بِهِ يَعْدِلُونَ.

وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ بِإحْسانٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وكانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "هَذِهِ أُمَّتِي، بِالحَقِّ يَأْخُذُونَ ويُعْطُونَ ويَقْضُونَ" .» وقالَ قَتادَةُ: «بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآَيَةَ قالَ: "هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِي القَوْمُ مِثْلَها" ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ .» والثّانِي: أنَّهم مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ العُلَماءُ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن قَوْمٍ مُخالِفِينَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في أنَّهم أهْلُ إيمانٍ واسْتِقامَةٍ وهِدايَةٍ.

وظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ مُؤْمِنٍ كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى قِيامِ الساعَةِ.

قالَ النَحّاسَ: فَلا تَخْلُو الدُنْيا في وقْتٍ مِنَ الأوقاتِ مِن داعٍ يَدْعُو إلى الحَقِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: سَواءٌ بَعُدَ صَوْتُهُ أو كانَ خامِلًا.

ورُوِيَ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ  ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ  قالَ: « "هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُها لِقَوْمِ مُوسى".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ، والإشارَةُ إلى الكُفّارِ، و ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ مَعْناهُ: سَنَسُوقُهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ بِالنِعَمِ عَلَيْهِمْ والإمْهالِ لَهم حَتّى يَغْتَرُّوا ويَظُنُّوا أنَّهم لا يَنالُهم عِقابٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهُمْ، وهَذِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ عَلى التَكْذِيبِ بِالآياتِ، لَمّا حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ أمْلى لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ: "سَيَسْتَدْرِجُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُمْلِي" مَعْناهُ: أُؤَخِّرُ مُلاءَةً مِنَ الدَهْرِ، أيْ مُدَّةً.

وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: فَتْحُ المِيمِ وضَمُّها وكَسْرُها.

وقَرَأ عَبْدُ الحَمِيدِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "أنَّ كَيْدِي" عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنَّ كَيْدِي، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ وسائِرُ السَبْعَةِ: "إنَّ كَيْدِي" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وَ"مَتِينٌ" مَعْناهُ: قَوِيٌّ، قالَ الشاعِرُ: لِآَلٍ عَلَيْنا واجِبٌ لا نُضَيِّعُهُ ∗∗∗ مَتِينٌ قُواهُ غَيْرُ مُنْتَكَثِ الحَبْلِ ورَوى ابْنُ إسْحاقَ في هَذا البَيْتِ "أمِينٌ قُواهُ"، وهو مِنَ المَتْنِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو امْرُؤُ القَيْسِ: لَها مَتْنَتانِ خَظاتا كَما ∗∗∗ ∗∗∗ أكَبَّ عَلى ساعِدَيْهِ النَمِرْ وهُما جَنْبَتا الظَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: عَدَلْنَ عُدُولَ اليَأْسِ وافْتَجَّ يَبْتَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ أفانِينَ مِنَ الهُوبِ شَدَّ مَماتِنِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ويَخْدِي عَلى صُمٍّ صِلابٍ مَلاطِسِ ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيداتِ عَقْدٍ لَيِّناتِ مِتانِ وَمِنهُ الحَدِيثُ في غَزْوَةٍ بَنِي المُصْطَلِقِ: « "فَمَتَنَ رَسُولُ اللهِ  بِالناسِ"» أيْ: سارَ بِهِمْ سَيْرًا شَدِيدًا لِيَنْقَطِعَ الحَدِيثُ بِقَوْلِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، تَقْرِيرٌ يُقارِنُهُ تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ، والوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ﴾ ، ثُمَّ ابْتَدَأ القَوْلَ بِنَفْيِ ما ذَكَرُوهُ: ﴿ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أو لَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهُ ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ؟

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِيما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  صَعِدَ لَيْلًا عَلى الصَفا، فَجَعَلَ يَدْعُو قَبائِلَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم ويَدْعُوهم إلى اللهِ، فَقالَ بَعْضُ الكُفّارِ حِينَ أصْبَحُوا: هَذا مَجْنُونٌ باتَ يُصَوِّتُ حَتّى الصَباحِ» فَنَفى اللهُ عَزَّ وجَلَّ ما قالُوهُ مِن ذَلِكَ في هَذا المَوْطِنِ المَذْكُورِ وفي غَيْرِهِ، فَإنَّ الجُنُونَ بَعْضُ ما رَمَوْهُ بِهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ نُورَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ نَذِيرٌ أيْ مُحَذِّرٌ مِنَ العَذابِ، ولَفْظُ النِذارَةِ إذا جاءَ مُطْلَقًا، فَإنَّما هو في الشَرِّ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، ويَظْهَرُ مِن رَصْفِ الآيَةِ أنَّها باعِثَةٌ لَهم عَلى الفِكْرَةِ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وأنَّهُ لَيْسَ بِهِ جِنَّةٌ، كَما أحالَهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَظَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ المَنظُورَ فِيهِ كَذَلِكَ أحالَ هُنا عَلى الفِكْرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ المُتَفَكَّرَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ، هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ لِلْكَفّارِ وتَقْرِيرٌ، والنَظَرُ هُنا بِالقَلْبِ عِبْرَةً وفِكْرًا، و"مَلَكُوتُ" بِناءُ عَظَمَةٍ ومُبالَغَةٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْظَرُ فِيهِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ، مِنَ الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، ومِن نَفْسِ الإنْسِ وحَواسِّهِ ومَواضِعِ رِزْقِهِ، والشَيْءُ واقِعٌ عَلى المَوْجُوداتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ عَسى ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فِي مَلَكُوتِ ﴾ .

و"وَأنِ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "عَسى"، والمَعْنى تَوْقِيفُهم عَلى أنْ لَمْ يَقَعْ لَهم نَظَرٌ في شَيْءٍ مِن هَذا، ولا في أنَّهُ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَماتُوا فَفاتَ أوانُ الِاسْتِدْراكِ ووَجَبَ عَلَيْهِمُ المَحْذُورُ.

ثُمَّ وقَّفَهم بِأيِّ حَدِيثٍ أو أمْرٍ يَقَعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إذا لَمْ يَقَعْ بِأمْرٍ فِيهِ نَجاتُهم ودُخُولُهُمُ الجَنَّةَ؟

ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وعن أيِّ نَفْسٍ بَعْدِ نَفْسِي أُقاتِلُ؟

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "بَعْدَهُ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ  وقَصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأجَلِ، إذْ لا عَمَلَ بَعْدَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس ﴾ [الأعراف: 179] الآية، والمقصود: التنويه بالمسلمين في هديهم واهتدائهم، وذلك مقابلة لحال المشركين في ضلالهم، أي عرّض عن المشركين، فإن الله أغناك عنهم بالمسلمين، فما صْدَقُ «الأمة» هم المسلمون بقرينة السياق كما في قول لبيد: ترَّاك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يعتلقُ بَعْضَ النفوس حِمامُها يريد نفسه فإنها بعض النفوس.

روى الطبري عن قتادة قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: " هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ".

وقوله: ﴿ ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وبقية ألفاظ الآية عرف تفسيرها من نظره المتقدمة في هذه السورة.

والذين كذبوا بالآيات هم المشركون الذين كذبوا بالقرآن، وقد تقدم وجه تعدية فعل التكذيب بالباء؛ ليدل على معنى الإنكار عند قوله تعالى: ﴿ قل إني على بينةٍ من ربي وكذبتم به ﴾ في سورة الأنعام (57).

والاستدراج مشتق من الدّرَجة بفتحتين وهي طبقة من البناء مرتفعة من الأرض بقدر ما ترتفع الرِّجْل للارتقاء منها إلى ما فوقها تيسيراً للصعود في مثل العلو أو الصومعة أو البرج، وهي أيضاً واحدة الأعواد المصفوفة في السلم يرتقى منها إلى التي فوقها، وتسمى هذه الدرجة مرقاة، فالسين والتاء في فعل الاستدراج للطلب، أي طلب منه أن يتدرج، أي صاعداً أو نازلاً، والكلام تمثيل لحال القاصد إبدال حال أحد إلى غيرها بدون إشعاره، بحال من يطلب من غيره أن ينزل من درجة إلى أخرى بحيث ينتهي إلى المكان الذي لا يستطيع الوصول إليه بدون ذلك، وهو تمثيل بديع يشتمل على تشبيهات كثيرة، فإنه مبني على تشبيه حُسن الحال برفعة المكان وضده بسفالة المكان، والقرينة تعيّن المقصود من انتقال إلى حال أحسن أو أسوا.

ومما يشير إلى مراعاة هذا التمثيل في الآية قوله تعالى: ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ولما تضمن الاستدراج معنى الإيصال إلى المقصود علق بفعله مجرور بمن الابتدائية أي مبتدئاً استدراجهم من مكان لا يعلمون أنه مفض بهم إلى المبلغ الضار، ف ﴿ حيث ﴾ هنا للمكان على أصلها، أي من مكان لا يعلمون ما يفضي إليه، وحذف مفعول يعلمون لدلالة الاستدراج عليه، والتقدير: لا يعلمون تدرجه، وهذا مؤذن بأنه استدراج عظيم لا يظن بالمفعول به أن يتفطن له.

والإملاء إفعال وهو الإمهال، وهمزة هذا المصدر منقلبة عن واو، مشتق من الملاوة مثلثة الميم، وهي مدة الحياة يقال أملاه وملاه إذا أمهله وأخّره، كلاهما بالألف دون همز فهو قريب من معنى عَمره، ولذلك يقال في الدعاء بالحياة ملاك الله.

واللام في قوله: ﴿ لهم ﴾ هي اللام التي تسمى: لام التبيين، ولها استعمالات كثيرة فيها خفاء ومرجعها: إلى أنها يقصد منها تبيين اتصال مدخولها بعامله لخفاء في ذلك الاتصال، فإن اشتقاق أملى من الملو اشتقاق غير مكين، لأن المشتق منه ليس فيه معنى الحدث، فلم يجيء منه فعل مجرد، فاحتيج إلى اللام، لتبيين تعلق المفعول بفعله.

وأما قولهم: أملى للبعير بمعنى أطال له في طِوَله في المرعى، فهو جاء من هذا المعنى بضرب من المجاز أو الاستعارة.

فجملة: ﴿ إن كيدي متين ﴾ في موضع العلة للجملتين قبلها، فإن الاستدراج والإملاء ضرب من الكيد، وكيد الله متين أي قوي لا انفلات منه للمكيد.

وموقع (إن) هنا موقع التفريع والتعليل، كما قال عبد القاهر: إنها تغني في مثل هذا الموقع غَناء الفاء، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إن أول بيتتٍ وضع للناس ﴾ في سورة آل عمران (96)، أي: يكون ذلك الاستدراج وذلك الاملاء بالغين ما أردناه بهم لأن كيدي قوي.

ولما كان ﴿ أملي ﴾ معطوفاً على ﴿ سنستدرجهم ﴾ ، فهو مشارك له في الدخول تحت حكم الاستبقال، أي: وسأملي لهم.

والمغايرة بين فعلي (نستدرج) و(أملي) في كون ثانيهما بهمزة المتكلم، وأولهما بنون العظمة مغايرة اقتضتها الفصاحة من جهة ثقل الهمزة بين حرفين متماثلين في النطق في ﴿ سنستدرجهم ﴾ وللتفنن والاكتفاء بحصول معنى التعظيم الأول.

و (الكيد) لم يضبط تحديد معناه في كتب اللغة، وظاهرها أنه يرادف المكر والحيلة، وقال الراغب: «ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموماً وممدوحاً وإن كان يستعمل في المذموم أكثر وهو يقتضي أن الكيد أخص من الاحتيال وما ذلك إلا لأنه غلب استعماله في الاحتيال على تحصيل ما لو اطلع عليه المكيد لاحترز منه، فهو احتيال فيه مضرة ما على المفعول به، فمراد الراغب بالمذموم المذموم عند المكيد لا في نفس الأمر» وقال ابن كمال باشا: الكيد الأخذ على خفاء، ولا يعتبر فيه إظهار الكائد خلاف ما يبطنه.

ويتحصل من هذه التدقيقات: أن الكيد أخص من الحيلة ومن الاستدراج.

ووقوع جملة: ﴿ إن كيدي متين ﴾ موقعَ التعليل يقتضي أن استدراجهم والإملاء لهم كيد، فيفيد أنه استدراج إلى ما يكرهونه، وتأجيل لهم إلى حلول ما يكرهونه، لأن مضمون الجملة الثانية على هذا شامل لمضمون الجملة السابقة مع زيادة الوصف، المتين، ما لو حمل الكيد على معنى الأخذ على خفاء بقطع النظر عن إظهار خلاف ما يخفيه، فإن جملة: إن كيدي متين لا تفيد إلا تعليل الاستدراج والإملاء بأنهما من فعل من يأخذ على خفاء دون تلوين أخذه بما يغر المأخوذ، فكأنه قال: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون كائدين لهم، إن كيدي متين.

وإطلاقه هنا جاء على طريقة التمثيلية بتشبيه الحال التي يستدرج الله بها المكذبين مع تأخير العذاب عنهم إلى أمد هم بالغوه، بحال من يهيئ أخذاً لعدوه مع إظهار المصانعة والمحاسنة؛ ليزيد عدوه غروراً، وليكون وقوع ضر الأخذ به أشد وأبعد عن الاستعداد لتلقيه.

و (المتين) القوي، وحقيقته القوي المتن أي الظهر، لأن قوة متنه تمكنه من الأعمال الشديدة، ومتن كل شيء عموده وما يتماسك به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: العُلَماءُ.

والثّانِي: أنَّهم هَذِهِ الأُمَّةُ.

رَوى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ قال: ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها «هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف الآية 159]» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل» .

وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، يقول الله: ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ ﴾ الآية.

روى قتادة وابن جريج عن النبي  : "أنها هذه الأمة" (١) وروي أيضًا أنه قال: "هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها" (٢) وقال الربيع بن أنس: (قرأ النبي  هذه الآية فقال: "إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم" (٣) وقال ابن عباس: (يريد: أمة محمد  ، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان) (٤) وقوله تعالى: ﴿ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .

قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ  ﴾ .

(١) أخرجه الطبري 9/ 135 من طرق جيدة عن ابن جريج وقتادة وهو مرسل، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 272، وقال: (أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جريج، وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة) اهـ.

وذكره الثعلبي 6/ 26 أ، والماوردي 2/ 283، عن قتادة وابن جريج.

(٢) أخرجه الطبري 9/ 135 بسند جيد عن قتادة وهو مرسل وتابع لما سبق عن قتادة.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1623، وهو مرسل، وأخرج البخاري رقم (7311) == كتاب التوحيد، باب: قول النبي  : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين"، ومسلم رقم (1921) كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، عن المغيرة بن شعبة  قال: قال رسول الله  : "لا يزال من أمتي قوم ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله" اهـ.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 277، والبغوي 3/ 308، وابن الجوزي 3/ 294، والرازي 15/ 72، والخازن 2/ 420، وذكره الثعلبي 6/ 26 أ، عن عطاء فقط، وأكثرهم على أنه في أمة محمد  .

وقال "النحاس" 1/ 653: (دل الله جل وعز بهذه الآية أنه لا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق) اهـ، وانظر: السمرقندي 1/ 585، ابن عطية 6/ 158، و"البحر" 4/ 430.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ ﴾ الآية: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية لكم وقد تقدّم مثلها لقوم موسى ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ الاستدراج استفعال من الدرجة، أي: نسوقهم إلى الهلاك شيئاً بعد شيء وهم لا يشعرون، والإملاء هو الإمهال مع إرادة العقوبة ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ سمى فعله بهم كيداً لأنه شبيه بالكيد في أن ظاهره إحسان وباطنه خذلان ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ يعني بصاحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنفى عنه ما نسب له المشركون من الجنون، ويحتمل أن يكون قوله: ما بصاحبهم النبي من جنة معمولاً لقوله أو لم يتفكروا فيوصل به، والمعنى: أو لم يتفكروا ثم ابتدأ إخباراً استئنافاً لقوله: ما بصاحبهم من جنة، والأوّل أحسن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون: بالهمز.

الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.

بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.

﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.

﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.

وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله  فقال  : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.

قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال رسول الله  : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.

وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه  أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله  إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.

وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين  ﴾ وقال الشاعر.

امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.

والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.

فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.

وعلى هذا فلم يذكر الله  أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.

ويمكن أن يجاب بأنه  يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.

ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.

ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.

ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.

فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.

ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟

وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.

وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.

وقيل: إن الله  يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.

ومنها أنه  قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق  ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.

والجواب لا يجوز أن يخرج الله  من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟

وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.

ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين  ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.

أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.

ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.

﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله  لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.

وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.

وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.

وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.

ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.

وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى  قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.

وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.

فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى  وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.

فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟

فقال: بدعاء بلعم.

فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.

ثم دعا موسى  أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله  مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.

ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله  فلما دعا عليه موسى  انتزع الله  منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه  قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته  ﴾ وفيه أنه  لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟

وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي  وهو الذي قال فيه النبي  : "لقد كاد يسلم" .

وذلك أنه يوحد الله  في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.

وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي  بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.

وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي  نبي الحق عن الحسن والأصم.

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.

قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟

قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.

فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".

وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.

ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله  إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.

يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.

وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.

والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.

وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله  أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.

قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.

وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.

وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.

وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.

قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله  قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.

وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.

وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله  رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.

ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.

قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.

فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.

عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.

قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.

واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.

وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.

ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.

وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله  في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.

ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.

وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.

وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله  ذكره؟

والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.

أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.

ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.

مطاوع له والخسار لازم اللازم.

ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله  ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.

وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.

وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.

وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.

وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.

لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.

قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه  أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.

ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.

وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.

وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.

وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.

وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً  ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.

وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.

وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.

ثم إنه  كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول  وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.

والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.

وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب  خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.

وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.

وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.

وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.

أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.

والله  أعلم.

قال بعض العلماء أنه  نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.

وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.

أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.

وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.

وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.

وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.

وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.

وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.

ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره  ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.

وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.

ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره  إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.

وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله  لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.

والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه  .

ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".

وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".

ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".

ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".

ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله  كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.

ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله  لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله  .

ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟

وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.

يقال قد ألحد في الدين ولحد.

وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.

قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.

والإلحاد في أسماء الله  يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.

والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.

الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.

قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.

وروى الربيع أن النبي  كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .

وعن الربيع بن أنس أن النبي  قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .

وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.

وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.

والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.

ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.

وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.

يقال متن متانة.

واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.

وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.

التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره  وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه  ، وأنه  لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله  سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ قالت المعتزلة: لم يخلقهم الله -  - لجهنم، ولكن خلقهم وذرأهم وأعطاهم من القوة ما يكسبون الجنة، غير أنهم عملوا أعمالا استوجبوا بها النار، فصاروا للنار بما عملوا من الأعمال، لا أن خلقهم لجهنم.

ثم اختلفوا هم في تأويل قوله: ﴿ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ ؛ قال بعضهم: ذكر ما إليه آل عاقبة أمرهم؛ كقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ لم يلتقطوه ليكون لهم ما ذكر، ولكن إنما التقطوه ليكون لهم ما ذكر بقوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ  ﴾ لهذا التقطوه، لكنه صار لهم ما ذكر، أخبر عما إليه آل أمره؛ فعلى ذلك هذا، وكما يقال: ....

....

....

*** لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يلد للموت ولا يبني للخراب، ولكنه أنبأ بما يئول إليه عاقبة أمره من الموت والخراب؛ إلى هذا يذهب عامة المعتزلة.

وقال أبو بكر الأصم: الآية على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولقد ذرأنا كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك لجهنم، وأولئك كالأنعام.

لكن هذا بعيد؛ لأنه لو جاز هذا في هذا لجاز مثله في جميع القرآن أن يجعل أول الآية في آخرها، وآخرها في أولها، فهذا محال.

وأما قولهم: إنه إخبار عما آل إليه عاقبة أمرهم، واستشهادهم بقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ...

 ﴾ فهو يصلح: لمن يجهل عواقب الأمور، يخرج ذلك منه على التنبيه والإيقاظ؛ لما لم يعرفوا عاقبة ما [به] صار إليه الأمر، فأما الله -  عالم السر والعلانية وما كان ويكون في الأوقات التي تكون - لا يحتمل ذلك.

وقول الناس: لدوا للموت، وابنوا للخراب.

فهو إنما يذكرون هذا عند التنبيه والإيقاظ لجهلهم بعواقب الأمور، وإن كانوا لا يبنون، ولا يلدون للموت والخراب، وما قصدوا له.

وأما التأويل عندنا على ما ذكر في ظاهر الآية أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة التي يستوجبون بها النار خلقهم لجهنم؛ لما علم منهم ذلك في الأزل أنهم يختارون الأعمال الخبيثة فذرأهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم، وكذلك خلق المؤمنين للجنة؛ لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الهدى، ويعملون أعمالاً طيبة يستوجبون بها الجنة، خلقهم للجنة لا أن خلقهم للجنة مرسلاً [أو خلقهم لجهنم مرسلا،] ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ .

إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده ويطيعه، وأما من علم أنه يكفر به ويعصيه فهو إنما خلقه لما علم [أنه يكون منه]؛ فمن كان علم منه في الأزل أنه يكون منه العبادة خلقه للعبادة، ومن كان علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه لذلك؛ لأنه لا يجوز أن يعلم منه المعصية وفعل الكفر فيخلقه على خلاف ذلك؛ دل أنه على ما ذكرناه، والله أعلم.

أو أن يقال: قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ الفريق الذي علم منه العبادة، لا الكل؛ دليله قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ ، ولم يقل: ذرأنا الكل؛ فهذه في فريق، وهذه في فريق آخر، وهذا التأويل يرجع إلى الخصوص؛ ألا ترى أن الصبيان والمجانين لم يدخلوا فيه؟!

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: إلا لأكلفهم العبادة وآمرهم بها؛ فإن كان هذا فهي على الكل: على الكافر والمؤمن جميعاً، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: ما خلقت الجن والإنس إلا لتشهد خلقتهم على وحدانية الله، وصرف العبادة إليه، وقد شهدت خلقة كل كافر ومؤمن على وحدانية [الله] وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ .

الفقه: هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، أو معرفة الشيء بمعناه الدال على مدبره؛ فهؤلاء الكفرة لم يفقهوا؛ لما لم ينظروا إلى الأشياء لمعناها وحقائقها، إنما نظروا إلى الأشياء لظواهرها، وكذلك قوله: ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ لما نظروا إلى ظواهرها، لم ينظروا إلى معانيها وحقيقتها؛ ليدلهم على تدبير منشئها وحكمته.

وكذلك قوله: ﴿ وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ لما كانت للأنعام قلوب وأعين وآذان، لكن لا يفقهون معناها وحقيقتها، وإن كانوا يسمعون النداء، وينظرون ظواهر الأشياء؛ فعلى ذلك [هؤلاء] الكفار، وإن كانوا يسمعون ويبصرون ما ذكرنا بعد أن لم يفقهوا معانيها وتدبير مدبرها، فهم كالأنعام.

وأصله: أنهم لما لم يستعملوا تلك الحواس فيما جعلت لهم، [وإنما جعلت لهم] لمعرفة حقائق الأشياء، وما أدرج فيها من المعاني والحكمة، فصاروا في الحقيقة كمن لا حواس له؛ إذ لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ [بل كانوا كمن ليس لهم تلك]؛ لذلك نفى عنهم، والله أعلم.

وقال قائلون: نفى عنهم هذه الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ بل كانوا كمن ليس لهم تلك الحواس للمعنى الذي جعلت تلك الحواس، فهم كالأنعام، بل هم أضل؛ لأن هؤلاء إذا ضلوا الطريق فهدوا [وأرشدوا لا يهتدون ولا يرجعون عن ذلك، والدواب إذا ضلوا الطريق فهدوا اهتدوا،] وعرفوا، ومالوا إليه، فهم أضل من الأنعام لما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ لأن بنية الأنعام لا تحتمل فهم ذلك، وبنية هؤلاء تحتمل؛ إذ جعل لهم عقولاً تميز وتعرف حكمة مدبرها ومنشئها، لكنهم ضيعوها، ولم يكن من الأنعام تضييع؛ لذلك كان أولئك أضل.

قال ابن عباس -  -: قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ ﴾ لما ختم الله على قلوبهم؛ كقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ  ﴾ فمن ثمَّ لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم.

وقال: ثم ضرب لهم مثلا فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ في الأكل؛ لأن همتهم ليست إلا الأكل والشرب، كهمة الأنعام والبهائم ليست همتهم إلا الأكل والشرب وقضاء الشهوة، فهي تسمع النداء ولا تعقل؛ فعلى ذلك الكافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ ﴾ في فهم ما ألقي إليهم ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ؛ لأنهم أعطوا سبب فهم ذلك، والأنعام لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ ؛ لأن الأنعام تعرف ربها، وتوحده، وتذكره؛ لقول الله -  -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  ﴾ وهؤلاء لا يعرفونه، ولا يوحدونه؛ فهم أضل.

أو أن يقال: هم أضل لا يهتدون وإن هدوا ودعوا، والأنعام تهتدي.

أو هم أضل؛ لأنهم يُضَلُّون وَيُضِلُّون غيرهم، والأنعام لا.

أو هم أضل؛ لأنهم لا ينتفع بهم، والأنعام ينتفع بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ ﴾ .

عن فهم ما ألقي إليهم وأمروا به.

أو غافلون عما أوعدوا.

وقوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل أنهم قد ظنوا أن في إثبات عدد الأسماء إيجاب إثبات عدد من الذات، فأخبر أن ليس في إثبات عدد الأسماء إثبات أعداد من الذات؛ إذ قد يسمي الشيء الواحد بأسماء مختلفة، ثم لا يوجب ذلك إثبات عدد ذلك ولا تجزئته؛ من نحو ما تسمي الحركة: حركة، عرضاً، شيئاً، خلقاً، من غير أن أوجب ذلك إثبات عدد الحركة أو تجزئتها، وكذلك في جميع الأشياء؛ فعلى ذلك يخبر أنه ليس في إثبات عدد [من] الأسماء إثبات عدد من الذات؛ على ما ذكرنا.

ويحتمل أن يكون خرج هذا مقابل قول كان منهم، وهو أن وصفوا الله بشيء لا يحسن أن يوصف به، وأضافوا إليه أشياء لا يصلح أن تضاف؛ من نحو قولهم: يا خالق الخنازير، ويا خالق الخبائث، ويا إله القردة، ونحوه؛ فأخبر أن ادعوه بالأسماء الحسنى مما ثبت عند الخلق أنه مسمى به، من نحو ما أعطاهم؛ يقال: يا هادي؛ يا مرشد، ونحوه.

ويقال بما أعطاهم من النعم: يا كريم، يا جواد، ويا لطيف، ونحوه.

ويقال: يا خالق، يا رازق، يا الله، يا رحمن، يا رحيم؛ لما ظهر في أنفسهم من ألوهيته وربوبيته، فقال: لا تدعوا بكذا، ولكن ادعوا بالأسماء التي ثبت عند الخلق تحقيقها، وأنه يسمى بها، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقد روي على هذا المعنى [خبر]؛ روي أن رجلاً دعا في صلاته فقال: يا الله، ويا رحمن، ويا رحيم، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون إلهاً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين [اثنين؟!

فأنزل الله  : ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: له الأسماء الحسنى لا الأصنام التي تعبدونها] نحو ما سموها آلهة وأرباباً، فقال: هذه الأسماء التي تدعون بها الأصنام لله فادعوه بها، ولا تدعوا بها الأصنام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ ﴾ .

[يحتمل أي: لا تكافئهم بصنيعهم ولا تجازهم بأذاهم إياك؛ فإن الله هو المكافىء لهم والمجازي بصنيعهم؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ ﴾ ].

قيل: الإلحاد هو الجور والميل عن الحق، والوضع في غير موضعه، وهم سموا ملحدين لما سموا غيره بأسمائه، أو لإشراك غيره في أسمائه.

أو سموا بذلك لما صرفوا شكر نعمه إلى غيره، وعبدوا دونه، مع علمهم أنه لم يكن منهم إليهم شيء من ذلك، إنما كان ذلك لهم من الله.

قال ابن عباس: الإلحاد: الميل، في جميع القرآن.

وقيل: الإلحاد: التكذيب.

قال القتبي: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ أي: يجورون عن الحق ويعدلون.

وأصله: الجور والميل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

قال: هذه بشارة لرسول الله  بالنصر له، والظفر على أعدائه في الدنيا.

وقال قائلون: هو حرف وعيد؛ أوعدهم - عز وجل - بأذاهم رسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يهدون الخلق بالحق الذي عندهم، وهو القرآن والكتب التي عندهم.

وأمكن أن يكون الحق هو رسول الله  ، به يهدون الناس، وبه يعملون.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: يدعون الخلق إلى سبيل الله؛ على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ  ﴾ .

ويحتمل الحق - هاهنا - هو الله؛ كقوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: بالحق الذي يهدون يعملون؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ...

﴾ الآية [هود: 88].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وممن خَلَقْنا جماعة يهتدون في أنفسهم بالحق، ويدعون إليه غيرهم فيهتدون، ويحكمون به بالعدل فلا يجورون.

<div class="verse-tafsir" id="91.MRn1d"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر