الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٩٣ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم [ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ] ) يعني : أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها ، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها ، كما قال إبراهيم : ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) [ مريم : 42 ] ؟
القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربَّهم إياه: ومن صفته أنكم، أيها الناس، إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم, والأمر الصحيح السديد لا يتبعوكم، لأنها ليست تعقل شيئًا, فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائرًا, وتركب ما كان مستقيمًا سديدًا.
* * * وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها، تنبيهَهم على عظيم خطئهم, وقبح اختيارهم.
يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد مَنْ إن دُعي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه, ولم يفهم رشادًا من ضلال, وكان سواءً دعاءُ داعيه إلى الرشاد وسكوته, لأنه لا يفهم دعاءه, ولا يسمع صوته, ولا يعقل ما يقال له.
يقول: فكيف يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلهًا؟
وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده, الضارّ من يعصيه, الناصرُ وليَّه, الخاذل عدوه, الهادي إلى الرشاد من أطاعه, السامع دعاء من دعاه.
* * * وقيل: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون)، فعطف بقوله: " صامتون ", وهو اسم على قوله: " أدعوتموهم ", وهو فعل ماض, ولم يقل: أم صمتم, (41) كما قال الشاعر: (42) سَــوَاءٌ عَلَيْـكَ النَّفْـرُ أَمْ بِـتَّ لَيْلَـةً بِـأَهْلِ الْقِبَـابِ مِـنْ نُمَـيْرِ بنِ عَامِرِ (43) وقد ينشد: " أم أنْتَ بَائِتٌ".
-------------------- الهوامش : (41) انظر سيبويه 1 : 435 ، 456 .
(42) لم أعرف قائله .
(43) معاني القرآن للفراء 1 : 401 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة (( عليك الفقر )) ، وهو خطأ محض ، صوابه من المعاني .
و (( النفر )) بمعنى : النفر من منى في أيام الحج ، وهو الثاني من أيام التشريق .
قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [ ص: 306 ] قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم قال الأخفش : أي وإن تدعوا الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم .سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون قال أحمد بن يحيى : لأنه رأس آية .
يريد أنه قال : أم أنتم صامتون ولم يقل أم صمتم .
وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد .
وقيل : المراد من سبق في علم الله أنه لا يؤمن .
وقرئ " لا يتبعوكم " مشددا ومخففا ، لغتان بمعنى .
وقال بعض أهل اللغة : " أتبعه " - مخففا - إذا مضى خلفه ولم يدركه .
و " اتبعه " - مشددا - إذا مضى خلفه فأدركه .
وإن تدعوا، أيها المشركون هذه الأصنام، التي عبدتم من دون اللّه إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ .
فصار الإنسان أحسن حالة منها، لأنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تهدِي ولا تُهدى، وكل هذا إذا تصوره اللبيب العاقل تصورا مجردا، جزم ببطلان إلهيتها، وسفاهة من عبدها.
( وإن تدعوهم إلى الهدى ) إن تدعوا المشركين إلى الإسلام ، ( لا يتبعوكم ) قرأ نافع بالتخفيف وكذلك : " يتبعهم الغاوون " في الشعراء ( الآية 224 ) وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان ، يقال : تبعه تبعا وأتبعه إتباعا .
( سواء عليكم أدعوتموهم ) إلى الدين ، ( أم أنتم صامتون ) عن دعائهم لا يؤمنون ، كما قال : " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " ( البقرة - 6 ) وقيل : " وإن تدعوهم إلى الهدى " يعني : الأصنام ، لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة .
«وإن تدعوهم» أي الأصنام «إلى الهدى لا يتبعوكم» بالتخفيف والتشديد «سواء عليكم أدعوتموهم» إليه «أم أنتم صامتون» عن دعائهم لا يتبعوه لعدم سماعهم.
وإن تدعوا -أيها المشركون- هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله إلى الهدى، لا تسمع دعاءكم ولا تتبعكم؛ يستوي دعاؤكم لها وسكوتكم عنها؛ لأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تَهدِي ولا تُهدى.
ثم بين - سبحانه - عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفى عنهم وأيسر وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب فقال : ( وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ) أى : وإن تدعو أيها المشركون هذه الأصنام إلى الهدى والرشاد لا يتبعوكم ، أى أنهم لا ينفعوكم بشىء ولا ينتفعون منكم بشىء .وقوله ( سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ) استئناف مقرر لمضمون ما قبله .أى : مستو عندكم دعاؤكم إياهم وبقاؤكم على صمتكم ، فإنه لا يتغير حالكم فى الحالين ، كما لا يتغير حالهم بحكم أنهم جماد .
اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله: ﴿ فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً؟
وهم يخلقون.
أي وهم مخلوقون يعني الأصنام.
فإن قيل: كيف وحد ﴿ يَخْلُقُ ﴾ ثم جمع فقال: ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ وأيضاً فكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس؟
والجواب عن الأول: أن لفظ ﴿ مَا ﴾ تقع على الواحد والاثنين والجمع، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها.
ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله: ﴿ يَخْلُقُ ﴾ رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله: ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ رعاية لجانب المعنى.
والجواب عن الثاني: وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز؟
فنقول: لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وقوله: ﴿ والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ وقوله: ﴿ يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله، قالوا: لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئاً وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها، وهذا يقتضي أن كل من كان خالقاً كان إلهاً، فلو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه كان إلهاً ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ﴾ يريد أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها.
والنصر: المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك.
فكيف يليق بالعاقل عبادتها؟
ثم قال: ﴿ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروهاً فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
ثم قال: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور، بين بهذه الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر، فكذا لا يصح فيه إذا دعى إلى الخير الأتباع.
ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه، ثم قوى هذا الكلام بقوله: ﴿ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون ﴾ وهذا مثل قوله: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ وذكرنا ما فيه من المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية عطف الفعل على الفعل، وهاهنا عطف الاسم على الفعل، لأن قوله: ﴿ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ جملة فعلية: وقوله: ﴿ أَمْ أَنتُمْ صامتون ﴾ جملة إسمية.
واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الإسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة وحكمة، وتلك الفائدة هي أن صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالاً بعد حال، وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار.
إذا عرفت هذا فنقول: إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي معضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين، فقيل لهم لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم وسكوتكم، فهذا هو الفائدة في هذه اللفظة، ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للإلهية، فقال: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات؟
وجوابه من وجوه: الأول: أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع، وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم، ولذلك قال: ﴿ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال: ﴿ إِنَّ الذين ﴾ ولم يقل التي.
والجواب الثاني: أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم أنفسكم عبيداً وجعلتموها آلهة وأرباباً؟
ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالكم.
فقال: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ ثم أكد هذا البيان بقوله: ﴿ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ ﴾ لام الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية، ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة، ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية أنها لا تصلح للمعبودية، وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها، وأن لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع.
<div class="verse-tafsir"
أجريت الأصنام مجرى أولي العلم في قوله: ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة.
والمعنى: أيشركون ما لا يقدر على خلق شيء كما يخلق الله، وهم يخلقون؟
لأن الله عز وجل خالقهم.
أو لا يقدر على اختلاق شيء، لأنه جماد، وهم يخلقون؛ لأن عبدتهم يختلقونهم، فهم أعجز من عبدتهم ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ ﴾ لعبدتهم ﴿ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث، بل عبدتهم هم الذي يدفعون عنهم ويحامون عليهم ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ وإن تدعوا هذه الأصنام ﴿ إِلَى الهدى ﴾ أي إلى ما هو هدى ورشاد، وإلى أن يهدوكم.
والمعنى: وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى، لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله.
ويدل عليه قوله: ﴿ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ ﴿ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ أم صمتم عن دعائهم، في أنه لا فلاح معهم.
فإن قلت: هلا قيل: أم صمتم؟
ولم وضعت الجملة الإسمية موضع الفعلية؟
قلت: لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله دون أصنامهم، كقوله: ﴿ وإذا مس الناس ضرّ ﴾ [الروم: 33] فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل: إن دعوتموهم لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم، وبين ما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ﴾ أيْ لِعَبَدَتِهِمْ.
﴿ وَلا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ فَيَدْفَعُونَ عَنْها ما يَعْتَرِيها.
﴿ وَإنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ.
﴿ إلى الهُدى ﴾ إلى الإسْلامِ.
﴿ لا يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الباءِ، وقِيلَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ وهم ضَمِيرُ الأصْنامِ أيْ: إنْ تَدْعُوهم إلى أنْ يَهْدُوكم لا يَتَّبِعُوكم إلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم كَما يُجِيبُكُمُ اللَّهُ.
﴿ سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ أمْ صَمَتُّمْ لِلْمُبالَغَةِ في عَدَمِ إفادَةِ الدُّعاءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُسَوّى بِالثَّباتِ عَلى الصِّماتِ، أوْ لِأنَّهم ما كانُوا يَدْعُونَها لِحَوائِجِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ عَلَيْكم إحْداثُكم دُعاءَهم واسْتِمْرارَكم عَلى الصِّماتِ عَنْ دُعائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِن تَدْعُوهُمْ} وإن تدعوا هذه الأصنام {إِلَى الهدى} إلى ما هو هدى ورشاد أو إلى أن يهدوكم أى وان تطبوا منخم كما تطلبون من الله الخير والهدى {لاَ يتبعوكم} اى ل مرادكم وطلبتمكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله لاَ يَتَّبِعُوكُمْ نافع {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون} عن دعائهم في أنه لا فلاح معهم ولا يجيبونكم والعهدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية لرءوس الآى
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَمّا هو أدْنى مِنَ النَّصْرِ المَنفِيِّ عَنْهم وأيْسَرُ وهو مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ عَلى البُغْيَةِ والإرْشادِ إلى طَرِيقِ حُصُولِها مِن غَيْرِ أنْ تَحْصُلَ لِلطّالِبِ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ بِدَلالَةِ ما بَعْدُ، وفِيهِ إيذانٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الأصْنامَ أيُّها المُشْرِكُونَ إلى أنْ يُرْشِدُوكم إلى ما تُحَصِّلُونَ بِهِ المَطالِبَ أوْ تَنْجُونَ بِهِ عَنِ المَكارِهِ لا يَتَّبِعُوكم إلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ: (يَتْبَعُوكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ الِاتِّباعِ، أيْ: مُسْتَوٍ عَلَيْكم في عَدَمِ الإفادَةِ دُعاؤُكم لَهم وسُكُوتُكُمْ؛ فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُكم في الحالَيْنِ كَما لا يَتَغَيَّرُ حالُهم بِحُكْمِ الجَمادِيَّةِ، وكانَ الظّاهِرُ الإتْيانَ بِالفِعْلِ فِيما بَعْدَ (أمْ) لِأنَّ ما في حَيِّزِ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ مُؤَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ إحْداثَ الدَّعْوَةِ مُقابَلٌ بِاسْتِمْرارِ الصِّماتِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الِاسْمِيَّةَ بِمَعْنى الفِعْلِيَّةِ وإنَّما عُدِلَ عَنْها لِأنَّها رَأْسُ فاصِلَةٍ وفِيهِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: تَصْمُتُونَ تَمَّ المُرادُ.
وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ: (تَدْعُوا) لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أوْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجُمِعَ لِلتَّعْظِيمِ، وضَمِيرُ المَفْعُولِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِالهُدى دِينُ الحَقِّ أيْ: إنْ تَدْعُوا المُشْرِكِينَ إلى الإسْلامِ لا يَتَّبِعُوكم أيْ: لَمْ يُحَصِّلُوا ذَلِكَ مِنكم ولَمْ يَتَّصِفُوا بِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ أصْلًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ عَلَيْهِمْ مَكانَ عَلَيْكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّ اسْتِواءَ الدُّعاءِ وعَدَمَهُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاعِينَ فَإنَّهم فائِزُونَ بِفَضْلِ الدَّعْوَةِ، ولَعَلَّ رِوايَةَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ ثابِتَةٍ، والطَّبَرْسِيُّ حاطِبُ لَيْلٍ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: من نفس آدم وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يعني: خلق من نفس آدم من ضلع من أضلاعه اليسرى زوجته حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها يعني: ليطمئن إليها ويجامعها فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: سكن إليها وجامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً يعني: خفيف الماء فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت بالحمل.
يقول: قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ يعني: ثقل الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وذلك أن إبليس أتاها فقال: يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟
قالت: ما أدري.
قال: أخاف إنها بهيمة، وإني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنساناً صالحاً أتسميه باسمي؟
قالت: نعم.
وما اسمك قال: عبد الحارث فكذب.
فدعت حواء وآدم فذلك قوله: دعوا الله ربهما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً يعني: أعطيتنا ولداً سوياً صحيح الجوارح لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس.
وروى معمر عن قتادة أنه قال: كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال: إن سرك أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل.
فأشركا في الاسم.
ولم يشركا في العبادة.
وروي عن السدي أنه قال: اسم إبليس هو الحارث يوم لعن فأراد أن ينسب إليه، فأمرها فسمته عبد الحارث، فعاش بعد ذلك أياماً ثم مات.
فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما يعني: أعطاهما صالِحاً خلقاً آدمياً سوياً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر جَعَلاَ له شركا بكسر الشين وجزم الراء وقرأ الباقون شُرَكاءَ بالضم ونصب الراء.
فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية، وهو اسم يقوم مقام المصدر ومن قرأ بالضم فمعناه: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: الشريك في الاسم وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني: الشيطان فإن قيل: من قرأ بالكسر كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركاً، لأنهما لا ينكران أن الأصل لله تعالى.
وإنَّما جعلا لغيره شركاً أي نصيباً.
قيل له: معناه جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: ذا شرك.
فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 12] أي أهل القرية فضرب الله تعالى بهذا مثلاً للكفار يعني: كما أن آدم وحواء أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته.
ثم نزه نفسه عن الشرك فقال تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي هو أعلى وأجلّ من أن يوصف بالشرك.
ثم رجع إلى قصة الكفار فقال الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً يعني: أيشركون الآلهة مع الله تعالى وهم كفار مكة ما لا يخلق شيئاً وهي الآلهة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعني: لا يستطيعون أن يمتنعوا مما نزل بهم من العذاب وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى قال الكلبي يعني: الآلهة.
وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لاَ يَتَّبِعُوكُمْ يعني: لا يتّبعهم آلهتهم سَواءٌ عَلَيْكُمْ يا أهل مكة أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ لا تعقل شيئاً لأنه ليس فيها روح.
وقال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَتَّبِعُوكُمْ لا يتبعونكم يعني: النبيّ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون فلا يؤمنون قرأ نافع لاَ يَتَّبِعُوكُمْ بجزم التاء وقرأ الباقون بالنصب والتشديد لاَ يَتَّبِعُوكُمْ وهما لغتان تبعه وأتْبعه معناهما واحد.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام عِبادٌ أَمْثالُكُمْ يعني: مخلوقين مملوكين أشباهكم وليسوا بآلهة فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنها آلهة.
ثم قال عز وجل: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها يعني: في حوائجكم أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها يعني: يعطون بها ويمنعون عنكم الضر أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها يعني: عبادتكم أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها يعني: دعاءكم وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها.
ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك.
ثم قال: قُلِ يا محمد يعني: لكفار مكة ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني: آلهتكم ثُمَّ كِيدُونِ يعني: اعملوا بي ما شئتم فَلا تُنْظِرُونِ يعني: لا تمهلون ولا تؤجلون لأنهم خوفوه بآلهتهم قرأ أبو عمرو ثُمَّ كيدوني بالياء في حال الوصل وقرأ الباقون بغير الياء.
ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء.
وقوله: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل.
أحدهما: أن «ما» معطوفةٌ على قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ أي: وَلَمَا مسني السوءُ.
والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به.
قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ «١» : السُّوءُ الجنون بلغة هُذَيْلٍ.
ت: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب «السوء» الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ...
[سبأ: ٤٦] الآية، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يحتملُ معنيين:
أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع.
والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)
وقوله: جلّت عظمته: وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ...
الآية.
قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حَوَّاء، وقولُه: مِنْها هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حوّاء.
وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة.
ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي:
غَشِيَها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الخفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا.
وقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: «فاستمرت بِهِ» ، وقرأ ابن «١» مسعود: «فاستمرت بِحَمْلِهَا» وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن «٢» العاص: «فَمَارَتْ بِهِ» ، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، وأَثْقَلَتْ: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله دَعَوَا، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك/ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ «عَبْدَ الحَارث» ، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ.
وقال الطبريُّ والسديُّ «٣» في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب «٤» .
ت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «٥» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك، وكان ذلك من
وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ «١» غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم «٢» ، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ.
انتهى.
وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ:
وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين.
انتهى من «الأحكام» .
قال «٣» ع: وقوله صالِحاً: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً «٤» ، وقال ابن عباس وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً «٥» سليماً.
وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يريد: آدم وحواء، أي: واستمرّت
حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها ...
إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين.
قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟!
انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ وباللَّه التوفيق.
وقرأ نافعٌ «١» ، وعاصم في رواية أبي بَكْر: «شركاً» - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم:
«شُرَكَاء» على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن «٢» كَعْب: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ» .
وقوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً ...
الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل/ في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا:
إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: مَا لاَ يَخْلُقُ، وعبَّر عن الأصنام ب هُمْ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها وبحسب أسمائها، ويُخْلَقُونَ: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» «٣» بالتاء مِنْ فوقُ «أَتُشْركُونَ» .
وقوله سبحانه: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأصْنامِ، فالمَعْنى: وإنْ دَعَوْتُمْ أيُّها المُشْرِكُونَ أصْنامَكم إلى سَبِيلِ رَشادٍ لا يَتَّبِعُوكم، لِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكُفّارِ، فالمَعْنى: وإنْ تَدَعْ يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إلى الهُدى، لا يَتَّبِعُوكم، فَدُعاؤُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم سَواءٌ، لِأنَّهم لا يَنْقادُونَ إلى الحَقِّ.
وقَرَأ نافِعٌ ﴿ لا يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ بِسُكُونِ التّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ﴾ ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ هي في آدَمَ وحَوّاءَ، وإنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "ءاتاهُما" عائِدٌ عَلَيْهِما، ويُقالُ: إنَّ الشِرْكَ الَّذِي جَعَلاهُ هو في الطاعَةِ، أيْ أطاعا إبْلِيسَ في التَسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ، لَكِنَّهُما كانا في غَيْرِ ذَلِكَ مُطِيعَيْنِ لِلَّهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشِرْكُ في أنْ جَعَلا عُبُودِيَّتَهُ بِالِاسْمِ لِغَيْرِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ والسُدِّيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ : إنَّهُ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّ خَبَرَ آدَمَ وحَوّاءَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ فِيما آتاهُما ﴾ ، وإنَّ هَذا كَلامٌ يُرادُ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمٌ لا يُساعِدُهُ اللَفْظُ، ويَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ اليَسِيرِ المُتَوَهَّمِ مِنَ الشِرْكِ في عُبُودِيَّةِ الِاسْمِ، ويَبْقى الكَلامُ في جِهَةِ أبَوَيْنا آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، وجاءَ الضَمِيرُ في "يُشْرِكُونَ" ضَمِيرَ جَمْعٍ لِأنَّ إبْلِيسَ مُدَبِّرٌ مَعَهُما تَسْمِيَةَ الوَلَدِ عَبْدَ الحارِثِ، ومَن قالَ: "إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما الغَرَضُ مِنها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في الأزْواجِ وفي تَسْهِيلِ النَسْلِ والوِلادَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُوءَ فِعْلِ المُشْرِكِينَ بِعَقِبِ ذَلِكَ"، قالَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ: إنَّها عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ، وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ المُرادُ بِالضَمِيرِ فِيهِ: المُشْرِكُونَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَلَمّا آتى اللهُ هَذَيْنِ الإنْسانَيْنِ صالِحًا أيْ سَلِيمًا ذَهَبا بِهِ إلى الكُفْرِ، وجَعَلا لِلَّهِ فِيهِ شُرَكاءَ، وأخْرَجاهُ عَنِ الفِطْرَةِ.
ولَفْظَةُ الشِرْكِ تَقْتَضِي نَصِيبَيْنِ، فالمَعْنى: وجَعَلا لِلَّهِ فِيهِ ذا شِرْكٍ، لِأنَّ إبْلِيسَ أو أصْنامَ المُشْرِكِينَ هي المَجْعُولَةُ، والأصْلُ أنَّ الكُلَّ لِلَّهِ تَعالى، وبِهَذا حَلَّ الزَجّاجُ اعْتِراضَ مَن قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ: "جَعَلا لِغَيْرِهِ شِرْكًا".
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "شِرْكًا" بِكَسْرِ الشِينِ وسُكُونِ الراءِ عَلى المَصْدَرِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وعاصِمٍ، وأبانِ بْنِ تَغْلِبَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ "شُرَكاءَ" عَلى الجَمْعِ، وهي بَيِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ، وقَلِقَةٌ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: "إنَّ الآيَةَ الأُولى في آدَمَ وحَوّاءَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا آتاهُما صالِحًا أشْرَكا فِيهِ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في قَصَصِ آدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ في التَسْمِيَةِ بِعَبْدِ الحارِثِ، وفي صُورَةِ مُخاطَبَتِهِمْ أشْياءَ طَوِيلَةً لا يَقْتَضِي الِاخْتِصارُ ذِكْرُها.
وَقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: "عَمّا يُشْرِكُونَ أيُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "عَمّا تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "أتُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ" الآيَةُ، ورَوى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّ الآياتِ في آدَمَ وحَوّاءَ" أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى آدَمَ وقَدْ ماتَ لَهُ ولَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أنْ يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبَدَ شَمْسٍ، فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ فَسَمّاهُ كَذَلِكَ، وإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا ﴾ ، ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ -عَلى هَذا- عائِدٌ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ والِابْنِ المُسَمّى عَبَدَ شَمْسٍ، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قالَ: إنَّ هَذِهِ في مُشْرِكِي الكُفّارِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ الأصْنامَ في العِبادَةِ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لا يَخْلُقُ ﴾ ، وعَبَّرَ عنها بِـ"هُمْ" كَأنَّها تَعْقِلُ عَلى اعْتِقادِ الكُفّارِ فِيها وبِحَسَبِ أسْمائِها.
و ﴿ يُخْلَقُونَ ﴾ مَعْناهُ: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، ويَحْتَمِلُ -عَلى قِراءَةِ "أيُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ- أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، أيْ: كانَ يَجِبُ أنْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّهم مَخْلُوقُونَ فَيَجْعَلُونَ إلَهَهم خالِقَهم لا مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ تُخَرَّجُ عَلى تَأْوِيلِ مَن قالَ: "إنَّ المُرادَ آدَمُ وحَوّاءُ والشَمْسُ" عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ بِقَلَقٍ وتَعَسُّفٍ مِنَ المُتَأوِّلِ في المَعْنى، وإنَّما تَتَّسِقُ هَذِهِ الآياتُ ويَرُوقُ نَظْمُها ويَتَناصَرُ مَعْناها عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ، والمَعْنى: ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم مِن أمْرِ اللهِ وإرادَتِهِ، ومَن لا يَدْفَعُ عن نَفْسِهِ فَأحْرى ألّا يَدْفَعَ عن غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى ﴾ الآيَةُ، مَن قالَ: "إنَّ الآياتِ في آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ" قالَ: إنَّ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ وأُمَّتِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ في أمْرِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ ، ولَهُمُ الهاءُ والمِيمُ مِن "تَدْعُوهُمْ"، ومَن قالَ بِالقَوْلِ الآخَرِ قالَ: إنَّ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ولِلْكَفّارِ فَقَطْ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ، أيْ: إنَّ هَذِهِ حالُ الأصْنامِ مَعَكم إنْ دَعَوْتُمُوهم لَمْ يُجِيبُوكُمْ، إذْ لَيْسَ لَهم حَواسُّ ولا إدْراكاتٌ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لا يَتْبَعُوكُمْ" بِسُكُونِ التاءِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "لا يَتَّبِعُوكُمْ" بِشَدِّ التاءِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ الباءِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ ﴾ عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، إذِ التَقْدِيرُ: أمْ صَمَتُّمْ.
ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ سَواءٌ عَلَيْكَ النَقْرُ أمْ بِتَّ لَيْلَةً ∗∗∗ بِأهْلِ القِبابِ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ <div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ [الأعراف: 191] زيادة في التعجيب من حال المشركين بذكر تصميمهم على الشرك على ما فيه من سخافة العقول ووهن الدليل، بعد ذكر ما هو كاف لتزييفه.
فضمير الخطاب المرفوع في ﴿ وإن تدعوهم ﴾ موجه إلى المسلمين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وضمير جمع الغائب المنصوب عائد إلى المشركين كما عاد ضمير ﴿ أيشركون ﴾ [الأعراف: 191] فبعد أن عجّب الله المسلمين من حال أهل الشرك أنبأهم بأنهم لا يقبلون الدعوة إلى الهدى.
ومعنى ذلك أنه بالنظر إلى الغالب منهم، وإلا فقد آمن بعضهم بعد حين وتلاحقوا بالإيمان، عَدا من ماتوا على الشرك.
وهذا الوجه هو الأليق بقوله تعالى بعد ذلك ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ [الأعراف: 198] الآية ليكون المخبر عنهم في هذه الآية غير المخبر عنهم في الآية الآتية، لظهر تفاوت الموقع بين ﴿ لا يتبعوكم ﴾ وبين ﴿ لا يسمعوا ﴾ [الأعراف: 198].
ويجوز أن تكون جملة ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى ﴾ إلخ معطوفة على جملة الصلة في قوله: ﴿ لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ [الأعراف: 191] فيكون ضمير الخطاب في ﴿ تدعوهم ﴾ خطابا للمشركين الذين كان الحديث عنهم بضمائر الغيبة من قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ [الأعراف: 190] إلى هنا، فمُقتضى الظاهر أن يقال: وإن يدعوهم إلى الهدى لا يتبعوهم، فيكون العدول عن طريق الغيبه إلى طريق الخطاب التفاتا من الغيبة إلى الخطاب توجهاً إليهم بالخطاب، لأن الخطاب أوقع في الدمغ بالحجة.
و ﴿ الهدى ﴾ على هذا الوجه ما يُهتدى إليه، والمقصود من ذكره أنهم لا يستجيبون إذا دعوتموهم إلى ما فيه خيرهم فيُعلم أنهم لو دعوهم إلى غير ذلك لكان عدم اتباعهم دعوتهم أولى.
وجملة: ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ فلذلك فُصلت.
و ﴿ سواء ﴾ اسم للشيء المساوي غيره أي ليس أولى منه في المعنى المسوق له الكلام والهمزة التي بعد ﴿ سواء ﴾ يقال لها همزة التسوية، وأصلها همزة الاستفهام استعملت في التسوية، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ سواءً عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ في سورة البقرة (6)، أي سواء دعوتُكُم إياهم وصُمتكم عن الدعوة.
و (على) فيها للاستعلاء المجازي وهي بمعنى العندية أي: سواء عندهم.
وإنما جعل الأمران سواء على المخاطبين ولم يجعلا سواء على المدعوين فلم يقل سواء عليهم، وإن كان ذلك أيضاً سواء عليهم، لأن المقصود من الكلام هو تأييس المخاطبين من استجابة المدعوين إلى ما يدعونهم إليه لا الإخبار، وإن كان المعنيان متلازمين كما أنهما في قوله ﴿ سواء عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ [البقرة: 6] متلازمان فإن الإنذار وعدمه سواء: على المشركين، وعلى المؤمنين، ولكن الغرض هنالك بيان انعدام انتفاعهم بالهدى.
وهذا هو القانون للتفرقة بين ما يصح أن يسند فيه فعل التسويه إلى جانبين وبين ما يتعين أن يسند فيه إلى جانب واحد إذا كانت التسوية لا تهُم إلا جانباً واحداً، كما في قوله تعالى: ﴿ اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواءً عليكم ﴾ [الطور: 16] فإنه يتعين أن تجعل التسوية بالنسبة للمخاطبين، ولا يحسن أن يقال سواء علينا وكقوله: ﴿ سواءً علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21] فإنه يتعين أن تكون التسوية بالنسبة إلى المتكلمين.
ووقع قوله: ﴿ أم أنتم صامتون ﴾ مُعادل أدعوتموهم مع اختلاف الاسلوب بين الجملتين بالفعلية والاسمية، فلم يقل: أم صمتم، ففي «تفسير القرطبي»، عن ثعلب: أن ذلك لأنه رأس آية (أي لمجرد الرعاية على الفاصلة) قال: وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد، (أي الفعل والوصف المشتق منه سواء) يريد لا تفاوت بينهما في أصل المعنى، لأن ما بعد همزة التسوية لما كان في قوة المصدر لم يكن فيه أثر للفرق بين الفعل والاسم إذ التقدير: سواء عليكم دعوتُكم إياهم وصمتكم عنهم، فيكون العدول إلى الجملة الاسمية ليس له مقتض من البلاغة بل هما عند البليغ سيان، ولكن العدول إلى الاسمية من مقتضى الفصاحة، لأن الفواصل والأسجاع من أفانين الفصاحة، وفيهما تظهر براعة الكلام إذْ يكون فيه إيفاء بحق الفاصلة مع السلامة من التكلف، كما تظهر براعة الشاعر في توفيته بحق القافية إذا سلم مع ذلك من التكلف، قال المرزوقي في ديباجة «شرحه على الحماسة» «والقافية يجب أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوقها المعنى بحقه، واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة لمستغن عنها».
والتحقيق أن الجملة الاسمية دلت على ثبوت الوصف المتضمنة، مع عدم تقييد بزمان ولا إفادة تجدد، بخلاف الفعلية، وهو صريح كلام الشيخ في «دلائل الاعجاز»، والسكاكي في «المفتاح»، لكن كلام الزمخشري في هذه الآية ينادي على أن جملة: ﴿ أم أنتم صامتون ﴾ دالة على استمرار صمتهم، وكذلك كلام السكاكي في إبداء الفرق بين الجملتين في قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ [البقرة: 8] وفي قوله تعالى: ﴿ قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] مع قوله عقبه: ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ [البقرة: 14]، وظاهر كلام الشيرازي في «شرح المفتاح» أن الثبوت يستلزم الاستمرار، وقال الشارح التفتازاني، في «شرح المفتاح»: الحق أن الجملة الاسمية التي تكون عُدولاً عن الفعلية تفيد الدوام الذي هو كالثبوت، وفسر في «شرح تلخيص المفتاح» الثبوتَ بمقارنة الدوام، وأما السيد في «شرح المفتاح»، و«حاشيته على المطول»، فقد جعل الجملة الاسمية قد يقصد بها الدوام إثباتاً ونفيا بحسب المقامات.
وعندي أن الجملة الاسمية لا تفيد أكثر من الثبوت المقابل للتجدد، وأما الاستمرار والدوام فهو معنى كنائي لها يُحتاج في استفادته إلى القرينة المعيّنة وهي منفية هنا، فالمعنى: سواء عليكم أدعوتموهم دعوة متجددة أم لازمتم الصمت، وليس المعنى على الدوام، وقد احتاج صاحب «الكشاف» إلى بيانه بطريقة الدقة بإيراد السؤال والجواب على عادته، وأيَّاً ما كان فالعدول عن الجملة الفعلية في معادل التسوية اقتضاه الحال البلاغي خلافاً لثعلب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، يَعْنِي: أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها في مَصالِحِكم.
﴿ أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ﴾ يَعْنِي في الدَّفْعِ عَنْكم.
﴿ أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ﴾ يَعْنِي مُضارَّكم مِن مَنافِعِكم.
﴿ أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ دُعاءَكم وتَضَرُّعَكم.
فَإنْ قِيلَ فَلَمْ أُنْكِرْ عِبادَةَ مَن لا رِجْلَ لَهُ ولا يَدَ ولا عَيْنَ؟
قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن عَبَدَ جِسْمًا لا يَنْفَعُ كانَ ألْوَمَ مِمَّنْ عَبَدَ جِسْمًا يَنْفَعُ.
والثّانِي: أنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهم مُفَضَّلُونَ عَلَيْها، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ مَن هم أفْضَلُ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سمرة بن جندب في قوله: ﴿ فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء ﴾ قال: سمياه عبد الحارث.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد آتاها الشيطان، فقال: سمياه عبد الحارث يعيش لكما، فسمياه عبد الحارث فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟
سميه عبد الحارث فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك: فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال لها: إن تطيعيني سلم لك، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبها، فأطاعته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟
قال: عبد الله، وكان ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله.
فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟
ووالله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس فسمياه، فذلك قوله تعالى ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ الشمس لا تخلق شيئاً إنما هي مخلوقة.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خدعها مرتين» .
قال زيد: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما أهبط الله آدم وحواء ألقى في نفسه الشهوة لامرأته، فتحرك ذلك منه فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك ولدها في بطنها، فقالت: ما هذا؟
فجاءها إبليس فقال لها: إنك حملت فتلدين.
قالت: ما ألد؟
قال: ما هل ترين إلا ناقة أو بقرة أو ماعزة أو ضانية هو بعض ذلك، ويخرج من أنفك أو من عينك أو من اذنك.
قالت: والله ما مني من شيء إلا وهو يضيق عن ذلك!
قال: فاطيعيني وسميه عبد الحارث- وكان اسمه في الملائكة الحارث- تلدي مثلك، فذكرت ذلك لآدم فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت.
فمات ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعيني أو قتلته فإني أنا قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم فقال مثل قوله الأوّل، ثم حملت بالثالث فجاءها فقال لها مثل ما قال، فذكرت ذلك لآدم فكأنه لم يكره ذلك، فسمته عبد الحارث فذلك قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: حملت حواء، فأتاها إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعيني أو لأجعلن له قربى أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن- فخوّفهما- سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما أيضاً فقال مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فادركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن السدي قال: إن أول اسم سمياه عبد الرحمن فمات، ثم سمياه صالحاً فمات، يعني آدم وحواء.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم أولاد.
فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله: ﴿ وهو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن سمرة في قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ .
قال: خفيفاً لم يستبن، فمرت به لما استبان حملها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فشكت أحملت أم لا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ قال: فشكت أحملت أم لا.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً فمرت به ﴾ قال: لو كنت عربياً لعرفتها، إنما هي استمرت بالحمل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قال: هي من النطفة ﴿ فمرت به ﴾ يقول: استمرت.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت بحمله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: فاستمرت بحمله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: استخفته.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ فلما أثقلت ﴾ قال: كبر الولد في بطنها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله: ﴿ لئن آتيتنا ﴾ قال: أشفقا أن يكون بهيمة، فقالا: لئن آتيتنا بشراً سوياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قال: غلاماً سوياً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجعلا له شركاء ﴾ قال: كان شركا في طاعة، ولم يكن شركا في عباده.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فجعلا له شركاً ﴾ بكسر الشين.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ جعلا له شركاء ﴾ قال: أشركاه في الاسم قال: وكنية إبليس أبو كدوس.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن السدي قال: هذا من الموصل والمفصول قوله: ﴿ جعلا له شركاء فيما آتاهما ﴾ في شأن آدم وحوّاء، يعني في الأسماء ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ يقول: عما يشرك المشركون ولم يعيِّنهما.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أشرك آدم أن أولها شكر وآخرها مثل ضربه لمن بعده.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه فصل بين آية آدم خاصة في آلهة العرب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال: هذه مفصولة اطاعاه في الولد ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ هذه لقوم محمد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ جعلا له شركاء ﴾ قال: كان شركاً في طاعته ولم يكن شركاً في عبادته، وقال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ قال: يعني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ قال: هو الانكاف أنكف نفسه يقول: عظم نفسه، وانكفته الملائكة وما سبح له.
وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: هذا في الكفار، يدعون الله فإذا آتاهما صالحاً هوّدا ونصرا، ثم قال: ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ يقول: يطيعون ما لا يخلق شيئاً وهي الشياطين لا تخلق شيئاً وهي تخلق ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ يقول: لمن يدعوهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى ﴾ .
يخاطب المؤمنين؛ يقول: إن تدعوا المشركين إلى الهدى، وهو قول ابن عباس والكلبي (١) (٢) ﴿ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ .
المشركون.
قال الكلبي: (وإن تدعوا المشركين إلى الإِسلام) (٣) وقال: قوم (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ .
وقرأ نافع (٧) ﴿ وَاْتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ (٨) وقوله تعالي: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾ .
مثل قوله: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وذكرنا ما فيه، وهناك عطف الفعل على الفعل، وهاهنا عطف الاسم على الفعل؛ لأن المعنى: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، فهما جملتان الأولى مركبة من فعل وفاعل، والثانية من مبتدأ وخبر، ويعود معناها إلى معنى الأولى؛ لأن معناها: صمتم، وقال الفراء: (قوله (٩) ﴿ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾ .
ولم يقل: أم صمتُّم.
وأكثر كلام (١٠) قال: وأنشدني الكسائي: سواء عليك الفقر أم بتَّ ليلة ...
بأهل القباب من نمير بن عامر (١١) .....
أو أنت بائت) (١٢) وقال غيره من أهل المعاني (١٣) ﴿ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾ ولم يقل: أم صمتم لإفادة الماضي والحال، و (١٤) وقال صاحب النظم: (قوله ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ظاهر هذا النظم أن الاستواء واقع بالداعين، وهو (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾ تأويله: أم صمتم، وإنما جاز هذا النظم لأن رؤوس الآيات كانت على النون (١٨) قال الأعشى (١٩) إن تركبوا فظهور (٢٠) (٢١) (١) "تنوير المقباس" 2/ 147، وهو اختيار البغوي 3/ 315.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ذكره السمرقندي 1/ 588، عن الكلبي قال: (يعني: الآلهة وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لا يتبعهم آلهتهم) اهـ.
(٤) هذا قول الجمهور وحكاه النحاس في "إعرابه" 1/ 657، عن الأخفش، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 150، والثعلبي 6/ 31 أ، والزمخشري 2/ 137، وابن عطية 6/ 177 - 178، والرازي 15/ 91، والخازن 2/ 326، وابن كثير 2/ 307.
(٥) "معاني الفراء" 1/ 401.
(٦) قال أبو حيان في "البحر" 4/ 441، والسمين في "الدر" 5/ 537: (الظاهر أن الخطاب للكفار وضمير النصب للأصنام، والمعنى: وإن تدعو آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعونكم على مرادكم) قال السمين: (ويجوز أن يكون الضمير للرسول والمؤمنين، والمنصوب للكفار أي: وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان) اهـ.
(٧) قرأ نافع: ﴿ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ بسكون التاء وتخفيفها وفتح الباء، من تبع، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء من اتبع، انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 187، و"التذكرة" 2/ 340، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 274.
(٨) ما تقدم قول أبي علي في "الحجة" 4/ 113 - 114، والجمهور على أنهما بمعنى واحد، وقال بعض أهل اللغة: تبعه مخففًا إذا مضى خلفه ولم يدركه والمعنى: لا يلحقوكم، واتبعه مشددًا إذا مضى خلفه فأدركه، والمعنى لا يسيرون على أثركم ولا يركبون طريقتكم في دينكم، انظر: "معاني القراءات" 1/ 432، و"إعراب القراءات" 1/ 219، و"الحجة" لابن خالويه ص 169، ولابن زنجلة ص 305، == و"الكشف" 1/ 486، و"الدر المصون" 5/ 537، وفيه: (هما لغتان وهو أظهر) اهـ.
(٩) وكذلك حكى سيبويه في "الكتاب" 3/ 64: (عن الخليل أن الآية بمنزلة أم صمتم) وهو قول ابن السراج في "الأصول" 2/ 161، وأبي علي في كتاب "الشعر" 1/ 281 - 2/ 544، وقال في "العسكريات" ص 97، و"البصريات" 1/ 711: (اعلم أن بعض الجمل قد تقوم مقام بعض فمن ذلك قوله عز وجل: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾ فهذه التي من الابتداء والخبر موقعة موقع التي هي من الفعل والفاعل ألا ترى أنها معادلة كما هو كذلك فقد عادل بالابتداء والخبر الجملة التي هي من الفعل والفاعل والمعنى: أم صمتم) اهـ.
(١٠) في "معاني الفراء" 1/ 401: (وعلى هذا أكثر كلام العرب أن يقولوا ..) اهـ.
(١١) لم أقف على قائله وهو في: "تفسير الطبري" 9/ 151، وابن عطية 6/ 178، و"البحر" 4/ 442، و"الدر المصون" 5/ 538، وعند الفراء والطبري وأبي حيان: سواء عليك النفر، يريد النفر من مني في أيام الحج وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، والشاهد: سواء عليك الفقر أم بت ليلة حيث عادلت أم بين المفرد في قوله: الفقر، وجملة قوله: بت ليلة، وقال أبو حيان: (عطف الجملة الفعلية على == اسم مقدر بالفعلية إذ الأصل سواء عليك أنفرت أم بت فأوقع النفر موقع أنفرت) اهـ.
والقباب، بالكسر، جمع قبَّة -بالضم- بناء من بيوت العرب معروف، انظر: "اللسان" 6/ 3507 (قبب)، ونمير بن عامر بن صعصعة، انظر: "نهاية الأرب" ص 385.
(١٢) "معاني الفراء" 1/ 40، ومثله قال الطبري 9/ 151.
(١٣) انظر: "إعراب النحاس" 1/ 657، و"غرائب الكرماني" 1/ 431، و"الكشاف" 2/ 138، و"التبيان" ص 398، و"الفريد" 2/ 395، و"الدر المصون" 5/ 538، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 442: (الآية من عطف الجملة الاسمية على الفعلية، وكانت الجملة الثانية اسمية لمراعاة رؤوس الآي، ولأن الفعل يشعر بالحدوث واسم الفاعل يشعر بالثبوت والاستمرار، فكانوا إذا دهمهم أمر معضل فزعوا إلى أصنامهم، وإذا لم يحدث بقوا ساكتين فقيل: لا فرق بين أن تحدثوا لهم دعاء وبين أن تستمروا على صمتكم فتبقوا على ما أنتم عليه من عادة صمتكم وهي الحالة المستمرة) اهـ.
(١٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١٥) في (ب): (وهي)، وهو تحريف.
(١٦) في (أ): (واقع بالمدعو).
(١٧) في (ب): (واستوى).
(١٨) مجموع فواصل آيات الأعراف: (ن، م، د، ل) الدال في الآية الأولى، واللام في الآيتين 105، 134، والميم في الآيات 16، 73، 59، 109، 112، 116، 141، 153، 167، 200، والباقي بالنون.
(١٩) "ديوانه" ص 149، و"الكتاب" 3/ 51، و"المحتسب" 1/ 195، و"الصاحبي" ص 470، و"الأمالي" ابن الشجري 2/ 219، و"الدر المصون" 4/ 82، و"المغنى" 2/ 693، والرواية عندهم: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ...
أو تنزلون فإنا معشر نزل وأوله في الديوان: قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا ويروى: قالوا الطرادُ.
وهو من معلقته المشهورة، والشاهد: عطف الجملة الاسمية، أو أنتم تنزلون على جملة الشرط (إن تركبوا)، وقيل: هو عطف توهم كأنه قال.
أتركبون فذلك عادتنا أو تنزلون في الحرب فنحن معروفون بذلك، انظر: "شرح القصائد" للنحاس 2/ 153، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي 2/ 565 - 568، و"الخزانة" 8/ 552.
(٢٠) لفظ: (فظهور)، (ونزلتم) لم أقف عليها إلا في هذه الرواية.
(٢١) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ يعني: أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن تهدى أو إلى أن تهدي، لأنها جمادات ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامتون ﴾ تأكيد وبيان لما قبلها، فإن قيل: لم قال: أم أنتم صامتون فوضع الجملة الاسمية موضع الجملة الفعلية وهلا قال أو صمتم؟
فالجواب إن صمتم عن دعاء الإصنام كانت حالة مستمرة، فعبر هنا بجملة إسمية لتقتضي الاستمرار على ذلك ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ رد على المشركين بأن آلهتهم عباد؛ فكيف يعبد العبد مع ربه ﴿ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ ﴾ أمر على جهة التعجيز ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ [الشورى: 21] وما بعده: معناه أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة والقدرة، ومن كان كذلك: لا يكون إلهاً، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة؛ وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام، لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع،.
فلزمته الحجة، والهمزة في قوله: ﴿ ألهم ﴾ للاستفهام مع التوبيخ، وأم في المواضع الثلاثة تضمنت معنى الهمزة، ومعنى بل وليست عاطفة ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ المعنى: استنجدوا أصنامكم لمضرتي والكيد عليّ، ولا تؤخروني، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي، ومقصد الآية الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة، وفيها إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء ثم أفصح بذلك في قوله: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ الله ﴾ الآية: أي هو حافظي وناصري منكم فلا تضرونني، ولو حرصتم أنتم وآلهتكم على مضرتي، ثم وصف الله بأنه الذي نزل الكتاب، وبأنه الله تولى حفظه، ومن تولى حفظه فهو من الصالحين، والصالح لابد أن يكون صادقاً في قوله ولاسيما فيما يقوله عن الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.
الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.
الباقون: بالتشديد.
﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.
الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.
﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.
الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.
الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .
بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".
واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.
وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.
كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله كان مخالفاً لفعلهم.
وعن الحسن وقتادة أن النبي قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.
فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.
فأمرهم الله بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.
ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.
والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.
والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.
فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.
وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.
ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.
ومن السائل؟
عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.
وعن قتادة.
إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.
قال في الكشاف.
الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها ﴾ ﴿ أيان يوم الدين ﴾ ولا يقال أيان نمت.
وكسر همزته لغة بني سليم.
وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.
وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.
وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.
ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.
والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.
أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.
وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.
عن النبي "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .
ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.
والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.
وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.
وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.
وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.
وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.
ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله .
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله .
وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.
وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.
قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.
وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.
وقال بعضهم: "لما رجع من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.
فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.
فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .
أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.
وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ والطوع نفع.
وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ وقس على هذا.
ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.
قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.
ومنها أن آدم كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟
ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.
والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.
وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.
وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.
أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.
والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.
ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.
فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.
أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟
وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.
وعلى هذا فإنما قال ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.
فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله أعلم.
ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.
واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.
ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟
وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.
وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.
ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.
وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟
وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.
ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.
وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.
ثم لما أمره بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.
وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.
أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.
يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.
أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.
ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.
قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ .
التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.
﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.
﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ يعني: الأصنام، ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ : ليهتدوا، ﴿ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ أي: لا يجيبوكم ولا هم يهتدون.
والثاني: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ إلى ما لكم إليه من حاجة ﴿ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ : لا يقضون ولا يملكون ذلك.
ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين؛ يقول: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ \[أي\]: أهل مكة ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ أي: لا يجيبوكم.
وجائز أن يكون يخاطب به أهل مكة؛ يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدونها إلى الهدى لا يملكون إجابتكم؛ يسفههم في عبادتهم من حاله ما وصف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ ﴾ .
أمكن أن تكون الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً؛ كقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ يعني: المشركين ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ .
وأمكن أن يكون قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ في الأصنام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي: تعبدون من دون الله، وقد كانوا يعبدون من دون الله أصناماً وأوثاناً.
ويحتمل ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي: تسمونهم من دون الله آلهة.
وقوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الخلقة والدلالة على وحدانية الله في التدبير دونهم؛ لما قال: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، أي: ليس لهم ما [ذُكِر فهم] دونهم في التدبير والمعونة.
ويحتمل قوله: ﴿ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الملائكة الذين عبدوهم [هم] عباد أمثالكم، فلا تسموهم آلهة، أي: لا تعبدوا عباداً أمثالكم، ولكن اعبدوا من لا مثل له ولا نظير له.
وإن كان قوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الملائكة، فقوله: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ...
﴾ الآية، هو منه مقطوع منصرف إلى الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ذكر الدعاء والاستجابة، ولم يبين في ماذا يستجيبون، ولا يجب أن تفسر الاستجابة في الشفاعة، أو في التقريب إلى الله، أو في غيره؛ إلا أن يعلم أنهم كانوا يدعونهم بكذا، ويطلبون منهم كذا [وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنهم آلهة على ما تزعمون.
أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيما تزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى].
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .
يسفه عقولهم بعبادتهم الأصنام التي لا أرجل لهم يمشون بها يهربون ممن يقصدهم بالسوء، أو يقصدون بها قصد من أراد الضر بهم والسوء، وكذلك يعبدون ما لا أيدي لهم يبطشون بها ويدفعون عن أنفسهم من أراد السوء، أو يأخذون من يقصدهم، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ ﴾ يبصرون من يقصدهم بالسوء، ﴿ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ من يشتمهم ويذكرهم بالسوء، يسفههم في عبادتهم من لا يملك دفع من يقصده بالسوء، إما هرباً منه، وإما قصداً منه إليه بالسوء، فإذا كانوا لا يملكون ذلك كيف تعبدونهم؟!
وهو كقول إبراهيم - -: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ ، فإذا كانوا لا يملكون دفع ما يحل بهم، فكيف يملكون جر النفع إليكم، أو دفع الضر عنكم؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: خاطب به كفار مكة بقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ الذين تزعمون أنهم آلهة دون الله.
ويحتمل قوله: ﴿ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي: ادعوا من شاركوكم في عبادة من دونه ثم كيدون.
ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الكفار الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، قال ذلك لهم رسول الله بين ظهرانيهم: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ فلم يقدر أحد الكيد به والضرر مع قوتهم وعدتهم بالكثرة والأعوان، وضعف رسول الله، وقلة أعوانه؛ دل عجزهم عن ذلك أنه كان آية في نفسه، وأنه بالله - - ينتصر، وبه قوي على أعدائه، وذلك من عظيم آياته؛ لأنه قال ذلك لمن كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم فيما هم فيه، ثم لم يقدر أحد منهم الضرر به؛ دل أنه كان بالله حفظه، وكذلك سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - حيث قالوا بين ظهراني قومهم - من نحو هود ونوح وهؤلاء -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ وقال نوح: ﴿ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية.
ذكر هذا على إثر قوله: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ ؛ كما ذكر هود: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾ ، وكما قال نوح: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، فزعوا إلى الله - عز وجل - عند وعيد قومهم بالإهلاك، وعليه اعتمدوا، وبه وثقوا؛ فعلى ذلك رسول الله قال: ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: هو وليي يحفظني، وهو يتولى حفظ الصالحين، أي: بتوليه صلحوا.
أو يتولى ويحفظ الصالحين مقابل قول من ذكرنا من الرسل لقومهم.
ثم قوله: ﴿ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ﴾ عز وجل.
يحتمل: حافظي وناصري.
أو وليّ تدبيري الله ﴿ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
أو ولي أمري.
أو أولى بي الله ﴿ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الذي عجزت الخلائق عن إتيان مثله ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ يذكر سفههم بعبادتهم من عجز عن دفع الضرر عن نفسه، فضلاً أن يدفع ذلك عنهم أو يجروا إلى أنفسهم منفعة، وأخبر عن جهلهم أنهم يعبدون من لا يملك دفع ضر ولا جر نفع.
وقوله: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يخاطب به المؤمنين بقوله: [وإن تدعو أهل مكة إلى الهدى] ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ أي: [لا] يجيبوا ﴿ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون به، أو لشدة تعنتهم لا يبصرون.
وجائز أن يكون يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدون إلى الهدى ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ أي: لا يجيبوا، ولا يملكون الإجابة.
ويحتمل: ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ حقيقة السمع، ﴿ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ : على التمثيل، أي: كأنهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة.
<div class="verse-tafsir"
وإن تدعوا -أيها المشركون- هذه الأصنام التي تتخذونها آلهة من دون الله إلى الهدى لا يجيبوكم إلى ما دعوتموهم إليه ولا يتبعوكم، فسواء عندها دعاؤكم لها وسكوتكم عنها؛ لأنها مجرد جمادات، لا تعقل، ولا تسمع، ولا تنطق.
<div class="verse-tafsir" id="91.59ZKD"