الآية ١٩٥ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٩٥ من سورة الأعراف

أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٥ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها ، أي : مخلوقات مثلهم ، بل الأناسي أكمل منها ، لأنها تسمع وتبصر وتبطش ، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك .

وقوله : ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ) أي : استنصروا بها علي ، فلا تؤخروني طرفة عين ، واجهدوا جهدكم !

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه ، أيها القوم =(أرجل يمشون بها)، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم =(أم لهم أيد يبطشون بها)، فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ =(أم لهم أعين يبصرون بها)، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه =(أم لهم آذان يسمعون بها)، فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟

يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها, والمعظَّم من الأشياء إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم, فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها, وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟

وقوله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون)، [ قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا شركاءكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة =(ثم كيدون)، (45) ] أنتم وهي (46) (فلا تنظرون)، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر, (47) ولكن عجِّلوا بذلك.

يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه, وأنه قد عصمه منهم, ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.

------------------------ الهوامش: (45) هذه العبارة التي بين الأقواس ، استظهرتها من سياق الآية والتفسير ، وظاهر أنها قد سقطت من الناسخ ، وأن الكلام بغيرها ، أو بغير ما يقوم ما مقامها ، لا يستقيم .

(46) في المطبوعة : (( أنتم وهن )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

ثم انظر تفسير (( الكيد )) فيما سلف ص 288 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(47) انظر تفسير (( الإنظار )) فيما سلف 12 : 331 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم وبخهم الله تعالى وسفه عقولهم فقال : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها الآية .

أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم .

والغرض بيان جهلهم ; لأن المعبود يتصف بالجوارح .

وقرأ سعيد بن جبير : " إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم " بتخفيف " إن " وكسرها لالتقاء الساكنين ، ونصب " عبادا " بالتنوين ، " أمثالكم " بالنصب .

والمعنى : ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم ، أي هي حجارة وخشب ; فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه .

قال النحاس : وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات : إحداها : [ ص: 307 ] أنها مخالفة للسواد .

والثانية : أن سيبويه يختار الرفع في خبر " إن " إذا كانت بمعنى ما ، فيقول : إن زيد منطلق ; لأن عمل " ما " ضعيف ، و " إن " بمعناها فهي أضعف منها .

والثالثة : أن الكسائي زعم أن " إن " لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب ; كما قال عز وجل : إن الكافرون إلا في غرور فليستجيبوا لكم الأصل أن تكون اللام مكسورة ، فحذفت الكسرة لثقلها .

ثم قيل : في الكلام حذف ، المعنى : فادعوهم إلى أن يتبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة .

وقرأ أبو جعفر وشيبة " أم لهم أيد يبطشون بها " بضم الطاء ، وهي لغة .

واليد والرجل والأذن مؤنثات يصغرن بالهاء .

وتزاد في اليد ياء في التصغير ، ترد إلى أصلها فيقال : يدية بالتشديد لاجتماع الياءين .قوله تعالى قل ادعوا شركاءكم أي الأصنامثم كيدون أنتم وهي فلا تنظرون أي فلا تؤخرون .

والأصل " كيدوني " حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها .

وكذا فلا تنظرون .

والكيد المكر .

والكيد الحرب ; يقال : غزا فلم يلق كيدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا لا يحتاج إلى التبيين فيه، فإنكم إذا نظرتم إليها وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع شيء،فليس لها أرجل تمشي بها، ولا أيد تبطش بها، ولا أعين تبصر بها، ولا آذان تسمع بها، فهي عادمة لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان.

فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها، وهي عباد أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء، فلأي شيء عبدتموها.

قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي، من غير إمهال ولا إنظار فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها ) قرأ أبو جعفر بضم الهاء هنا وفي القصص والدخان ، وقرأ الآخرون بكسر الطاء ، ( أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ) أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه الجوارح والآلات ، وليست للأصنام هذه الآلات ، فأنتم مفضلون عليها بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة ، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟

( قل ادعوا شركاءكم ) يا معشر المشركين ، ( ثم كيدون ) أنتم وهم ، ( فلا تنظرون ) أي : لا تمهلوني واعجلوا في كيدي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألهم أرجل يمشون بها أم» بل أ «لهم أيد» جمع يد «يبطشون بها أم» بل أ «لهم آذان يسمعون بها» استفهام إنكاري، أي ليس لهم شيء من ذلك مما هو لكم فكيف تعبدوهم وأنتم حالا منهم «قل» لهم يا محمد «ادعوا شركاءكم» إلى هلاكي «ثم كيدون فلا تُنظرون» تمهلون فإني لا أبالي بكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألهذه الآلهة والأصنام أرجل يسعَوْن بها معكم في حوائجكم؟

أم لهم أيدٍ يدفعون بها عنكم وينصرونكم على من يريد بكم شرًا ومكروهًا؟

أم لهم أعين ينظرون بها فيعرِّفونكم ما عاينوا وأبصروا مما يغيب عنكم فلا ترونه؟

أم لهم آذان يسمعون بها فيخبرونكم بما لم تسمعوه؟

فإذا كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات، فما وجه عبادتكم إياها، وهي خالية من هذه الأشياء التي بها يتوصل إلى جلب النفع أو دفع الضر؟

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا آلهتكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة، ثم اجتمعوا على إيقاع السوء والمكروه بي، فلا تؤخروني وعجِّلوا بذلك، فإني لا أبالي بآلهتكم؛ لاعتمادي على حفظ الله وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تابع القرآن تقريعه لهذه الأصنام وعابديها فقال : ( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ) .الاستفهام للإنكار ، والمعنى : أن هذه الأصنام التى تعمون أنها تقربكم إلى الله زلفى هى أقل منكم مستوى لفقدها الحواس التى هى مناط الكسب إنها ليس لها أرجل تسعى بها إلى دفع ضر أو جلب نفع؛ وليس لها أيد : تبطش بها أى تأخذ بها ما تريد أخذه ، وليس لها أعين تبصر بها شئونكم وأحوالكم وليس لها آذان تسمع بها أقوالكم ، وتعرف بواسطتها مطالبكم ، فأنتم أيها الناس تفضلون هذه الأصنام بما منحكم الله - تعالى - من حواس السمع والبصر وغيرها فكيف يعبد الفاضل المفضول ، وكيف ينقاد الأقوى للاضعف؟ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يناصبهم الحجة وأن يكرر عليهم التوبيخ فقال : ( قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ) أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين هبطوا بعقولهم إلى أحد المستويات نادوا شركاءكم الذين زعمتموهم أولياء ثم تعاونوا أنتم وهم على كيدى وإلحاق الضر بى من غير انتظار أو إمهال ، فإنى أنا معتز بالله ، ولمتجىء إلى حماه ومن كان كذلك فلن يخشى شيئا من المخلوقين جميعا .وهذا نهاية التحدى من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم والحط من شأنهم وشأن آلهتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام.

وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة، وعن قوة الحياة، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة.

هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهاً لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى.

فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية وذلك باطل، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى.

والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن المقصود من هذه الآية: بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، لأن الإنسان له رجل ماشية، ويد باطشة، وعين باصرة، وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية، ويده غير باطشة، وعينه غير مبصرة، وأذنه غير سامعة، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال.

الوجه الثاني: في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام: تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ  ﴾ يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية، وأيد باطشة، وأعين باصرة، وآذان سامعة، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الإنفاع والإضرار، فامتنع كونها آلهة.

أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وإن كان متعالياً عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ قال الحسن: إنهم كانوا يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم، فقال تعالى: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه من الوجوه، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في ﴿ كيدوني ﴾ والباقون حذفوها ومثله في قوله: ﴿ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ قال الواحدي، والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي، وقد حذفوا هذه الياآت إذا كانت في القوافي كقوله: يلمس الإحلاس في منزله *** بيديه كاليهودي الممل والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الإثبات، ومعنى قوله: ﴿ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ أي لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركائكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ استهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضل بينكم.

ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالهم فقال: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ وقيل: عباد أمثالكم مملوكون أمثالكم.

وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم ﴾ بتخفيف إن ونصب عباداً أمثالكم، والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، على إعمال (إن) النافية عمل (ما) الحجازية ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ﴾ واستعينوا بهم في عداوتي ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ جميعاً أنتم وشركاؤكم ﴿ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ فإني لا أبالي بكم، ولا يقول هذا إلا واثق بعصمة الله، وكانوا قد خوّفوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك، كما قال قوم هود له: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء ﴾ [هود: 54] قال لهم: ﴿ إِنّى بَرِيء مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ [هود: 55] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً.

﴿ عِبادٌ أمْثالُكُمْ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّها مَمْلُوكَةٌ مُسَخَّرَةٌ.

﴿ فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهم آلِهَةٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا نَحَتُوها بِصُوَرِ الأناسِيِّ قالَ لَهم: إنْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ أمْثالَكم فَلا يَسْتَحِقُّونَ عِبادَتَكم كَما لا يَسْتَحِقُّ بَعْضُكم عِبادَةَ بَعْضٍ، ثُمَّ عادَ عَلَيْهِ بِالنَّقْضِ فَقالَ: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ وقُرِئَ « إنِ الَّذِينَ» بِتَخْفِيفِ « إنْ» ونَصْبِ « عِبادَ» عَلى أنَّها نافِيَةٌ عَمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ ولَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهُ، و « يُبْطِشُونَ» بِالضَّمِّ ها هُنا وفي « القَصَصِ» و « الدُّخانِ» .

﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ واسْتَعِينُوا بِهِمْ في عَداوَتِي.

﴿ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ فَبالِغُوا فِيما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مَن مَكْرٍ، وهي أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم.

﴿ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ فَلا تُمْهِلُونَ فَإنِّي لا أُبالِي بِكم لِوُثُوقِي عَلى وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى وحِفْظِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالهم فقال {ألهم أرجل يمشون بها} مشيكم

الأعراف ١٨٥ ١٩٠ {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} يتناولون

بها {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذان يسمعون بها} أى فلم تعبدون ماهو دونكم {قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ} واستعينوا بهم في عداوتى {ثم كيدون} جميعا انتم وشركاؤكم بالياء يعقوب وافقه أبو عمرو في الوصل {فَلاَ تُنظِرُونِ} فإني لا أبالي بكم وكانوا قد خوفوه ى لهتم فأمر أن يخاطبهم بذلك وبالياء يعقوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ﴾ إلَخْ تَبْكِيتٌ أثَرَ مُؤَكِّدٍ لِما يُفِيدُهُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِبَيانِ فِقْدانِ آلاتِها بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في المُماثَلَةِ كَرٌّ عَلى المِثْلِيَّةِ بِالنَّقْضِ لِأنَّهم أدْوَنُ مِنهُمْ، وعِبادَةُ الشَّخْصِ مَن هو مِثْلُهُ لا تَلِيقُ فَكَيْفَ مَن هو دُونَهُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فِيها عَوْدٌ عَلى الفَرْضِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ المِثْلِيَّةُ بِالإبْطالِ، وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ وإرادَةِ النَّفْيِ تَقْرِيرٌ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ بِإثْباتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ، ووُجِّهَ الإنْكارُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآلاتِ الأرْبَعِ عَلى حِدَةٍ تَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ وتَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وإشْعارًا بِأنَّ انْتِقاءَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِحِيالِها كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ الِاسْتِجابَةِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذِهِ لا يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ وإنَّما يَسْتَحِقُّها مَن كانَتْ لَهُ لِيَلْزَمَ إمّا نَفْيُ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى لَها أوْ إثْباتُ ذَلِكَ لَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُجَسِّمَةِ واسْتَبْدَلَ بِالآيَةِ عَلَيْهِ بَلْ مُجَرَّدُ إثْباتِ العَجْزِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ نَفْيُ الِاسْتِحْقاقِ.

ووَصْفُهُ الأرْجُلَ بِالمَشْيِ بِها لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ هو الوَصْفُ وإنَّما وُجِّهَ إلى الأرْجُلِ لا إلى الوَصْفِ بِأنْ يُقالَ: أيَمْشُونَ بِأرْجُلِهِمْ لِتَحْقِيقِ أنَّها حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنها ما يَظْهَرُ مِن سائِرِ الأرْجُلِ فَهي لَيْسَتْ بِأرْجُلٍ في الحَقِيقَةِ، وكَذا الكَلامُ فِيما بَعْدُ مِنَ الجَوارِحِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وكَلِمَةُ (أمْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ﴾ مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِنَ الهَمْزَةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّبْكِيتِ، وبَلْ لِلْإضْرابِ المُفِيدِ لِلِانْتِقالِ مِن فَنٍّ مِنهُ بَعْدَ تَمامِهِ إلى آخَرَ مِنهُ مِمّا تَقَدَّمَ، والبَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (يَبْطُشُونَ) بِضَمِّ الطّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم أيْدٍ يَأْخُذُونَ بِها ما يُرِيدُونَ أوْ يَدْفَعُونَ بِها عَنْكُمْ، وتَأْخِيرُ هَذا عَمّا قَبْلَهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِما أنَّ المَشْيَ حالُهم في أنْفُسِهِمْ والبَطْشَ حالُهم بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ، وأمّا تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ مَعَ أنَّ الكُلَّ سَواءٌ في أنَّها مِن أحْوالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ فَلِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، ولِأنَّ انْتِفاءَ المَشْيِ والبَطْشِ أظْهَرُ والتَّبْكِيتَ بِهِ أقْوى، وأمّا تَقْدِيمُ الأعْيُنِ عَلى الآذانِ فَلِأنَّها أشْهَرُ مِنها وأظْهَرُ عَيْنًا وأثَرًا، وكَوْنُ الإبْصارِ بِالعَيْنِ والسَّماعِ بِالأُذُنِ جارٍ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِ الأشْياءِ قُوَّةً بِها تُؤَثِّرُ إذا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَها خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها.

وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَرِيبٌ إلى الكُفْرِ ولَيْسَ كَما زُعِمَ بَلْ هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ.

﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُناصِبَهُمُ المَحاجَّةَ ويُكَرِّرَ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيتَ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ شُرَكاءَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، أيِ ادْعُوا شُرَكاءَكم واسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَيَّ ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ جَمِيعًا أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم وبالِغُوا في تَرْتِيبِ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ.

﴿ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ فَلا تُمْهِلُونِي ساعَةً بَعْدَ تَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الكَيْدِ فَإنِّي لا أُبالِي بِكم أصْلًا، وياءُ المُتَكَلِّمِ في الفِعْلَيْنِ مِمّا لَمْ يُثْبِتُوها خَطًّا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وبِإثْباتِ ياءِ كِيدُونِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وهِشامٌ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والباقُونَ بِحَذْفِها فِيهِما.

وفي هُودٍ: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ﴾ بِإثْباتِ الياءِ مُطْلَقًا عِنْدَ الجَمِيعِ، وأمّا ياءُ ﴿ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ فَقَدْ قالَ الأجْهُورِيُّ: إنَّهم حَذَفُوها لا غَيْرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني: من نفس آدم وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يعني: خلق من نفس آدم من ضلع من أضلاعه اليسرى زوجته حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها يعني: ليطمئن إليها ويجامعها فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: سكن إليها وجامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً يعني: خفيف الماء فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت بالحمل.

يقول: قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ يعني: ثقل الولد في بطنها دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وذلك أن إبليس أتاها فقال: يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟

قالت: ما أدري.

قال: أخاف إنها بهيمة، وإني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنساناً صالحاً أتسميه باسمي؟

قالت: نعم.

وما اسمك قال: عبد الحارث فكذب.

فدعت حواء وآدم فذلك قوله: دعوا الله ربهما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً يعني: أعطيتنا ولداً سوياً صحيح الجوارح لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس.

وروى معمر عن قتادة أنه قال: كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال: إن سرك أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل.

فأشركا في الاسم.

ولم يشركا في العبادة.

وروي عن السدي أنه قال: اسم إبليس هو الحارث يوم لعن فأراد أن ينسب إليه، فأمرها فسمته عبد الحارث، فعاش بعد ذلك أياماً ثم مات.

فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما يعني: أعطاهما صالِحاً خلقاً آدمياً سوياً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر جَعَلاَ له شركا بكسر الشين وجزم الراء وقرأ الباقون شُرَكاءَ بالضم ونصب الراء.

فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية، وهو اسم يقوم مقام المصدر ومن قرأ بالضم فمعناه: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: الشريك في الاسم وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني: الشيطان فإن قيل: من قرأ بالكسر كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركاً، لأنهما لا ينكران أن الأصل لله تعالى.

وإنَّما جعلا لغيره شركاً أي نصيباً.

قيل له: معناه جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني: ذا شرك.

فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 12] أي أهل القرية فضرب الله تعالى بهذا مثلاً للكفار يعني: كما أن آدم وحواء أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته.

ثم نزه نفسه عن الشرك فقال تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي هو أعلى وأجلّ من أن يوصف بالشرك.

ثم رجع إلى قصة الكفار فقال الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً يعني: أيشركون الآلهة مع الله تعالى وهم كفار مكة ما لا يخلق شيئاً وهي الآلهة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يعني: لا يستطيعون أن يمتنعوا مما نزل بهم من العذاب وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى قال الكلبي يعني: الآلهة.

وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر لاَ يَتَّبِعُوكُمْ يعني: لا يتّبعهم آلهتهم سَواءٌ عَلَيْكُمْ يا أهل مكة أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ لا تعقل شيئاً لأنه ليس فيها روح.

وقال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَتَّبِعُوكُمْ لا يتبعونكم يعني: النبيّ  سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون فلا يؤمنون قرأ نافع لاَ يَتَّبِعُوكُمْ بجزم التاء وقرأ الباقون بالنصب والتشديد لاَ يَتَّبِعُوكُمْ وهما لغتان تبعه وأتْبعه معناهما واحد.

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام عِبادٌ أَمْثالُكُمْ يعني: مخلوقين مملوكين أشباهكم وليسوا بآلهة فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنها آلهة.

ثم قال عز وجل: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها يعني: في حوائجكم أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها يعني: يعطون بها ويمنعون عنكم الضر أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها يعني: عبادتكم أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها يعني: دعاءكم وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها.

ولكن لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى بيّن ضعف معبودهم وعجزهم، وبيّن أنهم اشتغلوا بشيء لا فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك.

ثم قال: قُلِ يا محمد يعني: لكفار مكة ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعني: آلهتكم ثُمَّ كِيدُونِ يعني: اعملوا بي ما شئتم فَلا تُنْظِرُونِ يعني: لا تمهلون ولا تؤجلون لأنهم خوفوه بآلهتهم قرأ أبو عمرو ثُمَّ كيدوني بالياء في حال الوصل وقرأ الباقون بغير الياء.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته في أمر الكفّار المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال: إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار على قراءة مَنْ قرأ: «أَيُشْرِكُونَ» - بالياء من تَحت-، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ: هذا حالُ الأصنام معكم إن دعوتموهم، لم يجيبوكم.

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ...

الآية مخاطبةٌ للكفَّار في تحقير شأْن أصنامهم، وقوله: فَادْعُوهُمْ أي: فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا.

وقوله سبحانه: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ...

الآية.

الغرض من هذه الآية أَلَهُمْ حواس الحَيِّ وأوصافه، فإِذا قالوا: «لا» ، حكموا بأنها جماداتٌ من غير شكٍّ، لا خَيْرَ عندها.

قال الزّهْراوِيُّ: المعنى: أنتم أفضلُ منهم بهذه الجوارح النافعة فكيف تعبدونهم، ثُمَّ أمرَ سبحانَه نبيَّه عليه السلام أنْ يعجزهم بقوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، أي:

استنجدوهم واستنفروهم إِلى إِضْرَارِي وكَيْدي، ولا تؤخِّروني، المَعْنَى: فإِن كانوا آلهةً، فسيظهر فعلكم، وَلَمَّا أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضَرَره، وأراهم أنَّ اللَّه سبحانه هو القَادِرُ عَلَى كُلِّ شيء لاَ تلك، عقَّب ذلك بالإِستناد إِلى اللَّه سبحانه، والتوكُّلِ عليه، والإِعلام بأنه وليُّه وناصره، فقال: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.

وقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ إِنما تكرَّر القولُ في هذا، وترَّددت الآياتُ فيه لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكِّناً من نفوس العرب في ذلك الزَمانِ، ومستولياً علَى عقولها، فأوعب القولَ في ذلك لُطْفاً منه سبحانه بهم.

وقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا ...

الآية: قالت فرقة: هذا خطاب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُوكم ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّ لَكِنَّ عِنْدَهم نَفْعًا وثَوابًا.

﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ﴾ في المَصالِحِ ﴿ أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ﴾ في دَفْعٍ ما يُؤْذِي.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَبْطِشُونَ" بِضَمِّ الطّاءِ هاهُنا وفي [القَصَصِ:١٩] و[الدُّخانِ:١٦] .

﴿ أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ﴾ المَنافِعُ مِنَ المَضارِّ ﴿ أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ تَضَرُّعَكم ودُعاءَكُمْ؟

وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى تَفْضِيلِ العابِدِينَ عَلى المَعْبُودِينَ، وتَوْبِيخٌ لَهم حَيْثُ عَبَدُوا مَن هم أفْضَلُ مِنهُ.

﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُخَوِّفُونَهُ بِآَلِهَتِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ ، ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ أنْتُمْ وهم ﴿ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ أيْ: لا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَقْرَؤُونَ " ثُمَّ كيدون " بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ في رِوايَةِ ابْنُ حَمّادٍ بِالياءِ في الوَصْلِ.

ورَوى ورْشٌ، وقالُونُ، والمُسَيِّبِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ، ولا وقْفٍ.

فَأمّا "تَنْظُرُونَ" فَأثْبَتَ فِيها الياءَ يَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ ﴾ أيْ: ناصِرِيَّ ﴿ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ ﴾ وهو القُرْآَنُ، أيْ: كَما أيَّدَنِي بِإنْزالِ الكِتابِ يَنْصُرُنِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنَّ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ ﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصالِحِينَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ" بِتَثْقِيلِ "إنَّ" ورَفْعِ "عِبادٌ"، وهي مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ في تَحْقِيرِ شَأْنِ أصْنامِهِمْ عِنْدَهُمْ، أيْ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ إذْ هي أجْسامٌ وأجْرامٌ فَهي مُتَعَبَّدَةٌ أيْ مُتَمَلَّكَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ كانَتْ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَأعْلَمَهُمُ اللهُ أنَّهم عِبادٌ أمْثالُهم لا آلِهَةٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادًا أمْثالَكُمْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ مِن "إنَّ" عَلى أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "ما" وبِنَصْبِ قَوْلِهِ: "عِبادًا" و"أمْثالَكُمْ"، والمَعْنى بِهَذِهِ القِراءَةِ تَحْقِيرُ شَأْنِ الأصْنامِ ونَفْيِ مُماثَلَتِهِمْ لِلْبَشَرِ، بَلْ هم أقَلُّ وأحْقَرُ إذْ هم جَماداتٌ لا تَفْهَمُ ولا تَعْقِلُ، وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّ "إنْ" إذا كانَتْ بِمَعْنى "ما" فَإنَّها تَضْعُفُ عن رُتْبَةِ "ما" فَيَبْقى الخَبَرُ مَرْفُوعًا وتَكُونُ هي داخِلَةً عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ لا يَنْصِبُهُ، فَكانَ الوَجْهُ عِنْدَهُ في هَذِهِ القِراءَةِ: إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبادٌ أمْثالُكم.

وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدِ يُجِيزُ أنْ تَعْمَلَ عَمَلَ "ما" في نَصْبِ الخَبَرِ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ "إنْ" بِمَعْنى "ما" لا تَجِيءُ إلّا وبَعْدَها "إلّا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ  ﴾ .

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فادْعُوهُمْ ﴾ أيْ: فاخْتَبِرُوا فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا فَهم كَما وصَفْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ ﴾ الآيَةُ، الغَرَضُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ألَهم حَواسُّ الحَيِّ وأوصافُهُ؟

فَإذا قالُوا: "لا"، حَكَمُوا بِأنَّها جَماداتٌ، فَجاءَتْ هَذِهِ التَفْصِيلاتُ لِذَلِكَ المُجْمَلِ الَّذِي أُرِيدَ التَقْرِيرُ عَلَيْهِ، فَإذا وقَعَ الإقْرارُ بِتَفْصِيلاتِ القَضِيَّةِ لَزِمَ الإقْرارُ بِعُمُومِها وكانَ بَيانُها أقْوى ولَمْ تَبْقَ بِها اسْتِرابَةٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: أنْتُمْ أفْضَلُ مِنهم بِهَذِهِ الجَوارِحِ النافِعَةِ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُمْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَقَوّى بِهَذا التَأْوِيلِ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إذْ تَقْتَضِي أنَّ الأوثانَ لَيْسَتْ عِبادًا كالبَشَرِ.

وقَوْلُهُ في الآيَةِ "أمْ" إضْرابٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ عَنِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَها، ولَيْسَتْ "أمِ" المُعادِلَةَ لِلْألِفِ في قَوْلِكَ: "أعِنْدَكَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو ؟" لِأنَّ المُعادِلَةَ إنَّما هي في السُؤالِ عن شَيْئَيْنِ أحَدُهُما حاصِلٌ، فَإذا وقَعَ التَقْدِيرُ عَلى شَيْئَيْنِ كِلاهُما مَنفِيٌّ فَـ "أمْ" إضْرابٌ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فَرْقٌ مَعْنَوِيٌّ، وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ والصِناعَةِ النَحْوِيَّةِ فَهي هي.

وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "يَبْطِشُونَ" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "يَبْطُشُونَ" بِضَمِّها.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُعْجِزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أيِ اسْتَنْجِدُوهم واسْتَنْفِدُوهم إلى إضْرارِي وكَيْدِي ولا تُؤَخِّرُونِي، والمَعْنى: فَإنْ كانُوا آلِهَةً فَسَيَظْهَرُ فِعْلُهُمْ، وسَمّاهم شُرَكاءَهم مِن حَيْثُ لَهم نِسْبَةٌ إلَيْهِمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهم آلِهَةً وشُرَكاءَ لِلَّهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ: "فَكِيدُونِي" بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كِيدُونِ" بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا أشْبَهَ الكَلامَ المُنْفَصِلَ أو كانَ مُنْفَصِلًا أشْبَهَ القافِيَةَ، وهم يَحْذِفُونَ الياءَ في القافِيَةِ كَثِيرًا، وقَدِ التَزَمُوا ذَلِكَ، كَما قالَ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مِن حَذِرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ وقَدْ حَذَفُوا الياءَ الَّتِي هي لامُ الأمْرِ كَما قالَ الأعْشى: يَلْمَسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُصَلْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُنْظِرُونِ ﴾ أيْ لا تُؤَخِّرُونِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ  ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللهُ ﴾ الآيَةُ، لَمّا أحالَهم عَلى الِاسْتِنْجادِ بِآلِهَتِهِمْ في ضُرِّهِ وأراهم أنَّ اللهَ هو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا تِلْكَ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنادِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والقَرَأةُ: "إنَّ ولِيِّيَ اللهُ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ وأُخْرى مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ: "إنَّ ولِيَّ اللهُ" بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ ورَفْعِ "اللهُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا تَخْلُو هَذِهِ القِراءَةُ مِن أنْ تُدْغَمَ الياءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ياءِ الإضافَةِ، أو تُحْذَفَ الياءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ وتُدْغَمَ ياءُ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُدْغَمَ الياءُ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ في ياءِ الإضافَةِ لِأنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ انْفَكَّ الإدْغامُ الأوَّلُ، فَلَيْسَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ لامَ الفِعْلِ وأدْغَمَ ياءَ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وهو يَتَوَلّى الصالِحِينَ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ -فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي -: "إنَّ ولِيَّ اللهِ" عَلى الإضافَةِ، وفَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ  ، ذَكَرَ القِراءَةَ غَيْرَ مَنسُوبَةٍ أبُو حاتِمٍ وضَعَّفَها، وإنْ كانَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تُلائِمُ هَذا المَعْنى وتَصْلُحُ لَهُ، فَإنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها يَدْفَعُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .

تأكيد لما تضمنته الجملة قبلها من أمر التعجيز وثبوت العجز، لأنه إذا انتفت عن الأصنام أسباب الاستجابة تحقق عجزها عن الإجابة، وتأكد معنى أمر التعجيز المكنى به عن عجز الأصنام وعجز عبدتها، والاستفهام إنكاري وتقديم المسند على المسند إليه للاهتمام بانتفاء الملك الذي دلت عليه اللام كالتقديم في قول حسان: له همم لا منتهى لكبارها *** ووصف الأرجل ب ﴿ يمشون ﴾ والأيدي ب ﴿ يبطشون ﴾ والأعين ب ﴿ يبصرون ﴾ والآذان ب ﴿ يسمعون ﴾ إما لزيادة تسجيل العجز عليهم فيما يحتاج إليه الناصر، وإما لأن بعض تلك الأصنام كانت مجعولة على صور الآدميين مثل هبل، وذي الكفين، وكعيب في صور الرجال، ومثل سواع كان على صورة امرأة، فإذا كان لأمثال أولئك صور أرجل وأيد وأعين وآذان، فإنها عديمة العمل الذي تختص به الجوارح، فلا يطمع طامع في نصرها، وخص الأرجل والأيدي والأعين والآذان، لأنها آلات العلم والسعي والدفع للنصر، ولهذا لم يذكر الألسن لما علمت من أن الاستجابة مراد بها النجدة والنصرة، ولم يكونوا يسألون عن سبب الاستنجاد، ولكنهم يسرعون إلى الإلتحاق بالمستنجد.

والمشي انتقال الرجلين من موضع انتقالاً متوالياً.

والبطش الأخذ باليد بقوة، والإضرار باليد بقوة، وقد جاء مضارعه بالكسر والضم على الغالب.

وقراءة الجمهور بالكسر، وقرأ أبو جعفر: بضم الطاء، وهما لغتان.

و ﴿ أم ﴾ حرف بمعنى (أو) يختص بعطف الاستفهام، وهي تكون مثل (أو) لأحد الشيئين أو الأشياء، وللتمييز بين الأشياء، أو الإباحة أي الجمع بينها، فإذا وقعت بعد همزة الاستفهام المطلوب بها التعيين كانت مثل (أو) التي للتخيير، كقوله تعالى ﴿ قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون ﴾ [يونس: 59] أي عينوا أحدهما، وإن وقعت بعد استفهام غير حقيقي كانت بمعنى (أو) التي للإباحة، وتسمى، حينئذ منقطعة ولذلك يقولون إنها بمعنى (بل) الانتقالية وعلى كل حال فهي ملازمة لمعنى الاستفهام فكلما وقعت في الكلام قُدر بعدها استفهام، فالتقدير هنا، بل ألهم أيد يبطشون بها، بل ألهم أعين يبصرون بها، بل ألهم آذان يسمعون بها.

وترتيب هذه الجوارح الأربع على حسب ما في الآية ملحوظ فيه أهميتها بحسب الغرض، الذي هو النصر والنجدة، فإن الرجلين تسرعان إلى الصريخ قبل التأمل، واليدين تعملان عمل النصر وهو الطعن والضرب، وأما الأعين والآذان فإنهما وسيلتان لذلك كله فأخرا، وإنما قدم ذكر الأعين هنا على خلاف معتاد القرءان في تقديم السمع على البصر كما سبق في أول سورة البقرة لأن الترتيب هنا كان بطريق الترقي.

إذن من الله لرسوله بأن يتحداهم بأنهم إن استطاعوا استصرخوا أصنامهم لتتألب على الكيد للرسول عليه السلام، والمعنى ادعوا شركاءكم لينصروكم علي فتستريحوا مني.

والكيد الإضرار الواقع في صورة عدم الإضرار، كما تقدم عند قوله تعالى آنفاً ﴿ وأملي لهم إن كيدي متين ﴾ [الأعراف: 183].

والأمر والنهي في قوله: ﴿ كيدون فلا تنظرون ﴾ للتعجيز.

وقوله: ﴿ فلا تنظرون ﴾ تفريع على الأمر بالكيد، أي فإذا تمكنتم من اضراري فأعجلوا ولا تؤجلوني.

وفي هذا التحدي تعريض بأنه سيبلغهم وينتصر عليهم ويستأصل آلهتهم وقد تحداهم بأتم أحوال النصر وهي الاستنصار بأقدر الموجودات في اعتقادهم، وأن يكون الاضرار به خفياً، وأن لا يتلوم له ولا ينتظر، فإذا لم يتمكنوا من ذلك كان انتفاؤه أدل على عجزهم وعجز آلهتهم.

وحذفت ياء المتكلم من ﴿ كيدون ﴾ في حالتي الوقف والوصل، في قراءة الجمهور غير أبي عمرو، وأما ﴿ تنظرون ﴾ فقرأه الجميع: بحذف الياء إلا يعقوب أثبتها وصلاً ووقفاً، وحذف ياء المتكلم بعد نون الوقاية جِدُّ فصيححٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، يَعْنِي: أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها في مَصالِحِكم.

﴿ أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ﴾ يَعْنِي في الدَّفْعِ عَنْكم.

﴿ أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ﴾ يَعْنِي مُضارَّكم مِن مَنافِعِكم.

﴿ أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ دُعاءَكم وتَضَرُّعَكم.

فَإنْ قِيلَ فَلَمْ أُنْكِرْ عِبادَةَ مَن لا رِجْلَ لَهُ ولا يَدَ ولا عَيْنَ؟

قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن عَبَدَ جِسْمًا لا يَنْفَعُ كانَ ألْوَمَ مِمَّنْ عَبَدَ جِسْمًا يَنْفَعُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهم مُفَضَّلُونَ عَلَيْها، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ مَن هم أفْضَلُ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: يجاء بالشمس والقمر حتى يلقيان بين يدي الله، ويجاء بمن كان يعبدهما فيقال: ﴿ ادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: مثل بني آدم ممن جعلت فيه الروح.

﴿ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ﴾ مثل ما يبطش بنو آدم) (١) (٢) ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ  ﴾ .

قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنما أنكر عليهم عبادة من لا رجل له يمشي بها ، ولا يد (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ﴾ .

قال ابن عباس (٨) (٩) ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ أنتم وشركاؤكم)، وهذا يتصل بما قبله اتصال استكمال الحجة عليهم؛ لأنهم لما فزعوا بعبادة من لا يملك ضرًا ولا نفعًا، قيل لمحمد: قل لهم معبودي يملك الضر والنفع فلو اجتهدتم في كيدي لم تصلوا إلى ضري لدفعه عني.

قال الحسن (١٠) ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ )، واختلفوا في إثبات الياء (١١) ﴿ كِيدُونِ ﴾ وحذفها، فقرءوا بالوجهين، ومثله: ﴿ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴾ ، والقول في ذلك أن الفواصل وما أشبه الفواصل من الكلام التام تجري مجرى القوافي لاجتماعهما في أن الفاصلة آخر الآية، كما أن القافية آخر البيت، وقد ألزموا (١٢) فهل يمنعني ارتيادي البلاد ...

من قدر الموت أن يأتِيَنْ (١٣) وكذلك الياء التي هي لام كقوله: يلمس الأحلاس في منزله ...

بيديه كاليهودي المصل (١٤) ومن أثبت فلأن الأصل الإثبات (١٥) ﴿ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴾ .

أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم، وهذه الآية تدل على صحة ما قال صاحب النظم في الآية الأولى، ألا ترى أنه بيّن فضل الآدمي على الأصنام في هذه الآية لما بقي (١٦) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 286 بلا نسبة.

(٢) انظر: "العين" 6/ 240، و"الجمهرة" 1/ 342، و"تهذيب اللغة" 1/ 349، و"الصحاح" 3/ 996، و"مقاييس اللغة" 1/ 262، و"المفردات" ص 129، و"اللسان" 6/ 301 (بطش).

(٣) لفظ: (ولا يد) ساقط من (ب).

(٤) في (ب): (فهو اليوم)، وفي (أ): (اللوم).

(٥) في (ب): (عليه).

(٦) لفظ: (الأصنام) ساقط من (ب).

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 151، والسمرقندي 1/ 589، والماوردي 2/ 287، والبغوي 3/ 315، وابن عطية 6/ 180، والرازي 15/ 92 - 93، وقال ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 306: (في الآية تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين وتوبيخ لهم حيث عبدوا من هم أفضل منه) اهـ.

(٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 6 بلا نسبة.

(٩) في (أ): (تدعون).

(١٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 286، وابن الجوزي 3/ 306، والرازي 15/ 93، والخازن 2/ 327.

(١١) قرأ أبو عمرو (ثُمَّ كِيدُونِي) بإثبات الياء وصلًا وحذفها وقفًا وهي رواية عن ابن عامر ونافع، وقرأ ابن عامر في رواية بإثبات الياء في الوصل والوقف، وحذفيها الباقون في الحالين، وقرأ يعقوب وحده: (فَلَا تُنظِرُونِي) بإثبات الياء في الوصل والوقف، وحذفها الباقون في الحالين، انظر: "السبعة" ص 299، و"المبسوط" ص 188، و"التذكرة" 2/ 432، و"التيسير" ص 115، و"النشر" 2/ 275.

(١٢) في (ب): (وقد لزموا)، وهو تحريف.

(١٣) الشاهد للأعشى الكبير في "ديوانه" ص 359، و"الكتاب" 3/ 513 و4/ 187، و"الحجة" لأبي علي 3/ 219، و"المحتسب" 1/ 349، و"تفسير ابن عطية" 6/ 182، و"الدر المصون" 3/ 92، والشاهد حذف الياء من الفعل (يأتيني).

(١٤) الشاهد للبيد في "ديوانه" ص 142، والرازي 15/ 93، و"اللسان" 7/ 4072 - 4073 (لمس)، وهو في "تفسير ابن عطية" 6/ 182 للأعشى ولعله تحريف أو وهم، ويلمس: يطلب، والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء رقيق يوضع على ظهر البعير، والمصل المصلي يعني أنه لا يعقل من غلبه النعاس فهو يطلب الأحلاس مائلًا جانبه كأنه يهودي يصلي على شق وجهه، والشاهد حذف الياء من الاسم، وهو المصلي.

(١٥) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 115، وانظر.

"إعراب القراءات" 1/ 219، و"الحجة" لابن خالويه ص 169.

(١٦) كذا في "الأصول": يريد أنه ما بقي في الآية السابقة دليل على أن الأنام أمثالهم بل هم أفضل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ يعني: أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن تهدى أو إلى أن تهدي، لأنها جمادات ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامتون ﴾ تأكيد وبيان لما قبلها، فإن قيل: لم قال: أم أنتم صامتون فوضع الجملة الاسمية موضع الجملة الفعلية وهلا قال أو صمتم؟

فالجواب إن صمتم عن دعاء الإصنام كانت حالة مستمرة، فعبر هنا بجملة إسمية لتقتضي الاستمرار على ذلك ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ رد على المشركين بأن آلهتهم عباد؛ فكيف يعبد العبد مع ربه ﴿ فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ ﴾ أمر على جهة التعجيز ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ [الشورى: 21] وما بعده: معناه أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة والقدرة، ومن كان كذلك: لا يكون إلهاً، فإن من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة؛ وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام، لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع،.

فلزمته الحجة، والهمزة في قوله: ﴿ ألهم ﴾ للاستفهام مع التوبيخ، وأم في المواضع الثلاثة تضمنت معنى الهمزة، ومعنى بل وليست عاطفة ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ المعنى: استنجدوا أصنامكم لمضرتي والكيد عليّ، ولا تؤخروني، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي، ومقصد الآية الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة، وفيها إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء ثم أفصح بذلك في قوله: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ الله ﴾ الآية: أي هو حافظي وناصري منكم فلا تضرونني، ولو حرصتم أنتم وآلهتكم على مضرتي، ثم وصف الله بأنه الذي نزل الكتاب، وبأنه الله تولى حفظه، ومن تولى حفظه فهو من الصالحين، والصالح لابد أن يكون صادقاً في قوله ولاسيما فيما يقوله عن الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.

الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.

الباقون: بالتشديد.

﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.

الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.

﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.

الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.

الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .

بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".

واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.

وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.

كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه  كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله  كان مخالفاً لفعلهم.

وعن الحسن وقتادة أن النبي  قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.

فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.

فأمرهم الله  بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه  كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.

ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.

والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.

والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.

فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.

وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.

ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.

ومن السائل؟

عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.

وعن قتادة.

إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.

قال في الكشاف.

الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها  ﴾ ﴿ أيان يوم الدين  ﴾ ولا يقال أيان نمت.

وكسر همزته لغة بني سليم.

وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.

وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.

وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.

ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.

والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.

أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.

وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.

عن النبي  "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي  أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .

ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.

والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.

وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.

وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.

وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.

وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.

وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.

ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله  .

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله  .

وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.

وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.

قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.

وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.

وقال بعضهم: "لما رجع  من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر  بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.

فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.

فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .

أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.

وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل  ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً  ﴾ والطوع نفع.

وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات  ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  ﴾ وقس على هذا.

ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.

قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه  قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.

ومنها أن آدم  كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟

ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه  يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.

والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.

وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.

وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.

أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله  وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.

والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.

ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي  الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم  كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.

فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.

أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟

وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.

وعلى هذا فإنما قال  ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.

فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله  أعلم.

ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.

واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.

والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.

ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.

ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟

وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.

وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.

ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.

وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟

وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله  لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.

ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله  بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء  ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.

وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.

ثم لما أمره  بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.

وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.

أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.

يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال  ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.

أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.

ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.

قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.

وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور  ﴾ .

التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله  فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.

﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.

﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ يعني: الأصنام، ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ : ليهتدوا، ﴿ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ أي: لا يجيبوكم ولا هم يهتدون.

والثاني: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ إلى ما لكم إليه من حاجة ﴿ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ : لا يقضون ولا يملكون ذلك.

ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين؛ يقول: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ \[أي\]: أهل مكة ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ أي: لا يجيبوكم.

وجائز أن يكون يخاطب به أهل مكة؛ يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدونها إلى الهدى لا يملكون إجابتكم؛ يسفههم في عبادتهم من حاله ما وصف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ ﴾ .

أمكن أن تكون الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً؛ كقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ يعني: المشركين ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ .

وأمكن أن يكون قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ في الأصنام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي: تعبدون من دون الله، وقد كانوا يعبدون من دون الله أصناماً وأوثاناً.

ويحتمل ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي: تسمونهم من دون الله آلهة.

وقوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الخلقة والدلالة على وحدانية الله في التدبير دونهم؛ لما قال: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، أي: ليس لهم ما [ذُكِر فهم] دونهم في التدبير والمعونة.

ويحتمل قوله: ﴿ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الملائكة الذين عبدوهم [هم] عباد أمثالكم، فلا تسموهم آلهة، أي: لا تعبدوا عباداً أمثالكم، ولكن اعبدوا من لا مثل له ولا نظير له.

وإن كان قوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الملائكة، فقوله: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ...

﴾ الآية، هو منه مقطوع منصرف إلى الأصنام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ذكر الدعاء والاستجابة، ولم يبين في ماذا يستجيبون، ولا يجب أن تفسر الاستجابة في الشفاعة، أو في التقريب إلى الله، أو في غيره؛ إلا أن يعلم أنهم كانوا يدعونهم بكذا، ويطلبون منهم كذا [وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنهم آلهة على ما تزعمون.

أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيما تزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى].

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .

يسفه عقولهم بعبادتهم الأصنام التي لا أرجل لهم يمشون بها يهربون ممن يقصدهم بالسوء، أو يقصدون بها قصد من أراد الضر بهم والسوء، وكذلك يعبدون ما لا أيدي لهم يبطشون بها ويدفعون عن أنفسهم من أراد السوء، أو يأخذون من يقصدهم، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ ﴾ يبصرون من يقصدهم بالسوء، ﴿ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ من يشتمهم ويذكرهم بالسوء، يسفههم في عبادتهم من لا يملك دفع من يقصده بالسوء، إما هرباً منه، وإما قصداً منه إليه بالسوء، فإذا كانوا لا يملكون ذلك كيف تعبدونهم؟!

وهو كقول إبراهيم -  -: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً  ﴾ ، فإذا كانوا لا يملكون دفع ما يحل بهم، فكيف يملكون جر النفع إليكم، أو دفع الضر عنكم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: خاطب به كفار مكة بقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ الذين تزعمون أنهم آلهة دون الله.

ويحتمل قوله: ﴿ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي: ادعوا من شاركوكم في عبادة من دونه ثم كيدون.

ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الكفار الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، قال ذلك لهم رسول الله  بين ظهرانيهم: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ فلم يقدر أحد الكيد به والضرر مع قوتهم وعدتهم بالكثرة والأعوان، وضعف رسول الله، وقلة أعوانه؛ دل عجزهم عن ذلك أنه كان آية في نفسه، وأنه بالله -  - ينتصر، وبه قوي على أعدائه، وذلك من عظيم آياته؛ لأنه قال ذلك لمن كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم فيما هم فيه، ثم لم يقدر أحد منهم الضرر به؛ دل أنه كان بالله حفظه، وكذلك سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - حيث قالوا بين ظهراني قومهم - من نحو هود ونوح وهؤلاء -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ وقال نوح: ﴿ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ...

 ﴾ الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية.

ذكر هذا على إثر قوله: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ ؛ كما ذكر هود: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ  ﴾ ، وكما قال نوح: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ  ﴾ ، فزعوا إلى الله - عز وجل - عند وعيد قومهم بالإهلاك، وعليه اعتمدوا، وبه وثقوا؛ فعلى ذلك رسول الله  قال: ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: هو وليي يحفظني، وهو يتولى حفظ الصالحين، أي: بتوليه صلحوا.

أو يتولى ويحفظ الصالحين مقابل قول من ذكرنا من الرسل لقومهم.

ثم قوله: ﴿ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ﴾ عز وجل.

يحتمل: حافظي وناصري.

أو وليّ تدبيري الله ﴿ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

أو ولي أمري.

أو أولى بي الله ﴿ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الذي عجزت الخلائق عن إتيان مثله ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ يذكر سفههم بعبادتهم من عجز عن دفع الضرر عن نفسه، فضلاً أن يدفع ذلك عنهم أو يجروا إلى أنفسهم منفعة، وأخبر عن جهلهم أنهم يعبدون من لا يملك دفع ضر ولا جر نفع.

وقوله: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يخاطب به المؤمنين بقوله: [وإن تدعو أهل مكة إلى الهدى] ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ أي: [لا] يجيبوا ﴿ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون به، أو لشدة تعنتهم لا يبصرون.

وجائز أن يكون يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدون إلى الهدى ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ أي: لا يجيبوا، ولا يملكون الإجابة.

ويحتمل: ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ حقيقة السمع، ﴿ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ : على التمثيل، أي: كأنهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألهؤلاء الأصنام الذين اتخذتموهم آلهة: أرجل يمشون بها فيسعون في حوائجكم؟

أم لهم أيد يدفعون بها عنكم بقوة؟

أم لهم أعين يبصرون بها ما كاب عنكم فيخبرونكم؟

أم لهم آذان يسمعون بها ما خفي عنكم فيوصلون علمه لكم؟

فإن كانت معطلة من ذلك كله فكيف تعبدونها رجاء جلب نفع أو دفع ضر؟!

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ادعوا من ساويتموهم بالله، ثم احتالوا لضري، ولا تمهلوني.

من فوائد الآيات في الآيات بيان جهل من يقصد النبي  ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر؛ لأن النفع إنما يحصل مِن قِبَلِ ما أرسل به من البشارة والنذارة.

جعل الله بمنَّته من نوع الرجل زوجه؛ ليألفها ولا يجفو قربها ويأنس بها؛ لتتحقق الحكمة الإلهية في التناسل.

لا يليق بالأفضل الأكمل الأشرف من المخلوقات وهو الإنسان أن يشتغل بعبادة الأخس والأرذل من الحجارة والخشب وغيرها من الآلهة الباطلة.

الواجب على العاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي يحقق له منافع الدين بإنزال الكتاب المشتمل على العلوم العظيمة في الدّين، ومنافع الدّنيا بتولّي الصالحين من عباده وحفظه لهم ونصرته إياهم، فلا تضرّهم عداوة من عاداهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.g73Om"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر