الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٩٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والذين تدعون من دونه ) إلى آخر الآية ، مؤكد لما تقدم ، إلا أنه بصيغة الخطاب ، وذلك بصيغة الغيبة ; ولهذا قال : ( لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ) وقال السدي : المراد بهذا المشركون وروي عن مجاهد نحوه .
والأول أولى ، وهو اختيار ابن جرير ، وقاله قتادة .
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين.
يقول له تعالى ذكره : (2) قل لهم, إن الله نصيري وظهيري, والذين تدعون أنتم أيها المشركون من دون الله من الآلهة, لا يستطيعون نصركم, ولا هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم, فأي هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة؟
أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده, أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أراده وبَغاه بمكروه؟
----------------- الهوامش : (2) في المطبوعة : (( بقوله تعالى )) ، وفي المخطوطة مثله غير منقوط ، والصواب : (( يقول له )) .
قوله تعالى والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون[ ص: 308 ] قوله تعالى والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر .
وهذا أيضا في بيان عدم استحقاق هذه الأصنام التي يعبدونها من دون اللّه لشيء من العبادة، لأنها ليس لها استطاعة ولا اقتدار في نصر أنفسهم، ولا في نصر عابديها، وليس لها قوة العقل والاستجابة.
" والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون " .
«والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون» فكيف أبالي بهم.
والذين تدعون -أنتم أيها المشركون- مِن غير الله من الآلهة لا يستطيعون نصركم، ولا يقدرون على نصرة أنفسهم.
ثم قال - تعالى - ( والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ولا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) أى : والذين تعبدونهم من دون الله أو تنادونهم لدفع الضر أو جلب النفع لا يستطيعون نصركم فى أى أمر من الأمور ، وفضلا عن ذلك فهم لا يستطيعون رفع الأذى عن أنفسهم إذا ما اعتدى عليهم معتد .
اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر بين بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى، لأنه هو الذي يتولى تحصيل منافع الدين ومنافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين، فبسبب إنزال الكتاب، وأما تحصيل منافع الدنيا، فهو المراد بقوله: ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: قرأ القراء وليي بثلاث ياآت، الأولى ياء فعيل وهي ساكنة، والثانية لام الفعل وهي كسورة، قد أدغمت الأولى فيها فصار ياء مشددة، والثالثة ياء الإضافة، وروي عن أبي عمرو: ولي الله بياء مشددة، ووجه ذلك أنه حذف الياء التي هي لام فعيل، كما حذف اللام من قولهم فاماليت به فاله، ثم أدغمت ياى فعيل في ياء الإضافة، فقيل ولي الله وهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث ياءات، والله أعلم.
المسألة الثانية: أن وليي الله أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم، فلا تضرهم عداوة من عاداهم، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم.
وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئاً، فقيل له فيه فقال: ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له ولياً فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى: ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته.
أما قوله: ﴿ والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات.
فإن قالوا: فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في تكريرها؟
فنقول: قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وبين من لا تجوز، كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية.
والقول الثاني: أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير الله، يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى: إنهم لا يقدرون على شيء.
بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ذلك البتة.
فإن قيل: لم يتقدم ذكر المشركين، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ما ذكر؟
قلنا: قد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام.
قلنا: المراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم: جبلان متناظران أي متقابلان، فإن حملناها على المشركين فالمعنى: أنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية، فصاروا كأنهم عمي، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية، لأنه تعالى أثبت النظر ونفي الرؤية، وذلك يدل على التغاير، وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل: معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون، أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك، والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ وَلِيّىَ الله ﴾ أي ناصري عليكم الله ﴿ الذى نَزَّلَ الكتاب ﴾ الذي أوحى إلي كتابه وأعزني برسالته ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين ﴾ ومن عادته أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه ولا يخذلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ ﴾ القُرْآنَ.
﴿ وَهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ ﴾ أيْ ومِن عادَتِهِ تَعالى أنْ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ فَضْلًا عَنْ أنْبِيائِهِ.
﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ.
﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ يُشْبِهُونَ النّاظِرِينَ إلَيْكَ لِأنَّهم صُوِّرُوا بِصُورَةِ مَن يَنْظُرُ إلى مَن يُواجِهُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} من دون الله {دونه لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}
﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَهم أوْ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلى حَسْبَما أمَرْتُكم بِهِ.
﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجُوِّزَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ ﴿ ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ إذا أُصِيبُوا بِحادِثَةٍ <div class="verse-tafsir"
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ يعني: حافظي وناصري الله الذي نزل الكتاب.
يعني: القرآن.
ويقال: إن الذي يمنعني منكم الله الذي أنزل جبريل بالكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ يعني: المؤمنين فيحفظهم ولا يكلهم إلى غيره.
ثم قال: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: تعبدون من دون الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ أي: لا يقدرون منعكم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أي يمنعون ممن أذاها، لأن الكفار كانوا يلطخون العسل في فم الأصنام، وكان الذباب يجتمع عليه فلا تقدر دفع الذباب عن نفسها.
ثم قال تعالى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا قال الكلبي: يعني إن دعا المشركون آلهتهم لا يسمعون أي يجيبونهم وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ يعني: الأصنام تراهم مفتحة أعينهم وهم لا يبصرون شيئاً.
قال مقاتل: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني: كفار مكة لاَ يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ الهدى.
قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال ابن عباس- ما- يعني: خذ ما أعطوك من الصدقة يعني: ما فضل من الأكل والعيال، ثم نسخ بآية الزكاة وهذا كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219] يعني: الفضل وأمر بالمعروف يعني: ادعهم إلى التوحيد وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي من جهل عليك مثل أبي جهل وأصحابه، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال.
ويقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني: اعف عمن ظلمك واعط من حرمك وصل من قطعك.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا عن الشعبي الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا الديبلي.
قال: حدّثنا أبو عبيد الله وحدثنا سفيان عن أبي هريرة عن رسول الله قال: لما نزلت هذه الآية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ سأل عنها جبريل.
فقال جبريل: حتى أسأل العالم، فذهب ثم أتاه، فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تَصِل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن من ظلمك.
وقال القتبي في قول النبيّ: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ» فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر في هذه الآية كيف جمع له في هذا كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وصلة الأرحام، وغض البصر، وفي الإعراض عن الجاهلين الحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، وعن منازعة اللجوج، وإنما سمي المعروف معروفاً لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه.
قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ قال مقاتل يعني: ولا يفتننكم فتنة في أمر أبي جهل فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ قال الكلبي: أي: وإما يصيبنك من الشيطان وسوسة فاستعذ بالله وقال الزجاج: النزع أدنى حركة.
ومعناه: إن أتاك من الشيطان أدنى وسوسة فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميع لدعائك بوسوسة الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته في أمر الكفّار المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال: إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار على قراءة مَنْ قرأ: «أَيُشْرِكُونَ» - بالياء من تَحت-، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ: هذا حالُ الأصنام معكم إن دعوتموهم، لم يجيبوكم.
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ...
الآية مخاطبةٌ للكفَّار في تحقير شأْن أصنامهم، وقوله: فَادْعُوهُمْ أي: فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا.
وقوله سبحانه: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ...
الآية.
الغرض من هذه الآية أَلَهُمْ حواس الحَيِّ وأوصافه، فإِذا قالوا: «لا» ، حكموا بأنها جماداتٌ من غير شكٍّ، لا خَيْرَ عندها.
قال الزّهْراوِيُّ: المعنى: أنتم أفضلُ منهم بهذه الجوارح النافعة فكيف تعبدونهم، ثُمَّ أمرَ سبحانَه نبيَّه عليه السلام أنْ يعجزهم بقوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، أي:
استنجدوهم واستنفروهم إِلى إِضْرَارِي وكَيْدي، ولا تؤخِّروني، المَعْنَى: فإِن كانوا آلهةً، فسيظهر فعلكم، وَلَمَّا أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضَرَره، وأراهم أنَّ اللَّه سبحانه هو القَادِرُ عَلَى كُلِّ شيء لاَ تلك، عقَّب ذلك بالإِستناد إِلى اللَّه سبحانه، والتوكُّلِ عليه، والإِعلام بأنه وليُّه وناصره، فقال: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.
وقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ إِنما تكرَّر القولُ في هذا، وترَّددت الآياتُ فيه لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكِّناً من نفوس العرب في ذلك الزَمانِ، ومستولياً علَى عقولها، فأوعب القولَ في ذلك لُطْفاً منه سبحانه بهم.
وقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا ...
الآية: قالت فرقة: هذا خطاب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِمَّنْ أرادَكم بِسُوءٍ ولا يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم مِن سُوءٍ أُرِيدَ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن دُونِهِ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، وهَذا الضَمِيرٌ مُصَرِّحٌ بِما ذَكَرْناهُ مَن ضَعْفِ قِراءَةِ مَن قَرَأ: "إنَّ ولِيَّ اللهِ" عَلى أنَّهُ جِبْرِيلُ ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأصْنامِ وفَسادِها وعَجْزِها عن نُصْرَةِ أنْفُسِها فَضْلًا عن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ وأُمَّتِهِ، والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "تَدْعُوهُمْ" لِلْكُفّارِ، ووَصْفُهم بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ إذْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم عَنِ النَظَرِ والِاسْتِماعِ فائِدَةٌ ولا حَصَّلُوا مِنهُ بِطائِلٍ، قالَهُ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: المُرادُ بِالضَمِيرِ المَذْكُورِ الأصْنامُ ووَصْفُهم بِالنَظَرِ كِنايَةٌ عَنِ المُحاذاةِ والمُقابَلَةِ وما فِيها مِن تَخْيِيلِ النَظَرِ كَما تَقُولُ: دارُ فُلانٍ تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا تَبْيِينُ جُمُودِيَّةِ الأصْنامِ وصِغَرِ شَأْنِها، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العِبادَ يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ولا يَرَوْنَهُ، ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ لِأنَّ النَظَرَ في الأصْنامِ مَجازٌ مَحْضٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما تَكَرَّرَ القَوْلُ في هَذا وتَرَدَّدَتِ الآياتُ فِيهِ لِأنَّ أمْرَ الأصْنامِ وتَعْظِيمِها كانَ مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِ العَرَبِ في ذَلِكَ الزَمَنِ ومُسْتَوْلِيًا عَلى عُقُولِها فَأُوعِبَ القَوْلُ في ذَلِكَ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ الآيَةُ، وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، وأمْرٌ بِجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وقالَ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ : إنَّ مَعْناهُ: اقْبَلْ مِنَ الناسِ في أخْلاقِهِمْ وأقْوالِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ ما أتى عَفْوًا دُونَ تَكَلُّفٍ، فالعَفْوُ هُنا: الفَضْلُ والصَفْوُ الَّذِي تَهَيَّأ دُونَ تَحَرُّجٍ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ في مُصَنَّفِ البُخارِيِّ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وعُرْوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطائِيِّ: خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في الأمْوالِ، وَقِيلَ: هي قَبْلَ فَرْضِ الزَكاةِ، أُمِرَ بِها رَسُولُ اللهِ أنْ يَأْخُذَ ما سَهُلَ مِن أمْوالِ الناسِ، و"عَفا" أيْ: فَضَلَ وزادَ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَفا النَباتُ والشَعْرُ" أيْ كَثُرَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الزَكاةُ وحُدُودُها فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ مَكِّيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ مَعْناهُ: خُذِ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا شاذٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ ﴾ مَعْناهُ: بِكُلِّ ما عَرَفَتْهُ النُفُوسُ مِمّا لا تَرُدُّهُ الشَرِيعَةُ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِجِبْرِيلَ: "ما هَذا العُرْفُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؟
قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَسَألَهُ، ثُمَّ جاءَهُ فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، هو أنْ تُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا نَصْبُ غاياتٍ: والمُرادُ: فَما دُونُ هَذا مِن فِعْلِ الخَيْرِ.
وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ -فِيما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ - "بِالعُرْفِ" بِضَمِّ الراءِ، والعُرْفُ والعُرُفُ بِمَعْنى: المَعْرُوفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ حُكْمُ مُتَرَتِّبٌ مُحْكَمٌ مُسْتَمِرٌّ في الناسِ ما بَقُوا، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ إلى ﴿ الجاهِلِينَ ﴾ : إنَّما أُمِرَ النَبِيُّ بِذَلِكَ مُداراةً لِكَفّارِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَيْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدِيثُ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ أدْخَلَ عَمَّهُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، لِأنَّ الحُرَّ احْتَجَّ بِها عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقَرَّرَها ووَقَفَ عِنْدَها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ ﴾ وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ تَعُمُّ أُمَّتَهُ رَجُلًا رَجُلًا، والنَزْغُ: حَرَكَةٌ فِيها فَسادٌ، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ إلّا في فِعْلِ الشَيْطانِ لِأنَّ حَرَكاتِهِ مُسْرِعَةُ مُفْسِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدَيْهِ".» فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: فَإمّا تُلِمَّنَّ بِكَ لَمَّةٌ مِنَ الشَيْطانِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ.
ونَزْعُ الشَيْطانِ عامٌّ في الغَضَبِ وتَحْسِينِ المَعاصِي واكْتِسابِ الغَوائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي مُصَنَّفِ التِرْمِذِيِّ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وإنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ اللَمَّتانِ هي الخَواطِرُ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ، و"سَمِيعٌ" في هَذِهِ الآيَةِ يَصْلُحُ مَعَ الِاسْتِعاذَةِ، ويَصْلُحُ أيْضًا مَعَ ما يَقُولُ فِيهِ الكُفّارُ مِنَ الأقاوِيلِ فَيُغْضِبُهُ الشَيْطانُ لِذَلِكَ، و"عَلِيمٌ" كَذَلِكَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلَّقَ ابْنُ القاسِمِ في قَوْلِهِ: إنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ: "أعُوذُ بِاللهِ السَمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ".
<div class="verse-tafsir"
هذا من المأمور بقوله، وفصلت هذه الجملة عن جملة ﴿ ادعوا شركاءكم ﴾ [الأعراف: 195] لوقوعها موقع العلة لمضمون التحدي في قوله ﴿ ادعوا شركاءكم ﴾ [الأعراف: 195] الآية الذي هو تحقق عجزهم عن كيده، فهذا تعليل لعدم الاكتراث بتألبهم عليه واستنصارهم بشركائهم، ولثقته بأنه منتصر عليهم بما دل عليه الأمر والنهي التعجيزيان.
والتأكيد لرد الإنكار.
والولي الناصر والكافي، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ [الأنعام: 14].
وإجراء الصفة لاسم الله بالموصولية لما تدل عليه الصلة من علاقات الولاية، فإن إنزال الكتاب عليه وهو أميٌّ دليل اصطفائه وتوليه.
والتعريف في الكتاب للعهد، أي الكتاب الذي عهدتموه وسمعتموه وعجزتم عن معارضته وهو القرآن، أي المقدار الذي نزل منه إلى حد نزول هذه الآية.
وجملة: ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ معترضة والواو اعتراضيه.
ومجيء المسند فعلاً مضارعاً لقصد الدلالة على استمرار هذا التولي وتجدده وأنه سنّة إلهية، فكما تولى النبي يتولى المؤمنين أيضاً، وهذه بشارة للمسلمين المستقيمين على صراط نبيهم صلى الله عليه وسلم بأن ينصرهم الله كما نصر نبيه وأولياءهُ.
والصالحون هم الذين صلحت أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح.
وجملة: ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ عطف على جملة: ﴿ إن وليي الله ﴾ ، وسلوك طريق الموصوليه في التعبير عن الأصنام للتنبيه على خطأ المخاطبين في دعائهم إياها من دون الله مع ظهور عدم استحقاقها للعبادة، بعجزها عن نصر أتباعها وعن نصر أنفسها والقول في ﴿ لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ﴾ كالقول في نظيره السابق آنفاً.
وأعيد لأنه هنا خطاب للمشركين وهنالك حكاية عنهم للنبيء والمسلمين ولإبانة المضادة بين شأن ولي المؤمنين وحَال أولياء المشركين وليكون الدليل مستقلاً في الموضعين مع ما يحصل في تكريره من تأكيد مضمونه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، يَعْنِي: أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها في مَصالِحِكم.
﴿ أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها ﴾ يَعْنِي في الدَّفْعِ عَنْكم.
﴿ أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها ﴾ يَعْنِي مُضارَّكم مِن مَنافِعِكم.
﴿ أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ دُعاءَكم وتَضَرُّعَكم.
فَإنْ قِيلَ فَلَمْ أُنْكِرْ عِبادَةَ مَن لا رِجْلَ لَهُ ولا يَدَ ولا عَيْنَ؟
قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن عَبَدَ جِسْمًا لا يَنْفَعُ كانَ ألْوَمَ مِمَّنْ عَبَدَ جِسْمًا يَنْفَعُ.
والثّانِي: أنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهم مُفَضَّلُونَ عَلَيْها، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَ مَن هم أفْضَلُ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: يجاء بالشمس والقمر حتى يلقيان بين يدي الله، ويجاء بمن كان يعبدهما فيقال: ﴿ ادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ﴾ الآية: ردّ على المشركين، وقد تقدّم معناه ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ يحتمل أن يريد الأصنام فيكون تحقيراً لهم، ورداً على من عبدها، فإنها جمادات لا تسمع شيئاً، فيكون المعنى كالذي تقدّم، أو يريد أن الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون يعني سماعاً ينفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ إن كان هذا من وصف الأصنام، فقوله: ينظرون مجاز، وقوله: لا يبصرون حقيقة، لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئاً، وإن كان من وصف الكفار فينظرون حقيقة ولا يبصرون مجازاً على وجه المبالغة كما وصفهم بأنهم لا يسمعون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فبأي ﴾ بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ﴿ ويذرهم ﴾ بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون مرفوعاً ﴿ أن أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط ﴿ شركاً ﴾ بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد.
الآخرون: ﴿ شركاء ﴾ على الجميع ﴿ يتبعوكم ﴾ مخففاً: نافع.
الباقون: بالتشديد.
﴿ يبطشون ﴾ بضم الطاء يزيد ﴿ قل ادعوا ﴾ بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش.
الآخرون: بالضم للإتباع ﴿ كيدوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل ﴿ ينظرون ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل.
﴿ إن وليّ الله ﴾ بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير ﴿ وليي ﴾ بثلاث ياآت: رويس والبرجمي.
الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة.
الوقوف: ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ لا لأن التقدير وفي أن عسى ﴿ أجلهم ﴾ ط لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ هادي له ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ويذرهم ﴾ .
بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع ﴿ فلا هادي له ﴾ ، ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ عند ربي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ بغتة ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ من الخير ﴾ ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو".
واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إليها ﴾ ج لأجل الفاء ﴿ فمرت به ﴾ ج لذلك ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ فيما آتاهما ﴾ ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه والوصل أولى للعطف ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ لا يتبعوكم ﴾ ط ﴿ صامتين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ يمشون بها ﴾ ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك ﴿ يسمعون بها ﴾ ط ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ وينصرون ﴾ ه ﴿ لا يسمعوا ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته.
وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة.
كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله كان مخالفاً لفعلهم.
وعن الحسن وقتادة أن النبي قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه.
فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح.
فأمرهم الله بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجزالأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين.
ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي في مدلولاتهما.
والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة.
والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم.
فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته ﴿ وأن عسى ﴾ هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ﴿ أن يكون ﴾ الشأن ﴿ قد اقترب أجلهم ﴾ الموت أو القيامة.
وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ فمتعلق بقوله ﴿ عسى أن يكون ﴾ كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا.
ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله ﴿ من يضلل الله ﴾ قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض.
ومن السائل؟
عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي.
وعن قتادة.
إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة.
قال في الكشاف.
الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و ﴿ أيان ﴾ استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو ﴿ أيان مرساها ﴾ ﴿ أيان يوم الدين ﴾ ولا يقال أيان نمت.
وكسر همزته لغة بني سليم.
وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها.
وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب.
وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي.
ورد بأن "آنا"لا يستعمل إلا بلام التعريف.
والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق ﴿ قل إنما علمها ﴾ أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها ﴿ عند ربي ﴾ قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك ﴿ لا يجليها ﴾ لا يظهرها ﴿ لوقتها ﴾ أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد ﴿ إلا هو ﴾ والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ﴿ ثقلت في السموات والأرض ﴾ قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم.
أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ إلا فجأة على حين غفلة منكم.
وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف.
عن النبي "إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته فيسوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" وروى الحسن عن النبي أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك" .
ثم كرر ﴿ يسألونك ﴾ للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ كأنك حفي عنها ﴾ فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله ﴿ قل إنما علمها عند الله ﴾ لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة.
والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك.
وعلى هذا القول جاز أن يكون ﴿ عنها ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يسألونك ﴾ أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم.
وقيل: ﴿ عنها ﴾ يتعلق بمحذوف.
وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم.
وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق.
ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ﴾ وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله .
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله .
وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه.
وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول.
قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب.
وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك.
وقال بعضهم: "لما رجع من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: انظروا أين ناقتي.
فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته.
فقال صلى الله عليه وآله: إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فوجدوها على ما قال فنزلت" .
أما قوله ﴿ وما مسني السوء ﴾ فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ﴿ إن أنا ﴾ إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب.
وقوله ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ﴾ وتقدم الخير على السوء في قوله ﴿ لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ﴾ وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ والطوع نفع.
وفي الفرقان تقدم قوله ﴿ هذا عذاب فرات ﴾ وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ وقس على هذا.
ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء.
قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ ولداً سوياً ﴿ جعلا ﴾ يعني آدم وحوّاء ﴿ له شركاء ﴾ والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً ﴾ إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟.
ومنها أن آدم كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟
ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ قالوا: يريد النطفة.
والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة ﴿ فمرت به ﴾ أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق.
وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل.
وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ﴿ فلما أثقلت ﴾ كان وقت ثقل حملها ولادتها ﴿ دعوا ﴾ أي الزوج والزوجة ﴿ الله ربهما ﴾ ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا ﴿ لئن آتيتنا صالحاً ﴾ ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ لنعمائك ﴿ فلما آتاهما صالحاً ﴾ كما طلب ﴿ جعلا له شركاء ﴾ ومن قرأ ﴿ شركاً ﴾ فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً.
أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار.
والضمير في ﴿ يشركون ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا ﴾ وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟.
ثم قال ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ أي الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك.
فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد.
أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله ﴿ جعلا له ﴾ على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟
وكذا فيما ﴿ آتاهما ﴾ أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ سلمنا أن الضمير في ﴿ جعلا ﴾ وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر.
وعلى هذا فإنما قال ﴿ عما يشركون ﴾ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً.
فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله أعلم.
ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ﴾ اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء.
واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ وهو المعونة على العدة ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه.
والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم ﴾ ثم قوّى هذا الكلام بقوله ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون ﴾ وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم.
ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ﴾ فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟
وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء.
وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟.
ثم بين عدم التفاضل بقوله ﴿ فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ﴾ في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله ﴿ ألهم أرجل يمشون بها ﴾ الآية.
وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟
وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته.
ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله بآلهتهم كما قال قوم هود ﴿ أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ فقال عز من قائل لنبيه ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ أمر من الكيد المكر ﴿ فلا تنظرون ﴾ نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً.
وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان.
ثم لما أمره بالتبري حثه على التولي فقال ﴿ إن وليي ﴾ أي ناصري عليكم ﴿ الله ﴾ الآية.
وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين.
أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ﴿ وهو يتولى الصالحين ﴾ أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم.
يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته.
أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير.
ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال ﴿ والذين تدعون من دونه ﴾ الآية.
قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ﴾ لا سماع سمع ولا سماع إجابة ﴿ وتراهم ﴾ تحسبهم ﴿ ينظرون إليك ﴾ يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك ﴿ وهم لا يبصرون ﴾ لا يدركون المرئي.
وقيل: الضمير في قوله ﴿ وإن تدعوهم ﴾ إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله ﴿ قل ادعوا ﴾ والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة ﴿ وتراهم ﴾ إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ .
التأويل: ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ﴿ فبأي حديث بعده ﴾ أي بعد النظر ﴿ يؤمنون ﴾ ، ﴿ يسألونك عن الساعة ﴾ يريد الساعة التي يظهر الله فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية.
﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ هي الروح ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وهي القلب ﴿ يسكن إليها ﴾ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق ﴿ حملت حملاً خفيفاً ﴾ في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني ﴿ فلما أثقلت ﴾ كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية ﴿ فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً ﴾ قابلاً للعبودية ﴿ لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا ﴾ أي الروح والقلب ﴿ له شركاء ﴾ أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار.
﴿ ولا يستطيعون لهم نصراً ﴾ أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ للبقاء والدوام.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ يعني: الأصنام، ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ : ليهتدوا، ﴿ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ أي: لا يجيبوكم ولا هم يهتدون.
والثاني: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ إلى ما لكم إليه من حاجة ﴿ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ : لا يقضون ولا يملكون ذلك.
ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين؛ يقول: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ \[أي\]: أهل مكة ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ أي: لا يجيبوكم.
وجائز أن يكون يخاطب به أهل مكة؛ يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدونها إلى الهدى لا يملكون إجابتكم؛ يسفههم في عبادتهم من حاله ما وصف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ ﴾ .
أمكن أن تكون الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً؛ كقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ ﴾ يعني: المشركين ﴿ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ .
وأمكن أن يكون قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ ﴾ في الأصنام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي: تعبدون من دون الله، وقد كانوا يعبدون من دون الله أصناماً وأوثاناً.
ويحتمل ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي: تسمونهم من دون الله آلهة.
وقوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الخلقة والدلالة على وحدانية الله في التدبير دونهم؛ لما قال: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، أي: ليس لهم ما [ذُكِر فهم] دونهم في التدبير والمعونة.
ويحتمل قوله: ﴿ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الملائكة الذين عبدوهم [هم] عباد أمثالكم، فلا تسموهم آلهة، أي: لا تعبدوا عباداً أمثالكم، ولكن اعبدوا من لا مثل له ولا نظير له.
وإن كان قوله: ﴿ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ الملائكة، فقوله: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ...
﴾ الآية، هو منه مقطوع منصرف إلى الأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ذكر الدعاء والاستجابة، ولم يبين في ماذا يستجيبون، ولا يجب أن تفسر الاستجابة في الشفاعة، أو في التقريب إلى الله، أو في غيره؛ إلا أن يعلم أنهم كانوا يدعونهم بكذا، ويطلبون منهم كذا [وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنهم آلهة على ما تزعمون.
أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فيما تزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى].
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .
يسفه عقولهم بعبادتهم الأصنام التي لا أرجل لهم يمشون بها يهربون ممن يقصدهم بالسوء، أو يقصدون بها قصد من أراد الضر بهم والسوء، وكذلك يعبدون ما لا أيدي لهم يبطشون بها ويدفعون عن أنفسهم من أراد السوء، أو يأخذون من يقصدهم، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ ﴾ يبصرون من يقصدهم بالسوء، ﴿ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ من يشتمهم ويذكرهم بالسوء، يسفههم في عبادتهم من لا يملك دفع من يقصده بالسوء، إما هرباً منه، وإما قصداً منه إليه بالسوء، فإذا كانوا لا يملكون ذلك كيف تعبدونهم؟!
وهو كقول إبراهيم - -: ﴿ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ ، فإذا كانوا لا يملكون دفع ما يحل بهم، فكيف يملكون جر النفع إليكم، أو دفع الضر عنكم؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: خاطب به كفار مكة بقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ الذين تزعمون أنهم آلهة دون الله.
ويحتمل قوله: ﴿ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي: ادعوا من شاركوكم في عبادة من دونه ثم كيدون.
ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الكفار الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، قال ذلك لهم رسول الله بين ظهرانيهم: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ فلم يقدر أحد الكيد به والضرر مع قوتهم وعدتهم بالكثرة والأعوان، وضعف رسول الله، وقلة أعوانه؛ دل عجزهم عن ذلك أنه كان آية في نفسه، وأنه بالله - - ينتصر، وبه قوي على أعدائه، وذلك من عظيم آياته؛ لأنه قال ذلك لمن كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم فيما هم فيه، ثم لم يقدر أحد منهم الضرر به؛ دل أنه كان بالله حفظه، وكذلك سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - حيث قالوا بين ظهراني قومهم - من نحو هود ونوح وهؤلاء -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ وقال نوح: ﴿ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية.
ذكر هذا على إثر قوله: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ ؛ كما ذكر هود: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾ ، وكما قال نوح: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، فزعوا إلى الله - عز وجل - عند وعيد قومهم بالإهلاك، وعليه اعتمدوا، وبه وثقوا؛ فعلى ذلك رسول الله قال: ﴿ إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: هو وليي يحفظني، وهو يتولى حفظ الصالحين، أي: بتوليه صلحوا.
أو يتولى ويحفظ الصالحين مقابل قول من ذكرنا من الرسل لقومهم.
ثم قوله: ﴿ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ﴾ عز وجل.
يحتمل: حافظي وناصري.
أو وليّ تدبيري الله ﴿ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
أو ولي أمري.
أو أولى بي الله ﴿ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الذي عجزت الخلائق عن إتيان مثله ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ يذكر سفههم بعبادتهم من عجز عن دفع الضرر عن نفسه، فضلاً أن يدفع ذلك عنهم أو يجروا إلى أنفسهم منفعة، وأخبر عن جهلهم أنهم يعبدون من لا يملك دفع ضر ولا جر نفع.
وقوله: ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يخاطب به المؤمنين بقوله: [وإن تدعو أهل مكة إلى الهدى] ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ أي: [لا] يجيبوا ﴿ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون به، أو لشدة تعنتهم لا يبصرون.
وجائز أن يكون يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدون إلى الهدى ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ أي: لا يجيبوا، ولا يملكون الإجابة.
ويحتمل: ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ ﴾ حقيقة السمع، ﴿ وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ : على التمثيل، أي: كأنهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة.
<div class="verse-tafsir"
والذين تدعونهم -أيها المشركون- من هذه الأصنام لا يقدرون على نصركم، ولا يقدرون على نصر أنفسهم، فهم عاجزون، فكيف تدعونه من دون الله؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.wREBl"