الآية ٢٤ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٢٤ من سورة الأعراف

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قيل : المراد بالخطاب في ) اهبطوا ) آدم ، وحواء ، وإبليس ، والحية .

ومنهم من لم يذكر الحية ، والله أعلم .

والعمدة في العداوة آدم وإبليس; ولهذا قال تعالى في سورة " طه " قال : ( اهبطا منها جميعا ) [ الآية : 123 ] وحواء تبع لآدم .

والحية - إن كان ذكرها صحيحا - فهي تبع لإبليس .

وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم ، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات ، والله أعلم بصحتها .

ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم ، أو دنياهم ، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقوله : ( ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) أي : قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة ، قد جرى بها القلم ، وأحصاها القدر ، وسطرت في الكتاب الأول .

وقال ابن عباس : ( مستقر ) القبور .

وعنه : وجه الأرض وتحتها .

رواهما ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن فعله بإبليس وذريته، وآدم وولده، والحية.

يقول تعالى ذكره لآدم وحواء وإبليس والحية: اهبطوا من السماء إلى الأرض، بعضكم لبعض عدوّ، كما:- 14413- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن طلحة, عن أسباط, عن السدي: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو)، قال: فلعنَ الحية, وقطع قوائمها, وتركها تمشي على بطنها, وجعل رزقها من التراب, وأهبطوا إلى الأرض: آدم، وحواء، وإبليس، والحية.

(5) 14414- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبي عوانة, عن إسماعيل بن سالم, عن أبي صالح: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو)، قال: آدم، وحواء، والحية.

(6) * * * وقوله: (ولكم في الأرض مستقر)، (7) يقول: ولكم، يا آدم وحواء، وإبليس والحية = في الأرض قرارٌ تستقرونه، وفراش تمتهدونه، (8) كما:- 14415- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (ولكم في الأرض مستقر)، قال: هو قوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا ، [سورة البقرة: 22].

(9) * * * وروي عن ابن عباس في ذلك، ما:- 14416- حدثت عن عبيد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عمن حدثه, عن ابن عباس قوله: (ولكم في الأرض مستقر)، قال: القبور.

(10) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ آدم وحواءَ وإبليس والحية، إذ أهبطوا إلى الأرض: أنهم عدوٌّ بعضهم لبعض, وأن لهم فيها مستقرًّا يستقرون فيه, ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرًّا في حال حياتهم دون حال موتهم, بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا, فذلك على عمومه، كما عمّ خبرُ الله, ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها، وبعد وفاتهم في بطنها, كما قال جل ثناؤه: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، [سورة المرسلات: 25-26].

* * * وأما قوله: (ومتاع إلى حين)، فإنه يقول جل ثناؤه: " ولكم فيها متاع "، تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا, (11) وذلك هو الحين الذي ذكره، كما:- 14417- حدثت عن عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا إسرائيل, عن السدي, عمن حدثه, عن ابن عباس: (ومتاع إلى حين)، قال: إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا.

* * * و " الحين " نفسه: الوقت, غير أنه مجهول القدر (12) ، يدل على ذلك قول الشاعر: (13) وَمَـا مِرَاحُـكَ بَعْـدَ الْحِـلْمِ وَالـدِّينِ وَقَـدْ عَـلاكَ مَشِـيبٌ حِـينَ لا حِـينِ (14) أي وقت لا وقت.

------------------- الهوامش : (5) الأثر : 14413 - (( عمرو بن طلحة )) ، هو (( عمرو بن حماد بن طلحة القناد )) ، منسوبًا إلى جده .

وقد مضى مئات من المرات في هذا الإسناد وغيره ، (( عمرو بن حماد ، عن أسباط )) .

وقد سلف برقم : 755 .

(6) الأثر : 14414 - مضى برقم : 754 .

(7) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف 1 : 535 - 541 .

(8) انظر تفسير (( مستقر )) فيما سلف 1 : 539 /11 : 434 ، 562 - 572 .

(9) الأثر : 14415 - مضى برقم : 765 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا : (( هو الذي جعل ...

)) ، بزيادة (( هو )) ، وهو سبق قلم من الناسخ .

(10) الأثر : 14416 - انظر ما سلف رقم : 767 ، بغير هذا الإسناد .

(11) انظر تفسير (( المتاع )) فيما سلف 1 : 539 - 541 /11 : 71 ، تعليق : 2 .

والمراجع هناك .

(12) انظر تفسير (( الحين )) فيما سلف 1 : 540 ، ولم يذكر هذا هناك في تفسير نظيرة هذه الآية .

(13) هو جرير .

(14) ديوانه : 586 ، وسيبويه 1 : 358 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 212 ، والخزانة 2 : 94 ، وغيرها .

مطلع قصيدة في هجاء الفرزدق ، ورواية الديوان ، وسيبويه : * مـا بـالُ جَهْلِكَ بَعْدَ الْحِلْمِ والدِّينِ * وبعده : لِلْغَانِيَــاتِ وِصَــالٌ لَسْـتُ قَاطِعَـهُ عَـلَى مَوَعـدِهَ مِـنْ خُـلْفٍ وَتَلْـوِينِ إِنَّـي لأَرْهَـبُ تَصْـدِيقَ الْوُشَـاةِ بِنَـا أَوْ أَنْ يَقُـولَ غَـوِىٌّ للنَّـوَى : بِينِـي و (( المراح )) ( بكسر الميم ) : المرح والاختيال والتبختر ، وذلك من جنون الشاباب واعتداده بنفسه .

وكأن رواية الديوان هي الجودي .

وأنشده سيبويه شاهدًا على إلغاء (( لا )) وإضافة (( حين )) الأولى إلى (( حين )) الثانية ، قال : فإنما هو حين حين ، و (( لا )) بمنزلة (( ما )) إذا ألغيت .

وهذا الذي ذكر أبو جعفر هو أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 212 ، وجاء بالبيت كما رواه هنا ، وان كان في مطبوعة مجاز القرآن : (( وما مزاحك )) بالزاي ، وهو خطأ مطبعي فيما أظن .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ومعنى قوله قال اهبطوا تقدم أيضا إلى آخر الآية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لما أهبط الله آدم وزوجته وذريتهما إلى الأرض، أخبرهما بحال إقامتهم فيها، وأنه جعل لهم فيها حياة يتلوها الموت، مشحونة بالامتحان والابتلاء، وأنهم لا يزالون فيها، يرسل إليهم رسله، وينزل عليهم كتبه، حتى يأتيهم الموت، فيدفنون فيها، ثم إذا استكملوا بعثهم الله وأخرجهم منها إلى الدار التي هي الدار حقيقة، التي هي دار المقامة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال اهبطوا» أي آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما «بعضكم» بعض الذرية «لبعض عدوٌ» من ظلم بعضهم بعضا «ولكم في الأرض» مستقر» أي مكان استقرار «ومتاع» تمتع «إلى حين» تنقضي فيه آجالكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال تعالى مخاطبًا آدم وحواء لإبليس: اهبطوا من السماء إلى الأرض، وسيكون بعضكم لبعض عدوًا، ولكم في الأرض مكان تستقرون فيه، وتتمتعون إلى انقضاء آجالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد حكى القرآن ما رد به الله على آدم وحواء وإبليس ، فقال : ( قَالَ اهبطوا ) أى من الجنة إلى ما عداها .

وقيل الخطاب لآدم وحواء وذريتهما .

وقيل الخطاب لهما فقط لقوله - سبحانه - فى آية أخرى ( قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً ) والقصة واحدة ، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر .وجملة ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) فى موضع الحال من فاعل اهبطوا ، والمعنى اهبطوا إلى الأرض حالة كون العداوة لا تنفك بين آدم وذريته ، وبين إبليس وشيعته ( وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ ) أى موضع استقرار ( وَمَتَاعٌ ) أى : تمتع ومعيشة ( إلى حِينٍ ) أى : إلى حين انقضاء آجالكم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الذي تقدم ذكره هو آدم، وحواء، وإبليس، وإذا كان كذلك فقوله: ﴿ اهبطوا ﴾ يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ يعني العداوة ثابتة بين الجن والإنس لا تزول ألبتة.

وقوله: ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ الكناية عائدة إلى الأرض في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي الارض ﴾ والمراد في الأرض تعيشون وفيها تموتون ومنها تخرجون إلى البعث والقيامة.

قرأ حمزة والكسائي ﴿ تُخْرَجُونَ ﴾ بفتح التاء وضم الراء، وكذلك في الروم والزخرف والجاثية، وقرأ ابن عامر هاهنا، وفي الزخرف بفتح التاء، وفي الروم والجاثية بضم التاء، والباقون جميع ذلك بضم التاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اهبطوا ﴾ الخطاب لآدم وحواء وإبليس.

و ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ في موضع الحال، أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه ﴿ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ استقرار، أو موضع استقرار ﴿ ومتاع إلى حِينٍ ﴾ وانتفاع بعيش إلى انقضاء آجالكم.

وعن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة، فجعلت حواء تدور حولهم، فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك، فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً، وحنطته وكفنته في وتر من الثياب، وحفروا له ولحدوا، ودفنوه بسرنديب بأرض الهند، وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ أضْرَرْناها بِالمَعْصِيَةِ والتَّعْرِيضِ لِلْإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ.

﴿ وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ مُعاقَبٌ عَلَيْها إنْ لَمْ تُغْفَرْ.

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا تَجُوزُ المُعاقَبَةُ عَلَيْها مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ ولِذَلِكَ قالُوا: إنَّما قالا ذَلِكَ عَلى عادَةِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِ الصَّغِيرِ مِنَ السَّيِّئاتِ واسْتِحْقارِ العَظِيمِ مِنَ الحَسَناتِ.

﴿ قالَ اهْبِطُوا ﴾ الخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ.

كَرَّرَ الأمْرَ لَهُ تَبَعًا لِيَعْلَمَ أنَّهم قُرَناءُ أبَدًا وأخْبَرَ عَمّا قالَ لَهم مُتَفَرِّقًا.

﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُعْتادِينَ.

﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ اسْتِقْرارٌ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ.

﴿ وَمَتاعٌ ﴾ وتَمَتُّعٌ.

﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى أنْ تُقْضى آجالُكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ اهبطوا} الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعاً إلى الأرض {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} في موضع الحال أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه {وَلَكُمْ فِى الأرض مُسْتَقَرٌّ} استقرار أو موضع استقرار {ومتاع} وانتفاع بعيش {إلى حِينٍ} إلى انقضاء آجالكم وعن ثابت البناني لما أهبط آدم عليه السلام وحضرته الوفاة وأحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها خلي ملائكة ربي فإنما أصابني ما أصابني فيك فلما توفي غسلته الملائكة

بماء وسدر وتراً وحنطته وكفتنه فى وتر من

الأعراف (٢٥ _ ٢٨)

الثياب وحفروا له قبرا ودفنوه بسر نديب بأرض الهند وقالوا لبنيه هذه سنتكم بعده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مِرارًا ﴿ اهْبِطُوا ﴾ المَأْثُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وكَرَّرَ الأمْرَ لَهُ تَبَعًا لَهُما إشارَةً إلى عَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ جِنْسِهِما في الدُّنْيا أوْ أنَّ الأمْرَ وقَعَ مُفَرَّقًا وهَذا نُقِلَ لَهُ بِالمَعْنى وإجْمالٌ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّعِينِ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِالهُبُوطِ مِن حَيْثُ وسْوَسَ.

واخْتارَ الفَرّاءُ كَوْنَهُ خِطابًا لَهُما ولِذَرِّيَّتِهِما وفِيهِ خِطابُ المَعْدُومِ وقِيلَ: إنَّهُ لَهُما فَقَطْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا ﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكَوْنِهِما أصْلَ البَشَرِ فَكَأنَّهم هم ومَنِ النّاسِ مَن قالَ أنَّ مُخْتارَ الفَرّاءِ هو هَذا وقِيلَ: إنَّهُ لَهُما ولِإبْلِيسَ والحَيَّةِ واعْتُرِضَ وأُجِيبَ بِما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ والظّاهِرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاجَلَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِالعِتابِ والتَّوْبِيخِ عَلى فِعْلِهِ ولَمْ يَتَخَلَّلْ هُناكَ شَيْءٌ ونَقَلَ الأجْهُورِيُّ عَنْ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَحَرَّكَتْ مَعِدَتُهُ لِخُرُوجِ الفَضْلَةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَجْعُولًا في الجَنَّةِ في شَيْءٍ مِن أطْعِمَتِها إلّا في تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أكْلِها فَجَعَلَ يَدُورُ في الجَنَّةِ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يُخاطِبُهُ فَقالَ لَهُ: أيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ يا آدَمُ قالَ: أُرِيدُ أنْ أضَعَ ما في بَطْنِي مِنَ الأذى فَقالَ لَهُ في أيِّ مَكانٍ تَضَعُهُ أعَلى الفُرُشِ أمْ عَلى السُّرُرِ أمْ في الأنْهارِ أمْ تَحْتَ ظِلالِ الأشْجارِ هَلْ تَرى ها هُنا مَكانًا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثُمَّ أمَرَهُ بِالهُبُوطِ وأنا لا أرى لِهَذا الخَبَرِ صِحَّةً ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ناداهُ رَبُّهُ يا آدَمُ لِمَ أكَلْتَ مِنها وقَدْ نَهَيْتُكَ قالَ أطْعَمَتْنِي حَوّاءُ فَقالَ سُبْحانَهُ: يا حَوّاءُ لِمَ أطِعَمْتِيهِ قالَتْ أمَرَتْنِي الحَيَّةُ فَقالَ لِلْحَيَّةِ لِمَ أمَرْتِها قالَتْ أمَرَنِي إبْلِيسُ فَقالَ اللَّهُ تَعالى أمّا أنْتِ يا حَوّاءُ فَلَأُدْمِينَكِ كُلَّ شَهْرٍ كَما أدْمَيْتُ الشَّجَرَةَ وأمّا أنْتِ يا حَيَّةُ فَأقْطَعُ رِجْلَيْكَ فَتَمْشِينَ عَلى وجْهِكِ وسَيَشْدَخُ وجْهَكَ كُلُّ مَن لَقِيَكِ وأمّا أنْتَ يا إبْلِيسُ فَمَلْعُونٌ.

﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ اهْبِطُوا ﴾ وهي حالٌ مُقارِنَةٌ أوْ مَقَدَّرَةٌ واخْتارَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ كَوْنَ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةً كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهُبُوطِ سَألُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُنا فَأجِيبُوا بِأنَّ بَعْضَكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وأمْرُ العَداوَةِ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الشَّيْطانِ في الخِطابِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ التَّخْصِيصِ بِآدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبارِ أنْ يُرادَ بِهِما ذَرِّيَّتُهُما إمّا بِالتَّجَوُّزِ كَإطْلاقِ تَمِيمٍ عَلى أوْلادِهِ كُلِّهِمْ أوْ يَكْتَفِي بِذِكْرِهِما عَنْهم واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ العَداوَةِ هُنا بِمَعْنى الظُّلْمِ أيْ يَظْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا بِسَبَبِ تَضْلِيلِ الشَّيْطانِ فَلْيُفْهَمْ.

﴿ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيِ اسْتِقْرارٌ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ فَهو إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ بِمَعْنى اسْتَقَرَّ مُلْكُكم عَلَيْهِ وجازَ تَصَرُّفُكم فِيهِ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ومُحْتاجٌ إلى الحَذْفِ والإيصالِ واللَّفْظُ في نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ هُنا لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَتاعٌ ﴾ أيْ بُلْغَةٌ ﴿ إلى حِينٍ ﴾ (24) يُرِيدُ بِهِ وقْتَ المَوْتِ وقِيلَ القِيامَةَ وتَجْعَلُ السُّكْنى في القَبْرِ تَمَتُّعًا في الأرْضِ أوْ يُقالُ مَعْنًى ( لَكم ) لِجِنْسِكم ولِمَجْمُوعِكم والظَّرْفُ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَتاعٍ أوْ بِهِ وبِمُسْتَقِرٍّ عَلى التَّنازُعِ إنْ كانَ مَصْدَرًا وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَتاعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ يعني: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي: من حيث أحببتما موسعاً عليكما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يعني: لا تأكلا من هذه الشجرة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فتصيرا من الضارين بأنفسكما.

قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي: زيّن لهما الشيطان لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني: أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة ليظهر ما سترا من عوراتهما، والسوأة كناية عن العورة.

وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في الجنة ورأى نفسه طريداً لم يصبر، واحتال لإخراجهما فأتاهما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يعني: أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبداً أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر.

أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ يعني: إن لم تكونا مَلَكَيْنِ فتكونا من الخالدين لا تموتان.

وقرأ بعضهم مَلِكَيْنِ بالكسر كما قال: في آية أخرى وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى [طه: 120] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة.

قوله: وَقاسَمَهُما أي حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ بأنها شَجَرَةِ الخلد من أكل منها لم يمت.

وكان آدم لم يعلم أن أحداً يحلف بالله كاذباً فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي: غرّهما بباطل ويقال: زَيَّنَ لهما.

وأصله في اللغة من التقريب يعني: قربهما إلى الشجرة فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ يقول: فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطونهما تهافت لباسهما عنهما بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهرت عوراتهما، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح.

قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر.

قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن حم قد ذكر بإسناده عن أبَيّ بن كعب عن النبي  : «إنَّ آدَمَ كَانَ رَجُلاً طَوِيلاً كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَلَمَّا وَقَعَ في الخَطِيئَةِ بَدَتْ لَهُ سَوْأَتهُ، وَكَانَ لاَ يَرَاها قَبْلَ ذلك، فَانْطَلَقَ هَارِباً فِي الجَنَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ أَتَفِرُّ مِنِّي؟

قَالَ: يَا رَبّ إِنِّي أَسْتَحِي» .

وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي أقبلا وعمدا يلصقان عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة يعني: من ورق التين يطبقان على أبدانهما ورقة ورقة منه.

يقال: خصف نعله وهو إطباق طاق على طاق وأصل الخصف الضم والجمع.

والخصف إنما هو إلصاق الشيء بالشيء ولهذا قيل: خصاف.

وقرأ بعضهم وطفَقَا بالنصب وهما لغتان طَفِقَ يَطْفَقُ وطَفَق يَطْفِقُ وَناداهُما رَبُّهُما أي قال: لهما ربهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ أي عن أكل تلك الشجرة وَأَقُلْ لَكُما يعني: ألم أقل لكما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.

قوله عز وجل: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بأكلنا الشجرة فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا يعني: إن لم تتجاوز عن ذنوبنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة فهذه لام القسم كأنهما قالا: والله لنكونن من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا.

وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة.

وهو قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] أي قبل توبته.

وفي الآية دليل أن الله تعالى يعذب عباده إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا، لأن إبليس لم يتب، وسأل النظرة، فجعل مأواه جهنم.

وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته.

قوله: قالَ اهْبِطُوا يعني: آدم وحواء عليهما السلام وإبليس لعنه الله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يعني: إبليس عدوّ لآدم وحواء وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: منزل وموضع القرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ أي: معاش إلى وقت الموت.

قوله تعالى: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ أي: في الأرض تعيشون وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ من الأرض من قبوركم يوم القيامة.

قرأ الكسائي وابن عامر يَخْرُجُونَ بنصب الياء وضم الراء وقرأ الباقون بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء.

وقاسَمَهُما أي: حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم.

فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)

وقوله عز وجل: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ قال: ع»

: يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف.

وقوله سبحانه: بَدَتْ قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وتطايرت تبرّيا منهما، ويَخْصِفانِ معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى «٢» وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة.

قال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض/ انتهى.

وهو معنى ما تقدم.

وروى أبيٌّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ «٣» فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: «أرسليني» فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟

فقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك.

قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كاذبا، قال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاسَمَهُما ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: حَلَفَ لَهُما، ﴿ فَدَلاهُما ﴾ في المَعْصِيَةِ بِأنْ غَرَّهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آَدَمُ لا يَظُنُّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ ﴾ أيْ: فَلَمّا ذاقا ثَمَرَ الشَّجَرَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ذاقاها ذَواقًا، ولَمْ يُبالِغا في الأكْلِ.

والسَّوْأةُ كِنايَةٌ عَنِ الفَرَجِ، لا أصِلَ لَهُ في تَسْمِيَتِهِ.

ومَعْنى (طَفِقا) أخَذا في الفِعْلِ؛ والأكْثَرُ: طَفِقَ يَطْفُقُ؛ وقَدْ رُوِيَتْ: طَفِقَ يَطْفِقُ، بِكَسْرِ الفاءِ، ومَعْنى (يَخْصِفانِ) يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ، ومِنهُ قِيلٌ لَلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خِصافٌ.

وَفِي الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إظْهارَ السَّوْأةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آَدَمَ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما ﴾ فَإنَّهُما بادَرا يَسْتَتِرانِ لَقُبْحِ التَّكَشُّفِ.

وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ السَّوْأةُ سَوْأةً، لِأنَّ كَشْفَها يَسُوءُ صاحِبَها.

قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ لِباسَهُما نُورًا عَلى فُرُوجِهِما، لا يَرى أحَدُهُما عَوْرَةَ الآَخَرِ؛ فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ، بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما.

وقَرَأ الحَسَنُ: "سَوْأتُهُما" عَلى التَّوْحِيدِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ: "يَخْصِفانِ" بِكَسْرِ الياءِ والخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ.

وفي الوَرَقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ورَقُ التِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ورَقُ المَوْزِ، ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ﴾ يَعْنِي الأرْضَ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في تاءِ "تَخْرُجُونَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ هاهُنا؛ وفي الرُّومِ: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ  ﴾ .

وفي الزُّخْرُفِ: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ  ﴾ .

وفي الجاثِيَةِ: ﴿ لا يُخْرَجُونَ مِنها  ﴾ .

وقَرَأهُنَّ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ.

وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التّاءَ في (الأعْرافِ) فَقَطْ فَأمّا الَّتِي في (الرُّومِ) ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ  ﴾ ، وفي ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ  ﴾ فَمَفْتُوحَتانِ مِن غَيْرِ خِلافٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "اِهْبِطُوا"؛ قالَ أبُو صالِحٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي لِآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ والحَيَّةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لَعَدَمِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَإنْ قِيلَ: خاطَبَهم وأمَرَهم بِشَرْطِ الوُجُودِ؛ فَذَلِكَ يَبْعُدُ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِشَرْطِ الوُجُودِ إنَّما يَصِحُّ إذا تَرَتَّبَ عَلى المَأْمُورِ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ وصَحَّ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ كالصَلاةِ؛ والصَوْمِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وأمّا هُنا؛ فَإنَّ مَعْنى الهُبُوطِ لا يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِهِ شَيْءٌ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى -: "اِهْبِطا"؛ فَهي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ بِدَلِيلِ بَيانِهِ العَداوَةَ بَيْنَهُما.

و"عَدُوٌّ"؛ فَرْدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ؛ تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدُوٌّ؛ وقَوْمٌ صَدِيقٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَأْيِ والغِنى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ وعَداوَةُ الحَياةِ مَعْرُوفَةٌ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذُ حارَبْناهُنَّ"؛» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "مَن تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا"؛ وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِن ثَأْرِها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يَعْرِضُ في أمْرِهِنَّ حَدِيثُ الفَتى؛ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ جِنًّا بِالمَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا؛ فَمَن رَأى مِن هَذِهِ الحَيّاتِ شَيْئًا في بَيْتِهِ فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلاثًا؛ فَإنْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَإنَّما هو كافِرٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "مُسْتَقَرٌّ"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِزَمَنِ الحَياةِ؛ ولِزَمَنِ الإقامَةِ في القُبُورِ؛ وبِزَمَنِ الحَياةِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ ؛ وقالَ: هي كَقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا  ﴾ ؛ وبِالإقامَةِ في القُبُورِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما؛ فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا  ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا  ﴾ ؛ وأمّا المَتاعُ فَهو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ؛ في زَمَنِ الحَياةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدِّرَ سُكْنى القَبْرِ مَتاعًا بِوَجْهٍ ما؛ والمَتاعُ: اَلتَّمَتُّعُ؛ والنَيْلُ مِنَ الفَوائِدِ؛ و ﴿ "إلى حِينٍ"؛ ﴾ هو - بِحَسَبِ الجُمْلَةِ -: قِيامُ الساعَةِ؛ وبِحَسَبِ مُفْرَدٍ مُفْرَدٍ: بُلُوغُ الأجَلِ؛ والمَوْتِ؛ و"اَلْحِينُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْوَقْتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أُهْبِطَ بِالهِنْدِ؛ وحَوّاءَ بِجِدَّةَ؛ وتَمَنّاها بِمِنًى؛ وعَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِها بِعَرَفَةَ؛ ولَقِيَها بِجَمْعٍ؛ وأُهْبِطَ إبْلِيسُ بِمَيْسانَ؛ وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ؛ وَقِيلَ: بِمِصْرَ؛ فَباضَ فِيها؛ وفَرَّخَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: وبَسَطَ إبْلِيسُ فِيها عَبْقَرِيَّهُ؛ وذَكَرَ صالِحٌ؛ مَوْلى التَوْأمَةِ؛ قالَ: في بَعْضِ الكُتُبِ: لَمّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قالَ: رَبِّ أيْنَ مَسْكَنِي؟

قالَ: (مَسْكَنُكَ الحَمّامُ؛ ومَجْلِسُكَ الأسْواقُ؛ ولَهْوُكَ المَزامِيرُ؛ وطَعامُكَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي؛ وشَرابُكَ المُسْكِرُ؛ ورُسُلُكَ الشَهَواتُ؛ وحَبائِلُكَ النِساءُ)؛ وأُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِأصْبَهانَ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ؛ كالبَعِيرِ؛ فَعُوقِبَتْ بِأنْ رُدَّتْ تَنْسابُ عَلى بَطْنِها.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُهْبِطَ إلى شَقاءِ الدُنْيا؛ عُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ؛ ثُمَّ عُلِّمَ الحَرْثَ؛ فَحَرَثَ؛ وسَقى؛ وحَصَدَ؛ وذَرا؛ وطَحَنَ؛ وعَجَنَ؛ وخَبَزَ؛ وطَبَخَ؛ وأكَلَ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ إلى ذَلِكَ حَتّى بَلَغَ مِنَ الجَهْدِ ما شاءَ اللهُ تَعالى ؛ ورُوِيَ أنَّ حَوّاءَ قِيلَ لَها: يا حَوّاءُ؛ كَما دَمِيَتِ الشَجَرَةُ فَأنْتِ تَدْمِينَ في كُلِّ شَهْرٍ؛ وأنْتِ لا تَحْمِلِينَ إلّا كُرْهًا؛ ولا تَضَعِينَ إلّا كُرْهًا؛ قالَ: فَرَنَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَها: اَلرَّنَّةُ عَلَيْكِ وعَلى ولَدِكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الأنْباءِ كَثِيرٌ؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْضاهُ؛ وجَعَلَهُ حَتْمًا في رِقابِ العِبادِ؛ يَحْيَوْنَ في الأرْضِ؛ ويَمُوتُونَ فِيها؛ ويُبْعَثُونَ مِنها إلى الحَشْرِ أحْياءً؛ كَما أنْشَأ تَعالى أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تُخْرَجُونَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ هُنا؛ وفي "اَلرُّومِ"؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ؛ إلّا في "اَلرُّومِ": ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ  ﴾ ؛ وفي "سَألَ سائِلٌ": ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ  ﴾ ؛ فَإنَّ هَذَيْنِ بِفَتْحِ التاءِ؛ والياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ الناسُ فِيهِما؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في "اَلْأعْرافِ": "وَمِنها تَخْرُجُونَ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التاءَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وضَمَّها في الباقِي.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وقْتَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والسَبَبُ والمُرادُ: قُرَيْشٌ؛ ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ؛ ذَكَرَ النَقّاشُ ثَقِيفًا؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ وعامِرًا؛ والحارِثَ ابْنَيْ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّها كانَتْ عادَتَهُمْ؛ رِجالًا ونِساءً؛ وذَلِكَ غايَةٌ العارِ والعِصْيانِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ الآياتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أنْزَلْنا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَدَرُّجَ؛ أيْ: لَمّا أنْزَلْنا المَطَرَ؛ فَكانَ عنهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ؛ قالَ عَنِ اللِباسِ: "أنْزَلْنا"؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ - يَصِفُ مَطَرًا -: أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ أيْ: بِالمالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "خَلَقْنا"؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "أنْزَلْنا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ  ﴾ ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ  ﴾ ؛ وأيْضًا فَخَلْقُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأفْعالُهُ تَعالى إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ؛ والمَنزِلَةِ؛ و"لِباسًا"؛ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُلْبَسُ؛ و"يُوارِي"؛ يَسْتُرُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "سَوْءاتِكم وزِينَةً ولُبْسُ التَقْوى"؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِباسُ التَقْوى خَيْرٌ ذَلِكُمْ"؛ ويُرْوى عنهُ: "ذَلِكَ"؛ وسَقَطَتْ "ذَلِكَ"؛ اَلْأُولى؛ وقَرَأ سَكَنٌ النَحْوِيُّ: "وَلَبُوسُ التَقْوى"؛ بِالواوِ؛ مَرْفُوعَةَ السِينِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَرِيشًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو أيْضًا؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؛ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ؛ وقَتادَةُ: "وَرِياشًا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عنهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما عِبارَتانِ عن سَعَةِ الرِزْقِ؛ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ؛ ووُجُودِ المَلْبَسِ؛ والتَمَتُّعِ؛ وفَسَّرَهُ قَوْمٌ بِالأثاثِ؛ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِالمالِ؛ وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ والضَحّاكُ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اَلرِّيشُ": اَلْجَمالُ؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": جَمْعُ "رِيشٌ"؛ كَـ "بِيرٌ"؛ و"بِيارٌ"؛ و"ذِيبٌ"؛ و"ذِيابٌ"؛ و"لِصْبٌ"؛ و"لِصابٌ"؛ و"شِعْبٌ"؛ و"شِعابٌ"؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": مَصْدَرٌ مِن "أراشَهُ اللهُ تَعالى ؛ يَرِيشُهُ"؛ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ؛ والرِيشُ مَصْدَرٌ أيْضًا مِن ذَلِكَ؛ وفي الحَدِيثِ: « "رَجُلٌ راشَهُ اللهُ مالًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن مَعْنى رِيشِ الطائِرِ؛ ورِيشِ السَهْمِ؛ إذْ هو لِباسُهُ؛ وسُتْرَتُهُ؛ وعَوْنُهُ عَلى النُفُوذِ؛ و"راشَ اللهُ تَعالى "؛ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّها تُقْرَنُ بِـ "بَرى"؟

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وخَيْرُ المَوالِي مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِي وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِباسَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَقِيلَ: هو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَهُوَ لِباسُ"؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُ "ذَلِكَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُهُ؛ و"ذَلِكَ"؛ بَدَلٌ؛ أو عَطْفُ بَيانٍ؛ أو صِفَةٌ؛ وهَذا أنْبَلُ الأقْوالِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما أنْزَلَ؛ مِنَ اللِباسِ؛ والرِيشِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الإشارَةَ إلى ﴿ وَلِباسُ التَقْوى ﴾ ؛ أيْ: هو في العَبْدِ آيَةٌ؛ أيْ: عَلامَةٌ؛ وأمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عنهُ؛ ورَحِمَهُ؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِهِمْ؛ ومَبْلَغِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلْإيمانُ؛ وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: هو الحَياءُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هو العَمَلُ الصالِحُ؛ وقالَ أيْضًا: هو السَمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ؛ وقالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: هو خَشْيَةُ اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ؛ والسَمْتُ الحَسَنُ في الدُنْيا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلْعِفَّةُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى": ﴾ اَلسِّلاحُ؛ وآلَةُ الجِهادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها مُثُلٌ؛ وهي مِن لِباسِ التَقْوى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُتَصَوَّرُ الصِفَةُ الَّتِي حَكاها أبُو عَلِيٍّ في قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأسْماءَ تُوصَفُ بِمَعْنى الإشارَةِ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ هَذا"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "جاءَنِي زَيْدٌ المُشارُ إلَيْهِ"؛ فَعَلى هَذا الحَدِّ تُوصَفُ الأسْماءُ بِالمُبْهَماتِ؛ وأمّا قَوْلُهُ فِيهِ: عَطْفُ بَيانٍ؛ وبَدَلٌ؛ فَهُما واحِدٌ في اللَفْظِ؛ إنَّما الفارِقُ بَيْنَهُما في المَعْنى والمَقْصِدِ؛ وذَلِكَ أنَّكَ تُرِيدُ في البَدَلِ كَأنَّكَ أزَلْتَ الأوَّلَ؛ وأعْمَلْتَ العامِلَ في الثانِي؛ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ؛ وتُرِيدُ في عَطْفِ البَيانِ كَأنَّكَ أبْقَيْتَ الأوَّلَ؛ ثُمَّ ثَنَّيْتَهُ بِعَيْنِهِ في ذِكْرِ الثانِي؛ وإنَّما يَبِينُ الفارِقُ بَيْنَ البَدَلِ؛ وعَطْفِ البَيانِ؛ في مَسْألَةِ النِداءِ؛ إذا قُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدُ"؛ فالبَدَلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو عَلى هَذا الحَدِّ؛ بِرَفْعِ "زِيدُ"؛ لِأنَّكَ تُقَدِّرُ إزالَةَ " عَبْدَ اللهِ "؛ وإضافَةَ "يا"؛ إلى "زَيْدُ"؛ ولَوْ عَطَفْتَ عَطْفَ البَيانِ لَقُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدًا"؛ لِأنَّكَ أرَدْتَ بَيانَهُ؛ ولَمْ تُقَدِّرْ إزالَةَ الأوَّلِ؛ ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ: إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ ∗∗∗ لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا و"نَصْرٌ"؛ اَلْأوَّلُ عَلى عَطْفِ البَيانِ؛ والثانِي عَلى البَدَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

طوَى القرآن هنا ذكر التّوبة على آدم: لأنّ المقصود من القصّة في هذه السّورة التّذكير بعداوة الشّيطان وتحذير النّاس من اتّباع وسوسته، وإظهار ما يُعقبه اتّباعه من الخسران والفساد، ومقام هذه الموعظة يقتضي الإعراض عن ذكر التّوبة للاقتصار على أسباب الخسارة، وقد ذكرت التّوبة في آية البقرة المقصودِ منها بيان فضل آدم وكرامته عند ربّه، ولكلّ مقامً مَقال.

والخطابُ لآدم وزوجه وإبليسَ.

والأمر تكويني، وبه صار آدم وزوجه وإبليسُ من سكّان الأرض.

وجملة: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ في موضع الحال من ضمير: ﴿ اهبطوا ﴾ المرفوععِ بالأمر التّكويني فهذه الحال أيضاً تفيد معنى تكوينياً وهو مقارنة العداوة بينهم لوجودهما في الأرض، وهذا التّكوين تأكّدت به العداوة الجبلية السّابقة فرسخت وزادت، والمراد بالبعض البعض المخالف في الجنس، فأحد البعضين هو آدم وزوجه، والبعض الآخر هو إبليس، وإذ قد كانت هذه العداوة تكوينيّة بين أصلي الجنسين، كانت موروثة في نسليهما، والمقصود تذكير بني آدم بعداوة الشّيطان لهم ولأصلهم ليتّهموا كلّ وسوسة تأتيهم من قِبله، وقد نشأت هذه العداوة عن حَسد إبليس، ثمّ سَرت وتشجرت فصارت عداوة تامة في سائر نواحي الوجود، فهي منبثّة في التّفكير والجسد، ومقتضية تمام التّنافر بين النّوعين.

وإذ قد كانت نفوس الشّياطين داعية إلى الشرّ بالجبلة تعين أن عقل الإنسان منصرف بجبلته إلى الخير، ولكنّه معرّض لوسوسة الشّياطين فيقع في شذوذ عن أصل فطرته، وفي هذا ما يكون مفتاحاً لمعنى كون النّاس يولدون على الفطرة، وكون الإسلام دين الفطرة، وكون الأصل في النّاس الخير.

أمَّا كون الأصل في النّاس العدالة أو الجرح فذلك منظور فيه إلى خشية الوقوع في الشّذوذ، من حيث لا يدري الحاكم ولا الراوي، لأنّ أحوال الوقوع في ذلك الشّذوذ مبهمة فوجب التّبصّر في جميع الأحوال.

وعطفت جملة: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ على جملة: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ .

والمستقرّ مصدر ميمي والاستقرار هو المكث وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ لكل نبإ مستقر ﴾ [الأنعام: 67] وقوله ﴿ فمستقر ومستودع ﴾ في سورة الأنعام (98).

والمراد به الوجود أي وجود نوع الإنسان وبخصائصه وليس المراد به الدفن كما فسر به بعض المفسرين لأنّ قوله ومتاع يُصد عن ذلك ولأنّ الشّياطين والجنّ لا يُدفنون في الأرض.

والمتاع والتّمتّع: نيل الملذّات والمرغوبات غير الدّائمة، ويطلق المتاع على ما يُتمتّع به وينتفع به من الأشياء، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ في سورة النّساء (102).

والحِين المدّة من الزّمن، طويلة أو قصيرة، وقد نكر هنا ولم يحدّد لاختلاف مقداره باختلاف الأجناس والأفراد، والمراد به زمن الحياة التي تخول صاحبها إدراك اللّذّات، وفيه يحصل بقاء الذّات غير متفرّقة ولا متلاشية ولا معدومة، وهذا الزّمن المقارن لحالة الحياة والإدراك هو المسمّى بالأجل، أي المدّة التي يبلغ إليها الحيّ بحياته في علم الله تعالى وتكوينِه، فإذا انتهى الأجل وانعدمت الحياة انقطع المستقَر والمتاع، وهذا إعلام من الله بما قدّره للنّوعين، وليس فيه امتنان ولا تنكيل بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ آدَمُ وحَوّاءُ لِأنَّ إبْلِيسَ قَدْ كانَ أُهْبِطَ مِن قَبْلُ حِينَ امْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، فَكَيْفَ عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ؟

فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَبَرٌ عَنْ هُبُوطِهِمْ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ، فَكانُوا جَماعَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم آدَمُ وحَوّاءُ والوَسْوَسَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَهَبَطَ آدَمُ بِأرْضِ الهِنْدِ عَلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ واسْمٌ، وهَبَطَتْ حَوّاءُ بِجُدَّةَ، وهَبَطَتِ الحَيَّةُ بِأصْفَهانَ.

وَفي مَهْبِطِ إبْلِيسَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما بِالأُبُلَّةِ.

والثّانِي: بِالمَدارِ.

وَقِيلَ أسْكَنَهُما الجَنَّةَ ثَلاثَ ساعاتٍ خَلَتْ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، وأخْرَجَهُما لِتِسْعِ ساعاتٍ خَلَتْ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ.

﴿ وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ أمّا المُسْتَقَرُّ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِعْلُ الِاسْتِقْرارِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

وَأمّا المَتاعُ فَهو المُنْتَفَعُ بِهِ مِن عُرُوضِ الدُّنْيا الَّتِي يُسْتَمْتَعُ بِها.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يَعْنِي إلى انْقِضاءِ الدُّنْيا، والحِينُ وقْتٌ مَجْهُولُ القَدْرِ يَنْطَلِقُ عَلى طَوِيلِ الزَّمانِ وقَصِيرِهِ وإنْ كانَ مَوْضُوعًا في الأغْلَبِ لِلتَّكْثِيرِ.

قالَ الشّاعِرُ: وما مِزاحُكَ بَعْدَ الحُلْمِ والدِّينِ وقَدْ عَلاكَ مَشِيبُ حِينٍ لا حِينَ أيْ وقْتٍ لا وقْتَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حوّاء ووسوس إلى آدم فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، فقطعت حوّاء الشجرة فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟

قال: يا رب أطعمتني حواء.

قال لحوّاء: لم أطعمتيه؟

قالت: أمرتني الحية.

قال للحية: لم أمرتها؟

قالت: أمرني إبليس.

قال: ملعون مدحور، أما أنت ياحوّاء كما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جراً على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.

وأخرج ابن المنذر عن أبي غنيم سعيد بن حدين الحضرمي قال: لما أسكن الله آدم وحوّاء الجنة خرج آدم يطوف في الجنة، فاغتنم إبليس غيبته فأقبل حتى بلغ المكان الذي فيه حوّاء، فصفر بقصبة معه صفيراً سمعته حواء، وبينها وبينه سبعون قبة بعضها في جوف بعض، فأشرفت حواء عليه فجعل يصفر صفيراً لم يسمع السامعون بمثله من اللذة والشهوة والسماع حتى ما بقي من حواء عضو مع آخر إلا تخلج، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني فإنك قد أهلكتني، فنزع القصبة ثم قلبها فصفر صفيراً آخر، فجاش البكاء والنوح والحزن بشيء لم يسمع السامعون بمثله حتى قطع فؤادها بالحزن والبكاء، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني، ففعل فقالت له: ما هذا الذي جئت به؟

أخذتني بأمر الفرح وأخذتني بأمر الحزن.

قال: ذكرت منزلتكما من الجنة وكرامة الله إياكما ففرحت لكما بمكانكما، وذكرت إنكما تخرجان منها فبكيت لكما وحزنت عليكما، ألم يقل لكما ربكما متى تأكلان من هذه الشجرة تموتان وتخرجان منها؟

أنظري إليّ يا حواء، فإذا أنا أكلتها فإن أنا مت أو تغير من خلقي شيء فلا تأكلا منها، أقسم لكما بالله إني لكما من الناصحين.

فانطلق إبليس حتى تناول من تلك الشجرة فأكل منها، وجعل يقول: يا حواء انظري هل تغير من خلقي شيء أم هل مت قد أخبرتك ما أخبرتك.

ثم أدبر منطلقاً.

وأقبل آدم من مكانه الذي كان يطوف به من الجنة فوجدها منكبة على وجهها حزينة، فقال لها آدم: ما شأنك...؟!

قالت أتاني الناصح المشفق قال: ويحك...

!

لعله إبليس الذي حذرناه الله؟

قالت: يا آدم والله لقد مضى إلى الشجرة فأكل منها وأنا أنظر فما مات ولا تغير من جسده شيء، فلم تزل به تدليه بالغرور حتى مضى آدم وحواء إلى الشجرة، فأهوى آدم بيده إلى الثمرة ليأخذها، فناداه جميع شجر الجنة: يا آدم لا تأكلها فإنك إن أكلتها تخرج منها، فعزم آدم على المعصية فأخذ ليتناول الشجرة، فجعلت الشجرة تتطاول ثم جعل يمدّ يده ليأخذها، فلما وضع يده على الثمرة اشتدت، فلما رأى الله منه العزم على المعصية أخذها وأكل منها، وناول حواء فأكلت، فسقط منها لباس الجمال الذي كان عليها في الجنة، وبدت لهما سوءاتهما، وابتدرا يستكنان بورق الجنة يخصفان عليهما من ورق الجنة ويعلم الله يُنظر أيهما.

فأقبل الرب في الجنة فقال: يا آدم أين أنت أخرج؟

قال: يا رب أنا ذا أستحي أخرج إليك.

قال: فلعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟

قال: يا رب هذه التي جعلتها معي أغوتني.

قال: فمتى تختبئ يا آدم؟

أو لم تعلم أن كل شيء لم يا آدم، وأنه لا يخفى عليّ شيء في ظلمة ولا في نهار؟

قال: فبعث إليهما ملائكة يدفعان في رقابهما حتى أخرجوهما من الجنة، فأوقفا عريانين وإبليس معهما بين يدي الله، فعند ذلك قضى عليهما وعلى إبليس ما قضى، وعند ذلك أهبط إبليس معهما، وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وأهبطوا جميعاً.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ ليبدي لهما ما وُوريَ عنهما من سوءاتهما ﴾ قال: كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع منهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ليهتك لباسهما وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتاهما إبليس قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين تكونا مثله يعني مثل الله عز وجل فلم يصدقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ بكسر اللام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ الا أن تكونا ملكين ﴾ بنصب اللام من الملائكة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ قال: ذكر تفضيل الملائكة فضلوا بالصور، وفضلوا بالأجنحة، وفضلوا بالكرامة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: إن في الجنة شجرة لها غصنان أحدهما تطوف به الملائكة، والآخر قوله: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ يعني الملائكة الذين يطوفون بذلك الغصن.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ هذه الآية ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين، فلا تموتان فيها أبداً ﴿ وقاسمهما ﴾ قال: حلف لهما ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

وأخرج بن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ يقول: لا تموتون أبداً.

وفي قوله: ﴿ وقاسمهما ﴾ قال: حلف لهما بالله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ﴾ قال: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله.

قال لهما: إني خلقت قبلكما وأعلم منكما فاتبعاني أرشدكما قال قتادة: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: في بعض القراءة ﴿ وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ قال: مناهما بغرور.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾ وكانا قبل ذلك لا يريانها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: لباس كل دابة منها ولباس الإِنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوءاتهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان لباس آدم الظفر بمنزلة الريش على الطير، فلما عصى سقط عنه لباسه وتركت الأظفار زينة ومنافع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى تقلص فصار الظفر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان آدم طوله ستون ذراعاً، فكساه الله هذا الجلد وأعانه بالظفر يحتك به.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ قال: يرقعان كهيئة الثوب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما ﴾ قال: أقبلا يغطيان عليهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: يوصلان عليهما من ورق الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ قال: يأخذان ما يواريان به عورتهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ قال: آدم: رب انه حلف لي بك، ولم أكن أظن أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالا ﴾ قال: آدم وحواء ﴿ رَبنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يعني ذنباً أذنبناه فغفره لهما.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا...

﴾ الآية.

قال: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك.

مثله.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن قتادة قال: إن المؤمن ليستحي ربه من الذنب إذا وقع به، ثم يعلم بحمد الله أين المخرج يعلم أن المخرج في الاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل، فلا يحتشمن رجل من التوبة، فإنه لولا التوبة لم يخلص أحد من عباد الله، وبالتوبة أدرك الله أباكم الرئيس في الخير من الذنب حين وقع به.

وأخرج أبو الشيخ عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله إلى فلان حبر تيما حدثني عن قوله: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ فقال: هو مستقره فوق الأرض، ومستقره في الرحم، ومستقره تحت الأرض، ومستقره حيث يصير إلى الجنة أو النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ ﴾ أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: وأقسما له أن يقبلا نصيحته ﴿ فدلاهما ﴾ أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ أي غرّهما بحلفه لهما لأنهما ظنا أنه لا يحلف كاذباً ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما ﴾ أي زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر ﴿ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة ﴾ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها ﴿ اهبطوا ﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ ﴾ أي في الأرض ﴿ لِبَاساً ﴾ أي الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة ﴿ وَرِيشاً ﴾ أي لباس الزينة وهو مستعار من ريش الطائر ﴿ وَلِبَاسُ التقوى ﴾ لباساً كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقي به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك خير ﴿ ذلك مِنْ آيَاتِ الله ﴾ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس و ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ أي كان سبباً في نزع لباسهما عنهما ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ يعني غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يُرَوْن وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر؛ جمعا بينها وبين الأحاديث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.

الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.

﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.

﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.

﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.

التفسير: من جملة نعم الله  علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.

وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله  .

وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.

وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.

وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم  أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور  ﴾ أي ميثاق أسلافكم.

وقال  : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.

وإنما قتله أحدهم.

ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.

ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.

ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله  عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.

فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.

وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه  أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".

ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله  آدم وأمر الملائكة بالسجود له.

قال الإمام فخر الدين  .

وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.

وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.

أما قوله  .

﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه  طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي  ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين  م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم  ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب  ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.

قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.

قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.

وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله  خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟

والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.

وثالثها قال القاضي: ذكر الله  المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله  حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.

وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.

وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟

وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.

وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.

والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟

﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.

واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.

ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.

وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.

وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.

وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.

ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله   : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.

ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله  ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.

فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال  : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.

ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟

ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟

قالت العلماء ههنا: إن قوله  للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.

وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله  مع إبليس.

ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.

وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.

ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.

ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.

﴿ قال ﴾ أي الله  كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.

وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.

يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.

وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله  ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله  له أجلاً.

والمراد الوقت المعلوم في علم الله  والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.

أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.

ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.

لا يقال: والله يريد لأمرنّ.

لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.

وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.

ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.

ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.

وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.

قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.

ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.

وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.

قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.

أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه  لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.

وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.

وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.

أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.

والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.

واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.

فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.

قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.

إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله  : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم  ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.

وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.

وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.

وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه  لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.

فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.

أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.

وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.

وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.

وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.

وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.

ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.

فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.

وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.

وعن شقيق  ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون  ﴾ وعن رسول الله  " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.

فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك  ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه  كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟

قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.

يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.

وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.

وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.

وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟

فأوحى الله  إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.

قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .

أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟

وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.

وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه  ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.

وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله  في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.

واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.

وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون  ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.

فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.

قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.

وأجيب بشرط عدم العفو.

قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.

فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.

وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.

وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.

وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.

وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.

وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.

وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟

وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟

ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.

ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.

فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.

وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.

ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟

والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.

وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .

قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.

ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.

نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟

فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.

أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.

ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.

ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.

ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.

سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟

والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.

أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.

وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.

قال ابن عباس: غرهما باليمين.

وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها  ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.

﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما  ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.

قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.

والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟

﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.

عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.

فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.

وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.

قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك  ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك  ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.

قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد  ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.

وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .

قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد  ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.

قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني  ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.

وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر  ﴾ أي أدعوك فاغفر.

فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.

وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.

قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.

وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ لزيادة الربط.

ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.

﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.

قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا  ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.

وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.

وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.

وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.

فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم  ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.

﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.

أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.

ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.

فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.

فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.

إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.

﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ ، أي: أوردهما، يقال: دلاني فلان بحبل غرور، أي: أنه زين [لك] القبيح حتى يرتكبه، وأصل التدليه من الدلو، وهو من الدعاء، أي: دعاهما بغرور، ودعاؤه إياهما بغرور، هو قوله: ﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ﴾ .

فإن قيل: كيف خصّ السوءة بالذكر، ومنته في اللباس في كل البدن لا في السوءة خاصة؟

وكذلك قوله: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ذكر منته فيما أنعم علينا من ستر العورة [وذلك في العورة]، وفي غيرها من البدن في دفع البرد والحرّ وغير ذلك؟!

قيل: لأن كشف العورة مستقبح في الطبع والعقل جميعاً، وأما كشف غيرها من البدن فليس هو بمستقبح في الطبع ولا في العقل، وربما يبدي المرء لغيره من البدن سوى العورة عند الحاجة، ويستر عند غير الحاجة، وأما العورة فإنه لا يبديها إلا في حال الضرورة؛ لذلك كان ما ذكر.

أو أن يقال: إن المفروض من الستر هو قدر الضرورة، والآخر يلبسه: إما بحق التجمل، وإما بحق دفع البرد والحرّ والأذى؛ لذلك [كان] تخصيصه بالذكر، وإلا المنة والنعمة عظيمة في لباس غيره من البدن.

فإن قيل: إن الله كنى عن الجماع مرة باللمس ومرة بالغشيان، وعن الخلاء بالغائط، وهو المكان الذي تقضى فيه الحوائج، وكذلك جميع ما لا يستحسن ذكره مصرحاً فإنما ذكره بالكناية، وهاهنا ذكر السوءة في العورة؟!

قيل: السوءة والعورة هما كناية، لم يذكر الفرج ولا الذكر والدبر؛ فهو كناية.

والثاني: في ذكر تخصيص السوءة؛ وذلك أن قصد الشيطان إنما كان إلى إبداء عورتهما لا غير.

ألا ترى أن ذلك لم يجعل لغير البشر عورة تستر؛ ولذلك خصّ الستر بالقبر إذا مات يقبر؛ لأجل عورته، ولا يقبر غيره من الدواب إذا هلك، ولا يستر في حال حياته؛ فخرج ذكر تخصيص السوءة لما ذكرنا أن اللعين قصد بذلك قصد إبداء عورتهما لا غير.

ألا ترى أنه قال: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ﴾ كان قصده إلى ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ ﴾ .

قال أبو عوسجة: طفقا، أي: أخذا، تقول طفقت أفعل كذا، أي: أخذت، والخصف: الخياطة في النعل والخف، وهو مستعار هاهنا.

وقال مجاهد: يخصفان، أي: يرفعان كهيئة الثوب.

وقيل: يخصفان: يغطيان.

ثم قوله: ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ .

إما حياء أحدهما من الآخر أو حياء من الله  ؛ ولهذا نقول: إنه يكره للرجل في الخلوة أن يكشف عورته ويبديها، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: "فالله أحق أن يُسْتَحيا منه" أو حياء أحدهما من الآخر؛ لما بدت لكل واحد منهما عورة صاحبه؛ ولهذا كره أبو حنيفة - رحمه الله - أن ينظر الرجل إلى فرج زوجته، والمرأة إلى فرج زوجها.

أو لما وقع بصر كل واحد منهما على عورته؛ فذلك يكره - أيضاً - أن ينظر المرء إلى فرجه.

ألا ترى أنه قال: ﴿ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ﴾ ولم يقل: ليبديهما؛ فهذا يدل على أنه لا ينبغي أن ينظر إلى فرج زوجته، ولا الزوجة إلى فرجه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ ﴾ وحيا أوحى إليهما على يدي ملك؛ كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ أضاف إلى نفسه؛ لما ينفخ فيه بأمره؛ فعلى ذلك هذا.

أو إلهاماً؛ ألهمهما كقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ  ﴾ .

[وكقوله]: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ  أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ  ﴾ ونحوه؛ وإنما هو إلهام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا  ﴾ .

حيث أوقعناها في الشدائد وكد العيش.

والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ ، قال الحسن هن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؛ بقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ، قال آدم ما ذكر في الآية، وكذلك [قال نوح]: ﴿ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ ، وقال إبراهيم: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال نوح: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً  ﴾ ، بعضه خرج على الأمر، وبعضه على السؤال، وكله على الدعاء والسؤال ليس على الأمر، وإن خرج ظاهره مخرج الأمر؛ لأن الأمر ممن هو دونه لمن فوقه [دعاء وسؤال، وممن هو فوقه لمن دونه] أمر، لو أن ملكاً من الملوك [إذا أمر بعض خدمه بأمر أو بعض رعيته فهو أمر] وإذا أمره بعضُ خدمه أو رعيته - الأميرَ - شيئاً، فهو ليس بأمر، ولكنه سؤال ودعاء؛ فعلى ذلك دعاء الأنبياء - عليهم السلام - ربهم.

فإن قيل: إن الرسل سألوا ربهم المغفرة لزلاتهم، فلا يخلو: إما أن أجيبوا في ذلك، أو لم يجابوا؛ فإن لم يجابوا فيما سألوا، فهو عظيم، وإن أجيبوا في ذلك - والمغفرة في اللغة: الستر - كيف ذكرت زلاتهم في الملأ إلى يوم القيامة؟

قيل: لوجوه: أحدها: [أنهم] لما ارتكبوا تلك الزلات عظم ذلك عليهم، واشتغلت قلوبهم بذلك؛ لعظيم ما ارتكبوا عندهم، لم يخطر ببالهم عند سؤالهم المغفرة ستر ذلك على الناس، وكتمانها عنهم بعد أن أجاب الله بالتجاوز عنهم في ذلك.

أو أن يقال: أراد بإفشاء ذلك وإظهاره إيقاظ غيرهم وتنبيههم في ذلك؛ ليعلموا أن الرسل مع جليل قدرهم، وعظيم منزلتهم عند الله لم يحابهم في العتاب والتوبيخ بما ارتكبوا؛ فمن دونهم أحق في ذلك.

أو أن ذكر ذلك؛ ليعلموا أنه ليس بغافل عن ذلك، ولا يخفى عليه شيء، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ ، وقال: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ ، فأعلمنا الله - عز وجل - أن آدم نسي أمر ربّه؛ فقال قوم من أهل العلم: أكل آدم من الشجرة وهو ناس لنهي الله أياه عن أكلها، وكان أكله منها ظلماً منه لنفسه وعصياناً لربّه، وإن كان فعل ذلك ناسياً.

ثم إن الله تفضل على أمة محمد؛ فرفع عنهم في الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

وقال قوم يعني قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ أي: ترك أمر ربه من غير نسيان، وقالوا: هذا كقول الله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ .

ولا ندري كيف كان ذلك.

وقال بعض أهل العلم: إن الخطأ والنسيان في الأحكام موضوع بهذا الحديث، فيقال: فما تقولون في قتل الخطأ: هل فيه الدية والكفارة؟

وما تقولون في رجل أفسد متاع رجل وأحرقه ناسياً أو مخطئاً؟

فإن قالوا: ذلك لازم عليه؛ قيل فكيف قلتم: إن الحديث جاء في الأحكام، وأنتم توجبون الضمان؟

وقال بعضهم وجه الحديث عندنا: أن الأمم قبل أمتنا كانت مأخوذة بالخطأ والنسيان فيما بينها وبين ربها، فرفع الله  الحرج عن هذه الأمة في ذلك؛ تفضلاً منه علينا من بين الأمم، فأما الغرامات والضمانات في الأحكام التي بين الناس [فهي لازمة لهم] خطأ فعلوا أو عمداً، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ دلالة النقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر.

ثم من قوله: إن الرسل والأنبياء معصومون عن الكبائر، فزلة آدم [لا شك أنها صغيرة لما ذكرنا، ثم قال: إن لم يغفر لكان من الخاسرين فإذا لم يكن له أن يعذبه فيصير وكأنه قال أجرمت وخطئت علينا لتكونن من الخاسرين، وفائدة تقدير آدم] وحواء أن يكونا من الملائكة لأن المَلَكَ [كما ذكرنا أنه] لا يفتر عن العبادة، ولا يعصي ...

ربه، ولا يحتاج إلى شيء من المؤنة، ومن قرأ: ملكين؛ لأن الملك يكون نافذ الأمر والنهي في مملكته، وذلك مما يرغب فيه.

أو أن يكون [أراد] بذلك؛ ليشغلهما عن نهي ربهما؛ حتى ينسيا ذلك فيتناولا من تلك الشجرة على ما فعلا وفيما ذكر الخلود لأنه ليس بشيء ألذ ولا أشهى من الحياة.

والأشبه أن يقال: إنه لم ينسيا نهي الله إياهما عن التناول منها ولكن نسيا قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ؛ لذلك تناولا، ولو ذكرا قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ما تناولا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

عن ابن عباس -  ما - قال: آدم وحواء وإبليس والحية.

وقال الحسن: آدم ووسوسة الشيطان لأن من قوله: إن الشيطان لم يكن في السماء، إنما وسوس آدم وحواء من بعد؛ فالأمر بالهبوط [لوسوسة الشيطان]؛ ولذلك بقيت في أولاده إلى يوم القيامة.

وقال بعضهم: دل قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ على أن الأمر بالهبوط إنما كان من السماء وكانوا في السماء.

ثم قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ كأن الأمر بالهبوط لم يكن معاً؛ لأن إبليس أمر بالهبوط حين أبى السجود وآدم وحواء حين تناولا من الشجرة، ثم جمعهم في الأمر بالهبوط؛ ليعلم أن ليس في الجمع بالذكر دلالة وجوب الحكم والأمر مجموعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطُواْ ﴾ لا يفهم منه الهبوط من الأعلى.

ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي انزلوا فيه.

وقوله: ﴿ عَدُوٌّ ﴾ ، وهو عدو لنا إما بالكفر، وإما بالسعي في هلاكنا، وكل من يسعى في هلاكنا فهو عدو لنا ونحن عدو له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

قيل: إلى منتهى آجالكم، وإبليس: إلى النفخة الأولى.

ويشبه أن يكون هذا ليس على التوقيت، ولكن على الدوام والقرار فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ  ﴾ .

قيل: الأرض [فيها] تعيشون، وفيها تموتون عند انقضاء آجالكم، ومنها تخرجون في القيامة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، وسيكون بعضكم عدوًّا لبعض، ولكم في الأرض مكان استقرار إلى وقت معلوم، وتمتُّعٌ بما فيها إلى أجل مسمى.

<div class="verse-tafsir" id="91.9GmPl"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله