الآية ٣١ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٣١ من سورة الأعراف

۞ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة ، كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير - واللفظ له - من حديث شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة ، الرجال والنساء : الرجال بالنهار ، والنساء بالليل .

وكانت المرأة تقول : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فقال الله تعالى : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) الآية ، قال : كان رجال يطوفون بالبيت عراة ، فأمرهم الله بالزينة - والزينة : اللباس ، وهو ما يواري السوأة ، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع - فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد .

وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والسدي ، والضحاك ، ومالك عن الزهري ، وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها : أنها أنزلت في طوائف المشركين بالبيت عراة .

وقد روى الحافظ بن مردويه ، من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي ، عن قتادة ، عن أنس مرفوعا; أنها أنزلت في الصلاة في النعال .

ولكن في صحته نظر والله أعلم .

ولهذه الآية ، وما ورد في معناها من السنة ، يستحب التجمل عند الصلاة ، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد ، والطيب لأنه من الزينة ، والسواك لأنه من تمام ذلك .

ومن أفضل الثياب البياض ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم ، وإن من خير أكحالكم الإثمد ، فإنه يجلو البصر ، وينبت الشعر " هذا حديث جيد الإسناد ، رجاله على شرط مسلم .

ورواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ، به وقال الترمذي : حسن صحيح .

وللإمام أحمد أيضا ، وأهل السنن بإسناد جيد ، عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالثياب البياض فالبسوها; فإنها أطهر وأطيب ، وكفنوا فيها موتاكم " وروى الطبراني بسند صحيح ، عن قتادة ، عن محمد بن سيرين : أن تميما الداري اشترى رداء بألف ، فكان يصلي فيه .

وقوله تعالى : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) الآية .

قال بعض السلف : جمع الله الطب كله في نصف آية : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) .

وقال البخاري : قال ابن عباس : كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : أحل الله الأكل والشرب ، ما لم يكن سرفا أو مخيلة .

إسناده صحيح .

وقال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا ، في غير مخيلة ولا سرف ، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده " ورواه النسائي وابن ماجه ، من حديث قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة " وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا سليمان بن سليم الكناني ، حدثنا يحيى بن جابر الطائي سمعت المقدام بن معديكرب الكندي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان فاعلا لا محالة ، فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث لنفسه " ورواه النسائي والترمذي ، من طرق ، عن يحيى بن جابر ، به وقال الترمذي : حسن - وفي نسخة : حسن صحيح .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا بقية ، عن يوسف ابن أبي كثير ، عن نوح بن ذكوان ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت " ورواه الدارقطني في الأفراد ، وقال : هذا حديث غريب تفرد به بقية .

وقال السدي : كان الذين يطوفون بالبيت عراة ، يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم; فقال الله تعالى لهم : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) يقول : لا تسرفوا في التحريم .

وقال مجاهد : أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( ولا تسرفوا ) يقول : ولا تأكلوا حراما ، ذلك الإسراف .

وقال عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قوله : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) في الطعام والشراب .

وقال ابن جرير : وقوله : ( إنه لا يحب المسرفين ) يقول الله : إن الله تعالى لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام ، الغالين فيما أحل أو حرم ، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال ، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ، ويحرم ما حرم ، وذلك العدل الذي أمر به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب, والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه، تبرُّرًا عند نفسه لربه: (يا بني آدم خذوا زينتكم)، من الكساء واللباس =(عند كل مسجد وكلوا)، من طيبات ما رزقتكم, وحللته لكم =(واشربوا)، من حلال الأشربة, ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14503- حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة, عن سلمة, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة = وقال في موضع آخر: بغير ثياب = إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة، فيما وُصِف إن شاء الله, وتقول: الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ قال: فنـزلت هذه الآية: (خذوا زينتكم عند كل مسجد).

(1) 14504- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون عراة, الرجال بالنهار, والنساء بالليل, وكانت المرأة تقول: الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ فقال الله: (خذوا زينتكم).

(2) 14505- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن ابن عباس: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: الثياب.

14506- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر ووهب بن جرير, عن شعبة, عن سلمة بن كهيل قال: سمعت مسلمًا البطين يحدث، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة = قال غندر: وهي عريانة = قال، وهب: كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرَها وما هنالك = قال غندر: وتقول: " مَنْ يعيرني تِطْوافًا‍"، (3) تجعله على فرْجها وتقول: الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ فأنـزل الله (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد).

(4) 14507- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرَّوا.

14508- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) " الآية " قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة, فأمرهم الله بالزينة = و " الزينة "، اللباس, وهو ما يواري السوءة, وما سوى ذلك من جيِّد البزِّ والمتاع = فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.

14509- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي وابن فضيل, عن عبد الملك, عن عطاء: (خذوا زينتكم)، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فأمروا أن يلبسوا ثيابهم.

14510- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن عبد الملك, عن عطاء, بنحوه.

14511- حدثني عمرو قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا عبد الملك, عن عطاء في قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، البسوا ثيابكم.

14512- حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: كان ناس يطوفون بالبيت عراة، فنهوا عن ذلك.

14513- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فأمروا أن يلبسوا الثياب.

14514- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: ما وارى العورة ولو عبَاءة.

14515- حدثنا عمرو قال:حدثنا يحيى بن سعيد, وأبو عاصم, وعبد الله بن داود, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد في قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: ما يواري عورتك، ولو عباءة.

14516- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، في قريش, لتركهم الثياب في الطواف.

14517- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.

14518- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان, عن سالم, عن سعيد بن جبير: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: الثياب.

14519- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب, عن إبراهيم, عن نافع, عن ابن طاوس, عن أبيه: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: الشَّمْلة من الزينة.

(5) 14520- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن طاوس: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: الثياب.

14521- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد وأبو أسامة, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن سعيد بن جبير قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فطافت امرأة بالبيت وهي عريانة فقالت: الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ 14522- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، قال: كان حي من أهل اليمن، كان أحدهم إذا قدم حاجًّا أو معتمرًا يقول: " لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دَنِسْتُ فيه ", (6) فيقول: من يعيرني مئزرًا؟

فإن قدر على ذلك, وإلا طاف عريانًا, فأنـزل الله فيه ما تسمعون: (خذوا زينتكم عند كل مسجد).

14523- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: قال الله: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) يقول: ما يواري العورة عند كل مسجد.

14524- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة, إلا الحُمْس، قريش وأحلافهم.

فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس, فإنه لا يحل له أن يلبس ثيابه.

فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانًا.

وإن طاف في ثياب نفسه، ألقاها إذا قضى طوافه، يحرِّمها، فيجعلها حرامًا عليه.

فلذلك قال الله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد).

(7) 14525- وبه عن معمر قال، قال ابن طاوس, عن أبيه: الشَّملة، من الزينة.

(8) 14526- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، الآية, كان ناسٌ من أهل اليمن والأعراب إذا حجوا البيت يطوفون به عُراة ليلا فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم، ولا يتعرّوا في المسجد.

14527- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (خذوا زينتكم)، قال: زينتهم، ثيابهم التي كانوا يطرحونها عند البيت ويتعرّون.

14528- وحدثني به مرة أخرى بإسناده, عن ابن زيد في قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، قال: كانوا إذا جاءوا البيت فطافوا به، حرمت عليهم ثيابهم التي طافوا فيها.

فإن وجدوا مَنْ يُعيرهم ثيابًا, وإلا طافوا بالبيت عراة.

فقال: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ، قال: ثياب الله التي أخرج لعباده، الآية.

* * * وكالذي قلنا أيضًا قالوا في تأويل قوله: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ).

* ذكر من قال ذلك: 14529- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة.

(9) 14530- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، في الطعام والشراب.

14531- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرِّمون عليهم الوَدَك ما أقاموا بالموسم, (10) فقال الله لهم: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، يقول: لا تسرفوا في التحريم.

14532- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، قال: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.

14533- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تسرفوا)، لا تأكلوا حرامًا، ذلك الإسراف.

* * * وقوله (إنه لا يحب المسرفين)، يقول: إن الله لا يحب المتعدِّين حدَّه في حلال أو حرام, الغالين فيما أحلّ الله أو حرم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال, (11) ولكنه يحبّ أن يحلَّل ما أحل ويحرَّم ما حرم, وذلك العدل الذي أمر به.

------------------------ الهوامش : (1) الأثر : 14503 - حديث شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق ، سأخرجها في هذا الموضع .

(( يحيى بن حبيب بن عربي الشيباني )) ، أبو زكرياء ، ثقة ، مضى برقم : 7818 ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 137 .

(( خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي )) ، ثقة ثبت إمام .

مضى برقم : 7507 ، 7818 ، 9878 .

و (( سلمة )) ، هو (( سلمة بن كهيل )) ، مضى مرارًا .

و (( مسلم البطين )) هو (( مسلم بن عمران )) ، ثقة روى له الجماعة .

وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه 18 : 162 ، من طريق غندر ، عن شعبة ( وهو الآتي رقم : 14506 ) .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 319 ، 320 من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، بنحوه ، ولكن قال : (( نزلت هذه الآية : قل من حرم زينة الله )) ، ثم قال الحاكم : (( حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه )) ، ووافقه الذهبي .

(2) الأثر : 14504 - مكرر الأثر السالف ، وهناك تخريجه .

(3) (( تطواف )) ( بكسر التاء ) : ثوب كانوا يتخذونه للطواف ، قال النووي : (( وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة ، ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض ، ولا يأخذونها أبدًا ، ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى ، ويسمى : اللقاء - حتى جاء الإسلام ، فأمر الله بستر العورة فقال : خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يطوف بالبيت عريان )) وروى (( تطواف )) ( بفتح التاء ) ، وفسروه بأنه (( ذا تطواف )) ، على حذف المضاف .

(4) الأثر : 14506 - مكرر الأثرين السالفين : 14503 ، 14504 ، سلف تخريجه في أولهما .

وهذا نص حديث مسلم .

(5) (( الشملة )) ( بفتح فسكون ) : كساء دون قطيفة ، سمي بذلك لأنه يشمل البدن .

ومنه ما نهى رسول الله عنه في الصلاة ، وهو (( اشتمال الصماء )) ، وهو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل جسده كله ، ولا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يده .

(6) (( الدنس )) في الثوب ، لطخ الوسخ ونحوه ، حتى في الأخلاق .

وعنى بقوله : (( دنست فيه )) ، أي أتيت فيه ما يشين ويعيب من المعاصي .

(7) انظر تفسير (( الحمس )) فيما سلف ص : 378 ، تعليق : 1 .

(8) الأثر : 14525 - انظر الأثر رقم : 14519 .

(9) (( السرف )) ( بفتحتين ) : وهو الإسراف ، ومجاوزة القصد .

و (( المخيلة )) ( بفتح الميم وكسر الخاء ) : الاختيال والكبر ، وحديث ابن عباس المعروف : (( كل ماشئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خلتان : سرف ومخيلة )) ، رواه البخاري .

(10) (( الودك )) : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه .

و (( الموسم )) مجتمع الناس في أيام الحج .

(11) انظر تفسير (( الإسراف )) فيما سلف : ص : 176 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفينفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى يابني آدم هو خطاب لجميع العالم ، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ; فإنه عام في كل مسجد للصلاة ; لأن العبرة للعموم لا للسبب .

ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف ; لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد [ ص: 170 ] واحد ، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة .

وهذا قول من خفي عليه مقاصد الشريعة .

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول : من يعيرني تطوافا ؟

تجعله على فرجها .

وتقول :اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحلهفنزلت هذه الآية خذوا زينتكم عند كل مسجد " التطواف " بكسر التاء .

وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط ; قاله القاضي عياض .

وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت ، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء .

وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة ، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات .

في غير مسلم : ويقولون نحن أهل الحرم ، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا .

فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عريانا ، وإما أن يطوف في ثيابه ; فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد .

وكان ذلك الثوب يسمى اللقى ; قال قائل من العرب :كفى حزنا كري عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريمفكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ; فأنزل الله تعالى : يابني آدم خذوا زينتكم الآية .

وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا يطوف بالبيت عريان .

قلت : ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال ; لما رواه كرز بن وبرة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم : خذوا زينة الصلاة .

قيل : وما زينة الصلاة ؟

قال : البسوا نعالكم فصلوا فيها .

[ ص: 171 ] الثانية : دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم .

وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة .

وقال الأبهري هي فرض في الجملة ، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها .

وهو الصحيح ; لقوله عليه السلام للمسور بن مخرمة : ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة .

أخرجه مسلم .

وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة ، واحتج بأنه لو كان فرضا في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي ; لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه ، أو بدله مع عدمه ، أو تسقط الصلاة جملة ، وليس كذلك .

قال ابن العربي : وإذا قلنا إن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه ; قاله ابن القاسم .

وقال سحنون : وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد .

وروي عن سحنون أيضا : أنه يعيد ويعيدون ; لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة ، فإذا ظهرت بطلت الصلاة .

أصله الطهارة .

قال القاضي ابن العربي : أما من قال ، إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطا ، وأما من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها .

وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن سلمة قال : لما رجع قومي من عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قال : ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن .

قال : فدعوني فعلموني الركوع والسجود ; فكنت أصلي بهم وكانت علي بردة مفتوقة ، وكانوا يقولون لأبي : ألا تغطي عنا است ابنك .

لفظ النسائي .

وثبت عن سهل بن سعد قال : لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كأمثال الصبيان ; فقال قائل : يا معشر النساء ، لا ترفعن رءوسكن حتى ترفع الرجال .

أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود .الثالثة : واختلفوا إذا رأى عورة نفسه ; فقال الشافعي : إذا كان الثوب ضيقا يزره أو يخلله بشيء لئلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة ، فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة .

وهو قول أحمد .

ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ، ليس عليه سراويل .

وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور .

وكان سالم يصلي محلول الأزرار .

وقال داود الطائي : إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به .

وحكى معناه الأثرم عن أحمد .

فإن كان إماما فلا يصلي إلا [ ص: 172 ] بردائه ; لأنه من الزينة .

وقيل : من الزينة الصلاة في النعلين ; رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح .

وقيل : زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه .

قال أبو عمر : لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي .

وقال عمر رضي الله عنه : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى في إزار ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء - وأحسبه قال : في تبان وقميص - في تبان ورداء ، في تبان وقباء .

رواه البخاري والدارقطني .الرابعة : قوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا قال ابن عباس : أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة .

فأما ما تدعو الحاجة إليه ، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ ، فمندوب إليه عقلا وشرعا ، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس ; ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال ; لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ، ويضعف عن العبادة ، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل .

وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد ; لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا .

وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين : فقيل حرام ، وقيل مكروه .

قال ابن العربي : وهو الصحيح ; فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان .

ثم قيل : في قلة الأكل منافع كثيرة ; منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا .

وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة ، ويتولد منه الأمراض المختلفة ، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل .

وقال بعض الحكماء : أكبر الدواء تقدير الغذاء .

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه .

خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب .

قال [ ص: 173 ] علماؤنا : لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة .

ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين : ليس في كتابكم من علم الطب شيء ، والعلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان .

فقال له علي : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا .

فقال له : ما هي ؟

قال قوله عز وجل : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا .

فقال النصراني : ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب .

فقال علي : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة .

قال : ما هي ؟

قال : المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته .

فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا .

قلت : ويقال إن معالجة المريض نصفان : نصف دواء ونصف حمية : فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برئ وصح .

وإلا فالحمية به أولى ; إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية .

ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء .

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصل كل دواء الحمية .

والمعني بها - والله أعلم - أنها تغني عن كل دواء ; ولذلك يقال : إن الهند جل معالجتهم الحمية ، يمتنع المريض عن الأكل والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح .

الخامسة : روى مسلم عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد .

وهذا منه صلى الله عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة .

وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته .

كما قال قائلهم :تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمروقالت أم زرع في ابن أبي زرع : ويشبعه ذراع الجفرة .

وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل :فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعاوقال الخطابي : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : المؤمن يأكل في معى واحد أنه يتناول دون شبعه ، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره ; فيقنعه ما أكل .

والتأويل الأول أولى والله أعلم .

وقيل [ ص: 174 ] في قوله عليه السلام : والكافر يأكل في سبعة أمعاء ليس على عمومه ; لأن المشاهدة تدفعه ، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن ، ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد .

وقيل : هو إشارة إلى معين .

ضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف كافر يقال : إنه الجهجاه الغفاري .

وقيل : ثمامة بن أثال .

وقيل : نضلة بن عمرو الغفاري .

وقيل : بصرة بن أبي بصرة الغفاري .

فشرب حلاب سبع شياه ، ثم إنه أصبح فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

فكأنه قال : هذا الكافر .

والله أعلم .

وقيل : إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوي على الطاعة ، فأخذ منه قدر الحاجة ، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط .

واختلف في هذه الأمعاء ، هل هي حقيقة أم لا ؟

فقيل : حقيقة ، ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح .

وقيل : هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم : يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما .

وقيل : المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء .

والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معى واحد ; فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله ، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثال .

والمعى في هذا الحديث هو المعدة .السادسة : وإذا تقرر هذا فاعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام وبعده ; لقوله .

عليه السلام : الوضوء قبل الطعام وبعده بركة .

وكذا في التوراة .

رواه زاذان عن سلمان .

وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة .

والاقتداء بالحديث أولى .

ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا ؟

فإنه إن كان حارا فقد يتأذى .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أبردوا بالطعام فإن الحار غير ذي بركة حديث صحيح .

وقد تقدم في " البقرة " ولا يشمه فإن ذلك من عمل البهائم ، بل إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه ، ويصغر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يعد شرها .

ويسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره .

ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل ; لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل .

وآداب الأكل كثيرة ، هذه جملة منها .

وسيأتي بعضها في سورة " هود " إن شاء الله تعالى .

وللشراب أيضا آداب معروفة ، تركنا ذكرها لشهرتها .

وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله .[ ص: 175 ] السابعة : قوله تعالى ولا تسرفوا أي في كثرة الأكل ، وعنه يكون كثرة الشرب ، وذلك يثقل المعدة ، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل الخير .

فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه ، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه .

روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : أكلت ثريدا بلحم سمين ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشى ; فقال : اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة .

فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا ، وكان إذا تغدى لا يتعشى ، وإذا تعشى لا يتغدى .

قلت : وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام : المؤمن يأكل في معى واحد أي التام الإيمان ; لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده ; فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته .

والله أعلم .

وقال ابن زيد : معنى ولا تسرفوا لا تأكلوا حراما .

وقيل : " من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت " .

رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجه ابن ماجه في سننه .

وقيل : من الإسراف الأكل بعد الشبع .

وكل ذلك محظور .

وقال لقمان لابنه : يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع ، فإنك أن تنبذه للكلب خير من أن تأكله .

وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل ؟

قالوا : بشم البارحة .

قال : بشم !

فقالوا : نعم .

قال : أما إنه لو مات ما صليت عليه .

وقيل : إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم ، ويكتفون باليسير من الطعام ، ويطوفون عراة .

فقيل لهم : خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى - بعد ما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها.

ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذا الأمر بستر العورة في الصلاة، وباستعمال التجميل فيها ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس.

ثم قال: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } أي: مما رزقكم اللّه من الطيبات { وَلَا تُسْرِفُوا } في ذلك، والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.

{ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } فإن السرف يبغضه اللّه، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) قال أهل التفسير : كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة ، فأنزل الله - عز وجل - : " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد " ، يعني الثياب .

قال مجاهد : ما يواري عورتك ولو عباءة .

قال الكلبي : الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة .

( وكلوا واشربوا ) قال الكلبي : كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما ، يعظمون بذلك حجهم ، فقال المسلمون : نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله ، فأنزل الله - عز وجل - : " وكلوا " يعني اللحم والدسم " واشربوا " اللبن ( ولا تسرفوا ) بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم والدسم ، ( إنه لا يحب المسرفين ) الذين يفعلون ذلك .

قال ابن عباس : كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة .

قال علي بن الحسين بن واقد : قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال : " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا بني آدم خذوا زينتكم» ما يستر عورتكم «عند كل مسجد» عند الصلاة والطواف «وكلوا واشربوا» ما شئتم «ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا بني آدم كونوا عند أداء كل صلاة على حالة من الزينة المشروعة من ثياب ساترة لعوراتكم ونظافة وطهارة ونحو ذلك، وكلوا واشربوا من طيبات ما رزقكم الله، ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في ذلك.

إن الله لا يحب المتجاوزين المسرفين في الطعام والشراب وغير ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء ثالثا إلى بنى آدم أمرهم فيه بالتمتع بالحلال ، وبزينة الله التى أخرجها لعباده بدون إسراف أو تبذير فقال - تعالى - : ( يابني ءَادَمَ .

.

.

) .المعنى : عليكم يا بنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم ، وأن تتحلوا بلباس زينتكم كلما صليتم أو طفتم ، واحذروا أن تطوفوا بالبيت الحرام وأنتم عرايا .قال القرطبى : " يا بنى آدم هو خطاب لجميع العالم ، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ، فإنه عام فى كل مسجد للصلاة ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " .وقال ابن عباس : " كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة ، الرجال بالنهار ، والنساء بالليل .

يقولون : لا نطوف فى ثياب عصينا الله فيها " .

فأنزل الله - تعالى - : ( يابني ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) .ثم أمرهم - سبحانه - أن يتمتعوا بالطيبات بدون إسراف أو تقتير فقال : ( وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ) .أى : كلوا من المآكل الطيبة ، واشربوا المشارب الحلال ولا تسرفوا لا فى زينتكم ولا فى مأكلكم أو مشربكم .

لأنه - سبحانه - يكره المسرفين .قال الإمام ابن كثير : " قال بعض السلف : جمع الله الطب فى نصف آية فى قوله : ( وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا ) " وقال البخارى : قال ابن عباس : " كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة " .وقد كان السلف الصالح يقفون بين يدى الله فى عبادتهم وهم فى أكمل زينة ، فهذا - مثلا - الإمام الحسن بن على ، كان إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه فقيل له؛ يابن بنت رسول الله لم تلبس أجمل ثيابك .

فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، فأنا أتجمل لربى ، لأنه هو القائل : ( خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) .وقال الكلبى : " كانت بنو عامر لا يأكلون فى أيام حجهم إلا قوتا ولا يأكلون لحما ولا دسما يعظمون بذلك حجهم ، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم فأنزل - تعالى - : ( وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا ) .فهذه الآية الكريمة تهدى الناس إلى ما يصلح معاشهم ومعادهم ، إذ أنها أباحت للمسلم أن يتمتع بالطيبات التى أحلها الله ، ولكن بدون إسراف أو بطر ، ولذا جاء الرد على المتنطعين الذين يضيقون على أنفسهم ما وشعه الله فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما أمر بالقسط في الآية الأولى، وكان من جملة القسط أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب، لا جرم أتبعه بذكرهما، وأيضاً لما أمر بإقامة الصلاة في قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  ﴾ وكان ستر العورة شرطاً لصحة الصلاة لا جرم أتبعه بذكر اللباس، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: إن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عُراة الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عُراة.

وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، ومنهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلاً حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ ستراً تعلقه على حقويها، لتستتر به عن الحمس، وهم قريش، فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك، وكانوا يصلون في ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم واشربوا ولا تسرفوا.

المسألة الثانية: المراد من الزينة لبس الثياب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  ﴾ يعني الثياب، وأيضاً فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، ولذلك صار التزيين بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة، وأيضاً أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يوارى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا  ﴾ فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة، وأيضاً فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة، وأيضاً فقوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أمر والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه إقامة كل صلاة، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: إنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ ولا شك أن ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أمر إباحة أيضاً.

وجوابه: أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه، وأيضاً فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضاً في الحكم.

السؤال الثاني: أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العري.

والجواب: أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة.

ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء، إجماعاً، فبقي الباقي داخلاً تحت اللفظ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة، وجب أن تفسد الصلاة عند تركه، لأن تركه يوجب ترك المأمور به، وترك المأمور به معصية، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول.

المسألة الثالثة: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة النجاسة بماء الورد.

فقالوا: أمرنا بالصلاة في قوله: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة  ﴾ والصلاة عبارة عن الدعاء، وقد أتى بها، والإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملاً بقوله تعالى: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة، فوجب أن يكون كافياً في صحة الصلاة.

وجوابنا: أن الألف واللام في قوله: ﴿ أَقِيمُواْ الصلاة ﴾ ينصرفان إلى المعهود السابق، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، لم قلتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد؟

والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل، وكانوا لا يأكلون الدسم، يعظمون بذلك حجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة.

والقول الثاني: أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لفساد قولهم في هذا الباب.

واعلم أن قوله: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا ﴾ مطلق يتناول الأوقات والأحوال، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل، والعقل أيضاً مؤكد له، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

والقول الثاني: وهو قول أبي بكر الأصم: أن المراد من الإسراف، قولهم بتحريم البحيرة والسائبة، فإنهم أخرجوها عن ملكهم، وتركوا الانتفاع بها، وأيضاً أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضاً أشياء أحلها الله تعالى لهم، وذلك إسراف.

واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين ﴾ وهذا نهاية التهديد، لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محروماً عن الثواب، لأن معنى محبة الله تعالى العبد إيصاله الثواب إليه، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب، ومتى لم يحصل الثواب، فقد حصل العقاب، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف، لا يثاب ولا يعاقب.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن هذه الآية ظاهرها استفهام، إلا أن المراد منه تقرير الإنكار، والمبالغة في تقرير ذلك الإنكار، وفي الآية قولان: القول الأول: أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تُسْتَر به العورة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وكثير من المفسرين.

والقول الثاني: أنه يتناول جميع أنواع الزينة، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحتها المركوب، ويدخل تحتها أيضاً أنواع الحلي، لأن كل ذلك زينة، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلاً تحت هذا العموم، ويدخل تحت الطيبات من الرزق، كل ما يستلذ ويشتهيى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل أيضاً تحته التمتع بالنساء وبالطيب.

وروي عن عثمان بن مظعون: أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: غلبني حديث النفس، عزمت على أن أختصي، فقال: مهلاً يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب.

قال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال: تحدثني نفسي بالسياحة فقال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة فقال: إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك، فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك فقال: إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال: إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها.

قال: إن المسلم إذا غشى أهله أو ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإذا كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعاً ورحمة يوم القيامة قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل أمرني بالطيب غباً وقال لا تتركه يوم الجمعة ثم قال: «يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإن من رغب عن سنتي ومات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي».

واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه، إلا ما خصه الدليل، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله ﴾ .

المسألة الثانية: مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الإنسان به، وجب أن يكون حلالاً، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالاً، فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة، لأن كل واقعة تقع، فإما أن يكون النفع فيها خالصاً، أو راجحاً أو الضرر يكون خالصاً أو راجحاً، أو يتساوى الضرر والنفع، أو يرتفعا.

أما القسمان الأخيران، وهو أن يتعادل الضرر والنفع، أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين، وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً، وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً يقابل المثل بالمثل، ويبقى القدر الزائد نفعاً خالصاً، فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصاً، وإن كان الضرر خالصاً، كان تركه خالص النفع، فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً، فكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة، ثم إن وجدنا نصاً خالصاً في الواقعة، قضينا في النفع بالحل، وفي الضرر بالحرمة، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلاً تحت النص ثم قال نفاة القياس.

فلو تعبدنا الله تعالى بالقياس، لكان حكم ذلك القياس.

إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام، وحينئذ يكون ضائعاً، لأن هذا النص مستقل به.

وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص، فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس.

قالوا: وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافياً ببيان كل أحكام الشريعة، ولا حاجة معه إلى طريق آخر، فهذا تقرير قول من يقول: القرآن واف ببيان جميع الوقائع.

والله أعلم.

وأما قوله تعالى: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد.

فإن قيل: هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم؟

قلنا: فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبع لهم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار  ﴾ والحاصل: أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة أما في الدنيا فإنها تكون مكدرة مشوبة.

المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ بالرفع والباقون بالنصب، قال الزجاج: الرفع على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة.

قال أبو علي: ويجوز أن يكون قوله: ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ خبر المبتدأ وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ متعلقاً بخالصة.

والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا وأما القراءة بالنصب، فعلى الحال والمعنى: أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة.

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ومعنى تفصيل الآيات قد سبق وقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ أي ريشكم ولباس زينتكم ﴿ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ ﴾ كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة.

وعن طاوس، لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه، لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

والسنّة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة، وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلاّ قوتاً، ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل، فقيل لهم: كلوا واشربوا ولا تسرفوا.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة.» ويحكى: أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء.

والعلم علمان، علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله تعالى: ﴿ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب؟

فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة، قال: وما هي؟

قال قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأعط كل بدن ما عوّدته» فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

﴿ زِينَةَ الله ﴾ من الثياب وكل ما يتجمل به ﴿ والطيبات مِنَ الرزق ﴾ المستلذات من المآكل والمشارب.

ومعنى الاستفهام في من: إنكار تحريم هذه الأشياء.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها ﴿ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الحياوة الدنيا ﴾ غير خالصة لهم؛ لأنّ المشركين شركاؤهم فيها ﴿ خَالِصَةٌ ﴾ لهم ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ لا يشركهم فيها أحد.

فإن قلت: هلا قيل: هي للذين آمنوا ولغيرهم.

قلت: لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبع لهم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار ﴾ [البقرة: 126] وقرئ: ﴿ خالصةً ﴾ بالنصب على الحال، وبالرفع على أنها خبر بعد خبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ ثِيابَكم لِمُواراةِ عَوْرَتِكم.

﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ لِطَوافٍ أوْ صَلاةٍ، ومِنَ السُّنَّةِ أنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أحْسَنَ هَيْئَةٍ لِلصَّلاةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ.

﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ ما طابَ لَكم.

رُوِيَ: أنَّ بَنِي عامِرٍ في أيّامِ حَجِّهِمْ كانُوا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ إلّا قُوتًا ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم فَهُمُ المُسْلِمُونَ بِهِ، فَنَزَلَتْ.

﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ، أوْ بِالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ، أوْ بِإفْراطِ الطَّعامِ والشَّرَهِ عَلَيْهِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلْ ما شِئْتَ، والبَسْ ما شِئْتَ، ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ: قَدْ جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ في نِصْفِ آيَةٍ فَقالَ: (كُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا) .

﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ أيْ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا بني آدم خُذُواْ زِينَتَكُمْ} لباس زينتكم {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} كلما صليتم وقيل الزينة المشط والطيب والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيآته للصلاة لأن الصلاة مناجاة الرب فيستحب لها التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر {وَكُلُواْ} من اللحم والدسم {واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ} بالشروع في الحرام أو في مجاوزة الشبع {إِنَّهُ لا يحب المسرفين} وعن ابن عباس رضى الله عنهما كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة وكان للرشيد طبيب نصرانى حاذق فقال لعلى بن الحسين واقد ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له عليّ قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله {وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ} فقال النصراني ولم يرو عن رسولكم شيء في الطب فقال قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليه السلام المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته فقال النصراني ما ترك كتابكم

ولا نبيكم لجالينوس طباً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ أيْ ثِيابَكم لِمُواراةِ عَوْراتِكم لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنَ الأمْرِ الوُجُوبُ والواجِبَ إنَّما هو سَتْرُ العَوْرَةِ ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ أيْ طَوافٍ أوْ صَلاةٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ أُناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً حَتّى أنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ فَتُعَلِّقُ عَلى سُفْلِها سُيُورًا مِثْلَ هَذِهِ السُّيُورِ الَّتِي تَكُونُ عَلى وجْهِ الحُمُرِ مِنَ الذُّبابِ وهي تَقُولُ.

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ عَلى لِباسِ التَّجَمُّلِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِنهُ ونُسِبَ لِلْباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ لَبِسَ أجْوَدَ ثِيابِهِ فَقِيلَ لَهُ: يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ  لِمَ تَلْبَسُ أجْوَدَ ثِيابِكَ فَقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ فَأتَجَمَّلُ لِرَبِّي وهو يَقُولُ ﴿ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ فَأُحِبُّ أنْ ألْبَسَ أجْمَلَ ثِيابِي ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ لا يُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ لِظُهُورِ أنَّ هَذا التَّزْيِينَ مَسْنُونٌ لا واجِبَ وقِيلَ إنَّ الآيَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ تُشِيرُ إلى سُنِّيَّةِ التَّجَمُّلِ لِأنَّها لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ أخْذِ الزِّينَةِ لِسَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنهُ في الجُمْلَةِ حُسْنُ التَّزْيِينِ بِلُبْسِ ما فِيهِ حُسْنٌ وجَمالٌ عِنْدَهُ ونُسِبَ بَيْتُ الكَذِبِ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ التَّمْشِيطُ كَأنَّهُ قِيلَ تَمَشَّطُوا عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ الزِّينَةِ ولَيْسَ المَقْصُودُ حَصْرَها فِيما ذُكِرَ ومِثْلُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عُدَيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «خُذُوا زِينَةَ الصَّلاةِ قالُوا وما زِينَةُ الصَّلاةِ قالَ البَسُوا نِعالَكم فَصَلُّوا فِيها» .

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ ..

إلَخْ.

صَلُّوا في نِعالِكم وكُلُوا واشْرَبُوا مِمّا طابَ لَكم» قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا في أيّامِ حَجِّهِمْ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ومِنهُ يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا ﴿ ولا تُسْرِفُوا ﴾ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ كَما هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزُولِ أوْ بِالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ بِالإفْراطِ في الطَّعامِ والشَّرَهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إيّاكم والبِطْنَةَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ فَإنَّها مَفْسَدَةٌ لِلْجَسَدِ مُورِثَةٌ لِلسَّقَمِ مَكْسَلَةٌ لِلصَّلاةِ وعَلَيْكم بِالقَصْدِ فِيهِما فَإنَّهُ أصْلَحُ لِلْجَسَدِ وأبْعَدُ مِنَ السَّرَفِ وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ وإنَّ الرَّجُلَ لَنْ يَهْلَكَ حَتّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلى دِينِهِ.

وقِيلَ المُرادُ الإسْرافُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ بِما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وعُدَّ مِنهُ أكْلُ الشَّخْصِ كُلَّما اشْتَهى وأكْلُهُ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنَّ مِنَ الإسْرافِ أنْ تَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ» وأخْرَجَ الثّانِي وضَعَّفَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «رَآنِي النَّبِيُّ  وقَدْ أكَلْتُ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَقالَ يا عائِشَةُ أما تُحِبِّينَ أنْ يَكُونَ لَكِ شُغْلٌ إلّا في جَوْفِكِ الأكْلُ في اليَوْمِ مَرَّتَيْنِ مِنَ الإسْرافِ» وعِنْدِي أنَّ هَذا مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الإفْراطِ في الطَّعامِ وعُدُّ مِنهُ طَبْخُ الطَّعامِ بِماءِ الوَرْدِ وطَرْحُ نَحْوِ المِسْكِ فِيهِ مَثَلًا مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ سِوى الشَّهْوَةِ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الإسْرافَ المَنهِيَّ عَنْهُ يَعُمُّ ما كانَ في اللِّباسِ أيْضًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ كُلْ ما شِئْتَ والبَسْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ» ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْهُ تَعْلِيقًا وهو لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الثَّعالِبِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأُدَباءِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَأْكُلَ ما يَشْتَهِي ويَلْبَسَ ما يَشْتَهِيهِ النّاسُ كَما قِيلَ: نَصَحْتُهُ نَصِيحَةً قالَتْ بِها الأكْياسُ كُلْ ما اشْتَهَيْتَ والبَسَنَّ ما تَشْتَهِيهِ النّاسُ فَإنَّهُ لِتَرْكِ ما لَمْ يُعْتَدَّ بَيْنَ النّاسِ وهَذا لِإباحَةِ كُلِّ ما اعْتادُوهُ وفي العَجائِبِ لِلْكَرْمانِيِّ قالَ طَبِيبٌ نَصْرانِيٌّ لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ لَيْسَ في كِتابِكم مِن عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ والعِلْمُ عِلْمانِ عِلْمُ الأبْدانِ وعِلْمُ الأدْيانِ فَقالَ لَهُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الطِّبَّ كُلَّهُ في نِصْفِ آيَةٍ مِن كِتابِهِ قالَ وما هي قالَ ( كُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا ) فَقالَ النَّصْرانِيُّ ولا يُؤْثَرُ مِن رَسُولِكم شَيْءٌ في الطِّبِّ فَقالَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الطِّبَّ في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ فَقالَ وما هي قالَ قَوْلُهُ  «المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ والحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَواءٍ» «وأعْطِ كُلَّ بَدَنٍ ما عَوَّدْتَهُ» فَقالَ ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لَجِالِينُوسَ طِبًّا.

انْتَهى.

وما نَسَبَهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو مِن كَلامِ الحَرْثِ بْنِ كَلْدَةَ طَبِيبِ العَرَبِ ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ  وفي الإحْياءِ مَرْفُوعًا البِطْنَةُ أصْلُ الدّاءِ والحِمْيَةُ أصْلُ الدَّواءِ وعَوْدٌ وأكْلٌ جَسُّ ما اعْتادَ وتَعَقَّبَهُ العِراقِيُّ قائِلًا لَمْ أجِدْ لَهُ أصْلًا.

وفِي شُعَبِ الإيمانِ لِلْبَيْهَقِيِّ ولَقْطِ المَنافِعِ لِابْنِ الجَوْزِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أيْضًا «المَعِدَةُ حَوْضُ البَدَنِ والعُرُوقُ إلَيْها وارِدَةٌ فَإذا صَحَّتِ المَعِدَةُ صارَتِ العُرُوقُ بِالصِّحَّةِ وإذا فَسَدَتِ المَعِدَةُ صارَتِ العُرُوقُ بِالسَّقَمِ» .

وتَعَقَّبَهُ الدّارَقُطْنِيُّ قائِلًا: نَعْرِفُ هَذا مِن كَلامِ النَّبِيِّ  وإنَّما هو مِن كَلامِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبْحُرَ.

وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ مُحَمَّدٌ لِخَلّالٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ  دَخَلَ عَلَيْها وهي تَشْتَكِي فَقالَ لَها: يا عائِشَةُ الأزْمُ دَواءٌ والمَعِدَةُ بَيْتُ الأدْواءِ وعَوِّدُوا البَدَنَ ما اعْتادَ» ولَمْ أرَ مَن تَعَقَّبَهُ نَعَمْ رَأيْتُ في النِّهايَةِ لِابْنِ الأثِيرِ سَألَ عَمْرٌو الحَرْثَ بْنَ كِلْدَةَ ما الدَّواءُ قالَ: الأزْمُ يَعْنِي الحِمْيَةَ وإمْساكُ الأسْنانِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ نَعَمِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ في ذَمِّ الشِّبَعِ وكَثْرَةِ الأكْلِ وفي ذَلِكَ إرْشادٌ لِلْأُمَّةِ إلى كُلِّ الحِكْمَةِ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ (31) بَلْ يَبْغَضُهم ولا يَرْضى أفْعالَهم والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَما قِيلَ أُصُولَ الأحْكامِ الأمْرَ والإباحَةَ والنَّهْيَ والخَبَرَ.

﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ مِنَ الثِّيابِ وكُلِّ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ ﴿ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ أيْ خَلَقَها لِنَفْعِهِمْ مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ والمَعادِنِ كالخَواتِمِ والدُّرُوعِ ﴿ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ وقِيلَ: المُحَلَّلاتُ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ كَلَحْمِ الشّاةِ وشَحْمِها ولَبَنِها واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ الإباحَةُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في ( مَن ) لِإنْكارِ تَحْرِيمِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الفُرْسِ أنَّهُ قالَ: اسْتَدَلَّ بِها مَن أجازَ لُبْسَ الحَرِيرِ والخَزِّ لِلرِّجالِ ورُوِيَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَشْتَرِي كِساءَ الخَزِّ بِخَمْسِينَ دِينارًا فَإذا أصافَ تَصَدَّقَ بِهِ لا يَرى بِذَلِكَ بَأْسًا ويَقُولُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي البسوا ثيابكم واستروا عوراتكم عند كل صلاة.

قال السدي: كان هؤلاء والذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون الودك.

فقال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا في التحريم.

ويقال: الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له أكله فوق القصد ومقدار الحاجة.

وقيل لبعض الأطباء: هل وجدت الطب في كتاب الله تعالى؟

قال: نعم قد جمع الله الطب كله في هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي لا تحرموا ما أحل الله لكم، فإنَّ المحرم ما أحل الله كالمحل ما حرم الله تعالى.

قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وهو أنه لما نزل قوله: خُذُوا زِينَتَكُمْ لبسوا الثياب وطافوا بالبيت مع الثياب فعيرهم المشركون، فنزل قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعني: لبس الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي خلقها لهم لعباده أي أوجد.

وقيل: أظهر وقيل على حقيقته كان في السماء أو في الأرض فأخرجه.

وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ يعني: الحلال وهو اللحم والشحم والدسم قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل: في الآية تقديم.

ومعناه: قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قرأ نافع: خَالِصَةٌ بضم التاء وقرأ الباقون بالنصب خَالِصَةً فمن قرأ بالضم فهو خبر بعد خبر يعني: هي ثابتة لهم خالصة أي ثابتة.

معناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشترك فيها المؤمن والكافر وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة وقال القتبي: هذا من الاختصار ومعناه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وفي الآخرة خالصة ثم قال: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: العلامات ويقال: نبيّن الآيات من أمره ونهيه وما يكون في الدنيا والآخرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي يفهمون أمر الله تعالى.

ثم أخبرهم بما حرّم عليهم فقال: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ يعني: المعاصي.

ويقال الإثم يعني: الخمر كما قال القائل: شربت الإثم حتى ضل عقلي ...

كذاك الإثم يذهب بالعقول وَالْبَغْيَ يعني: حرم الاستطالة وظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ يقول: وحرّم أن تشركوا بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يقول: ما لم ينزل به كتاباً فيه عذركم وحجة لكم وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ أي وحرم عليكم أن تقولوا على الله ما لاَ تَعْلَمُونَ أنه حرم عليكم.

ثم خوفهم فقال: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يعني: لكل أهل دين مُهلة للعذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ بالعذاب لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً بعد الأجل وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ساعة قبل الأجل.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شَرْعُ القبلة والتزامها.

وقيل: أراد الأمر بإحضار النية لله في كُلِّ صَلاَةٍ، والقصد نحوه، كما تقول: وَجَّهْتُ وَجْهِي لله قاله الربيع «١» .

وقيل: المراد إبَاحَةُ الصلاة في كُلِّ موضع من الأرض، أي: حيث ما كنتم فهو مَسْجِدٌ لكم تلزمكم عند الصَّلاَةِ إقامة وجوهكم فيه لله عز وجل.

وقوله سبحانه: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قال ابن عَبِّاسٍ، وقتادة، ومجاهد: المعنى: كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموتِ «٢» والوقف على هذا التأويل تعودون و «فريقاً» نصب ب «هدى» والثاني منصوب بِفِعْلٍ تقديره: وعذب فريقاً.

وقال جابر بن عبد اللَّه/ وغيره: وروي معناه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن المُرَادَ الإعلام بأن مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحُسْنَى، وكتب سعيداً كان في الآخِرَةِ سَعِيداً، ومن كتب عليه أنه من أَهْلِ الشَّقَاءِ، كان في الآخرة شَقِيًّا، ولا يتبدَّل من الأمور التي أحكمها وَدَبَّرَهَا، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله: تَعُودُونَ غير حسن وفَرِيقاً على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف على الأول.

وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ معناه: يظنُّونَ.

قال الطبري «٣» : وهذه الآية دَلِيلٌ على خَطَإ من زَعَمَ أن اللَّه لا يعذب أحداً على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب.

وقوله سبحانه: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الآية: هذا خطاب عَامٌ لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه الأَشْيَاءِ بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مُشْرِكِي العَرَبِ فيها، والزينة الثياب الساترة.

قاله مجاهد وغيره «٤» .

وعِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

أي: عند كل مَوْضِعِ سُجُودٍ، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها.

ت: ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللِّبَاسِ، فمن أحسن الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالِكٌ في «الموطأ» عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنَّ أُزْرَةَ المُؤْمِنِ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ عليه فيما بينه وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، ما أَسْفَلَ من ذَلِكَ ففي النَّارِ» قال ذلك ثلاث مرات: «لاَ يَنْظُرُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً» «١» .

وحَدَّثَ أَبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ابن عمر قال: فيما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الإزَارِ فهو في القَمِيصِ يعني ما تَحْتَ الكَعْبَيْنِ من القَمِيصِ في النار «٢» ، كما قال في الإزَارِ، وقد روى أبو خيثمة زهير بن مُعَاوِيةَ «٣» قال: سمعت أَبا إِسْحَاقَ السبيعي يقول: أدركتهم وقمصهم إلى نِصْفِ الساق أو قريب من ذلك، وكُمُّ أحدهم لا يُجَاوِزُ يَدَهُ انتهى.

وروى أبو داود عن أسماء بنت يَزِيدَ قالت: كانت يَدُ كُمِّ قميص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الرّسْغ «٤» ، وأما أحبُّ اللِّبَاسِ فما رواه أبو داود عن أم سلمة قالت: كان أحبّ الثياب إلى رسول

الله صلّى الله عليه وسلّم القميص «١» .

انتهى.

وجاء في المُسْبِلِ وَعيدٌ شديد وعنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لرجل أَسْبَلَ إزاره: «إن هذا كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزَارَهُ وإِن اللَّه لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مسبل إزاره» رواه أبو داود «٢» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إباحة لما التزموه من تَحْرِيمِ اللحم، والودك «٣» في أيام المواسم.

قاله ابن زَيْدٍ وغيره، ويدخل في ذلك «٤» البَحِيرَةُ والسائبة، ونحو ذلك نصّ على ذلك قَتَادَةُ.

وقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا معناه: لا تفرطوا.

قال أهل التأويل: يريد تُسْرِفُوا بأن تحرموا ما لم يحرّم الله عز وجل واللفظةَ تَقْتَضِي النهي عن السَّرَفِ مُطْلَقاً، ومن تَلَبَّسَ بفعلٍ مباح، فإن مشى فيه على القَصْدِ، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفْرَطَ جعل أيضا من المسرفين.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ ناسًا مِنَ الأعْرابِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانَتِ المَرْأةُ تُعَلِّقُ عَلى فَرْجِها سُيُورًا، وتَقُولُ: اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كانُوا إذا حَجُّوا، فَأفاضُوا مِن مِنى، لا يَصْلُحُ لِأحَدٍ مِنهم في دِينِهِ الَّذِي اشْتَرَعُوا أنْ يَطُوفَ في ثَوْبَيْهِ، فَيُلْقِيهِما حَتّى يَقْضِيَ طَوافَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً، إلّا الحَمْسَ، قُرَيْشٌ وأحْلافُها، فَمَن جاءَ مِن غَيْرِهِمْ، وضَعَ ثِيابَهُ وطافَ في ثَوْبَيْ أحْمَسُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُعِيرُهُ مِنَ الحَمْسِ، ألْقى ثِيابَهُ وطافَ عُرْيانًا، فَإنْ طافَ في ثِيابِ نَفْسِهِ، جَعَلَها حَرامًا عَلَيْهِ إذا قَضى الطَّوافَ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وفي هَذِهِ الزِّينَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الثِّيابُ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ورَدَ في سَتْرِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في جَماعَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ورَدَ في سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ورَدَ في التَّزَيُّنِ بِأجْمَلِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ: المُشْطُ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ في أيّامِ حَجِّهِمْ دَسَمًا، ولا يَنالُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، تَعْظِيمًا لَحُجَّتِهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ .

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تُسْرِفُوا بِتَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَأْكُلُوا حَرامًا، فَذَلِكَ الإسْرافُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: لا تُشْرِكُوا، فَمَعْنى الإسْرافِ هاهُنا: الإشْراكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لا تَأْكُلُوا مِنَ الحَلالِ فَوْقَ الحاجَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَنُقِلَ أنَّ الرَّشِيدَ كانَ لَهُ طَبِيبٌ نَصْرانِيٌّ حاذِقٌ، فَقالَ لَعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ واقَدٍ: لَيْسَ في كِتابِكم مِن عِلْمِ الطِّبِّ شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيُّ: قَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الطِّبَّ في نِصْفِ آَيَةٍ مِن كِتابِنا.

قالَ: ما هِيَ؟

قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا ﴾ قالَ النَّصْرانِيُّ: ولا يُؤْثَرُ عَنْ نَبِيِّكم شَيْءٌ مِنَ الطِّبِّ، فَقالَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُنا عِلْمَ الطِّبِّ في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ.

قالَ: وما هِيَ؟

قالَ: "المَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ" والحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّواءِ، وعَوِّدُوا كُلَّ بَدَنٍ ما اعْتادَ" .

فَقالَ النَّصْرانِيُّ: ما تَرَكَ كِتابُكم ولا نَبِيُّكم لِجالِينُوسَ طِبًّا.

قالَ المُصَنِّفُ: هَكَذا نُقِلَتْ هَذِهِ الحِكايَةُ، إلّا أنَّ هَذا الحَدِيثَ المَذْكُورَ فِيها عَنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُثْبَتُ.

وقَدْ جاءَتْ عَنْهُ في الطِّبِّ أحادِيثٌ قَدْ ذَكَرْتُها في كِتابِ "لَقْطِ المَنافِعِ في الطِّبِّ" <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ هَذا خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ وأُمِرُوا بِهَذِهِ الأشْياءِ بِسَبَبِ عِصْيانِ حاضِرِي ذَلِكَ الوَقْتِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ فِيها.

وَ"اَلزِّينَةُ"؛ هَهُنا: اَلثِّيابُ الساتِرَةُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ طاوُسٌ: اَلشَّمْلَةُ مِنَ الزِينَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ والسِواكُ؛ وبِدَلُ الثِيابِ؛ وكُلُّ ما وُجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَرِيعَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُسْتَعْمِلُهُ الخُيَلاءَ.

و ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ؛ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ؛ فَهي إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها؛ هَذا هو مُهِمُّ الأمْرِ؛ ويَدْخُلُ مَعَ الصَلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها؛ ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا أنَّ مَعْنى ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ ؛ صَلُّوا في النِعالِ؛ وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ ؛ نَهْيٌ عَمّا كانُوا التَزَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ اللَحْمِ؛ والوَدَكِ؛ في أيّامِ المَوْسِمِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وتَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا البَحِيرَةُ؛ والسائِبَةُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ ؛ وقالَ: إنَّ البَحِيرَةَ؛ وما جانَسَها؛ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُسْرِفُوا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُفَرِّطُوا"؛ قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ: يُرِيدُ: "وَلا تُسْرِفُوا بِأنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ؛ إنَّما السَرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: "فِي الحَلالِ القَصْدُ"؛ واللَفْظُ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ السَرَفِ مُطْلَقًا؛ فَمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ فَتَأوَّلَ تَلَبُّسَهُ بِهِ؛ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ؛ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ؛ وأوساطِ الأُمُورِ؛ فَحَسَنٌ؛ وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ ذَلِكَ: "أنْ يُفَرِّطَ الإنْسانُ في شِراءِ ثِيابٍ؛ ونَحْوِها؛ ويَسْتَنْفِدَ في ذَلِكَ جُلَّ مالِهِ؛ أو يُعْطِيَ مالَهُ أجْمَعَ؛ ويُكابِدَ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وَنَحْوُهُ؛ فاللهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا؛ وقَدْ نَهَتِ الشَرِيعَةُ عنهُ؛ ولِذَلِكَ وقَفَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالمُوصِي عِنْدَ الثُلُثِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَوْ حَطَّ الناسُ إلى الرُبُعِ لِقَوْلِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "والثُلُثُ كَثِيرٌ"؛ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: أحَلَّ اللهُ تَعالى الأكْلَ والشُرْبَ؛ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا؛ أو مَخْيَلَةً.

وأمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْألَهم عَمَّنْ حَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى ؛ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا السُؤالُ جَوابًا؛ وإنَّما المُرادُ مِنهُ التَوْقِيفُ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ السُؤالَ والجَوابَ جاءا في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وتُخُيِّلَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ جَوابًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظَرٌ فاسِدٌ؛ لَيْسَ ذَلِكَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ ولا يَقْتَضِي هَذا النَوْعُ مِنَ الأسْئِلَةِ جَوابًا؛ و"زِينَةُ اللهِ"؛ هي كُلُّ ما اقْتَضَتْهُ الشَهْوَةُ؛ وطَلَبُ العُلُوِّ في الأرْضِ؛ كالمالِ؛ والبَنِينَ؛ وهي الزِينَةُ الَّتِي فَضَّلَ الشَرْعَ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ ﴾ ؛ قالَ الجُمْهُورُ: يُرِيدُ: اَلْمُحَلَّلاتِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ: اَلْمُسْتَلَذّاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: إلّا أنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ؛ وإنَّما قادَ الشافِعِيَّ إلى هَذا تَحْرِيمُهُ المُسْتَقْذَراتِ؛ كالوَزَغِ؛ وغَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: هي مِنَ الخَبائِثِ؛ مُحَرَّمَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ .

قَرَأ نافِعٌ ؛ وحْدَهُ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والباقُونَ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والآيَةُ تُتَأوَّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ في الدُنْيا هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُنْيا؛ وخُلُوصُها أنَّهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها؛ ولا يُعَذَّبُونَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "آمَنُوا"؛ وإلى هَذا يُشِيرُ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: "قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا؛ يَنْتَفِعُونَ بِها في الدُنْيا؛ ولا يَتْبَعُهم إثْمُها"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "خالِصَةً"؛ ﴾ بِالرَفْعِ؛ خَبَرُ "هِيَ"؛ و"لِلَّذِينَ"؛ تَبْيِينٌ لِلْخُلُوصِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٌ"؛ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ الحِسابِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ والكِسائِيِّ: "قُلْ هي لِمَن آمَنَ في الحَياةِ الدُنْيا".

والمَعْنى الثانِي: هو أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ؛ هي في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ وإنْ كانَتْ أيْضًا لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ وهي يَوْمَ القِيامَةِ خالِصَةٌ لَهُمْ؛ أيْ لا يُشارِكُهم أحَدٌ في اسْتِعْمالِها في الآخِرَةِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ والحَسَنِ ؛ وقَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ ؛ وابْنِ زَيْدٍ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُتَعَلِّقٌ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هِيَ خالِصَةٌ - أو ثابِتَةٌ - في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا"؛ و"خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرادُ بِهِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ؛ وأمّا مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ فَعَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ والتَقْدِيرُ: "هِيَ ثابِتَةٌ - أو مُسْتَقِرَّةٌ - لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ في حال خُلُوصٍ لَهُمْ"؛ والعامِلُ فِيها ما في اللامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ لِلَّذِينَ  ﴾ ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ": ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ؛ بِقَوْلِهِ: "حَرَّمَ"؛ ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "زِينَةَ" لِأنَّها مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ ؛ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ؛ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا؛ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ  ﴾ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ  ﴾ ؛ مَعْطُوفٌ عَلى "كَسَبُوا"؛ داخِلٌ في الصِلَةِ؛ والتَعَلُّقُ بِـ "أخْرَجَ"؛ هو قَوْلُ الأخْفَشِ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "والطَيِّباتِ"؛ ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ مِنَ الرِزْقِ ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "آمَنُوا".

﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الأخِيرُ هو أصَحُّ الأقْوالِ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ؛ فِيما رَتَّبْناهُ هُنا؛ وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فَيُضْعِفُ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ المُتَعَلِّقاتُ الَّتِي ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ وإنَّما يَظْهَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى "كَذَلِكَ"؛ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ: "كَما فَصَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ المُتَقَدِّمَةَ الذِكْرِ فَكَذَلِكَ؛ وعَلى تِلْكَ الصُورَةِ؛ نُفَصِّلُ الآياتِ - أيْ: "نُبَيِّنُ الأماراتِ؛ والعَلاماتِ؛ والهِداياتِ -؛ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ"؛ و"نُفَصِّلُ" مَعْناهُ: نُقَسِّمُ؛ ونُبَيِّنُ؛ لِأنَّ بَيانَ الأُمُورِ المُشَبَّهاتِ إنَّما هو في تَقْسِيمِها بِالفُصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إعادة النّداء في صدر هذه الجملة للاهتمام، وتعريف المنادَى بطريق الإضافة بوصف كونهم بني آدم متابعة للخطاب المتقدّم في قوله: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ [الأعراف: 26].

وهذه الجملة تتنزّل، من التي بَعدها، وهي قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ [الأعراف: 32] منزلة النّتيجة من الجدل، فقدمت على الجدل فصارت غرضاً بمنزلة دعوى وجعل الجدل حجّة على الدّعوى، وذلك طريق من طرق الإنشاء في ترتيب المعاني ونتائجها.

فالمقصد من قوله: ﴿ خذوا زينتكم ﴾ إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التّعرّي في الحجّ في أحوال خاصّة، وعند مساجد معيّنة، فقد أخرج مسلم عن ابن عبّاس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول من يُعيرني تِطْوافاً تجعله على فرجها وتقول: اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه *** وما بَدا منه فلا أُحِلُّه وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلاّ الحُمْس، والحُمْس قريشٌ وما ولدتْ فكان غيرهم يطوفون عراة إلاّ أن يعطيهم الحُمْس ثياباً فيعطِي الرّجالُ الرّجالَ والنّساءُ النّساءَ، وعنه: أنّهم كانوا إذا وصلوا إلى منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عُراة.

وروي أنّ الحُمْس كانوا يقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلاّ في ثيابنا ولا يأكل إذا دَخل أرضنا إلاّ من طعامنا.

فمن لم يكن له من العرب صديق بمكّة يعيره ثوباً ولا يجد من يستأجر به كان بين أحد أمرين إمّا أن يطوف بالبيت عُرياناً، وإمّا أن يطوف في ثيابه فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسّه أحد وكان ذلك الثّوب يسمّى: اللَّقَى بفتح اللام قال شاعرهم: كفى حزناً كَري عليه كأنّه *** لقى بين أيدي الطائفين حَرامُ وفي «الكشاف»، عن طاووس: كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضُرِب وانتُزِعَت منه لأنّهم قالوا: لا نعبد الله في ثياببٍ أذنَبْنا فيها، وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمر أبا بكر رضي الله عنه، عام حجّته سنة تسع، أن ينادي في الموسم: " أنْ لا يحج بعد العام مُشرك ولا يطوفَ بالبيت عُريان ".

وعن السدي وابن عبّاس كان أهل الجاهليّة التزموا تحريمَ اللّم والودك في أيام الموسم، ولا يأكلون من الطّعام إلاّ قُوتاً، ولا يأكلون دَسماً، ونسب في «الكشاف» ذلك إلى بني عامر، وكان الحُمْس يقولون: لا ينبغي لأحد إذا دخل أرضَنا أن يأكل إلاّ من طعامنا، وفي «تفسير الطبري» عن جابر بن زيد كانوا إذا حجوا حرّموا الشاة ولبنها وسمْنها.

وفيه عن قتادة: أنّ الآية أرادت ما حرّموه على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

فالأمر في قوله: ﴿ خذوا زينتكم ﴾ للوجوب، وفي قوله: ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ للإباحه لبني آدم الماضين والحاضرين.

والمقصود من توجيه الأمر أو من حكايته إبطالُ التّحريم الذي جعله أهل الجاهليّة بأنهم نقضوا به ما تقرّر في أصل الفطرة ممّا أمر الله به بني آدم كلّهم، وامتن به عليهم، إذ خلق لهم ما في الأرض جميعاً.

وهو شبيه بالأمر الوارد بعد الحَظر.

فإنّ أصله إبطال التّحريم وهو الإباحة كقوله تعالى: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ [المائدة: 2] بعد قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 1] وقد يعرض لما أبطل به التّحريم أن يكون واجباً.

فقد ظهر من السّياق والسّباق في هذه الآيات أن كشف العورة من الفواحش، فلا جرم يكون اللّباس في الحجّ منه واجبٌ، وهو ما يستْر العورة، وما زاد على ذلك مباح مأذون فيه إبطالاً لتحريمه، وأمّا الأمر بالأكل والشّرب فهو للإباحة إبطالاً للتّحريم، وليس يجب على أحد أكل اللّحم والدّسم.

وقوله: ﴿ عند كل مسجد ﴾ تعميم أي لا تخصّوا بعض المساجد بالتّعري مثل المسجد الحرام ومسجد مِنَى، وقد تقدّم نظيره في قوله: ﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 29].

وقد ظهرت مناسبة عطف الأمر بالأكل والشّرب على الأمر بأخذ الزّينة ممّا مضى آنفاً.

والإسراف تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ في سورة النّساء (6)، وهو تجاوز الحدّ المتعارف في الشّيء أي: ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل اللّحوم والدّسم لأنّ ذلك يعود بأضرار على البدن وتنشأ منه أمراض معضلة.

وقد قيل إنّ هذه الآية جمعت أصول حفظ الصّحة من جانب الغذاء فالنّهي عن السرف نهيُ إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللاّحقة في قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ إلى قوله ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ [الأعراف: 32]، ولأنّ مقدار الإسراف لا ينضبط فلا يتعلّق به التّكليف، ولكن يوكل إلى تدبير النّاس مصالحهم، وهذا راجع إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقاً: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ [الأعراف: 29] فإن ترك السّرف من معنى العدل.

وقوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ تذييل، وتقدّم القول في نظيره في سورة الأنعام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ في سَتْرِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ.

والثّانِي: أنَّهُ وارِدٌ في سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ وارِدٌ في التَّزَيُّنِ بِأجْمَلِ اللِّباسِ في الجُمَعِ والأعْيادِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ بِهِ المُشْطَ لِتَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ.

﴿ وَكُلُوا واشْرَبُوا ﴾ يَعْنِي ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا بِالتَّوَسُّعِ في الأعْيادِ.

﴿ وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تُسْرِفُوا في التَّحْرِيمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَأْكُلُوا حَرامًا فَإنَّهُ إسْرافٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: لا تُسْرِفُوا في أكْلِ ما زادَ عَلى الشِّبَعِ فَإنَّهُ مُضِرٌّ، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «أصْلُ كُلِّ داءٍ البُرْدَةُ»، يَعْنِي التُّخْمَةَ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: لا تُسْرِفُوا في الإنْفاقِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُحِبُّ أفْعالَهم في السَّرَفِ.

والثّانِي: لا يُحِبُّهم في أنْفُسِهِمْ لِأجْلِ السَّرَفِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أن النساء كن يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ** وما بدا منه فلا أحله وأخرج عبد حميد عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب اذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت، ووضعت يدها على قلبها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله ** فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ إلى قوله: ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يواري السوءة وما سوى ذلك من جيّد البز والمتاع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ قال: ما وارى العورة ولو عباءة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ قال: الثياب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن طاوس قال: الشملة من الزينة.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يأتون البيوت من ظهورها فيدخلونها من ظهورها، وهم حي من قريش يقال لهم الحمس، فأنزل الله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة حتى ان كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فأنزل الله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ قال: كانوا يطوفون عراة بالليل، فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت العرب إذا حجوا فنزلوا أدنى الحرم، نزعوا ثيابهم ووضعوا رداءهم ودخلوا مكة بغير رداء، إلا أن يكون للرجل منهم صديق من الحمس فيعيره ثوبه ويطعمه من طعامه، فأنزل الله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ .

وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال: كان المشركون في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كان حي من أهل اليمن يطوفون بالبيت وهم عراة، إلا أن يستعير أحدهم مئزراً من ميازر أهل مكة فيطوف فيه، فأنزل الله: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن طاوس في الآية قال: لم يأمرهم بلبس الحرير والديباج، ولكنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، وكانوا إذا قدموا يضعون ثيابهم خارجاً من المسجد ثم يدخلون، وكان إذا دخل رجل وعليه ثيابه يضرب وتنزع منه ثيابه، فنزلت هذه الآية ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ .

وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا زينة الصلاة قالوا: وما زينة الصلاة؟

قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها» .

وأخرج العقيلي وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ قال: «صلوا في نعالكم» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مما أكرم الله به هذه الأمة لبس نعالهم في صلاتهم» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه أو لِيُصَلِّ فيهما» .

وأخرج أبو يعلى بسند ضعيف عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زين الصلاة الحذاء» .

وأخرج البزار بسند ضعيف عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خالفوا اليهود وصلوا في نعالكم، فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا في نعالهم» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تمام الصلاة الصلاة في النعلين» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمِّرُوا وصفِّروا وخالفوا أهل الكتاب.

قيل يا رسول الله إن أهل الكتاب.

يتسرولون ولا يأتزرون؟

فقال رسول الله: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب.

قلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون؟

فقال: تخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب، قلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال: قصوا سبالكم ووفِرُوا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس «أنه سئل أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟

قال: نعم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: وجهني على بن أبي طالب إلى اين الكواء وأصحابه وعليَّ قميص رقيب وحلة، فقالوا لي: أنت ابن عباس وتلبس مثل هذه الثياب؟!

فقلت: أول ما أخاصمكم به قال الله: ﴿ قل من حَرَّمَ زينة الله التي أخرج لعباده ﴾ [ الأعراف: 32] و ﴿ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين بردي حبرة.

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: لما خرجت الحرورية أتيت علياً فقال: ائت هؤلاء القوم.

فلبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فأتيتهم فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس ما هذه الحلة؟!

قلت: ما تعيبون عليّ؟

لقد رأيت على رسول الله صلى عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل.

وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله عز وجل أحق من تزين له، فإن لم يكن ثوبان فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود» .

وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» .

وأخرج أبو داود والبيهقي عن بريدة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في لحاف لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء» .

وأخرج ابن ماجة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض» .

وأخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» .

وأخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألبسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» .

وأخرج أبو داود عن أبي الأحوص عن أبيه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال: ألك مال؟

قال: نعم.

قال: من أي المال؟

قال: قد آتاني الله من الإِبل والغنم والخيل والرقيق.

قال: فإذا آتاك الله فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» .

وأخرج الترمذي وحسنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» .

وأخرج أحمد ومسلم عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر.

قال رجل: يا رسول الله انه يعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً، وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه فمن الكبر ذاك يا رسول الله؟

قال: لا، ذاك الجمال، إن الله عز وجل جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق وازدرى الناس» .

وأخرج ابن سعد عن جندب بن مكيث قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليه أصحابه بذلك» .

وأخرج أحمد عن سهل بن الحنظلية قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم واصلحوا لباسكم حتى تكونوا في الناس كأنكم شامة، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» .

أما قوله تعالى: ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: احل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً ومخيلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه لا يحب المسرفين ﴾ قال: في الطعام والشراب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ قال: في الثياب والطعام والشراب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ قال: لا تأكلوا حراماً، ذلك إسراف.

وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة قالت «رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين، فقال: يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك؟

الأكل في اليوم مرتين من الإِسراف، والله لا يحب المسرفين» .

وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الإِسراف أن تأكل كل ما اشتهيت» .

وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبدالله بن عمر إذا عندهم لحم، فقال: ما هذا اللحم؟

قال: اشتهيته: قال وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟!

كفى بالمرء: إسرافاً أن يأكل كلما اشتهى.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت، إذا أخطأتك اثنتان سرف أو مخيلة.

وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: من السرف أن يكتسي الإِنسان ويأكل ويشرب ما ليس عنده.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير.

أنه سئل ما الإِسراف في المال؟

قال: أن يرزقك الله مالاً حلالاً فتنفقه في حرام حرمه عليك.

وأخرج ابن ماجة عن سلمان.

أنه أكره على طعام يأكله فقال: حسبي أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة» .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة عن ابن عمر قال: تجشى رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كف جشاك عنا، فإن أطولكم جوعاً يوم القيامة أكثركم شبعاً في دار الدنيا» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه النسائي وابن حبان وابن السني في الطب والحاكم وصححه وأبن نعيم في الطب والبيهقي في شعب الإِيمان عن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» .

وأخرج ابن السني وأبو نعيم في الطب النبوي عن عبد الرحمن بن المرقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يخلق وعاء إذا ملئ شراً من بطن، فإن كان لا بد فاجعلوا ثلثاً للطعام وثلثاً للشراب، وثلثاً للريح» .

وأخرج ابن السني وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصل كل داء البردة» .

وأخرج ابن السني وأبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري.

مثله.

وأخرج أبو نعيم عن عمر بن الخطاب قال: إياكم والبطنة في الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وأن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أرطاة قال: اجتمع رجال من أهل الطب عند ملك من الملوك، فسألهم ما رأس دواء المعدة؟

فقال كل رجل منهم قولاً وفيهم رجل ساكت، فلما فرغوا قال: ما تقول أنت؟

قال: ذكروا أشياء وكلها تنفع بعض النفع ولكن ملاك ذلك ثلاثة أشياء: لا تأكل طعاماً أبداً إلا وأنت تشتهيه، ولا تأكل لحماً يُطْبَخُ لك حتى تنعم إنضاجه، ولا تبتلع لقمة أبداً حتى تمضغها مضغاً شديداً لا يكون على المعدة فيها مؤونة.

وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن علي الموصلي قال: أخرج من جميع الكلام أربعة الآف كلمة، وأخرج منها أربعمائة كلمة، وأخرج منها أربعون كلمة، وأخرج منها أربع كلمات، أولها لا تثقن بالنساء، والثانية لا تحمل معدتك ما لا تطيق، والثالثة لا يغرنك المال، والرابعة يكفيك من العلم ما تنتفع به.

وأخرج أبو محمد الخلال عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تشتكي، فقال لها: يا عائشة الازم دواء والمعدة بيت الادواء، وعودوا بدنا ما اعتاد» .

وأخرج البيهقي عن ابن محب عن أبيه قال: المعدة حوض الجسد والعروق تشرع فيه، فما ورد فيها بصحة صدر بصحة، وما ورد فيها بسقم صدر بسقم.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن السني وأبو نعيم معافى الطب النبوي والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ الآية، قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا) (١) قال الكلبي (٢) ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ لصلاة أو طواف).

وقال مجاهد (٣) (٤) قال الفراء والزجاج (٥) (٦) قال الفراء (وهو شبيه بالحوف (٧) (٨) الْيَوَمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ...

وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ (٩) تعني: الفرج؛ لأن تلك السيور لا تستر سترًا تامًّا).

قال أصحابنا (١٠)  : "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام" (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ ، قال أكثر المفسرون: (كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل، فأنزل الله تعالى (١٢) ﴿ وَكُلُوا ﴾ يعني: اللحم والدسم، ﴿ وَاشْرَبُوا ﴾ ) (١٣) (١٤) وقال عطاء عن ابن عباس: ( ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾ يريد: حلالًا) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال الزجاج: (الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله عز وجل؛ أن يؤكل منه شيء، أو يأكل ما أحل الله فوق مقدار الحاجة، فأعلم الله أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله فهو في النار) (٢٣) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 159، 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464 بسند جيد، وأخرج مسلم في "صحيحه" رقم (3028) كتاب التفسير، باب: في قوله: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ ، والنسائي في "سننه" 5/ 233 - 334 كتاب مناسك الحج، وفي "التفسير" 1/ 496، والطبري 8/ 159، 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464، والحاكم وصححه 2/ 319 - 320، والواحدي في "الوسيط" 1/ 174، وفي "أسباب النزول" ص 228، 229 من عدة طرق عن ابن عباس قال: (كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ...

وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ فنزلت هذه الآية ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ  ﴾ ، وعند الحاكم، فنزلت هذه الآية: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ  ﴾ ، فلعل الآيتين نزلتا معًا لهذا السبب، والله أعلم.

وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس مثله.

(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 174، والبغوي 3/ 225، و"الخازن" 3/ 223.

(٣) أخرجه الطبري 8/ 161، وابن أبي حاتم 3/ 143 أبسند جيد.

(٤) أخرجه الطبري 8/ 160، 161 من عدة طرق جيدة عن عطاء وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة والضحاك وابن زيد قالوا: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فأمروا أن يلبسوا الثياب).

وقال الرازي في "تفسيره" 14/ 61: (أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة) اهـ.

والظاهر حمل الآية على العموم، وهو ما يتجمل ويتزين به عند الصلاة، وستر العورة واجب مأمور به مطلقًا، وهذا ظاهر كلام الجمهور.

قال ابن كثير في == "تفسيره" 2/ 235: (لهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما الجمعة ويوم العيد والطيب؛ لأنه من الزينة والسواك؛ لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض) ونحوه قال ابن عطية 7/ 45، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 160، 161، والسمرقندي 1/ 538، و"أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 359، 360، ولابن العربي 2/ 779، والقرطبي 7/ 189، و"البحر المحيط" 4/ 290.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 223، والنص منه.

(٦) الرَّهْط، بفتح الراء وسكون الهاء: جلد يشق من أسفله أو جلد يشق سيورًا ليمكن المشي فيه يلبسه الصغار والحائض.

انظر: "اللسان" 3/ 1753 (رهط).

(٧) الحوف، بفتح الحاء وسكون الواو: هو الرهط السابق.

انظر: "اللسان" 2/ 1053 (حوف) (٨) "معاني الفراء" 1/ 377.

(٩) البيت نسبه الفراء إلى العامرية، وهي ضباعة بنت عامر بن قرط العامرية، كما ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 777، والقرطبي 7/ 889، والذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 284، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 353 - 354، ونسبه ابن حجر في 4/ 232 إلى أسماء بنت مخربة بن جند التميمية.

(١٠) قال الفقهاء: ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع، حكاه النووي في "المجموع" 3/ 366 وهي شرط لصحة الصلاة عند الجمهور الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 778، و"المغني" 2/ 283، و"روضة الطالبين" 1/ 388، و"الفتاوى" 22/ 109، و"نيل الأوطار" 2/ 73.

(١١) الحديث أخرجه أحمد في "المسند" 3/ 414، 4/ 64، 5/ 377، والنسائي في "سننه" في كتاب المناسك، باب: إباحة الكلام في الطواف 5/ 222 عن الحسن ابن مسلم المكي عن طاوس عن رجل أدرك النبي  ، وأخرجه الدارمي 2/ 1165 (1889) في كتاب المناسك: باب: الكلام في الطواف، والترمذي رقم (960) كتاب المناسك، باب: الكلام في الطواف، وابن خزيمة 4/ 222 (2739)، والبيهقي 5/ 85 من عدة طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس عن النبي  ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 266 - 267 من طرق عن عطاء بن السائب، والقاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي  .

قال الحاكم: (حيث صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقد روي الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، ورجح جماعة وقفه كالترمذي وغيره، وقد صححه الألباني في الإرواء 1/ 154 - 158.

واستقصى طرقه، ثم قال: (وبالجملة الحديث مرفوع صحيح، ووروده أحيانًا موقوفًا لا يعله) اهـ.

وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 21/ 273 - 274، 26/ 126 - 193، 211: (لا يشترط للطواف شروط الصلاة، وهذا قول أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب، فإن المشترطين ليس معهم حجة إلا قوله  : "الطواف بالبيت صلاة" وهذا حديث يروى موقوفًا ومرفوعًا، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفًا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه، وبكل حال فلا حجة فيه والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك، والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً فإنه لم ينقل أحد عن النبي  لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف ..) اهـ.

ملخصًا.

(١٢) لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 162، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 218، وحكاه الواحدي في "أسباب النزول" ص 230 عن الكلبي.

(١٤) "معاني الفراء" 1/ 277.

(١٥) أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 162، وابن أبي حاتم 5/ 1465 بسند جيد عن ابن عباس قال: (أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة).

(١٦) في (ب): (إنهم دعو)، وهو تحريف.

(١٧) في (ب): (مما زعموا).

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.

(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 332 - 333.

(٢٠) الآية ساقطة من أصل (أ) وملحقة بالهامش.

(٢١) في (أ): (ما أحلت)، وهو تحريف.

(٢٢) "معاني الفراء" 1/ 337.

(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 333، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 162، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 218، والآية عامة في أكل وشرب ما أحله الله تعالى ورسوله  ونهى عن السرف مطلقًا ويدخل فيه من حلل حرامًا أو حرم حلال، وهذا قول عامة أهل العلم.

انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 482، والرازي 14/ 62، والقرطبي 7/ 191 - 195، وابن كثير 2/ 236.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ قيل: المراد به الثياب الساترة، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة، وقيل: المراد به الزينة زيادة على الستر كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب ﴿ وكُلُواْ واشربوا ﴾ الأمر فيهما للإباحة، لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل ﴿ وَلاَ تسرفوا ﴾ أي لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة، وقال الأطباء: إن الطب كله مجموع في هذه الآية، وقيل: لا تسرفوا بأكل الحرام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورياشا ﴾ أبو زيد عن المفضل.

الباقون ﴿ ريشاً ﴾ ﴿ ولباس ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ.

الباقون بالرفع.

﴿ خالصة ﴾ بالرفع: نافع.

الآخرون بالنصب ﴿ ربي الفواحش ﴾ مرسلة الباء: حمزة.

الوقوف: ﴿ وريشاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولباس ﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿ التقوى ﴾ ﴿ خير ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ سوآتهما ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أمرنا بها ﴾ ط ﴿ بالفحشاء ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ط ﴿ تعودون ﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿ الضلالة ﴾ ج ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ولا تسرفوا ﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام.

﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ من الرزق ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ أجل ﴾ ج لأن جواب "إذا" منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا فقال: ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا ﴾ وأيضاً لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهاراً للمنّة وإشعاراً بأن التستر باب من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من أبواب التقوى.

ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ ﴿ وأنزلنا الحديد  ﴾ والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: ﴿ لتركبوها وزينة ولكم فيها جمال  ﴾ ومن قرأ ﴿ رياشاً ﴾ فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب.

وقال الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر.

ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش.

وبالجملة كل شيء يعيش به الإنسان ومنه قولهم رشت فلاناً أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال.

أما قوله: ﴿ ولباس التقوى ﴾ فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما الجملة التي هي ﴿ ذلك خير ﴾ كأنه قيل: ولباس التقوى وهو خير لأن أسماء الإشارة كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو ﴿ خير ﴾ و ﴿ ذلك ﴾ بدل أو عطف بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير.

والعدول إلى الإشارة إما لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلاً له على لباس الزينة.

ثم من المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله  ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوماً من أهل الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده.

أو المراد به ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب.

أو يراد الملبوسات المعدة لأجل إقامة الصلاة.

ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازاً فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه الإيمان.

وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.

وقيل: هو السمت الحسن.

وقيل: هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عارياً عن الثياب، والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسياً.

وقال معبد: هو الحياء.

وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات.

وعلى هذا فمعنى الآية إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله  مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع والخوف في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف  ﴾ ﴿ وذلك من آيات الله ﴾ الدالة على فضله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيعرفون عظيم النعمة فيه.

ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته.

وقال الخليل: الفتن الإحراق.

وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله  : ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر.

ومحل ﴿ كما أخرج ﴾ نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة.

ومحل ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما.

واللام في ﴿ ليريهما سوآتهما ﴾ لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ﴿ ليبدي لهما  ﴾ قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر.

وعن عائشة  ا ما رأيت منه ولا رأى مني.

وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم.

واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل: الثوب الحائل بينهما وبين النظر.

وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس الأظفار.

وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان.

وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي.

ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ أي جماعته من الثلاثة فصاعداً.

والقبيل بنو أب واحد.

وقال ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده.

وقال الليث: هو وقبيله أي وجماعته.

﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون.

قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضاً أن الله  يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً، ولو أنه  كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.

وقال أهل السنة: إنهم يرون الإنسان لأنه  خلق في عيونهم إدراكاً، والإنس لا يرونهم لأنه  لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس.

قال بعض العلماء: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة.

ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين خواص الإنس أشد.

وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى.

وعن مالك بن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله.

والضمير في ﴿ إنه ﴾ للشأن وهو تأكيد ليصح العطف على المرفوع المتصل، ثم قال ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ الآية.

واحتج أهل السنة على أنه  هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد هذا النص بقوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً  ﴾ اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك فهل يمكن مخالفة حكم الله؟

وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على التخلية المجردة قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب.

وقيل: في الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها.

ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ فللمعتزلة أن يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ ؟

والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه  مريد لجميع الكائنات وأن شيئاً منها لا يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه حسناً.

وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله  بذاته وأفعاله وأحكامه.

أما قوله: ﴿ وأقيموا ﴾ فليس من باب عطف الطلب على الخبر وإنما التقدير: وقل أقيموا ﴿ وجوهكم ﴾ أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ﴿ عند كل مسجد ﴾ في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي.

ثم لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال الصلاة سميت دعاء لأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى العبادة فيكون كقوله ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ قال الحسن ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون أحياء.

وعن ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمناً أو كافراً تعودون فيبعث المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، فإن من خلقه الله  في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة وكانت عاقبته السعادة.

ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ وانتصاب ﴿ فريقاً ﴾ الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو أضل فريقاً حق عليهم الضلالة كقولك زيداً مررت به.

قال القاضي: المعنى فريقاً هدى إلى الجنة والثواب وفريقاً حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة.

وأجيب بأن قوله: ﴿ هدى ﴾ و ﴿ حق ﴾ ماض وحمله على المستقبل خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوماً به في الأزل وخلاف حكمه محال.

ثم بيّن ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾ فقبلوا دعوتهم دون دعوته ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل.

ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد فيه من القطع واليقين.

ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضاً أمر بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطاً لصحتها فلا جرم قال: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله .

*** وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد.

وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب.

وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله الآية.

قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله  : ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ يعني الثياب.

وأيضاً الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.

والسنة فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة.

وقيل: الزينة المشط.

وقيل: الطيب.

ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعاً بقي الباقي داخلاً تحت اللفظ.

فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته.

قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة.

وأجيب بأن اللام في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة  ﴾ تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله  فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟

أما قوله: ﴿ وكلوا ﴾ أي اللحم والدسم.

﴿ واشربوا ﴾ فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضاً على الإباحة.

وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن الأكل والشرب قد يكونان واجبين.

أيضاً في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات والمشربات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل.

والعقل أيضاً مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة.

وفي قوله: ﴿ ولا تسرفوا ﴾ وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقداراً كثيراً يضره ولا يحتاج إليه.

الثاني - وهو قول أبي بكر الأصم - أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتكروا الانتفاع بها.

وأيضاً إنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله  لهم.

قال بعض العلماء: إن حمل الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز وينبغي.

وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة، ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم أديان.

فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه.

قال: وما هي؟

قال: قوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا  الطب في ألفاظ يسيرة.

قال: وما هي؟

قال: قوله: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً.

قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي اللباس الساتر للعورة.

وقال آخرون: إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب.

عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله  وقال: غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام.

قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات.

فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة.

فقال: أن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك.

فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك.

فقال: نفسي تحدثني أن أطلق خولة.

فقال: أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله  .

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم.

قال: مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله.

قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب.

قال: مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال: لا تتركه يوم الجمعة.

ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي.

واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام.

قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله  بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله  أعلم.

ثم بيّن أن الزنية والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً  ﴾ وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال: ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر.

قال أبو علي: أو على الخبر ﴿ والذين آمنوا ﴾ متعلق به والتقدير: هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿ يوم القيامة ﴾ وعلى هذا يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ آمنوا ﴾ و ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرفاً لـ ﴿ خالصة ﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار.

وعلى الأول يكون ﴿ في الحياة ﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة.

ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.

ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والإثم ﴾ وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر.

وقيل: الفواحش كل ما تزايد قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أوّلاً ثم عمم.

وإما أن تكون الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: ﴿ والبغي بغير الحق ﴾ ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن يكون لهم فيه حق فحينئذٍ يخرج عن أن يكون بغياً، وإما أن تكون الجناية على الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشارة بقوله: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ أي لا سلطان حتى ينزل وإما بالافتراء على الله وذلك قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ فإن قيل: الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله  عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ربي المحرمات وهذا كلام خالٍ عن الفائدة.

فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه فيزول الإشكال.

ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة والأنفاس المعدودة فقال: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه  أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد أهل مكة.

وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول.

وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال.

وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل.

ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال.

وليس المراد أنه  لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه  وتعالى عن كونه قادراً مختاراً أو صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه  اختار أن الأمر يقع على هذا الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل الأوقات عرفاً.

والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءاً من يوم بليلته.

قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلاً وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم فما معنى قوله: ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ؟

وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب حضور الأجل كقوله العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى.

التأويل: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ هو لباس الشريعة ﴿ يواري ﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿ وريشاً ﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ ولباس التقوى ﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي.

فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ ذلك خير ﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.

﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿ كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ وجوار الحق ﴿ ينزع عنهما لباسهما ﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ ليريهما سوآتها ﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿ وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني.

﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء ﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة.

﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿ قالوا إنا وجدنا آباءنا ﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿ والله أمرنا ﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ ﴿ كما بدأكم ﴾ لطفاً أو قهراً ﴿ تعودون ﴾ إليه.

فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿ خذوا زينتكم ﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في مقام العندية كما قال: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ولا تسرفوا ﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية.

﴿ زينة الله ﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿ والطيبات من الرزق ﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ الفواحش ﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب؛ ففاحشة العوام ﴿ ما ظهر منها ﴾ ارتكاب المناهي ﴿ وما بطن ﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ ما ظهر منها ﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿ وما بطن ﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ ما ظهر منها ﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿ وما بطن ﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين.

﴿ والإثم ﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿ والبغي ﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غير موضعه.

وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿ وأن تقولوا ﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿ على الله ما لا تعلمون ﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لستم به عارفين ﴿ ولكل أمة ﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب - وإن خرج مخرج الأمر - بأخذ الزينة واللباس، فهو على النهي عن نزعها؛ لأن الناس يكونون آخذين الزينة وساترين عوراتهم غير بادين بها فإذا كان كذلك فهو على النهي عن نزع لباسهم وإبداء عوراتهم، وهو ما ذكر في بعض القصّة أن أهل الشرك كانوا إذا طافوا بالبيت نزعوا ثيابهم، ويقولون: لا نطوف في ثيابنا التي أذنبنا فيها، فإن كان التأويل [ما] قال ابن عباس وهؤلاء: فيكون فيه إضمار؛ كأنه قال: خذوا زينتكم عند هذا المسجد، كما تأخذون عند كل مسجد سواء.

وإلا خرج تأويل الآية على وجوه: أحدها: يقول: صلوا في كل مسجد، ذكر هذا لمن لا يرى الصلاة إلا في مسجده، على ما روي: "أن لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" والثاني: [يقول]: صلوا بكل مسجد، وبكل مكان؛ كقوله -  -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً" والثالث: بجعل الزينة العبادة نفسها؛ بقوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ ﴾ .

ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: كانوا يستعيرون من أهل مكة ثياباً يطوفون فيها، فإن لم يجدوا بها طافوا فيها عراة بادين عوراتهم، فنهاهم الله -  - عن ذلك، وقال: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ ، أي: لا تنزعوا ثيابكم التي على عوراتكم؛ فهو على النهي عن نزع الثياب وإبداء العورة، وكذلك قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ ﴾ .

يخرج على النهي عما حرموا على أنفسهم من أنواع المنافع والنعم التي أحل الله لهم: من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ومن نحو ما حرموا من الزرع والطعام، وكقوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾ الآية [الأنعام: 138]، خرج قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ ﴾ على النهي عما حرموا مما أحل لهم، لا على الأمر بالأكل والشرب؛ [لأن كل أحد يأكل ويشرب] ولا يدع ذلك؛ فدل أنه خرج على النهي عما حرموا؛ كأنه قال: لا تحرموا [ما تحرمون] ولكن كلوا واشربوا وانتفعوا بها.

فإن كان على ابتداء الأمر بأخذ الزينة، فهو - والله أعلم - أمر بأخذ الزينة والتجمل عند كل مسجد، والمسجد هو مكان كل عبادة ونسك، على ما يكون في غير ذلك من الأوقات يتزينون ويتجملون عند اجتماع الناس؛ فعلى ذلك يكونون في مكان العبادة والنسك.

أو أن يكون لما في المسجد من اجتماع الناس للعبادة، فأمروا بستر عوراتهم في ذلك.

ويكون قوله: ﴿ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ ﴾ ، أي: كلوا واشربوا واحفظوا الحدّ في ذلك ولا تجاوزوه، وهو نهي عن الكثرة.

أو ما ذكرنا أنه نهاهم عن التحريم وترك الانتفاع بها، وفي تحريم ما أحل الله وترك الانتفاع بها إسراف.

﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ ؛ لأنه لا يحب الإسراف، وقد ذكرنا أن المفروض من الستر هو ما يستر به العورة، وأما غيره فإنما هو على دفع الأذى والتجمل.

ألا ترى أنه قال: ﴿ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، منّ علينا بما أنزل مما نستر به عوراتنا، وإن كانت له المنة في الكل، وذلك [- أيضاً -] قبيح في الطبع أن ينظر أحد إلى عورة آخر، وعلى ذلك جاءت الآثار في الأمر بستر العورة، روي عن رسول الله  أنه قال: "احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، فقيل: يا رسول الله؛ فإن كان بعضنا في بعض، فقال: إن استطعت ألا تظهر عورتك فافعل، فقيل: فإذا كان أحدنا خالياً، فقال: فالله أحق أن يُسْتَحْيا منه" وعنه  قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة" ، ومثله كثير، وفيما ذكرنا كفاية؛ وعلى ذلك يخرج الأمر بالإخبار بستر العورة؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ...

 ﴾ الآية، لئلا تُرَى عورته؛ لأنه يكون جفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الزينة - هاهنا -: هي اللباس؛ لأنه ذكر على أثر ذلك اللباس، وهو قوله: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد ﴾ ، والطيبات من الرزق: ما حرموا مما أحل الله لهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وغير ذلك، مما كانوا يحرمون الانتفاع به؛ كقوله: ﴿ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ  ﴾ .

وقال الحسن: زينة الله هي المرْكَب؛ كقوله: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ جعل الله ما يركب زينة للخلق، وهم كانوا يحرمون الركوب والانتفاع بها، فقال: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ : ألبانها ولحومها.

وقال غيره من أهل التأويل: زينة الله - هاهنا -: النبات وما يخرج من الأرض مما هو رزق للبشر، والدواب جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ...

 ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ  ﴾ سمى لنا ما أخرج من الأرض: زينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال الحسن: هي، يعني: الطيبات خالصة للمؤمنين في الآخرة لا يشاركهم الكفرة فيها، فأمّا في الدنيا فقد شاركوهم؛ فالتأويل الأول يخرج على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا لهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ؛ لأنهم لم يحرموا الطيبات التي أحلّ الله لهم، بل انتفعوا بها، وحرمها أولئك ولم ينتفعوا بها، فكانت هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ لما انتفعوا بها في الدنيا، وتزودوا بها للآخرة، وكانت [لهم] خالصة يوم القيامة، وإنما كان خالصاً لهم يوم القيامة، لما لا يكون لأهل الشرك ذلك؛ لما لم يتزودوا للمعاد، [و] قد كانت لهم في الدنيا لو لم يحرموها وانتفعوا بها.

وفي قوله -  -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ دليل إباحة الزينة والتناول من الطيبات، وقد يحتمل أن يكون خرج على النهي والإنكار على ما كان يفعله أهل الشرك؛ من نحو تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فقال: قل من حرم ما حرمتم إذا لم يحرمه الله.

ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ يقول - والله أعلم - لم يحرم ما حرمتموه من هذه الأشياء؛ ولكن حرم الفواحش وما ذكر، ولم يذكر جوابهم أنهم ماذا يقولون؛ فهو يخرج على وجهين: إن قالوا: حرمه الله، فيقال لهم: من حرمه وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟!

فإن قالوا: حرمه فلان، فيقال: كيف صدقتم فلاناً في تحريم ذلك؛ ولا تصدقون الرسل فيما يخبرون عن الله -  - مع ظهور صدقهم؟!

يذكر سفههم في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ كأنه يقول: ليس لأحد تحريم ما ذكرنا؛ إنما التحريم إلى الله، وإنما حرم ما ذكر، وقد يحتمل ما ذكرنا من نزعهم الثياب عند الطواف ويطوفون عراة، على ما ذكر في القصة، وإلى هذا يذهب ابن عباس والحسن وقتادة وعامة أهل التأويل، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله  : [حيث قال] "ألا لا يطوفنَّ بهذا البيت عريان ولا مُحْدث" .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي: نبين الآيات.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لقوم ينتفعون بعلمهم، أو نقول: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: كذلك نفصل حكم آية من حكم آية أخرى، نفصل هذا من هذا، وهذا من هذا.

وقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ﴾ إنه إذا لم يفهم من زينة الله ما يفهم من زينة الخلق - لأن زينة الخلق ما يتزينون به ويتجملون - لا يجب أن يفهم من استوائه استواء الخلق، ولا من مجيئه مجيء الخلق؛ لأن استواء الخلق هو انتقال من حال إلى حال، ولا يجوز أن يفهم منه ذلك، على ما لم يفهم من زينة الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يشبه أن تكون هذه الآية مقابل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ ، كما خرج آخر الآية وهو قوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ  ﴾ مقابل الأول وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ  ﴾ ، والنهي [هناك نهي] تحريم [كالتنصيص على التحريم هاهنا]، وتكون الفحشاء التي ذكر في هذه الآية الفواحش التي ذكر في تلك، والمنكر الذي ذكر هاهنا هو الإثم الذي ذكر في تلك، وذكر البغي هاهنا وهنالك.

ثم الفحشاء: هو الذي ظهر قبحه في العقل، والسمع.

والمنكر: هو الذي ظهر الإنكار فيه على مرتكبه.

والإثم هو الذي يأثم المرء فيه.

والبغي: هو من مظالم الناس يظلم بعضهم على بعض.

وقال بعضهم: الفواحش هن الكبائر، والإثم هو الصغائر، والبغي هو أخذ ما عصم من مال أو نفس بعقد الإسلام، على ما روي عن نبي الله  أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ، فكل ما صار معصوماً بالإسلام من مال أو نفس، فأخذ ذلك بغي وظلم إلا ما ذكر بحقها.

وأصل البغي هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.

وقال أهل التأويل: الفواحش هي الزنى، ما ظهر منها علانية، وما بطن منها: سرّاً، لكن الفواحش ما ذكرنا أن ما [ظهر قبحه] في العقل وفحشه السمع [فهو فاحشة، والفواحش هي ما ذكرنا أن ما قبح في العقل والسمع وأفحش فيهما] فهي الفاحشة.

وأصل المنكر: كل ما [لا] يعرف؛ كقول إبراهيم: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، والمنكر: ما أنكره العقل والسمع أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ .

أي: وحرم - أيضاً - أن تشركوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : ليس على أنه ينزل سلطاناً على الإشراك بحال؛ ولكن على أنهم يشركون بالله من غير حجج وسلطان؛ لأن أهل الإسلام هم الذين يدينون بدين ظهر بالحجج والآيات، وهم يدينون بدين لا يظهر بالحجج والآيات، ولكن بما هوت أنفسهم واشتهت.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ ، أي: عذراً؛ لأنه يجوز أن يعذر المرء بحال في إجراء كلمة الكفر على لسانه عند الإكراه، ولا يصير به كافراً إذا كان قلبه مطمئناً بالإسلام ومنشرحاً به؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ  ﴾ أي: يشركون بالله من غير أن ينزل بهم حال عذر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون أنه حرم كذا، وأمر بكذا.

وقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون] هذا على الجهل، والأول على العلم؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ  ﴾ ، أي: تنبئون الله بما يعلم أنه ليس ما تقولون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا بني آدم، البسوا ما يستر عوراتكم، وما تتجملون به من اللباس النظيف الطاهر عند الصلاة والطواف، وكلوا واشربوا ما شئتم من الطيبات التي أحلها الله، ولا تتجاوزوا حد الاعتدال في ذلك، ولا تتجاوزوا الحلال إلى الحرام، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدود الاعتدال.

<div class="verse-tafsir" id="91.1dEAb"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل