الآية ٤٦ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤٦ من سورة الأعراف

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌۭ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌۭ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار ، نبه أن بين الجنة والنار حجابا ، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة .

قال ابن جرير : وهو السور الذي قال الله تعالى : ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) [ الحديد : 13 ] وهو الأعراف الذي قال الله تعالى : ( وعلى الأعراف رجال ) .

ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى ( وبينهما حجاب ) وهو " السور " ، وهو " الأعراف " وقال مجاهد : الأعراف : حجاب بين الجنة والنار ، سور له باب .

قال ابن جرير : والأعراف جمع " عرف " ، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى " عرفا " ، وإنما قيل لعرف الديك عرفا لارتفاعه .

وحدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، سمع ابن عباس يقول : الأعراف هو الشيء المشرف .

وقال الثوري ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : الأعراف : سور كعرف الديك .

وفي رواية عن ابن عباس : الأعراف ، تل بين الجنة والنار ، حبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار .

وفي رواية عنه : هو سور بين الجنة والنار .

وكذلك قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير .

وقال السدي : إنما سمي " الأعراف " أعرافا; لأن أصحابه يعرفون الناس .

واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم ، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد ، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم .

نص عليه حذيفة ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وغير واحد من السلف والخلف ، رحمهم الله .

وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن إسماعيل ، حدثنا عبيد بن الحسين ، حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا النعمان بن عبد السلام ، حدثنا شيخ لنا يقال له : أبو عباد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته ، فقال : " أولئك أصحاب الأعراف ، لم يدخلوها وهم يطمعون " وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورواه من وجه آخر ، عن سعيد بن سلمة عن أبي الحسام ، عن محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف ، فقال : " إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم ، فقتلوا في سبيل الله " وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معشر ، حدثنا يحيى بن شبل ، عن يحيى بن عبد الرحمن المزني عن أبيه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن " أصحاب الأعراف " فقال : " هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم ، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم النار قتلهم في سبيل الله " هكذا رواه ابن مردويه ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طرق ، عن أبي معشر به وكذلك رواه ابن ماجه مرفوعا ، من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين ، عن الشعبي ، عن حذيفة; أنه سئل عن أصحاب الأعراف ، قال : فقال : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وخلفت بهم حسناتهم عن النار .

قال : فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم .

وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا فقال : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال : قال الشعبي : أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن - وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش - وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرا ليس كما ذكرا ، فقلت لهما : إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة ، فقالا هات .

فقلت : إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال : هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار ، وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا : ( ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) فبينا هم كذلك ، اطلع عليهم ربك فقال لهم : اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن أبي بكر الهذلي قال : قال سعيد بن جبير ، وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال يحاسب الناس يوم القيامة ، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار .

ثم قرأ قول الله : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) [ المؤمنون : 102 ، 103 ] ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح ، قال : ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف ، فوقفوا على الصراط ، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار ، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا : سلام عليكم ، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار قالوا : ( ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) فتعوذوا بالله من منازلهم .

قال : فأما أصحاب الحسنات ، فإنهم يعطون نورا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ، ويعطى كل عبد يومئذ نورا ، وكل أمة نورا ، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة .

فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا : ( ربنا أتمم لنا نورنا ) [ التحريم : 8 ] .

وأما أصحاب الأعراف ، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع ، فهنالك يقول الله تعالى : ( لم يدخلوها وهم يطمعون ) فكان الطمع دخولا .

قال : وقال ابن مسعود : على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر ، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة .

ثم يقول : هلك من غلبت واحدته أعشاره .

رواه ابن جرير وقال أيضا : حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير ، عن منصور ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس قال : " الأعراف " : السور الذي بين الجنة والنار ، وأصحاب الأعراف بذلك المكان ، حتى إذا بدأ الله أن يعافيهم ، انطلق بهم إلى نهر يقال له : " الحياة " ، حافتاه قصب الذهب ، مكلل باللؤلؤ ، ترابه المسك ، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم ، وتبدو في نحورهم بيضاء يعرفون بها ، حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال : تمنوا ما شئتم فيتمنون ، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم : لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفا .

فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ، يسمون مساكين أهل الجنة .

وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن يحيى بن المغيرة ، عن جرير ، به .

وقد رواه سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن الحارث ، من قوله وهذا أصح ، والله أعلم .

وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد .

وقال سنيد بن داود : حدثني جرير ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف ، قال : هم آخر من يفصل بينهم من العباد ، فإذا فرغ رب العالمين من فصله بين العباد قال : أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ، ولم تدخلوا الجنة ، فأنتم عتقائي ، فارعوا من الجنة حيث شئتم " وهذا مرسل حسن .

وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة " الوليد بن موسى " ، عن منبه بن عثمان عن عروة بن رويم ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم; أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب ، فسألناه عن ثوابهم فقال : " على الأعراف ، وليسوا في الجنة مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

فسألناه : وما الأعراف؟

فقال : " حائط الجنة تجري فيها الأنهار ، وتنبت فيه الأشجار والثمار " رواه البيهقي ، عن ابن بشران ، عن علي بن محمد المصري ، عن يوسف بن يزيد ، عن الوليد بن موسى ، به .

وقال سفيان الثوري ، عن خصيف ، عن مجاهد قال : أصحاب الأعراف : قوم صالحون فقهاء علماء .

وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز في قوله تعالى : ( وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ) قال : هم رجال من الملائكة ، يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، قال : ( ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رجالا ) في النار ( يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) قال : فهذا حين دخل أهل الجنة الجنة : ( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) .

وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين ، وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق : وقول الجمهور مقدم على قوله ، بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه .

وكذا قول مجاهد : إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضا .

والله أعلم .

وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولا منها : أنهم شهدوا أنهم صلحاء تفرعوا من فرع الآخرة ، دخلوا يطلعون على أخبار الناس .

وقيل : هم أنبياء .

وقيل : ملائكة .

وقوله تعالى : ( يعرفون كلا بسيماهم ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه ، وأهل النار بسواد الوجوه .

وكذا روى الضحاك ، عنه .

وقال العوفي ، عن ابن عباس أنزلهم الله بتلك المنزلة ، ليعرفوا من في الجنة والنار ، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه ، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين .

وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام ، لم يدخلوها ، وهم يطمعون أن يدخلوها ، وهم داخلوها إن شاء الله .

وكذا قال مجاهد ، والضحاك ، والسدي ، والحسن ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقال معمر ، عن الحسن : إنه تلا هذه الآية : ( لم يدخلوها وهم يطمعون ) قال : والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم ، إلا لكرامة يريدها بهم .

وقال قتادة قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وبينهما حجاب)، وبين الجنة والنار حجاب, يقول: حاجز, وهو: السور الذي ذكره الله تعالى فقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ، [سورة الحديد: 13].

وهو " الأعراف " التي يقول الله فيها: (وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ)، كذلك.

14671- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد قال: " الأعراف "، حجاب بين الجنة والنار.

14672- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وبينهما حجاب)، وهو " السور ", وهو " الأعراف ".

* * * وأما قوله: (وعلى الأعراف رجال)، فإن " الأعراف " جمع، واحدها " عُرْف ", وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو " عُرْف ", وإنما قيل لعُرف الديك " عرف ", لارتفاعه على ما سواه من جسده، ومنه قول الشماخ بن ضرار: وَظَلًّــتْ بِــأَعْرَافٍ تَغَـالَى, كَأَنَّهَـا رِمَـاحٌ نَحَاهَـا وِجْهَـةَ الـرِّيحِ رَاكِزُ (11) يعني بقوله: " بأعراف "، بنشوز من الأرض، ومنه قول الآخر: (12) كُـــلُّ كِنَـــازٍ لَحْمُــهُ نِيَــافِ كَــالْعَلَمِ الْمُــوفِي عَـلَى الأعْـرَافِ (13) * * * وكان السدي يقول: إنما سمي" الأعراف " أعرافًا, لأن أصحابه يعرفون الناس.

14672- حدثني بذلك محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14673- حدثنا سفيان بن وكيع, قال:حدثنا ابن عيينة, عن عبيد الله بن أبي يزيد, سمع ابن عباس يقول: " الأعراف "، هو الشيء المشرف.

(14) 14674- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول, مثله.

(15) 14675- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: " الأعراف "، سور كعرف الديك.

14676- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس, مثله.

14677- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: " الأعراف "، حجاب بين الجنة والنار، سور له باب = قال أبو موسى: وحدثني عبيد الله بن أبي يزيد: أنه سمع ابن عباس يقول: إن الأعراف تَلٌّ بين الجنة والنار، حُبس عليه ناسٌ من أهل الذنوب بين الجنة والنار.

(16) 14678- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: " الأعراف " ،حجاب بين الجنة والنار, سور له باب.

14679- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: " الأعراف "، سور بين الجنة والنار.

14680- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: " الأعراف "، سور بين الجنة والنار.

14681- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (وعلى الأعراف رجال)، يعني بالأعراف: السور الذي ذكر الله في القرآن، (17) وهو بين الجنة والنار.

14682- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: " الأعراف "، سور له عُرْف كعرف الديك.

14683- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر قال: " الأعراف "، سور بين الجنة والنار.

14684- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: " الأعراف "، السور الذي بين الجنة والنار.

* * * واختلف أهل التأويل في صفة الرجال الذين أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف، وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك.

فقال بعضهم: هم قوم من بني آدم، استوت حسناتهم وسيئاتهم, فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء, ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.

* ذكر من قال ذلك: 14685- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال، قال الشعبي: أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش, وإذا هما قد ذكرَا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذَكَرا, فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا هات !

فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيِّئاتهم عن الجنة, فإذا صُرفت أبصارُهم تلقاء أصحاب النار قالوا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .

فبينا هم كذلك, اطّلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة, فإني قد غفرت لكم.

(18) 14686- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين, عن الشعبي, عن حذيفة, أنه سئل عن أصحاب الأعراف, قال فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم, فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة, وخلّفت بهم حسناتهم عن النار.

قال: فوُقِفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم.

14687- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير وعمران بن عيينة, عن حصين, عن عامر, عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قومٌ كانت لهم ذنوب وحسنات, فقصرت بهم ذنوبهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار, فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه، فينفذ فيهم أمره.

14688- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الشعبي, عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم, فيقول: ادخلوا الجنة بفضلي ومغفرتي, لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون.

14689- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن يونس بن أبي إسحاق, عن عامر, عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار, وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة.

14690- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير, وهو يحدّث ذلك عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة, فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة, ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار.

ثم قرأ قول الله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ، [سورة الأعراف: 8-9].

ثم قال: إن الميزان يخفّ بمثقال حبة ويرجح.

قال: فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط, ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار, فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظرُوا أصحاب النار قالوا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة الأعراف: 47]، فيتعوذون بالله من منازلهم، قال: فأما أصحاب الحسنات, فإنهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم, ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، وكل أمَةٍ نورًا.

فإذا أتوا على الصراط سَلب الله نور كل منافق ومنافقة.

فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون, (19) قالوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا .

وأما أصحاب الأعراف, فإن النور كان في أيديهم فلم ينـزع من أيديهم, فهنالك يقول الله: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ، فكان الطمع دخولا.

قال: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر, وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة.

ثم يقول: هلك من غلب وُحْدَانُه أعشارَه.

(20) 14691- حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع قال، أخبرني ابن وهب قال، أخبرني عيسى الحنّاط، عن الشعبي, عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار, وهم آخر من يدخل الجنة, قد عرَفوا أهل الجنة وأهل النار.

(21) 14692- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام, عن قتادة قال: قال ابن عباس: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم, فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم.

14693- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور, عن حبيب بن أبي ثابت, عن عبد الله بن الحارث, عن ابن عباس قال: " الأعراف "، سور بين الجنة والنار, وأصحاب الأعراف بذلك المكان, حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم, انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له: " الحياة "، (22) حافتاه قَصَبُ الذهب، مكلَّل باللؤلؤ، ترابه المسك, فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم، ويبدو في نحورهم شامَةٌ بيضاء يعرفون بها, حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمنُ فقال: تمنوا ما شئتم !

قال: فيتمنون, حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة‍!

فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها, يسمَّون مساكين الجنة.

(23) 14694- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حبيب, عن مجاهد, عن عبد الله بن الحارث قال: أصحاب الأعراف، يؤمر بهم إلى نهر يقال له: " الحياة ", ترابه الوَرْس والزعفران, وحافتاه قَصَبُ اللؤلؤ = قال: وأحسبه قال: مكلل باللؤلؤ = وقال: فيغتسلون فيه, فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، فيقال لهم: تمنوا !

فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا!

وإنهم مساكين أهل الجنة = قال حبيب: وحدثني رجل: أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

14695- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن مجاهد, عن عبد الله بن الحارث قال: أصحاب الأعراف، ينتهى بهم إلى نهر يقال له: " الحياة ", حافتاه قَصَب من ذهب = قال سفيان: أراه قال : مكلل باللؤلؤ = قال: فيغتسلون منه اغتسالةً فتبدو في نحورهم شامة بيضاء, ثم يعودون فيغتسلون، فيزدادون.

فكلما اغتسلوا ازدادت بياضًا, فيقال لهم: تمنوا ما شئتم !

فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا !

قال: فهم مساكين أهل الجنة.

14696- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن حصين, عن الشعبي, عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم, فهم على سور بين الجنة والنار: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ .

14697- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان ابن عباس يقول: " الأعراف "، بين الجنة والنار, حبس عليه أقوام بأعمالهم.

وكان يقول: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم, فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم, ولا سيئاتهم على حسناتهم.

14698- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال، قال ابن عباس: أهل الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

14699- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

14700- .

.

.

.

وقال، حدثنا يحيى بن يمان, عن شريك, عن منصور, عن سعيد بن جبير قال: أصحاب الأعراف، استوت أعمالهم.

14701- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم, فوُقِفوا هنالك على السور.

14702- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن حبيب بن أبي ثابت, عن سفيع، أو سميع = قال أبو جعفر: كذا وجدت في كتاب سفيع (24) =، عن أبي علقمة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

(25) * * * وقال آخرون: كانوا قتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: 14703- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن أبي مسعر, عن شرحبيل بن سعد قال: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم.

14704 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد, عن سعيد, عن يحيى بن شبل: أن رجلا من بني النضير أخبره، عن رجل من بني هلال: أن أباه أخبره: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم غزوا في سبيل الله عصاةً لآبائهم, فقتلوا, فأعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله, وحُبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم, فهم آخر من يدخل الجنة.

(26) 14705 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن أبي معشر, عن يحيى بن شبل مولى بني هاشم, عن محمد بن عبد الرحمن, عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف, فقال: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم, فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار, ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة.

(27) * * * وقال آخرون: بل هم قوم صالحون فقهاء علماء.

* ذكر من قال ذلك: 14706- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف، قوم صالحون فقهاء علماء.

* * * وقال آخرون: بل هم ملائكة وليسوا ببني آدم.

* ذكر من قال ذلك: 14707- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي مجلز قوله: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، قال: هم رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة وأهل النار، قال: وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، إلى قوله: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، قال: فنادى أصحاب الأعراف رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ .

أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ، قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنة: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ .

14708- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عمران قال: قلت لأبي مجلز: يقول الله: (وعلى الأعراف رجال)، وتزعم أنتَ أنهم الملائكة؟

قال فقال: إنهم ذكور، وليسوا بإناث.

14709- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن سليمان التيمي, عن أبي مجلز: (وعلى الأعراف رجال)، قال: رجال من الملائكة، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم, أهل النار وأهل الجنة, وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة.

14710- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن أبي عدي, عن التيمي, عن أبي مجلز, بنحوه.

14711- .

.

.

.

وقال، حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن التيمي, عن أبي مجلز قال: أصحاب الأعراف، الملائكة.

14712- حدثني المثنى قال، حدثنا يعلى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، أخبرنا التيمي, عن أبي مجلز: (وعلى الأعراف رجال)، قال: هم الملائكة.

14713- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن عمران بن حدير, عن أبي مجلز: (وعلى الأعراف رجال)، قال: هم الملائكة.

قلت: يا أبا مجلز، يقول الله تبارك وتعالى: " رجال ", وأنت تقول: ملائكة؟

قال: إنهم ذُكران ليسوا بإناث.

14714- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير, عن أبي مجلز في قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، قال: الملائكة.

قال قلت: يقول الله " رجال "؟

قال: الملائكة ذكور.

(28) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كُلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم, ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصح سنده ،ولا أنه متفق على تأويلها, ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة.

فإذ كان ذلك كذلك, وكان ذلك لا يدرك قياسًا, وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن " الرجال " اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم, كان بيِّنًا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة، قولٌ لا معنى له, وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره.

هذا مع مَنْ قال بخلافه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومع ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها، وقد:- 14715- حدثني القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع, عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: هم آخر مَنْ يفصل بينهم من العباد, وإذا فرغ ربُّ العالمين من فصله بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلكم الجنة, وأنتم عُتَقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم.

(29) * * * القول في تأويل قوله : يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجال يعرفون أهل الجنة بسيماهم, وذلك بياض وجوههم، ونضرةُ النعيم عليها = ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم, وذلك سواد وجوههم، وزرقة أعينهم, فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم: " سَلامٌ عَلَيْكُمْ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 14716- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، قال: يعرفون أهل النار بسواد الوجوه, وأهل الجنة ببياض الوجوه.

14717 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، قال: أنـزلهم الله بتلك المنـزلة، ليعرفوا من في الجنة والنار, وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه, ويتعوَّذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين, وهم في ذلك يحيّون أهل الجنة بالسلام, لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها, وهم داخلوها إن شاء الله.

14718 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (بسيماهم)، قال: بسواد الوجوه، وزُرقة العيون.

14719- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون, وسيما أهل الجنة مبيَضَّة وجوههم.

14720- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف إذا رأوا أصحاب الجنة عرَفوهم ببياض الوجوه, وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد الوجوه.

14721- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن جويبر, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوبٌ عِظام, وكان حَسْمُ أمرهم لله, فأقيموا ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه, فقالوا: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه, فذلك قوله: (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون).

14722- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، زعموا أن أصحاب الأعراف رجال من أهل الذنوب، أصابوا ذنوبًا، وكان حَسْم أمرهم لله, فجعلهم الله على الأعراف.

فإذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه, فتعوذوا بالله من النار.

وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: " أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ", قال الله: (لم يدخلوها وهم يطمعون).

قال: وهذا قول ابن عباس.

14723- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (يعرفون كلا بسيماهم)، يعرفون الناس بسيماهم, يعرفون أهل النار بسواد وجوههم, وأهل الجنة ببياض وجوههم.

14724- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (يعرفون كلا بسيماهم)، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم, وأهل الجنة ببياض وجوههم.

14725- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم)، قال: أهل الجنة بسيماهم.

بيض الوجوه = وأهل النار بسيماهم، سود الوجوه.

قال: وقوله (يعرفون كلا بسيماهم)، قال: أصحاب الجنة وأصحاب النار =" ونادوا أصحاب الجنة ", قال: حين رأوا وجوههم قد ابيضت.

14726- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: (يعرفون كلا بسيماهم)، قال: بسواد الوجوه.

14727- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن مبارك, عن الحسن: (بسيماهم)، قال: بسواد الوجوه وزرقة العيون.

* * * و " السيماء "، العلامة الدالة على الشيء، في كلام العرب.

وأصله من " السِّمَة "، نقلت واوها التي هي فاء الفعل، إلى موضع العين, كما يقال: " اضمحلّ" و " امضحلّ".

وذكر سماعًا عن بعض بني عقيل: " هي أرض خامة ", يعني" وَخِمة ".

ومنه قولهم: " له جاه عند الناس ", بمعنى " وجه ", نقلت واوه إلى موضع عين الفعل.

(30) وفيها لغات ثلاث: " سيما " مقصورة, و " سيماء "، ممدودة, و " سيمياء "، بزيادة ياء أخرى بعد الميم فيها، ومدها، على مثال " الكبرياء ", (31) كما قال الشاعر: (32) غُـلامٌ رَمَـاهُ اللـه بِالحُسْـنِ إذْ رَمَى لَـهُ سِـيمِيَاءُ لا تَشُـقُّ عَـلَى البَصَـرْ (33) * * * وأما قوله: (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)، أي: حلت عليهم أمنة الله من عقابه وأليم عذابه.

(34) * * * واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: (لم يدخلوها وهم يطمعون).

فقال بعضهم: هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف, غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها.

* ذكر من قال ذلك: 14728- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أهل الأعراف يعرفون الناسَ, فإذا مرُّوا عليهم بزُمْرة يُذْهب بها إلى الجنة قالوا: " سلام عليكم ".

يقول الله لأهل الأعراف: لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها.

14729- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، تلا الحسن: (لم يدخلوها وهم يطمعون)، قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم.

14730- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (لم يدخلوها وهم يطمعون)، قال: أنبأكم الله بمكانهم من الطمع.

14731- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن أبي بكر الهذلي قال، قال سعيد بن جبير, وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال: أما أصحاب الأعراف, فإن النور كان في أيديهم، فانتزع من أيديهم، (35) يقول الله: (لم يدخلوها وهم يطمعون)، قال: في دخولها.

قال ابن عباس: فأدخل الله أصحاب الأعراف الجنة.

14732- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن جابر, عن عكرمة وعطاء: (لم يدخلوها وهم يطمعون)، قالا في دخولها.

* * * وقال آخرون: إنما عني بذلك أهلَ الجنة, وأن أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يدخلوا الجنة: " سلام عليكم ", وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها, ولم يدخلوها بعدُ.

* ذكر من قال ذلك: 14733- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا جرير, عن سليمان التيمي, عن أبي مجلز: (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون)، قال: الملائكة، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم.

وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة، أصحاب الأعراف ينادون أصحابَ الجنة: أنْ سلام عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها.

--------------------- الهوامش : (11) ديوانه : 53 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 215 ، ورواية ديوانه وغيره (( وظلت تغالي باليفاع كأنها )) .

وهذا البيت من آخر القصيدة في صفة حمر الوحش ، بعد أن عادت من رحلتها الطويلة العجيبة في طلب الماء ، يقودها العير ، فوصفه ووصفهن ، فقال : مُحَــامٍ عـلى عَوْراتِهَـا لا يَرُوعُهـا خَيَـالٌ ، وَلا رَامِـي الوُحُوشِ المنَاهِزُ وأصْبَـحَ فَـوْقَ النَّشْـزِ ، نَشْزِ حَمَامةٍ، لَـهُ مَرْكَضٌ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ بَارِزُ وَظلَّــتْ تغَـالَي بِاليَفَـاع ..........

...................................

و (( تغالي الحمر )) احتكاك بعضها ببعض .يصف ضمور حمر الوحش ، كأنها رماح مائلة تستقبل مهب الرياح .

وكان في المطبوعة : (( تعالى )) ، وهو خطأ .

وفي المخطوطة هكذا : (( وطلت بأعراف تعالى كأنها رماح وجهه راكز )) ، صوابه ما أثبت .

(12) لم أعرف قائله .

(13) مجاز القرآن أبي عبيدة 1 : 215 ، اللسان ( نوف ) ، (( الكناز )) المجتمع اللحم القوية .

و (( النياف )) ، الطويل ، يصف جملا .

و (( العلم )) الجبل .

(14) الأثر : 14673 - (( عبيد الله بن أبي يزيد المكي )) ، روى عن ابن عباس ، مضى برقم : 3778 .

وكان في المطبوعة (( عبيد الله بن يزيد )) ، والصواب من المخطوطة .

(15) الأثر : 14674 - (( عبيد الله بن أبي يزيد )) ، المذكور آنفًا ، في المطبوعة والمخطوطة هنا (( عبيد الله بن يزيد )) .

(16) الأثر : 14677 - (( عيسى )) ، هو (( عيسى بن ميمون المكي )) صاحب التفسير ، مضى مئات من المرات ، وترجم في رقم : 278 ، 3347 ، وكنيته (( أبو موسى )) فهو الرواي هنا عن (( عبيد الله بن أبي يزيد )) .

وكان في المطبوعة هنا أيضًا ( عبيد الله بن يزيد )) ، والصواب من المخطوطة .

انظر التعليقين السالفين .

(17) هو المذكور في آية سورة الحديد : 13 ، والمذكور آنفًا في الآثار السالفة .

(18) الأثر : 14685 - (( عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي )) ، وهو (( الأعرج )) استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة ، وكان أبو الزناد كاتبًا له .

ثقة ، روى له الجماعة مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 /1 / 15 ، ونسب قريش : 363 .

و (( أبو الزناد )) ، (( عبد الله بن ذكوان )) مولى على قريش )) ، مضى برقم : 11813 .

(19) في المخطوطة : (( فلما رأوا أهل الجنة )) ، وهو جائز .

(20) الأثر : 14690 - (( أبو بكر الهذلي )) ، ليس بثقة ، ولا يحتج بحديثه .

وقال غندر : (( كان إمامنا ، وكان يكذب )) .

مضى برقم : 597 ، 8376 ، 13054 ، 14398 غندر : (( كان إمامنا ، وكان يكذب )) .

مضى برقم : 597 ، 8376 ، 13054 ، 14398 .

و (( الوحدان )) بضم الواو ، جمع (( واحد )) .

و (( واحد )) .

و (( الأعشار )) جمع (( عشر )) .

(21) الأثر : 14691 - (( الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني )) ، (( أبو همام )) ، شيخ الطبري ، تكلموا فيه ، وقال ابن معين : (( لا بأس به ، ليس هو ممن يكذب )) ، وقال أبو حاتم : (( يكتب حديثه ولا يحتج به )) .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 7 .

و (( عيسى الحناط )) ، هو (( عيسى بن أبي عيسى الحناط الغفاري )) ، وهو (( عيسى بن ميسرة )) ضعيف مضطرب الحديث لا يكتب حديثه .

وكان (( خباطًا )) ، ثم ترك ذلك وصار (( حناطًا )) ، ثم ترك ذلك وصار يبيع الخيط .

قال ابن سعد : (( كان يقول : أنا خباط ، حناط ، خياط ، كلا قد عالجت )) .

وكان في المطبوعة هنا (( الخياط )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان صوابًا ما في المطبوعة .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 289 .

(22) في ابن كثير 3 : 481 (( يقال له نهر الحياة )) .

وانظر الأثر التالي .

و (( قصب الذهب )) ، أنابيب من الذهب ، مجوفة مستطيلة .

وفي المطبوعة هنا وفيما يلي (( قضب )) ، بالضاد .

(23) الأثر : 14693 - سيرويه موقوفًا على عبد الله بن الحارث في الأثر التالي ، قال ابن كثير بعد أن ذكر الخبرين : (( وعن عبد الله بن الحارث من قوله ، وهذا أصح )) ، التفسير 3 : 482 .

(24) في المخطوطة : (( كتابي )) ثم ضرب على (( بي )) ، وكتب بعدها (( ب )) ، وأخشى أن يكون الذي ضرب عليه الناسخ هو الصواب .

(25) الأثر : 14702 - (( سفيع )) ، لم أجد من ذكره .

وأما (( سميع )) الراوي عن ابن عباس ، فهو (( سميع الزيات )) (( أبو صالح )) ، ثقة مترجم في الكبير 2 /2 / 190 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 305 .

(26) الأثر : 14704 - (( يحيى بن شبل )) ، (( مولى بني هاشم )) لم أعرف حاله ، ترجم له ابن أبي حاتم 4 / 2 / 157 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، والبخاري في الكبير 4 / 2 / 282 ، وذكره في التهذيب إلحاقًا فقال : (( ولهم بن شبل شيخ آخر مدني ، أقدم من هذا ، يروي عنه أبو معشر حديثًا في أصحاب الأعراف )) واقتصر البخاري على أنه يروي عنه سعيد بن أبي هلال .

وأما ابن أبي حاتم ، فذكر أنه روى عن (( عمر بن عبد الرحمن المزني ، وعن جده بن حسين ( ؟؟

) عن علي رضي الله عنه )) ثم قال : (( روى عنه سعيد بن أبي هلال ، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، وأبو معشر ، وموسى بن عبيدة الربذي ، وابن أبي سبرة )) .

وزادنا أبو جعفر في الأثر التالي أنه (( مولى بني هاشم )) ، ولم أجد لذلك ذكرًا في الكتب التي بأيدينا .

وهذا خبر ضعيف ، لما فيه من المجاهيل ، ولأن (( أبا معشر )) نفسه ، قد تكلموا فيه ، وضعفوه .

وانظر التعليق على الأثر التالي ، ففيه التخريج .

(27) الأثر : 14705 - (( يحيى بن شبل ، مولى بني هاشم )) ، انظر الأثر السالف .

و (( محمد بن عبد الرحمن المزني )) ، لم أجد له ترجمة مفردة ، ويقال أيضًا (( عمر بن الرحمن المزني )) ، ويقال : (( عمرو بن عبد الرحمن )) ، إن صلح ما في ترجمة أبيه في أسد الغابة .

وأبوه (( عبد الرحمن المزني )) ، ويقال (( عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن )) ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب : (( وقد قيل : اسم أبيه محمد ، وهو الصواب إن شاء الله )) .

وترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب : 399 ، وابن الأثير في أسد الغابة في موضعين 3 : 307 ، 322 ، وابن حجر في الإصابة في موضعين : في (( عبد الرحمن بن أبي الهلالي )) وفي (( عبد الرحمن المزني )) ، ولم يشر إلى ذلك في واحدة من الترجمتين ، وهو عجيب !!

واختلفوا في تسمية ولده ، فقال ابن حجر : (( والد عمر ، ويقال : والد محمد )) ، وقال ابن عبد البر : (( وله ولد آخر يقال له : (( عبد الرحمن )) .

أما ابن الأثير ، ففيه أن ولده (( عمرو )) ، وان كنية (( عبد الرحمن المزني )) هو (( أبو عمرو )) .

وأما قوله في الأثر السالف : (( أن رجلا من بني النضير )) ، فهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، وفي المراجع الأخرى : (( أن رجلا من بني نضر )) ، ولا أدري أهو بالضاد المعجمة أم الصاد المهملة .

وأما (( عن رجل من بني هلال )) فكأنه يعني من (( بني هلال بن رئاب )) من (( بني عمرو بن أد )) ، وهم مزينة ، ومن بني هلال بن رئاب (( إياس بن معاوية المزني )) القاضي المشهور .

انظر جمهرة الأنساب لابن حزم : 192 .

ويدل على ذلك ان ابن حجر ترجم له في (( عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن الهلالي )) وفي (( عبد الرحمن المزني )) ، وذكر فيهما حديثه في الأعراف .

وهذا الخبر ذكروه جميعًا من طرق مختلفة ، وكلها مضطرب ، وقد جمع الكلام فيه الحافظ ابن حجر في الإصابة في الموضعين ، ولكنه لم يستوفه .

ومهما يكن من شيء ، فهو حديث ضعيف لضعف أبي معشر ، ولما يحيط به من الجهالة كما أسلفت في التعليق على الأثر السالف .

(28) في المخطوطة : (( الملائكة )) دون صفتهم (( ذكور )) ، كأنه قطع الكلام بالإثبات .

وإن كان يخشى أيضًا أن يكون الناسخ أسقط ما ثبت في المطبوعة .

(29) الأثر : 14715 - (( عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 14203 ، 14209 .

و (( أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي )) ، ثقة ، روى له الجماعة مضى كثيراص ، آخرها أيضًا رقم : 14203 ، 14209 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( أبو زرعة ، عن عمرو بن جرير )) ، وهو خطأ .

وهذا خبر مرسل حسن ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 87 ، وزاد إلى ابن المنذر .

ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 482 .

(30) انظر (( جاه )) فيما سلف 6 : 415 .

(31) انظر تفسير (( سيما )) فيما سلف 5 : 594 - 597 /7 : 189 ، 190 .

(32) هو أسيد بن عنقاء الفزاري .

(33) سلف البيت وتخريجه فيما سلف 5 : 595 /7 : 189 .

(34) انظر تفسير (( سلام )) فيما سلف ص : 114 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(35) في المطبوعة : (( ما انتزع )) ، والصواب من المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعونقوله تعالى وبينهما حجاب أي بين النار والجنة - لأنه جرى ذكرهما - حاجز ; أي سور .

وهو السور الذي ذكره الله في قوله : فضرب بينهم بسور .[ ص: 190 ] وعلى الأعراف رجال أي على أعراف السور ; وهي شرفه .

ومنه عرف الفرس وعرف الديك .

روى عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال : الأعراف الشيء المشرف .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك .

والأعراف في اللغة : المكان المشرف ; جمع عرف .

قال يحيى بن آدم : سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت ، فقلت : حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك .

فقال : نعم والله ، واحده يعني ، وجماعته أعراف ، يا غلام ، هات القرطاس ; فكتبه .وهذا الكلام خرج مخرج المدح ; كما قال فيه رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال : فقال عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم .

قال ابن عطية : وفي مسند خيثمة بن سليمان " في آخر الجزء الخامس عشر " حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار .

قيل : يا رسول الله ، فمن استوت حسناته وسيئاته ؟

قال : أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون .

وقال مجاهد : هم قوم صالحون فقهاء علماء .

وقيل : هم الشهداء ; ذكره المهدوي .

وقال القشيري : وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء ، فرغوا من شغل أنفسهم ، وتفرغوا لمطالعة حال الناس ; فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار ، فإن في قدرة الله كل شيء ، وخلاف المعلوم مقدور .

فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها .

وقال شرحبيل بن سعد : هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم .

وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم .

وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قوله عز وجل : وعلى الأعراف رجال قال : الأعراف موضع عال على الصراط ، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين ، رضي الله عنهم ، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه .

وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم ، وهم في كل أمة .

واختار هذا القول النحاس ، وقال : وهو من أحسن ما قيل فيه ; فهم على السور بين الجنة والنار .

وقال الزجاج : هم قوم أنبياء .

وقيل : هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في [ ص: 191 ] مقابلة صغائرهم .

وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف ; لأن مذهبه أنهم مذنبون .

وقيل : هم أولاد الزنى ; ذكره القشيري عن ابن عباس .

وقيل : هم ملائكة موكلون بهذا السور ، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ; ذكره أبو مجلز .

فقيل له : لا يقال للملائكة رجال ؟

فقال : إنهم ذكور وليسوا بإناث ، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم ; كما أوقع على الجن في قوله : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن .

فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم ; فيبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها .

وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب .

قال ابن عطية : واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين .يعرفون كلا بسيماهم أي بعلاماتهم ، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة ، وسوادها وقبحها في أهل النار ، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء .

قلت : فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل ، والله بحقائق الأمور عليم .

ثم قيل : الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع ; لأنه بظهوره أعرف من المنخفض .

قال ابن عباس : الأعراف شرف الصراط .

وقيل : هو جبل أحد يوضع هناك .

قال ابن عطية : وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة .

وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أحدا على ركن من أركان الجنة .

قلت : وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة .[ ص: 192 ] قوله تعالى ونادوا أصحاب الجنة أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة .أن سلام عليكم أي قالوا لهم سلام عليكم .

وقيل : المعنى سلمتم من العقوبة .لم يدخلوها وهم يطمعون أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف ، أي لم يدخلوها بعد .

وهم يطمعون على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها .

وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم ; ذكرهالنحاس .

وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما ، أن المراد أصحاب الأعراف .

وقال أبو مجلز : هم أهل الجنة ، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف .

والوقف على قوله : سلام عليكم .

وعلى قوله : لم يدخلوها .

ثم يبتدئ وهم يطمعون على معنى وهم يطمعون في دخولها .

ويجوز أن يكون وهم يطمعون حالا ، ويكون المعنى : لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين ، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها ; فلا يوقف على لم يدخلوها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب يقال له: { الأَعْرَاف } لا من الجنة ولا من النار، يشرف على الدارين، وينظر مِنْ عليه حالُ الفريقين، وعلى هذا الحجاب رجال يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بسيماهم، أي: علاماتهم، التي بها يعرفون ويميزون، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نَادَوْهم { أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } أي: يحيونهم ويسلمون عليهم، وهم - إلى الآن - لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، ولم يجعل اللّه الطمع في قلوبهم إلا لما يريد بهم من كرامته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وبينهما حجاب ) يعني : بين الجنة والنار ، وقيل : بين أهل الجنة وبين أهل النار حجاب ، وهو السور الذي ذكر الله تعالى في قوله : " فضرب بينهم بسور له باب " ( الحديد ، 13 ) .

قوله تعالى : ( وعلى الأعراف رجال ) والأعراف هي ذلك السور الذي بين الجنة والنار ، وهي جمع عرف ، وهو اسم للمكان المرتفع ، ومنه عرف الديك لارتفاعه عما سواه من جسده .

وقال السدي : سمي ذلك السور أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس .

واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف : فقال حذيفة وابن عباس : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار ، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته ، وهم آخر من يدخل الجنة .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال : قال سعيد بن جبير ، يحدث عن ابن مسعود قال : يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ، ثم قرأ قول الله تعالى : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) ( الأعراف 8 - 9 ) .

ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح .

قال : ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم ، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ، ويعطى كل عبد يومئذ نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة ، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا ربنا أتمم لنا نورنا .

فأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من بين أيديهم ، ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا فبقي في قلوبهم الطمع إذ لم ينزع النور من بين أيديهم ، فهنالك يقول الله : " لم يدخلوها وهم يطمعون " ، وكان الطمع النور الذي بين أيديهم ثم أدخلوا الجنة ، وكانوا آخر أهل الجنة دخولا .

وقال شرحبيل بن سعد : أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم ، ورواه مقاتل في تفسيره مرفوعا : هم رجال غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا ، فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم ، فهم آخر من يدخل الجنة .

وروي عن مجاهد : أنهم أقوام رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر ، يحبسون على الأعراف إلى أن يقضي الله بين الخلق ، ثم يدخلون الجنة .

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني : هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم .

وقيل : هم أطفال المشركين .

وقال الحسن : هم أهل الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل الجنة وأهل النار جميعا ، ويطالعون أحوال الفريقين .

قوله تعالى : ( يعرفون كلا بسيماهم ) أي : يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم وأهل النار بسواد وجوههم .

( ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ) أي : إذا رأوا أهل الجنة قالوا سلام عليكم ، ( لم يدخلوها ) يعني : أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة ، ( وهم يطمعون ) في دخولها ، قال أبو العالية : ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريد بهم ، قال الحسن : الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وبينهما) أي أصحاب الجنة والنار (حجاب) حاجز قيل هو سور الأعراف (وعلى الأعراف) وهو سور الجنة (رجال) استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث (يعرفون كلا) من أهل الجنة والنار (بسيماهم) بعلامتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) قال تعالى (لم يدخلوها) أي أصحاب الأعراف الجنة (وهم يطمعون) في دخولها قال الحسن: لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم وروى الحاكم عن حذيفة قال "" بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم "".

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز عظيم يقال له الأعراف، وعلى هذا الحاجز رجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم، كبياض وجوه أهل الجنة، وسواد وجوه أهل النار، وهؤلاء الرجال قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم يرجون رحمة الله تعالى.

ونادى رجال الأعراف أهل الجنة بالتحية قائلين لهم: سلام عليكم، وأهل الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد، وهم يرجون دخولها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ينتقل القرآن إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة ، يحدثنا فيه عن أصحاب الأعراف وما يدور بينهم وبين أهل الجنة وأهل النار من حوار فيقول :( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ) أى : بين أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل بينهما ، ويمنع وصول أحد الفريقين إلى الآخر .ويرى بعض العلماء أن هذا الحجاب هو السور الذى ذكره الله فى قوله - تعالى - فى سورة الحديد : ( يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب ) ثم قال - تعالى - : ( وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الجنة أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) .الأعراف : جمع عرف ، وهو المكان المرتفع من الأرض وغيرها .

ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر الذى يكون فى أعلى الرقبة .والمعنى : وبين الجنة والنار حاجز يفصل بينهما وعلى أعراف هذا الحاجز - أى فى أعلاه - رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فيعرفون كلا منهم بسيماهم وعلاماتهم التى وصفهم الله بها فى كتابه كبياض الوجوه بالنسبة لأهل الجنة ، وسوادها بالنسبة لأهل النار ، ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة عند رؤيتهم لهم بقولهم : سلام عليكم وتحية لكم ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) .هذا ، وللعلماء أقوال فى أصحاب الأعراف أوصلها بعض المفسرين إلى اثنى عشر قولا من أشهرها قولان :أولهما : أن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وقد روى هذا القول عن حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف .وقد استشهد أصحاب هذا القول بما رواه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناتهم وسيئاتهم فقال : " أولئك أصحاب الأعراف ، لم يدخلوها وهم يطمعون " " .وعن الشعبى عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال : " هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ، وخلفت بهم حسناتهم عن النار .

قال : فوقفوا هناك على السور حتى يقضى الله فيهم " .وهناك آثار أخرى تقوى هذا الرأى ذكرها الإمام ابن كثير فى تفسيره .أما الرأى الثانى : فيرى أصحابه أن أصحاب الأعراف قوم من أشرف الخلق وعدولهم كالأنبياء والصديقين والشهداء .

وينسب هذا القول إلى مجاهد وإلى أبى مجلز فقد قال مجاهد : " أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء " وقال أبو مجلز : أصحاب الأعراف هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار .ومعنى كونهم رجالا - فى قول أبى مجلز أى : فى صورتهم .وقد رجح بعض العلماء الرأى الثانى فقال : " وليس أصحاب الأعراف ممن تساوت حسناتهم وسيئاتهم كما جاء فى بعض الروايات ، لأن ما نسب إليهم من أقوال لا يتفق مع انحطاط منزلتهم عن أهل الجنة ، انظر قولهم للمستكبرين :( مَآ أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) فإن هذا الكلام لا يصدر إلا من أرباب المعرفة الذين اطمأنوا إلى مكانتهم .

ولذا أرجح أن رجال الأعراف هم عدول الأمم والشهداء على الناس ، وفى مقدمتهم الأنبياء والرسل " .والذى نراه : أن هناك حجاباً بين الجنة والنار ، الله أعلم بحقيقته ، وأن هذا الحجاب لا يمنع وصول الأصوات عن طريق المناداة ، وأن هذا الحجاب من فوقه رجال يرون أهل الجنة وأهل النار فينادون كل فريق بما يناسبه ، يحيون أهل الجنة ويقرعون أهل النار ، وأن هؤلاء الرجال - يغلب على ظننا - أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم .

لأن هذا القول هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف ، ولأن آثار تؤيده ، ولذا قال ابن كثير : " واختلفت عبارات المفسرين فى أصحاب الأعراف من هم؟

وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد ، وهو أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله " .وقوله : ( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) فيه وجهان :أحدهما : أنه فى أصحاب الأعراف ، أى أن أصحاب الأعراف عندما رأوا أهل الجنة سلموا عليهم حال كونهم - أى أصحاب الأعراف - لم يدخلوها معهم وهم طامعون فى دخولها مترقبون له .وثانيهما : أنه فى أصحاب الجنة : أى : أنهم لم يدخلوها بعد ، وهم طامعون فى دخولها لما ظهر لهم من يسر الحساب .

وكريم اللقاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ يعني: بين الجنة والنار، أو بين الفريقين، وهذا الحجاب هو المشهور المذكور في قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ  ﴾ .

فإن قيل: وأي حاجة إلى ضرب هذا السور بين الجنة والنار؟

وقد ثبت أن الجنة فوق السموات وأن الجحيم في أسفل السافلين.

قلنا: بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحِجاب، وأما الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع، ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه.

إذا عرفت هذا فنقول: في تفسير لفظ الأعراف قولان: القول الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار، وهذا قول ابن عباس.

وروي عنه أيضاً أنه قال: الأعراف شرف الصراط.

والقول الثاني: وهو قول الحسن وقول الزجاج: في أحد قوليه أن قوله: ﴿ وَعَلَى الأعراف ﴾ أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل الجنة والنار بسيماهم.

فقيل للحسن: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فضرب على فخذيه ثم قال: هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار يميزون البعض من البعض، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا!

أما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم؟

ولقد كثرت الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين: أحدهما: أن يقال إنهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب.

الثاني: أن يقال إنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب أما على التقدير الأول ففيه وجوه: أحدها: قال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار، فقيل له: يقول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ ﴾ وتزعم أنهم ملائكة؟

فقال الملائكة ذكور لا إناث.

ولقائل أن يقول: الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية.

وثانيها: قالوا إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم عن سائر أهل القيامة، وإظهاراً لشرفهم، وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم.

وثالثها: قالوا: إنهم هم الشهداء، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار، ثم قال قوم: إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم، وهذا الوجه باطل، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف اختصاص بهذه المعرفة، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنة ومن أهل النار، ولما بطل هذا الوجه ثبت أن المراد بقوله: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ هو أنهم كانوا يعرفون في الدنيا أهل الخير والإيمان والصلاح، وأهل الشر والكفر والفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف، وهي الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به، ويعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات، وأهل العقاب إلى الدركات.

فإن قيل: هذه الوجوه الثلاثة باطلة، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف أنهم ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، والملائكة والشهداء.

أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم بمشاهدة تلك الأحوال، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم.

وأما قوله: ﴿ وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ فالمراد من هذا الطمع اليقين ألا ترى أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ وذلك الطمع كان طمع يقين، فكذا هاهنا.

فهذا تقرير قول من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة.

والقول الثاني: وهو قول من يقول أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً: أحدها: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا جرم ما كانوا من أهل الجنة ولا من أهل النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة وبين النار ثم يدخلهم الله تعالى الجنة بفضله ورحمته وهم آخر قوم يدخلون الجنة، وهذا قول حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما واختيار الفراء، وطعن الجبائي والقاضي في هذا القول واحتجوا على فسادّه بوجهين: الأول: أن قالوا إن قوله تعالى: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ يدل على أن كل من دخل الجنة فإنه لابد وأن يكون مستحقاً لدخولها، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة ولا النار، ثم إنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل لا بسبب الاستحقاق.

وثانيهما: إن كونهم من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ميزهم من جميع أهل القيامة بأن أجلسهم على الأماكن العالية المشرفة على أهل الجنة، وأهل النار، وذلك تشريف عظيم، ومثل هذا التشريف لا يليق إلا بالأشراف ولا شك أن الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة، فلا يليق بهم ذلك التشريف.

والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا ﴾ خطاب مع قوم معينين، فلم يلزم أن يكون لكل أهل الجنة كذلك.

والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على سبيل التخصيص بمزيد التشريف والإكرام، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة والنار، وهل النزاع إلا في ذلك؟

فثبت أن الحجة التي عولوا عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفة.

الوجه الثاني: من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الأعراف قالوا: المراد من أصحاب الأعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار.

واعلم أن هذا القول داخل في القول الأول لأن هؤلاء، إنما صاروا من أصحاب الأعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بإجهاد، فهذا أحد الأمور الداخلة تحت الوجه الأول وبتقدير أن يصح ذلك الوجه فلا معنى لتخصيص هذه الصورة وقصر لفظ الآية عليها.

والوجه الثالث: قال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة.

والوجه الرابع: قال قوم إنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم في الأعراف فهذا كله شرح قول من يقول: الأعراف عبارة عن الأمكنة العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار.

وأما الذين يقولون الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار؛ فهذا القول أيضاً غير بعيد إلا أن هؤلاء الأقوام لابد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة، وأهل النار وحينئذ يعود هذا القول إلى القول الأول، فهذه تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب.

والله أعلم، ثم إنه تعالى أخبر أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله: ﴿ بسيماهم ﴾ على وجوه.

فالقول الأول: وهو قول ابن عباس: أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ  ﴾ وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة، وكون كل واحد منهم أغر محجلاً من آثار الوضوء، وعلامة الكفار سواد وجوههم، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، وكون عيونهم زرقاً.

ولقائل أن يقول: إنهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات؟

لأن هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس، وذلك باطل.

وأيضاً فهذه الآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة، ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا الاختصاص، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص.

والقول الثاني: في تفسير هذه الآية أن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضاً بظهور علامات الكفر والفسق عليهم، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا، وهذا الوجه هو المختار.

أما قوله تعالى: ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ فالمعنى إنهم إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا على أهلها، وعند هذا تم كلام أهل الأعراف.

ثم قال: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ والمعنى أنه تعالى أخبر أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها، ثم إن قلنا إن أصحاب الأعراف هم الأشراف من أهل الجنة فقد ذكرنا أنه تعالى إنما أجلسهم على الأعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم» وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الاعراف، وهي المواضع العالية الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة، فهم أبداً لا يجلسون إلا في الدرجات العالية.

وأما إن فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا إنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطعمون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار ﴾ فقال الواحدي رحمه الله التلقاء جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، ولذلك كان ظرفاً من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو حذاءك، وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً، ثم نقل الواحدي رحمه الله بإسناده عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أنهما قالا: لم يأت من المصادر على تفعال إلا حرفان تبيان وتلقاء، فإذا تركت هذين استوى ذلك القياس، فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء، مثل تسيار وترسال.

وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء، مثل تمثال وتقصار، ومعنى الآية: أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم.

والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف، حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال، ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق، فيصل بسببه إلى الثواب المذكور في هذه الآيات، ويتخلص عن العقاب المذكور فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ يعني بين الجنة والنار.

أو بين الفريقين، وهو السور المذكور في قوله تعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُور ﴾ [الحديد: 13] ﴿ وَعَلَى الأعراف ﴾ وعلى أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه، جمع عرف استعير من عرف الفرس وعرف الديك ﴿ رِجَالٌ ﴾ من المسلمين من آخرهم دخولاً في الجنة لقصور أعمالهم، كأنهم المرجون لأمر الله، يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ ﴾ من زمر السعداء والأشقياء ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها، يلهمهم الله ذلك: أو تعرّفهم الملائكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَبَيْنَهُما حِجابٌ ﴾ أيْ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ ﴾ أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِيَمْنَعَ وُصُولَ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى.

﴿ وَعَلى الأعْرافِ ﴾ وعَلى أعْرافِ الحِجابِ أيْ أعالِيهِ، وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما جَمْعُ عُرْفٍ مُسْتَعارٌ مَن عُرْفِ الفَرَسِ وقِيلَ العُرْفُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ فَإنَّهُ يَكُونُ لِظُهُورِهِ أعْرَفُ مِن غَيْرِهِ.

﴿ رِجالٌ ﴾ طائِفَةٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ قَصَّرُوا في العَمَلِ فَيُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِمْ ما يَشاءُ وقِيلَ قَوْمٌ عَلَتْ دَرَجاتُهم كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوِ الشُّهَداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أوْ خِيارِ المُؤْمِنِينَ وعُلَمائِهِمْ، أوْ مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُورَةِ الرِّجالِ.

﴿ يَعْرِفُونَ كُلا ﴾ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ.

﴿ بِسِيماهُمْ ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِها كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ، فَعَلى مِن سامَ إبِلَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعَلَّمَةً، أوْ مِن وسَمَ عَلى القَلْبِ كالجاهِ مِنَ الوَجْهِ، وإنَّما يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِالإلْهامِ أوْ تَعْلِيمِ المَلائِكَةِ.

﴿ وَنادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ سَلَّمُوا عَلَيْهِمْ.

﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الواوِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِن أصْحابٍ عَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ.

﴿ وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا ﴾ نَعُوذُ بِاللَّهِ.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)

{وبينهما} وبين الجنة ووالنار اوبين الفريقين {حجابٌ} وهو السور المذكور في قوله فضرب بينهم بسور {وعلى الأعراف} على اعراف الحجاب وهو للسور المضروب بين الجنو والنار وهى اعاله جمع عرف استعير من عرف الفرس وعرف الديك {رجال} من أفاضل المسلمني أو من آخرهم دخولاً في الجنة لاستواء حسناتهم وسيآتهم أو من لم يرض عنه أحد أبويه أو أطفال المشركين {يعرفون كلاًّ} من زمرة السعداء والأشقياء {بسيماهم} بعلامتهم قيل سيما المؤمنين بياض الوجوه ونضارتها وسما الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون

الأعراف ٤٥ ٥٠ {ونادوا} أي أصحاب الأعراف {أصحاب الجنّة أن سلامٌ عليكم} أنه سلام أو أي سلام وهو تهنئة منهم لأهل الجنة {لم يدخلوها} أي أصحاب الأعراف ولا محل له لأنه استئناف كان سائلا سأل عن أصحاب الأعراف فقيل لم يدخلوها {وهم يطمعون} فى دخولها أو له محل وهو صفة لرجال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وبَيْنَهُما حِجابٌ ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ ﴾ أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حِجابٌ عَظِيمٌ لِيُمْنَعَ وصُولُ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى وإنْ لَمْ يُمْنَعْ وصُولُ النِّداءِ وأُمُورُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بِأُمُورِ الدُّنْيا.

﴿ وعَلى الأعْرافِ ﴾ أيْ أعْرافِ الحِجابِ أيْ أعالِيهِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما جَمْعُ عُرْفٍ مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الدّابَّةِ والدِّيكِ وقِيلَ: العُرْفُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ أيْ أعْلى مَوْضِعٍ مِنهُ لِأنَّهُ أشْرَفُ وأعْرَفُ ما فِيهِ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ وقِيلَ: ذاكَ جَبَلُ أُحُدٍ.

فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أُحُدٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ» وإنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم وهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الجَنَّةِ وقِيلَ: هو الصِّراطُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ المُفَضَّلِ وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمْ يُفَسِّرِ الأعْرافَ بِمَكانٍ وأنَّهُ قالَ: المَعْنى وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ والحَقُّ أنَّهُ مَكانٌ والرِّجالُ طائِفَةٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ قَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئاتُهم عَنِ الجَنَّةِ وتَجاوَزَتْ بِهَمْ حَسَناتُهم عَنِ النّارِ جُعِلُوا هُناكَ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ النّاسِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم فَقالَ لَهم: قُومُوا ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَإنِّي غَفَرْتُ لَكم أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ حُذَيْفَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى النّاسَ ثُمَّ يَقُولُ لِأصْحابِ الأعْرافِ ما تَنْتَظِرُونَ قالُوا: نَنْتَظِرُ أمْرَكَ فَيُقالُ: إنَّ حَسَناتِكم تَجاوَزَتْ بِكُمُ النّارَ أنْ تَدْخُلُوها وحالَتْ بَيْنَكم وبَيْنَ الجَنَّةِ خَطاياكم فادْخُلُوها بِمَغْفِرَتِي ورَحْمَتِي وإلى ذا ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجَلَسُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَلى سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ.

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ العَبّاسُ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وجَعْفَرٌ ذُو الجَناحَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يَجْلِسُونَ عَلى مَوْضِعٍ مِنَ الصِّراطِ يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَياضِ الوُجُوهِ ومُبْغَضِيهِمْ بِسَوادِها وقِيلَ: إنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الشّاهِدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ وهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ حَكاهُ الزُّهْرِيُّ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقالَ هم أُناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مَعْصِيَةُ آبائِهِمْ ومَنَعَهم مِن دُخُولِ النّارِ قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ» وقِيلَ: هم أُناسٌ رَضِيَ عَنْهم أحَدُ أبَوَيْهِمْ دُونَ الآخَرِ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم قَوْمٌ كانَ فِيهِمْ عُجْبٌ وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ: هم قَوْمٌ كانَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ وقِيلَ: هم أهْلُ الفَتْرَةِ وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم أوْلادُ الزِّنا وعَنْهُ أيْضًا أنَّهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.

وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُورَةِ الرِّجالِ لا أنَّهم رِجالٌ حَقِيقَةً لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ ولا أُنُوثَةٍ وقِيلَ وقِيلَ وأرْجَحُ الأقْوالِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ الأوَّلُ وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَها بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْلِسَ الجَمِيعُ مِمَّنْ ورَدَ فِيهِمْ أنَّهم أصْحابُ الأعْرافِ هُناكَ مَعَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ عَلى أنَّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ ما يَخْفى تَداخُلُهُ.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَظْهَرَ القَوْلَ بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ قَوْمٌ عَلَتْ دَرَجاتُهم لِأنَّ المَقالاتِ الآتِيَةَ وما تَتَفَرَّعُ هي عَلَيْهِ لا تَلِيقُ بِغَيْرِهِمْ ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا ﴾ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿ بِسِيماهُمْ ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها كَبَياضِ الوُجُوهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادِها بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ.

ووَزْنُهُ فَعْلى مِن سامَ إبِلَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعَلَّمَةً أوْ مِن وسَمَ عَلى القَلْبِ كالجاهِ مِنَ الوَجْهِ فَوَزْنُهُ عَقْلى ويُقالُ سِيماءُ بِالمَدِّ وسِيمِياءُ كَكِبْرِياءَ قالَ الشّاعِرُ: لَهُ سِيماءُ ما تَشُقُّ عَلى البَصَرِ ومَعْرِفَتُهم أنَّ كَذا عَلامَةُ الجَنَّةِ وكَذا عَلامَةُ النّارِ تَكُونُ بِالإلْهامِ أوْ بِتَعْلِيمِ المَلائِكَةِ وهَذا كَما رُوِيَ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم إذْ لا حاجَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ لِلْعَلامَةِ ويُشْعِرُ كَلامُ آخَرِينَ أنَّهُ بَعْدَهُ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ ﴿ ونادَوْا ﴾ أيْ رِجالُ الأعْرافِ ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ حِينَ رَأوْهم وعَرَفُوهم ﴿ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ نادُوا ﴾ أوْ مَفْعُولِهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهم يَطْمَعُونَ ﴾ (46) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَدْخُلُوها ﴾ أيْ نادَوْهم وهم لَمْ يَدْخُلُوها حالَ كَوْنِهِمْ طامِعِينَ في دُخُولِها مُتَرَقِّبِينَ لَهُ أيْ لَمْ يَدْخُلُوها وهم في وقْتِ عَدَمِ الدُّخُولِ طامِعُونَ قالَهُ بَعْضُهم.

وفَسَّرَ الطَّمَعَ بِاليَقِينِ الحَسَنُ وأبُو عَلِيٍّ وبِهِ فُسِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾ وفي الكَشّافِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها ﴾ ..

إلَخْ.

لا مَحَلَّ لَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ حالِ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةً لِرِجالٍ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا أي: ما وعدنا يعني: في الدنيا من الثواب وجدناه صدقاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا أي صدقاً قالُوا نَعَمْ فاعترفوا على أنفسهم في وقت لا ينفعهم الاعتراف.

قرأ الكسائي قالوا: نَعِمْ بكسر العين في جميع القرآن.

وقرأ الباقون بالنصب.

وروي عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: نَعَمْ بالنصب فقال له عمر: النَّعَم المال، وقل: نَعِمْ يعني: بكسر العين وروى الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كانت أشياخ قريش إلا يقولون: نَعِمْ فماتت يعني: اللغة فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وذلك أنه ينادي منادٍ بين الجنة والنار تسمعه الخلائق كلهم إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المحسنين ولعنة الله على الظالمين أي: كرامة الله وفضله وإحسانه على المؤمنين وعذاب الله مع عقابه على الكافرين.

ثم قال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الناس عن دين الله، وهو الإسلام وهم الرؤساء منهم منعوا أتباعهم عن الإيمان وَيَبْغُونَها عِوَجاً يقول يريدون بملة الإسلام غيراً وزيفاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ يعني: أنهم كانوا جاحدون بالبعث.

قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي أنَّ لَعْنَةَ الله بالتشديد ونصب الهاء.

وقرأ الباقون أنَّ لَعْنَةُ بتخفيف أَنْ وضم الهاء.

قوله: وَبَيْنَهُما حِجابٌ أي بين أهل الجنة وأهل النار سور وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور كعرف الديك.

وقال القتبي: الأعراف سور بين الجنة والنار، وسمي بذلك لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب أعراف.

وقال السدي: إنما سمّي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس.

روي عن رسول الله  أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: «هُمْ قَوْمٌ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فِي مَعْصِيةِ آبائِهِمْ فَمَنَعَهُمْ مِنَ النَّارِ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَنَعَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ مَعْصِيَتُهُمْ آبَاءَهُمْ» .

وعن حذيفة بن اليمان أنه قال: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم يكن لهم حسنات فاضلة يدخلون بها الجنة ولا سيئات فاضلة يدخلون بها النار.

وهذا القول أيضاً روي عن ابن عباس مثل هذا.

وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: هم أولاد الزنى.

وروي عن أبي مجلز أنه قال: هم الملائكة.

فبلغ ذلك مجاهداً فقال: كذب أبو مجلز يقول الله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ فقال أبو مجلز: لأن الملائكة ليسوا بإناث ولكنهم عباد الرحمن.

قال الله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: 19] .

يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ يعني: أن أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة إذا مروا بهم ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم والسيما هي العلامة وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: فإذا مرّ بهم زمرة من أهل الجنة قالوا: أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعني: إن أهل الأعراف يسلّمون على أهل الجنة لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ يعني: أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون أنْ يَدخلوها.

وقال الحسن: والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدهم بها.

ويقال: لم يدخلوها يعني: أهل الجنة لم يدخلوها حتى يسلم عليهم أهل الأعراف وهم يطمعون في دخولها.

ويقال: أهل النار لم يدخلوها أبداً وهم يطمعون وطمعهم أن أفيضوا علينا من الماء.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أي: قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، «وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى: أي.

وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر الأعمال.

«وأورثتم» مشيرة إلى الأقسام.

وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)

وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ...

الآية.

هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار.

وقوله سبحانه: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي: أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون.

ت: حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ «١» فقال له: اتّق الله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟

فقال قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى.

وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في يَبْغُونَها عائد على السَّبيل.

وقوله سبحانه: وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.

وَبَيْنَهُما: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره الله عز وجل في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الحديد: ١٣] .

قال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار «١» .

وقال ابن عباس أيضاً: هو تَلٌّ بين الجنة والنار» .

وذكر الزّهراويّ حديثا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ» «٣» .

والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا.

وقال بعض الناس: سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس.

قال ع «٤» : وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه.

وقوله: رِجالٌ قال الجمهور: إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ: هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم «٥» .

وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك/ حَدِيثاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم «٦» .

وقال ابن عباس، وغيره: هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم «٧» ، ووقع في «مسند

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَيْنَهُما حِجابٌ ﴾ أيْ بَيْنِ الجَنَّةِ والنّارِ حاجِزٌ، وهو السُّورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ  ﴾ ، فَسُمِّيَ هَذا السُّورُ بِالأعْرافِ لارْتِفاعِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأعْرافِ: هو السُّورُ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: الأعْرافِ: جِبالٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَهم عَلى أعْرافِها، يَعْنِي: عَلى ذُراها، خِلْقَتُها كَخِلْقَةِ عُرْفِ الدِّيكِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الأعْرافُ عِنْدَ العَرَبِ: كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ وعَلا؛ يُقالُ لَكُلِّ عالٍ: عُرْفٌ، وجَمْعُهُ: أعْرافٌ.

قالَ الشّاعِرُ: كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافٌ كالعِلْمِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ وَقالَ الآَخَرُ: ورِثْتُ بِناءَ آَباءٍ كِرامٍ ∗∗∗ عَلَوْا بِالمَجْدِ أعْرافَ البِناءِ وَفِي "أصْحابِ الأعْرافِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مِن بَنِي آَدَمَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  خاصَّةً.

وفي أعْمالِهِمْ تِسْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آَبائِهِمْ، فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مَعْصِيَةُ آَبائِهِمْ، ومَنَعَهم مِن دُخُولِ النّارِ قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنَ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم، فَلَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم دُخُولَ الجَنَّةِ، ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والثّالِثُ: أنَّهم أوْلادُ الزِّنا، رَواهُ صالِحٌ مَوْلى التَّوْأمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ لُبْثُهم عَلى الأعْرافِ عَلى سَبِيلِ النُّزْهَةِ.

والخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آَباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ أُمَّهاتُهم دُونَ آَبائِهِمْ، رَواهُ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ عَنْ إبْراهِيمَ.

والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ ماتُوا في الفَتْرَةِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.

والسّابِعُ: أنَّهم أنْبِياءُ حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّامِنُ: أنَّهم أوْلادُ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَهُ المَنجُوفِي في تَفْسِيرِهِ.

والتّاسِعُ: أنَّهم قَوْمٌ عَمِلُوا لَلَّهِ لَكِنَّهم راؤُوا في عَمَلِهِمْ، ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم مَلائِكَةٌ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: إنَّهم رِجالٌ، فَكَيْفَ تَقُولُ: مَلائِكَةٌ؟

فَقالَ: إنَّهم ذُكُورٌ ولَيْسُوا بِإناثٍ.

وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ ﴾ أيْ: عَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن أهْلِ النّارِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

وفِيهِ بُعْدٌ وخِلافٌ لَلْمُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ أيْ: يَعْرِفُ أصْحابُ الأعْرافِ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ.

وسِيما أهْلِ الجَنَّةِ: بَياضُ الوُجُوهِ، وسِيما أهْلِ النّارِ: سَوادُ الوُجُوهِ، وزُرْقَةُ العُيُونِ.

والسِّيما: العَلامَةُ.

وإنَّما عَرَّفُوا النّاسَ، لِأنَّهم عَلى مَكانٍ عالٍ يُشْرِفُونَ فِيهِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ونادَوْا يَعْنِي: أصْحابُ الأعْرافِ ﴿ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

وفي قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَنا أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ الأعْرافِ إذا رَأوْا زُمْرَةً يَذْهَبُ بِها إلى الجَنَّةِ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عنكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَبَيْنَهُما"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى الجَمْعَيْنِ؛ إذْ يَتَضَمَّنُهُما قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النارِ  ﴾ ؛ و"اَلْحِجابُ": هو السُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ  ﴾ ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "اَلْأعْرافُ": حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: هو تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ؛ والنارِ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ حَدِيثًا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ؛ وإنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ؛ يُحْتَبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ هم إنْ شاءَ اللهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"؛» وذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ عن صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ"؛» و"اَلْأعْرافُ": جَمْعُ "عُرْفٌ"؛ وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُلُّ كِنازٍ لَحْمُهُ نِيافِ ∗∗∗ كالجَبَلِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ ومِنهُ قَوْلُ الشَمّاخِ: وظَلَّتْ بِأعْرافٍ تَعالى كَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ رِماحٌ نَحاها وِجْهَةَ الرِيحِ راكِزُ ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ؛ وعُرْفُ الدِيكِ؛ لِعُلُوِّهِما؛ وقالَ السُدِّيُّ: سُمِّيَ "اَلْأعْرافُ"؛ "أعْرافًا"؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَعْرِفُونَ الناسَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ عُجْمَةٌ؛ وإنَّما المُرادُ بِأعْرافِ ذَلِكَ الحِجابِ أعالِيهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالٌ"؛ قالَ أبُو مِجْلَزٍ؛ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ ولَفْظَةُ "رِجالٌ"؛ مُسْتَعارَةٌ لَهُمْ؛ لَمّا كانُوا في تَماثِيلِ رِجالٍ؛ قالَ: وهم ذُكُورٌ؛ لَيْسُوا بِإناثٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ سَمّى اللهَ تَعالى رِجالًا في الجِنِّ.

وَقالَ الجُمْهُورُ: هم رِجالٌ مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفُوا؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ صالِحُونَ فُقَهاءُ عُلَماءُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الناسِ بِأعْمالِهِمْ؛ وهم في كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ وقالَ قَوْمٌ: هم أنْبِياءُ؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُمُ الشُهَداءُ؛ وقالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ: هُمُ المُسْتَشْهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى الَّذِينَ خَرَجُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ تَعادَلَ عُقُوقُهم واسْتِشْهادُهُمْ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ والضَحّاكُ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُمْ؛ وسَيِّئاتُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَعَ في مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ في آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تُوضَعُ المَوازِينُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَتُوزَنُ الحَسَناتُ؛ والسَيِّئاتُ؛ فَمَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ومَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ مِثْقالَ صُؤابَةٍ دَخَلَ النارَ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ؟

قالَ: "أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم يَطْمَعُونَ"؛» وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: هم قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صِغارُهم إلى آخِرِ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُورِ - أو عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى - رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ يَتَأخَّرُ دُخُولُهُمْ؛ ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ.

و ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ ؛ أيْ بِعَلامَتِهِمْ؛ وهي بَياضُ الوُجُوهِ؛ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ؛ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النارِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ في حَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ وحَيِّزِ هَؤُلاءِ؛ و"اَلسِّيما": اَلْعَلامَةُ؛ وهو مِن "وَسَمَ"؛ وفِيهِ قَلْبٌ؛ يُقالُ: "سِيما"؛ مَقْصُورًا؛ و"سِيماءُ"؛ مَمْدُودًا؛ و"سِيمِياءُ"؛ بِكَسْرِ المِيمِ؛ وزِيادَةِ ياءٍ؛ فَوَزْنُها "عِفْلا"؛ مَعَ كَوْنِها مِن "وَسَمَ"؛ وقِيلَ: هي مِن "سَوَمَ"؛ إذا عَلِمَ؛ فَوَزْنُها - عَلى هَذا - "فِعْلا".

ونِداؤُهم أصْحابَ الجَنَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأصْحابُ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ فَيَكُونَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ مُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ؛ وهو تَأْوِيلُ أبِي مِجْلَزٍ؛ إذْ جَعَلَ أصْحابَ الأعْرافِ مَلائِكَةً؛ ومُحْتَمِلًا أنْ يُعْنى بِهِ أهْلُ الأعْرافِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَلامِ وهم قَدْ دَخَلُوها؛ فَلا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ إلّا أهْلَ الأعْرافِ فَقَطْ؛ وهو تَأْوِيلُ السُدِّيِّ ؛ وقَتادَةَ ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ: واللهِ ما جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الطَمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ الألْيَقُ؛ ولا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهم يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ هي جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها؛ وهم طامِعُونَ بِدُخُولِها؛ فَكَأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "نادَوْا".

وقَرَأ أبُو رُقَيْشٍ النَحْوِيُّ: "لَمْ يَدْخُلُوها وهم طامِعُونَ"؛ وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ: "وَهم ساخِطُونَ"؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قَوْلًا؛ وهو أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَهم يَطْمَعُونَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ في "يَدْخُلُوها"؛ ويَكُونَ المَعْنى: "لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ بِها؛ بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ؛ لَكِنَّهم عَمَّهم عَفْوُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ لِأنَّ النُورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ يُطْفَأُ كُلُّ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ.

والضَمِيرُ في "أبْصارُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأعْرافِ؛ فَهم يُسَلِّمُونَ عَلى أصْحابِ الجَنَّةِ؛ وإذا نَظَرُوا إلى النارِ وأهْلِها دَعَوُا اللهَ تَعالى في التَخْلِيصِ مِنها؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ؛ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "صُرِفَتْ"؛ مُعْطِيَةٌ ما هُنالِكَ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "رِجالًا"؛ يُرِيدُ مِن أهْلِ النارِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وأهْلُ النارِ في النارِ؛ فَتَكُونَ مَعْرِفَتُهم بِعَلاماتٍ مُعَرِّفَةٍ بِأنَّهم أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا في الدُنْيا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِداءُ وهم يُحْمَلُونَ إلى النارِ؛ فَتَكُونَ السِيما الَّتِي عُرِفُوا بِها أنَّهم أهْلُ النارِ؛ تَسْوِيدَ الوُجُوهِ وتَشْوِيهَ الخِلَقِ؛ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: اَلْمَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النارِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ الآدَمِيُّونَ يُنادُونَ أهْلَ النارِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما أغْنى"؛ ﴾ اِسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وقِيلَ: "وَما"؛ نافِيَةٌ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ و"جَمْعُكُمْ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمُوعَ الأجْنادِ؛ والخَوَلِ؛ وجَمْعَ المالِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالرِجالِ أنَّهم جَبّارُونَ مُلُوكٌ يُقَرَّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَعْنى الإهانَةِ؛ والخِزْيِ؛ و"ما"؛ اَلثّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَكْثِرُونَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ مِن "اَلْكَثْرَةُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقديم ﴿ وبينهما ﴾ وهو خبر على المبتدأ للاهتمام بالمكان المتوسّط بين الجنّة والنّار وما ذكر من شأنه.

وبهذا التّقديم صحّ تصحيح الابتداء بالنّكرة، والتّنكير للتّعظيم.

وضمير ﴿ بينهما ﴾ يعود إلى لفظي الجنّة والنّار الواقعين في قوله ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ﴾ [الأعراف: 44] وهما اسما مكان، فيصلح اعتبار التّوسّط بينهما.

وجُعل الحجاب فصلاً بينهما.

وتثنية الضّمير تُعيِّن هذا المعنى، ولو أريد من الضّمير فريقَا أهللِ الجنّة وأهل النّار، لقال: بينهم، كما قال في سورة الحديد (13) ﴿ فضرب بينهم بسور ﴾ الآية.

والحجاب: سور ضُرب فاصلاً بين مكان الجنّة ومكان جهنّم، وقد سمّاه القرآن سوراً في قوله: ﴿ فضرب بينهم بسور له باب ﴾ في سورة الحديد (13)، وسمّي السور حجاباً لأنّه يقصد منه الحجب والمنع كما سمّي سوراً باعتبار الإحاطة.

والأعراف: جمع عُرْف بِضّم العين وسكون الرّاء، وقد تضمّ الرّاء أيضاً وهو أعلى الشّيء ومنه سمّي عُرف الفرس، الشّعر الذي في أعلى رقبته، وسمّي عُرف الدّيك.

الرّيش الذي في أعلى رأسه.

و (أل) في الأعراف } للعهد.

وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في أعالي السّور.

ليرقب منها النظَّارة حركات العد وليشعروا به إذا داهمهم.

ولم يسبق ذكر للأعراف هنا حتّى تعرّف بلام العهد، فتعيّن أنّها ما يعهده النّاس في الأسوار.

أو يجعل (ألْ) عوضاً عن المضاف إليه: أي وعلى أعراف السّور.

وهما وجهان في نظائر هذا التّعريف كقوله تعالى: ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 41] وأيّاً مّا كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد من الأعراف مكاناً مخصوصاً يتعرّف منه أهل الجنّة وأهل النّار، إذ لا وجه حينئذٍ لتعريفه مع عدم سبق الحديث عنه.

وتقديم الجار والمجرور لتصحيح الابتداء بالنّكرة، إذ اقتضى المقام الحديث عن رجال مجهولين يكونون على أعراف هذا الحجاب، قبل أن يدخلوا الجنّة، فيشهدون هنالك أحوال أهل الجنّة وأحوال أهل النّار، ويعرِفون رجالاً من أهل النّار كانوا من أهل العزّة والكبرياء في الدّنيا، وكانوا يكذّبون وعد الله المؤمنين بالجنّة، وليس تخصيص الرّجال بالذّكر بمقتض أن ليس في أهل الأعراف نساء، ولا اختصاص هؤلاء الرّجال المتحدّث عنهم بذلك المكان دون سواهم من الرّجال، ولكن هؤلاء رجال يقع لهم هذا الخبر، فذكروا هنا للاعتبار على وجه المصادفة، لا لقصد تقسيم أهل الآخرة وأمكنتهم، ولعلّ توهّم أنّ تخصيص الرّجال بالذّكر لقصد التّقسيم قد أوقع بعض المفسّرين في حيرة لتطلّب المعنى لأنّ ذلك يقتضي أن يكون أهل الأعراف قد استحقّوا ذلك المكان لأجل حالة لاحظّ للنّساء فيها، فبعضهم حمل الرّجال على الحقيقة فتطلب عملاً يعمله الرّجال لاحظ للنّساء فيه في الإسلام، وليس إلاّ الجهاد، فقال بعض المفسرين: هؤلاء قوم جاهدوا وكانوا عاصين لآبائهم، وبعض المفسّرين حمل الرّجال على المجاز بمعنى الأشخاص من الملائكة، أطلق عليهم الرّجال لأنّهم ليسوا إناثاً كما أطلق على أشخاص الجنّ في قوله تعالى: ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ﴾ [الجن: 6] فيظهر وجه لتخصيص الرّجال بالذّكر تبعاً لما في بعض تلك الأحاديث التي أشرنا إليها.

وأمّا ما نقل عن بعض السّلف أنّ أهل الأعراف هم قوم اسْتوت موازين حسناتهم مع موازين سيّئاتهم، ويكون إطلاق الرّجال عليهم تغليباً، لأنّه لا بدّ أن يكون فيهم نساء، ويروى فيه أخبار مسندة إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم لم تبلغ مبلغ الصّحيح ولم تنزل إلى رتبة الضّعيف: روى بعضَها ابنُ ماجة، وبعضَها ابنُ مردويه، وبعضَها الطّبري، فإذا صحت فإنّ المراد منها أن من كانت تلك حالتهم يكونون من جملة أهل الأعراف المخبر عنهم في القرآن بأنّهم لم يدخلوا الجنّة وهم يطمعون.

وليس المراد منها أنّهم المقصودُ من هذه الآية كما لا يخفى على المتأمّل فيها.

والذي ينبغي تفسير الآية به: أنّ هذه الأعراف جعلها الله مكاناً يوقف به من جعله الله من أهل الجنّة قبل دخوله إياها، وذلك ضرب من العقاب خفيف، فجعل الدّاخلين إلى الجنّة متفاوتين في السبق تفاوتاً يعلم الله أسبابه ومقاديره، وقد قال تعالى: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ [الحديد: 10] وخصّ الله بالحديث في هذه الآيات رجالاً من أصحاب الأعراف.

ثمّ يحتمل أن يكون أصحاب الأعراف من الأمّة الإسلاميّة خاصّة.

ويحتمل أن يكونوا من سائر الأمم المؤمنين برسلهم، وأيّاما كان فالمقصود من هذه الآيات هم من كان من الأمّة المحمّديّة.

وتنوين ﴿ كلاً ﴾ عوضٌ عن المضاف إليه المعروف من الكلام المتقدّم.

أي كلّ أهل الجنّة وأهل النّار.

والسيما بالقصر السمة أي العلامة، أي بعلامة ميَّز الله بها أهل الجنّة وأهل النّار، وقد تقدّم بيانها واشتقاقها عند قوله تعالى: ﴿ تعرفهم بسيماهُم ﴾ في سورة البقرة (273).

ونداؤهم أهلَ الجنّة بالسّلام يؤذن بأنّهم في اتّصال بعيد من أهل الجنّة، فجعل الله ذلك أمارة لهم بحسن عاقبتهم ترتاح لها نفوسهم.

ويعلمون أنّهم صائرون إلى الجنّة، فلذلك حكى الله حالهم هذه للنّاس إيذاناً بذلك وبأن طمعهم في قوله: لم يدخلوها وهم يطمعون } هو طمع مستند إلى علامات وقوع المطموع فيه، فهو من صنف الرّجاء كقوله: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ (الشعراء 82).

و ﴿ أن ﴾ تفسير للنّداء، وهو القول ﴿ سلام عليكم ﴾ .

و ﴿ سلام عليكم ﴾ دعاءُ تحيّة وإكرام.

وجملة: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ مستأنفة للبيان، لأنّ قوله ﴿ ونادوا أصحاب الجنّة ﴾ يثير سؤالاً يبحث عن كونهم صائرين إلى الجنّة أو إلى غيرها.

وجملة: ﴿ وهم يطمعون ﴾ حال من ضمير ﴿ يدخلوها ﴾ والجملتان معاً معترضتان بين جملة: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ وجملة ﴿ وإذا صرفت أبصارهم ﴾ .

وجملة: ﴿ وإذا صرفت أبصارهم ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ .

والصّرف: أمر الحالّ بمغادرة المكان.

والصّرف هنا مجاز في الإلتفات أو استعارةٌ.

وإسناده إلى المجهول هنا جار على المتعارف في أمثاله من الأفعال التي لا يُتطلّب لها فاعل، وقد تكون لهذا الإسناد هنا فائدة زائدة وهي الإشارة إلى أنّهم لا ينظرون إلى أهل النّار إلاّ نظراً شبيهاً بفعل من يحمله على الفعل حَامِل، وذلك أنّ النّفس وإن كانت تكره المناظر السيّئة فإنّ حبّ الاطّلاع يحملها على أن توجّه النّظر إليها آونة لتحصيل ما هو مجهول لديها.

والتلقاء: مكان وجود الشّيء، وهو منقول من المصدر الذي هو بمعنى اللّقاء، لأنّ محلّ الوجود مُلاق للموجود فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ أمّا الأعْرافُ فَسُورٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وهو جَمْعٌ واحِدُهُ عُرْفٌ وهو ما ارْتَفَعَ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ عُرْفُ الدِّيكِ وعُرْفُ الفَرَسِ، قالَ الرّاجِزُ: كُلُّ كِتابٍ لِجَمْعِهِ مُوافِي كالعِلْمِ المُوفِي عَلى الأعْرافِ.

وَفِي الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا ∗∗∗ بِجَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخُضَرُ وَهَذا وإنْ كانَ شِعْرًا جاهِلِيًّا وحالُ الأعْرافِ مَنقُولٌ عَنْ خَبَرٍ يُرْوى فَيَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ أُمَيَّةُ قَدْ وصَلَ إلى عِلْمِهِ مِنَ الصُّحُفِ الشَّرْعِيَّةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أنْطَقَ بِهِ أُمَيَّةَ إلْهامًا لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.

والثّانِي: أنَّهم مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُوَرِ الرِّجالِ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بَطَّأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَجُعِلُوا هُنالِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ مِن أمْرِهِمْ ما يَشاءُ ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وكانُوا عُصاةً لِآبائِهِمْ، قِيلَ إنَّهم غَزَوْا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وقَدْ رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقالَ: (هم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ، فَمَنَعَهم قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ عَنِ النّارِ ومَنَعَهم مَعْصِيَةُ آبائِهِمْ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ).» ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ يَعْنِي يَعْرِفُونَ أهْلَ النّارِ وأهْلَ الجَنَّةِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يَتَمَيَّزُونَ بِها، وعَلامَتُهم في وُجُوهِهِمْ وأعْيُنِهِمْ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: عَلامَةُ أهْلِ النّارِ سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، وعَلامَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُ العُيُونِ.

فَإنْ قِيلَ في أصْحابِ الأعْرافِ: إنَّهم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ زِيادَةً في ثَوابِهِمْ ومُبالَغَةً في كَرامَتِهِمْ لِأنَّهم يَرَوْنَ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ فَيَسْتَمْتِعُونَ بِها، ويَرَوْنَ عَذابَ النّارِ فَيَفْرَحُونَ بِالخَلاصِ مِنها.

وَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ المُفَضَّلُونَ وأصْحابُ الصَّغائِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ لِنَقْصِ ثَوابِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّخُولِ لِلْجَنَّةِ.

وَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ المَلائِكَةُ، احْتَمَلَ أمْرُهم ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ حَمْدًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وذَمًّا لِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في الثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونُوا حَفَظَةَ الأعْمالِ في الدُّنْيا الشّاهِدِينَ بِها عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرَةِ أُمِرُوا بِذَلِكَ، ما أدَّوْهُ مِنَ الشَّهادَةِ تَبْشِيرًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وتَوْبِيخًا لِأهْلِ النّارِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونُوا خَزَنَةَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَإنَّ مِنَ المَلائِكَةِ مَن أُفْرِدَ لِخَزَنَةِ الجَنَّةِ، ومِنهم مَن أُفْرِدَ لِخَزَنَةِ النّارِ، ويَكُونُ هَؤُلاءِ قَدْ جُمِعَ لَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِغَيْبِ ذَلِكَ.

وَحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ ﴾ مَعْناهُ عَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ مِن قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ، وهو مُخالِفٌ لِقَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ قال: من النعيم والكرامة ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ﴾ قال: من الخزي والهوان والعذاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: وجد أهل الجنة ما وُعِدُوا من ثواب، ووجد أهل النار ما وُعِدوا من عذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف قليب بدر من المشركين فقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟

فقال له الناس: أليسوا أمواتاً؟!

فقال: إنهم يسمعون كما تسمعون» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وبينهما حجاب ﴾ قال: هو السور وهو الأعراف، وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس.

أما قوله تعالى: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ .

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: الأعراف هو الشيء المشرف.

وأخرج الفريابي وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، سور له باب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: الأعراف جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها يقول: على ذرها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: الأعراف في كتاب الله عُمقاناً سقطاناً.

قال ابن لهيعة: واد عميق خلف جبل مرتفع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الأعراف تل بين الجنة والنار، جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأعراف سور بين الجنة والنار.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: يعني بالأعراف السور الذي ذكر الله في القرآن، وهو بين الجنة والنار.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ [ الأعراف: 49] ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح.

قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط ثم عرض أهل الجنة وأهل، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم رأوا أصحاب النار ﴿ قالوا: ربنا لا تجعلنا من القوم الظالمين ﴾ فتعوّذوا بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون ناراً يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد مؤمن نوراً وكل أمة نوراً، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ربنا أتمم لنا نورنا.

وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ فكان الطمع دخولاً.

قال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتبه له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم يقول: هلك من غلب وحدانه أعشاره.

وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله من النار، وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار.

وأخرج ابن جرير عن حذيفة قال: «إن أصحاب الأعراف: تكافأت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصرت بهم سيئاتهم عن النار فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا اشفع لنا عند ربك.

فقال: هل تعلمون أحداً خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمة الله إليه غضبه، وسجدت له الملائكة غيري؟

فيقولون: لا.

فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه، فيقول: هل تعلمون أحداً اتخذه الله خليلاً؟

هل تعلمون أحداً أحرقه قومه في الله غيري؟

فيقولون: لا.

فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى.

فيأتون موسى فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليماً وقرَّبه نجيا غيري؟

فيقولون: لا.

فيقول: ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى.

فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك: فيقول هل تعلمون أحداً خلقه الله من غير آب غيري؟

فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟

فيقولون: لا.

فيقول: أنا حجيج نفسي، ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى عليه وسلم: فيأتونني فاضرب بيدي على صدري، ثم أقول أنا لها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش فأثني على ربي، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم اسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فارفع رأسي فأقول: يا رب أمتي فيقول: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام وهو المقام المحمود، فآتي بهم باب الجنة، فاستفتح فيفتح لي ولهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قُضب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية، وتبقى في صدروهم شامات بيض يعرفون بها يقال لهم: مساكين أهل الجنة» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، غدرت بهم سيئاتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، جعلوا على سور بين الجنة والنار حتى يقضي بين الناس، فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربهم، فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني غفرت لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلى الأعراف ﴾ قال: هو السور الذي بين الجنة والنار، وأصحابه رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان جسيم أمرهم لله، يقومون على الأعراف يعرفون أهل النار بسواد الوجوه وأهل الجنة ببياض الوجوه، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها فأدخلهم الله الجنة، فذلك قوله: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ [ الأعراف: 49] يعني أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ﴾ [ الأعراف: 49] .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «توضع الميزان يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟

قال أصحاب الأعراف ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن حرير قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟

فقال: «هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم» .

وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ويؤمر بأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟

قالوا: ننتظر أمرك.

فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فدخلوا الجنة بمغفرتي ورحمتي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ قال: الأعراف حائط بين الجنة والنار، وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تفضّل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم فحبسوا هنالك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فوقفوا هنالك على السور، فإذا رأوا أصحاب الجنة عرفوهم ببياض وجوههم، وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد وجهوهم ثم قال: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ في دخولها، ثم قال: إن الله أدخل أصحاب الأعراف الجنة.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبدالله بن الحرث بن نوفل قال: أصحاب الأعراف أناس تستوي حسناتهم وسيئاتهم، فيذهب بهم إلى نهر يقال له الحياة، تربته ورس وزعفران وحافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يغتسلون ويزدادون بياضاً، ثم يقال لهم: تمنوا ما شئتم.

فيتمنون ما شاؤوا فيقال: لكم مثل ما تمنيتم سبعين مرة.

فأولئك مساكين الجنة.

وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار وهو الحجاب، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، فإذا أراد الله أن يعفو عنهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة، حافتاه قصب ذهب مكلل باللؤلؤ تربته مسك، فيكونون فيه ما شاء الله حتى تصفو ألوانهم، ثم يخرجون في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، فيقول الله لهم: سلوا فيسألون حتى تبلغ أمنيتهم، ثم يقال لهم: لكم ما سألتم ومثله سبعون ضعفاً، فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها ويسمون مساكين أهل الجنة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منيع والحارث بن أبي أسامه في مسنديهما وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والخرائطي في مساوي الأخلاق والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الرحمن المزني قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟

فقال: هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصية آبائهم» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف؟

فقال «هم رجال قتلوا في سبيل الله وهم عصاة لآبائهم، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم المعصية أن يدخلوا الجنة، وهم على سور بين الجنة والنار حتى تذبل لحومهم وشحومهم حتى يفرغ الله من حساب الخلائق، فإذا فرغ من حساب خلقه فلم يبق غيرهم، تغمَّدهم منه برحمة فأدخلهم الجنة برحمته» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال «هم قوم قتلوا في سبيل الله وهم لآبائهم عاصون، فمنعوا الجنة بمعصيتهم آبائهم ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله» .

وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن مالك الهلالي عن أبيه قال قائل: يا رسول الله ما أصحاب الأعراف؟

قال «هم قوم خرجوا في سبيل الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا، فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة، فهم آخر من يدخل الجنة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أصحاب الأعراف قوم خرجوا غزاة في سبيل الله وآبائهم وأمهاتهم ساخطون عليهم، وخرجوا من عندهم بغير إذنهم، فأوقفوا عن النار بشهادتهم وعن الجنة بمعصيتهم آباءهم» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق محمد بن المنكدر عن رجل من مزينة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أصحاب الأعراف؟

فقال إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله» .

وأخرج البيهقي في البعث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد، فسألناه وما الأعراف؟

قال: حائط الجنة، تجري في الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الأضداد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن أبي مجلز قال: الأعراف مكان مرتفع عليه رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة بسيماهم وأهل النار بسيماهم، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ﴿ ونادوا أصحاب الجنة ﴾ قال: أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة ﴿ أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ في دخولها.

قيل: يا أبا مجلز، الله يقول ﴿ رجال ﴾ وأنت تقول: الملائكة؟

قال: إنهم ذكور ليسوا بإناث.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة عن الحسن قال: أصحاب الأعراف قوم كان فيهم عجب قال قتادة: وقال مسلم بن يسار: هم قوم كان عليهم دين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ﴾ الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنة مبيضة وجوههم.

وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: أخبرت أن ربك أتاهم بعدما أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: ما حبسكم محبسكم هذا؟

قالوا: أنت ربنا، وأنت خلقتنا، وأنت أعلم بنا!

فيقول: علام فارقتم الدنيا؟

فيقولون: على شهادة أن لا إله إلا الله.

قال لهم ربهم: لا أوليكم غيري، إن حسناتكم جوزت بكم النار وقصرت بكم خطاياكم عن الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: من استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن مجاهد في أصحاب الأعراف قال: هم قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم على سور بين الجنة والنار، وهم على طمع من دخول الجنة، وهم داخلون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار أنه سئل عن قوله: ﴿ لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ قال: سلمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، وأهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مروا بزمرة يذهب بهم إلى الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.

وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ ، والحجاب (١) (٢) ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ ﴾ ولذلك عُرِّفت الأعراف لأنه عُني بها الحجاب المذكور (٣) ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ ﴾ ، ﴿ الْأَعْرَافِ ﴾ جمع: عُرْف (٤) (٥) ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ ﴾ يريد: سور الجنة، وهو سور بين الجنة والنار) (٦) (٧) واختلفوا في الرجال الذين هم على الأعراف؛ فقال ابن عباس والأكثرون (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وروي أن النبي  سئل عن أصحاب الأعراف فقال: "هم قوم (١٥) (١٦) وقال سليمان التيمي (١٧) (١٨) ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ ﴾ وتزعم أنت أنهم ملائكة؟، فقال: إنهم ذكور ليسوا بإناث) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، قال المفسرون (٢٠) قال أبو إسحاق: (يعرفون أصحاب الجنة لأن سيماهم إسفار الوجوه والضحِك والاستبشار كما قال عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)  ﴾ ، ويعرفون أصحاب النار بسواد وجوههم وغبرة (٢١) (٢٢) ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)  ﴾ ) (٢٣) قال ابن الأنباري: (إنما خص الله تعالى هؤلاء بمعرفة الجماعة دون الخلق؛ لأن موضعهم مرتفع عالٍ يرون فيه أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار دون الخلق، وكأن الاختصاص من أجل (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ، قال الكلبي: (إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها فردوا عليهم السلام، وإذا نظروا إلى النار ﴿ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ ) (٢٨) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ وَنَادَوْا ﴾ (يريد: أصحاب الأعراف ﴿ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ بعضه من قول أهل الجنة، وبعضه من كلام الملائكة جوابًا لأهل الجنة، على ما قال عطاء، وعلى قول الباقين هو من كلام الله تعالى، وإخباره أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون (٣٢) قال حذيفة: (ولم يكن الله ليخيب طمعهم) (٣٣) (٣٤) وروي عن الحسن أنه قال: (هذا طمع اليقين، كقول إبراهيم  : ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي  ﴾ ) (٣٥) (١) الحجاب، بكسر الحاء: الستر، واسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين حجاب، والجمع حجب بالضم.

انظر: "العين" 3/ 86، و"جمهرة اللغة" 1/ 263، و"تهذيب اللغة" 1/ 473، و"الصحاح" 1/ 107، و"المجمل" 1/ 266 ، و"المفردات" ص 219، و"لسان العرب" 2/ 777 (حجب).

(٢) "تنوير المقباس" 2/ 96 وهو قول أهل التفسير.

انظر: الطبري 8/ 188، والسمرقندي 1/ 542، والماوردي 2/ 225، وابن عطية 5/ 512، والبغوي 3/ 231، وابن الجوزي 3/ 204، والرازي 14/ 86.

(٣) انظر: "الدر المصون" 5/ 328 حيث نقل قول الواحدي.

(٤) هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2405، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 215، و"تفسير غريب القرآن" ص 178، و"تفسير المشكل" ص 84.

(٥) انظر: "العين" 2/ 121، و"الجمهرة" 2/ 766، و"الصحاح" 4/ 1400، و"المجمل" 3/ 661، و"المفردات" ص 561، و"اللسان" 5/ 2901 (عرف).

(٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 188، 189، وابن أبي حاتم 5/ 1483، والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2405 (عرف) من عدة طرق جيدة، وقال الرازي في "تفسيره" 14/ 87: (الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار وهذا قول ابن عباس) اهـ.

(٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 87، والقرطبي 7/ 213، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229 - 230، والطبري 8/ 189، وابن أبي هاشم 5/ 1483 بسند جيد عن ابن عباس قال: (الأعراف الشيء المشرف)، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 160.

(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 190، 191، وابن أبي حاتم 5/ 1483 من عدة طرق جيدة يقوي بعضها بعضًا عن ابن عباس، وأخرجه الطبري 5/ 1485 من عدة طرق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، وسعيد ابن جبير والضحاك، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1485 عن عبد الله بن الحارث، وقال بعده: (وروي عن أبي هريرة) اهـ.

وهو قول مجاهد كما في تفسير مسلم بن خالد الزنجي ص 47 - 48، وأخرجه عنه النحاس في "معانيه" 3/ 40، وزاد ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 205 نسبة هذا القول إلى الشعبي وقتادة، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 342، و"تفسير السمرقندي" 1/ 542، والماوردي 2/ 226، وابن عطية 5/ 515.

(٩) في (ب): (فمنعهم).

(١٠) حذيفة بن حُسَيْل بن جابر العبسي أبو عبد الله حليف الأنصار، واليمان لقب: حسيل، وهو صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام عالم شجاع صاحب سر النبي  في المنافقين، وهو من أعيان المهاجرين شهد أحد، والمشاهد بعدها وله بها ذكر حسن وآثار شهيرة، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، توفي -  - سنة 36 هـ.

انظر: "الحلية" 1/ 270، و"الاستيعاب" 1/ 393 (510)، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 361، و"تهذيب التهذيب" 1/ 367، و"الإصابة" 1/ 317، و"الأعلام" 2/ 171.

(١١) أخرجه الطبري 8/ 190، وابن أبي حاتم 5/ 1485، والحاكم في "المستدرك" 2/ 320 وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص".

(١٢) أخرجه الطبري 8/ 191، والبغوي 3/ 232 بسند ضعيف.

(١٣) "تنوير المقباس" 2/ 96، و"المطالب العالية" 3/ 334.

(١٤) "معاني الفراء" 1/ 379 - 380 وهو الظاهر، واختيار الطبري 8/ 194، والنحاس في "معانيه" 3/ 40، وقال: (وهذا القول أشهر وأعرف) اهـ، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 613، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 242: (واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد وهو: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

نص عليه حذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله) اهـ.

وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 214 - 216: (وهذا هو الثابت عن الصحابة، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة) اهـ.

(١٥) في (ب): (هم رجال).

(١٦) أخرجه ابن الأنباري في "الأضداد" ص 369، والطبري 8/ 193، وابن أبي حاتم 5/ 1484 بسند ضعيف، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 23 - 24، وقال: (رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف، وروى الطبراني نحوه وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف) اهـ.

وذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 242، وقال: (رواه ابن مردويه، وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به، وكذا رواه ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عباس -والله أعلم- بصحة هذه الأخبار المرفوعة وقصارها أن تكون موقوفة، وفيه دلالة على ما ذكر) اهـ.

وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في "حاشية الطبري" 12/ 458 - 459: (هذا خبر ضعيف لما فيه من المجاهيل ولضعف أبي معشر) اهـ.

وذكره ابن حجر في "الإصابة" 2/ 426، ترجمة عبد الرحمن المزني، وفي "المطالب العالية" 14/ 664 (3608)، والسيوطي في "الدر" 3/ 163، 164 وفيه زيادة تخريج.

(١٧) لم أقف عليه، ولعله روى سليمان التيمي عن أبي مجلز بدلالة قوله: (قال: فقيل لأبي مجلز) والقائل هو سليمان التيمي كما أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 193، وابن أبي حاتم 5/ 1486 من عدة طرق جيدة عن سليمان التيمي عن أبي مجلز، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 164.

(١٨) أبو مجلز: لاحق بن حميد السدوسي، إمام.

تقدمت ترجمته.

(١٩) هذا قوله رده أكثر أهل التفسير، قال الطبري 8/ 193: (هو قول لا معنى له) اهـ، وقال ابن الجوزي 3/ 206: (فيه بُعد وخلاف للمفسرين) اهـ، وقال ابن كثير 2/ 243: (رواه ابن جرير وهو صحيح إلى أبي مجلز أحد التابعين وهو غريب من قوله، وخلات الظاهر من السياق، وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه) اهـ.

(٢٠) هذا قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 237، والفراء في "معانيه" 1/ 379، والطبري 8/ 194، 195، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 38، والسمرقندي 1/ 543، والماوردي 2/ 226، والبغوي 3/ 233، وابن عطية 5/ 515، وابن الجوزي 3/ 206.

(٢١) لفظ: (غبرة) ساقط من (ب).

(٢٢) لفظ: (وزرقة عيونهم) ساقط من (أ) ولا يوجد في "معاني الزجاج".

(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 343.

(٢٤) في (ب): (من أجله)، وهو تحريف.

(٢٥) لم أقف عليه عن ابن الأنباري.

وانظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 368 - 370.

(٢٦) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 163أ.

(٢٧) لفظ: (البقرة) ساقط من (ب).

(٢٨) "تنوير المقباس" 2/ 97، وهو قول أكثر المفسرين، انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 368، وتفسير الطبري 12/ 464، والسمرقندي 1/ 543، والبغوي 3/ 233، وابن عطية 5/ 516، والرازي 14/ 90.

(٢٩) لفظ: (أن) ساقط من (ب).

(٣٠) في (ب): (وهم).

(٣١) ذكره السمين في "الدر" 5/ 330، وقال: (وهذا يبعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن) اهـ.

(٣٢) قال النحاس في "معانيه" 3/ 39: (قال الله عز وجل: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ .

قال أكثر أهل التفسير يعني أصحاب الأعراف) اهـ.

فهذا إخبار من الله تعالى أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها قاله الجمهور.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 196، و"القطع والائتناف" للنحاس 1/ 253، والسمرقندي 1/ 543، والبغوي 3/ 233، وابن الجوزي 3/ 206.

(٣٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 185، وانظر: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 655.

(٣٤) أخرجه الطبري 8/ 196، والبغوي 3/ 232 بسند ضعيف عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود  .

(٣٥) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 21، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 230، والطبري 8/ 196، وابن أبي حاتم 5/ 1488 بسند جيد عن الحسن قال: (والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم) اهـ.

وانظر: "الدر المنثور" 3/ 165، وذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 303 عن ابن مسعود، ثم قال: (وهذا هو الاظهر والأليق بمساق الآية) اهـ.

وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 516.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .

قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعم ﴾ بكسر العين حيث كان: علي.

الباقون بالفتح ﴿ مؤذن ﴾ بغير همز: النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف.

﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون: مشددة وبالنصب.

الوقوف: ﴿ حقاً ﴾ ج لانتهاء الاستفهام.

﴿ نعم ﴾ ج للعطف مع الابتداء بالتأذين.

﴿ على الظالمين ﴾ ه لا لأن "الذين" صفتهم ﴿ عوجاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال ﴿ كافرون ﴾ ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجزأن يكون حالاً ﴿ حجاب ﴾ ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين ﴿ بسيماهم ﴾ ط ﴿ يطمعون ﴾ ه ﴿ أصحاب النار ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذاً" ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ برحمة ﴾ ط لتناهي الاستفهام والأقسام ﴿ تحزنون ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ج للابتداء مع فاء التعقيب ﴿ هذا ﴾ لا "وما" مصدرية كما في ﴿ كما نسوا ﴾ والتقدير ننساهم كنسيانهم وجحودهم ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إلا تأويله ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء للتعقيب ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: ﴿ ونادى ﴾ وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله  عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي.

والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض.

ومع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟

وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب.

وهذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار.

و"أن" في ﴿ إن قد وجدنا ﴾ مفسرة أو مخففة من الثقيلة كما مر في قوله: ﴿ أن تلكم الجنة  ﴾ وكذا قوله: ﴿ أن لعنة الله ﴾ لأن النداء والتأذين في معنى القول: قال ابن عباس: ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا ﴾ في الدنيا من الثواب ﴿ حقاً ﴾ صحيحاً مطابقاً للواقع ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم ﴾ من العقاب ﴿ حقاً ﴾ والغرض من هذا الاستفهام إظهار البشاشة والاغتباط وإيقاع الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر الأخبار.

وإنما حذف المفعول في ﴿ وعد ربكم ﴾ لدلالة المفعول في ﴿ وعدنا ﴾ عليه، ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله  بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة ﴿ قالوا نعم ﴾ قال سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقاً.

فإذا قال: أتعطيني؟

قال: نعم، فهو عدة.

وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد صدقت.

والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو منفيين.

فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم.

كان معناه نعم قام زيد مصدقاً أو محققاً ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم.

كان المعنى ما قام زيد مصدقاً أو محققاً.

ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب ﴿ ألست بربكم  ﴾ "نعم" لكان كفراً.

هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ذلك كقول الفقهاء.

لو قيل أليس لي عليك دينار فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارىء بعد الوضع.

وكنانة تكسر العين من نعم.

وروي عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد ﴿ فأذن مؤذن ﴾ قال ابن عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار.

ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها.

والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ وقد مر في آل عمران.

والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحاً لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس.

وأما في سورة هود فلما تقدم ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴾ وقال: ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ ولم يقل "عليهم" والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكرون لا غيرهم.

ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: ﴿ وبينهما ﴾ يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ﴿ حجاب ﴾ وهو السور المذكور في قوله  : ﴿ فضرب بينهم بسور له باب  ﴾ قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين.

وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب.

والأعراف لغة جمع عرف بالضموهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه.

الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى.

أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس.

وعنه أيضاً أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب.

وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة.

وعلى الأول فيه وجوه: فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.

فقيل له: يقول الله  : ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ وأنت تقول: إنهم ملائكة.

فقال: الملائكة ذكور لا إناث.

ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم.

وقيل: إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله  على ذلك المكان العالي إظهاراً لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم.

وقيل: إنهم الشهداء.

وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار.

ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء.

وخصصه بعضهم فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر.

وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة.

وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف.

وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة.

قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا.

وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار.

قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.

وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك.

ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين.

وقال المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو  يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به.

ثم قال: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها.

ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ﴿ وهم يطمعون ﴾ كأن سائلاً سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال.

فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله  أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه  ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "ان أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم" ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  ﴾ ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب.

وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة ﴿ وإذا صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ قال الواحدي: التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً.

ولم يأت من المصادر على "تفعال" بالكسر إلا حرفان "تبيان" و "تلقاء" وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم.

وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا.

ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن الحق وعلى الناس، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ أما قوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ إلى آخر الآية.

فمن قول الله  لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا.

قال المفسرون: الرجال ههنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم.

وكانوا يقولون إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلاً والله إن الله لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف.

ثم ختم المناظرت بقوله: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ طلبوا الماء أوّلاً لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد.

وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار.

قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول.

وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد.

وإن علم أنه لا يغنيه.

قوله: ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة.

وقيل: أي من الثمار أو الطعام.

والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً *** فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم.

ثم كأن سائلاً سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟

فقيل: ﴿ قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها.

ثم وصف هؤلاء الكافرين بأنهم ﴿ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة ﴾ وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام.

وقال ابن عباس: يريد المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين غريقاً في بحر الدنيا ومشتهياتها.

ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على سبيل الحكاية فقال: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي جزاء النسيان نسياناً كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم.

عن أبي الدرداء أن الله  يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فتقول أهل الجنة ﴿ إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ ، ويقولون لمالك ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في زفير وشهيق.

وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله  دخل من كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة.

وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها.

فهذه صفة الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق.

ولما شرح الله  حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملاً للمكلف على الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بيّن شرف هذا الكتاب الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ﴾ ميزنا بعضه عن بعض تمييزاً يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط.

وإنما فعلنا ذلك لا كيفما اتفق بل ﴿ على علم ﴾ بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئاً من كل خلل وقدح ومعجزاً باقياً على وجه الدهر.

وقوله: ﴿ وهدى ورحمة ﴾ حالان من منصوب ﴿ فصلناه ﴾ كما أن ﴿ على علم ﴾ حالٍ من مرفوعه.

ويحتمل أن يكونا مفعولاً لهما ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن فائدته تعود إليهم، ثم لما بيّن إزاحة العلة بسب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟

الجواب لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه.

وأيضاً إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة.

قال الفراء: الضمير في تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل ﴿ يوم يأتي ﴾ يريد يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف ﴿ يقول ﴾ ومعنى: ﴿ نسوه ﴾ تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء والتقدير: هل يثبت لنا شفيع فيشفع ﴿ أو ﴾ هل ﴿ نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ﴾ فنوحد الله  بدلاً عن الشرك ونطيعه بدلاً عن المعصية.

وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا تكليف لهم خلافاً للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال.

ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئاً وأن مطلوبهم لا يكون ألبتة فقال: ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان التي بالغوا في نصرها.

التأويل: نادى أهل المحبة أهل القطيعة ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ يعني قوله: "ألا من طلبني وجدني" ﴿ فهل وجدتم ما وعدكم ﴾ ﴿ ربكم ﴾ حقاً وهو قوله: "ومن طلب غيري لم يجدني" ﴿ فأذن مؤذن ﴾ العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، الذين يصدون القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها ﴿ وبينهما حجاب ﴾ من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمةالنفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل الله - وهم أصحاب الأعراف - حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية.

وسميت أعرافاً لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالاً لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن ﴿ يعرفون كلاً ﴾ من أهل الجنة وأهل النيران ﴿ بسيماهم ﴾ من آثار نور القلب وظلمته ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ يعني هنيئاً لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور.

ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: ﴿ لم يدخلوها ﴾ أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا إلى غير المولى ﴿ وهم يطمعون ﴾ في الوصول إلى الحق  .

﴿ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ ابتلاء ليعرفوا أنه  من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله في الخلوات ﴿ رجالاً يعرفونهم بسيماهم ﴾ يعني أهل الجنة وأهل النار ﴿ ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل النار من الدنيا والشهوات ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن السير في حقيقة لا إله إلا الله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ الوصول ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ يعني الجنة المضافة إليه في قوله: ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ في حظائر القدس وعالم الجبروت ﴿ لا خوف عليكم ﴾ من الخروج ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا.

اعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقرّبين فافهم.

يحكى عن بابا جعفر الأبهري أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك ثمة؟

فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص وكنت داخلاً مع الأخص فما رأيتني.

﴿ فيضوا علينا من الماء ﴾ كانوا في الدنيا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها ﴿ فقالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ وفي الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم.

فللمؤمنين كشف الغطاء وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة الافتقار وعذاب النار أعاذنا الله  منها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ .

يشبه أن يكون ما ذكر من الحجاب ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ  ﴾ ، فأمكن أن يكون الحجاب المذكور بينهما هو السور الذي ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هم قوم استوت حسناتهم بسيئاتهم، لم يبشروا بالجنة حتى لا يخافوا عقوبته، ولا أيسوا حتى لا يطمعوا ولا يرجوا دخولهم فيها.

وقال آخرون: هم أهل كرامة الله، أكرمهم بذلك، يرفعهم على ذلك السور لينظروا إلى حكم الله في الخلق وعدله فيهم، وينظرون إلى إحسان الله فيمن يحسن إليه، وعدله فيمن يعاقبهم.

وقيل: هم الأنبياء.

والأشبه أن الأنبياء يكونون على الأعراف يشهدون على الأمم؛ كقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ، وقال قائلون: هم الملائكة، لكن ملائكة الله ما يسمون رجالاً، ولم نسمع بذلك، والله أعلم بذلك.

ثم اختلف فيه: قيل: سموا أصحاب الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار سمي بذلك؛ لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب أعراف، وهو قول القتبي.

وقال غيره: الأعراف: هو عرف كعرف الديك والفرس، وهو أيضاً من الارتفاع.

وقال الحسن: هم أصحاب التعريف، يعرفون أهل النار عدل الله فيهم وحكمه، وأن ما حل بهم من الشدائد وأنواع العذاب إنما حل بهم مما كان منهم في الدنيا من صدهم الناس عن سبيل الله، واستكبارهم على الرسل، يعرفونهم أن ما نزل بهم إنما نزل بعدل منه، ويعرفون أهل الجنة فضل الله وإحسانه إليهم أن ما نالوا هم إنما نالوا بفضل منه وإحسان.

أو قوم نصبهم الله لمحاجة أهل النار؛ كقوله: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ  ﴾ ، فهذه هي المحاجة التي يحاجون بها أهل النار.

أو أن يقال: هم قوم نصبوا يترجمون بين أهل الجنة وأهل النار، يؤدون كلام بعضهم إلى بعض، وينهون مخاطبات بعض إلى بعض، من ذلك قوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ  ﴾ ، ونحوه.

والله أعلم من هم؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ﴾ .

قيل: المؤمن يعرف ببياض وجهه، والكافر: بسواد وجهه.

ويحتمل ما قال الحسن: هو أن يعرفوا بالمنازل والأماكن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ .

يعني: نادى أصحابُ الأعراف أصحاب الجنة.

﴿ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .

ليس أن يقولوا سلام عليكم باللسان خاصة؛ ولكن في كل كلام سديد وقول حسن وصواب؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، أي: سديداً صواباً، وكذلك [قوله]: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ ليس على أن يقولوا: سلام عليكم، ولكن يقولون لهم قولا صواباً محكماً؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال عامّة أهل التأويل: هم أصحاب الأعراف لم [يدخلوا الجنة] وهم يطمعون دخولها.

وقيل: هم كفار أهل النار يطمعون أن ينالوا منها؛ كقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، إلى هذا الوقت كانوا يطمعون دخولها والنيل منها، ثمّ أيسوا بهذا.

وقال بعضهم: هم أهل الجنة يطمعون دخولها قبل أن يدخل أهل الجنة [الجنة]، وقبل أن يدخل أهل النار النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ ﴾ .

قيل: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف إلى أهل النار.

﴿ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

من شدة ما يرون من العذاب وما نزل بهم.

وقيل: وإذا صرفت أبصار أهل الجنة تلقاء أصحاب النار، قالوا ذلك.

وفي حرف أبي: وإذا قلبت أبصارهم نحو أصحاب النار، قالوا: عائذون بك أن تجعلنا ربنا مع القوم الظالمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

إن كان ذلك الدعاء من الأنبياء أو من أهل كرامة الله من الذين كانوا على الأعراف، فذلك منهم شهادة أنهم ظلمة وكفرة، ومعنى التعوذ منهم من النار؛ لأنهم لم يدخلوا الجنة بعد؛ فيخافون لقصور كان منهم في شكر المنعم، أو بالطبع يتعوذون كما يتعوذ كل أحد إذا رأى أحداً في البلاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون، ولكن أمكن أن يعرفوا بالأعلام التي كانت لهم في الدنيا سوى سواد الوجوه؛ لأنهم يخاطبونهم بقوله: ﴿ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، فلو لم يعرفوهم بآثار كانت لهم في الدنيا، لم يكونوا يعاتبونهم بجمع الأموال والاستكبار في الدنيا، ولا يقال للفقراء ذلك، إنما يقال للأغنياء؛ لأنهم هم الذين يجمعون الأموال وهم المستكبرون على الخلق؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ .

ويشبه أن يخاطب الكل، وفيهم من قد جمع واستكبر، وذلك جائز، هذا على تأويل من يجعل أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم بسيئاتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، ولكن يدخلون النار، فتقول الملائكة لأهل النار: هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ﴿ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون القسم الذي ذكر في الآية كان منهم في الدنيا، كانوا يقسمون أنه لا يدخلون هؤلاء الجنة، يعنون: أصحاب رسول الله  ؛ كقوله ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ  ﴾ ، كانوا يقولون: إن الذي هم عليه لو كان خيراً لنالوا هم ذلك؛ إذ نالوا هم كل خير في الدنيا، يعنون أنفسهم؛ فعلى ذلك ينالون في الآخرة مثله، ونحو ذلك من الكلام الذي يقولون في الدنيا؛ فيقولون لهم في الآخرة: ﴿ أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ .

وأمكن أن يكون قوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ لأهل الجنة قبل أن يدخلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ .

قال الأصم: يكون الحزن في فوت كل محبوب، والخوف في نيل كل مكروه؛ كقول يعقوب: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ  ﴾ ، ذكر الحزن عند فوت محبوبه، و [الخوف] عند نيل المكروه، ولكن عندنا الحزن إنما يكون بفوت الموجود من المحبوب، والخوف بما سيصيبه من المكروه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبين هذين الفريقين: أصحاب الجنة وأصحاب النار حاجز مرتفع يسمَّى الأعراف، وعلى هذا الحاجز المرتفع رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم يعرفون أصحاب الجنة بعلاماتهم كبياض الوجوه، وأصحاب النار بعلاماتهم كسوادها , ونادى هؤلاء الرجال أصحاب الجنة تكريمًا لهم قائلين: سلام عليكم.

وأصحاب الجنة لم يدخلوا بعد، وهم يأملون دخولها برحمة من الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.e4D0d"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله