الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٤٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني : أصحاب الأعراف ( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد ، حدثني أبي ، حدثني عمي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) الآية ، قال : فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا - يعني أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار - قال الله تعالى لأهل التكبر والأموال : ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) .
وقال حذيفة : إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم ، فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة .
وقصرت بهم سيئاتهم عن النار ، فجعلوا على الأعراف ، يعرفون الناس بسيماهم ، فلما قضى الله بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة ، فأتوا آدم فقالوا : يا آدم ، أنت أبونا ، فاشفع لنا عند ربك .
فقال : هل تعلمون أن أحدا خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وسبقت رحمته إليه غضبه ، وسجدت له الملائكة غيري؟
فيقولون : لا .
قال فيقول : ما علمت كنهه ، ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا ابني إبراهيم .
فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم ، فيقول : هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا؟
هل تعلمون أن أحدا أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟
فيقولون : لا .
فيقول : ما علمت كنهه ، ما أستطيع أن أشفع لكم .
ولكن ائتوا ابني موسى .
فيأتون موسى ، عليه السلام ، فيقولون : اشفع لنا عند ربك فيقول : هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري؟
فيقولون : لا فيقول : ما علمت كنهه ، ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا عيسى .
فيأتونه ، عليه السلام ، فيقولون له : اشفع لنا عند ربك .
فيقول : هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري؟
فيقولون : لا .
فيقول : هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟
قال : فيقولون : لا .
فيقول : أنا حجيج نفسي .
ما علمت كنهه ، ما أستطيع أن أشفع لكم .
ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأضرب بيدي على صدري ، ثم أقول : أنا لها .
ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش ، فآتي ربي ، عز وجل ، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط ، ثم أسجد فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع .
فأرفع رأسي ، فأقول : ربي أمتي .
فيقول : هم لك .
فلا يبقى نبي مرسل ، ولا ملك مقرب ، إلا غبطني بذلك المقام ، وهو المقام المحمود .
فآتي بهم الجنة ، فأستفتح فيفتح لي ولهم ، فيذهب بهم إلى نهر يقال له : نهر الحيوان ، حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ ، ترابه المسك ، وحصباؤه الياقوت .
فيغتسلون منه ، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة ، وريح أهل الجنة فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية ، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها ، يقال لهم : مساكين أهل الجنة "
القول في تأويل قوله : أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّين بهذا الكلام.
فقال بعضهم: هذا قِيل الله لأهل النار، توبيخًا على ما كان من قِيلهم في الدنيا، لأهل الأعراف، عند إدخاله أصحابَ الأعراف الجنة.
* ذكر من قال ذلك: 14743 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: " أصحاب الأعراف " ، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حَسْم أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها.
وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة.
فذلك قوله تعالى: " أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة " ، يعني أصحابَ الأعراف=" ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ".
14744 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك قال، قال ابن عباس: إن الله أدخل أصحابَ الأعراف الجنة لقوله: " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ".
14745 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قال الله لأهل التكبر والأموال: " أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة " ، يعني أصحاب الأعراف=" ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ".
14746 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أهؤلاء "، الضعفاء=" الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " ، قال: فقال حذيفة: " أصحاب الأعراف " ، قوم تكافأت أعمالهم، فقصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم.
فلما قُضِي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم عليه السلام، فقالوا: يا آدم، أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك !
فقال: هل تعلمون أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، (39) وسجدت له الملائكة، غيري؟
فيقولون: لا!
قال: فيقول: ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، (40) ولكن ائتوا ابني إبراهيم !
قال: فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه، فيقول: هل تعلمون من أحدٍ اتخذه الله خليلا؟
هل تعلمون أحدًا أحرقه قومه في النار في الله، غيري؟
فيقولون: لا!
فيقول: ما عملت كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، (41) ولكن ائتوا ابني موسى !
فيأتون موسى عليه السلام، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا، وقرّبه نجيًّا، غيري؟
فيقولون: لا!
فيقول: ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى !
فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك !
فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب، غيري؟
فيقولون: لا!
فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟
قال: فيقولون: لا!
قال: فيقول: أنا حجيجُ نفسي، ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، (42) ولكن ائتوا محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم !
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها!
ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فأثني على ربي، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قطُّ، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، سل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع !
فأرفع رأسي فأقول: رب، أمتي !
فيقال: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرَّب إلا غَبَطني يومئذ بذلك المقام، وهو المقام المحمود.
قال: فآتي بهم باب الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم، فيُذهب بهم إلى نهر يقال له " نهر الحيوان "، (43) حافتاه قَصَب من ذهب مكلل باللؤلؤ، (44) ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، (45) ويصيرون كأنهم الكواكب الدرّية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم: " مساكين أهل الجنة ".
14747 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك قال: إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة، وهو قوله: " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " ، يعني أصحاب الأعراف.
وهذا قول ابن عباس.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس، ومن ذكرنا قوله فيه=: قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله، والإذعان لطاعته وطاعة رسله، الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء: أيها الجبابرة كانوا في الدنيا، (46) أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟
قال: قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم.
* * * وقال أبو مجلز: بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار، بعد ما دخلوا النار، تعييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته.
وأما قوله: " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " ، فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها.
14748 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز قال: نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم: " ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة "، قال: فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنةَ =" ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ".
-------------------- الهوامش : (39) في المطبوعة : "رحمة الله إليه غضبه" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(40) "كنه الشيء" قدره ونهايته وغايته وحقيقته ، يريد : ما عملت ما يبلغ بي مرتبة الشفاعة لكم .
وفي المطبوعة : "ما علمت" ، وأثبت ما في المخطوطة .
وفي تفسير ابن كثير ، نقلا عن هذا الموضع من التفسير : "ما علمت كنهه ما أستطيع" ، والصواب ما في مخطوطة الطبري .
(41) في المطبوعة هنا أيضًا : "ما علمت" ، وأثبت ما في المخطوطة .
وفي المخطوطة : "ما عملت فيه ما أستطيع" ، بإسقاط"كنه" سهوًا من الناسخ على الأرجح .
(42) في المطبوعة : "ما علمت كنه ما أستطيع" ، وأثبت ما في المخطوطة ، كما ذكرت في التعليقين السالفين.
(43) في المطبوعة : "نهر الحياة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق لما في تفسير ابن كثير .
(44) "القصب" أنابيب مستطيلة مجوفة من الجوهر ، أو الذهب أو الفضة .
وكان في المطبوعة كما سلف آنفًا ص : 455 ، تعليق : 1 ، "قضب" بالضاد ، وأثبت ما في المخطوطة ، وغيرها من المراجع (45) في المخطوطة : "وريح" ، بإسقاط"أهل الجنة" .
وفي المطبوعة : "وريحهم" ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير 3 : 485 ، نقلا عن هذا الموضع من تفسير الطبري .
(46) في المطبوعة : "أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا" ، زاد"الذين" ، وليست في المخطوطة ، والذي في المخطوطة حق الصواب .
أهؤلاء الذين إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء ; كبلال وسلمان وخباب وغيرهم .أقسمتم في الدنيا لا ينالهم الله في الآخرة برحمة يوبخونهم بذلك .وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم ادخلوا الجنة وقرأ عكرمة ( دخلوا الجنة ) بغير ألف والدال مفتوحة .
وقرأ طلحة بن مصرف ( أدخلوا الجنة ) بكسر الخاء على أنه فعل ماض .
ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء ; فإن قولهم ذلك إخبار عن الله - تعالى - ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار وما كنتم تستكبرون ويكون أهؤلاء الذين إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا .
وروي عن ابن عباس ، والأول عن الحسن .
وقيل : هو من كلام الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف ; فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون
ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ضعفاء يستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار: { أَهَؤُلَاءِ } الذين أدخلهم اللّه الجنة { الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ } احتقارا لهم وازدراء وإعجابا بأنفسكم، قد حنثتم في أيمانكم، وبدا لكم من اللّه ما لم يكن لكم في حساب، { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ } بما كنتم تعملون، أي: قيل لهؤلاء الضعفاء إكراما واحتراما: ادخلوا الجنة بأعمالكم الصالحة { لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ } فيما يستقبل من المكاره { وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } على ما مضى، بل آمنون مطمئنون فرحون بكل خير.
وهذا كقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } إلى أن قال { فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ } واختلف أهل العلم والمفسرون، من هم أصحاب الأعراف، وما أعمالهم؟
والصحيح من ذلك، أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا رجحت سيئاتهم فدخلوا النار، ولا رجحت حسناتهم فدخلوا الجنة، فصاروا في الأعراف ما شاء اللّه، ثم إن اللّه تعالى يدخلهم برحمته الجنة، فإن رحمته تسبق وتغلب غضبه، ورحمته وسعت كل شيء.
( أهؤلاء الذين أقسمتم ) حلفتم ، ( لا ينالهم الله برحمة ) أي : حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة .
ثم يقال لأهل الأعراف : ( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ) وفيه قول آخر : أن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا ، قال لهم أهل النار : إن دخل أولئك الجنة وأنتم لم تدخلوها .
فيعيرونهم بذلك ، ويقسمون أنهم يدخلون النار ، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط لأهل النار : أهؤلاء ، يعني : أصحاب الأعراف ، الذين أقسمتم يا أهل النار أنهم لا ينالهم الله برحمة ، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف : " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون " فيدخلون الجنة .
«أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة» قد قيل لهم «ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون» وقرئ: أُدخِلوا بالبناء للمفعول ودخلوا فجملة النفي حال أي مقولا لهم بذلك.
أهؤلاء الضعفاء والفقراء من أهل الجنة الذين أقسمتم في الدنيا أن الله لا يشملهم يوم القيامة برحمة، ولن يدخلهم الجنة؟
ادخلوا الجنة يا أصحاب الأعراف فقد غُفِرَ لكم، لا خوف عليكم من عذاب الله، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا.
ثم يزيدون توبيخهم وتبكيتهم فيقولون لهم : ( أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) .أى : أن أصحاب الأعراف يشيرون إلى أهل الجنة من الفقراء والذين كانوا مستضعفين فى الأرض ثم يقولون لرءوس الكفر الذين كانوا يعذبونهم : أهؤلاء الذين أقسمتم فى الدنيا أن الله - تعالى - لا ينالهم برحمة فى الآخرة لأنه لم يعطهم فى الدنيا مثل ما أعطاكم من مال وبنين وسلطان .وهنا ينادى مناد من قبل الله - تعالى - على هؤلاء الفقراء فيقول لهم : ( ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) .أى : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم مما يكون فى المستقبل ، ولا أنتم تحزنون على ما خلفتموه فى الدنيا .وقيل : إن قوله - تعالى - : ( ادخلوا ) .
من كلام أصحاب الأعراف - أيضاً ، فكأنهم التفتوا إلى أولئك المشار إليهم من أهل الجنة وقالوا لهم : امكثوا فى الجنة غير خائفين ولا محزونين على أكمل سرور وأتم كرامة .
اعلم أنه تعالى لما بين بقوله: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار قَالُواْ رَبَّنَا ﴾ أتبعه أيضاً بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار، واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: ﴿ مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ، ولا يليق أيضاً إلا بأكابرهم، والمراد بالجمع، إما جمع المال، وإما الاجتماع والكثرة ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَستَكبِرُون ﴾ والمراد: استكبارهم عن قبول الحق، واستكبارهم على الناس المحقين.
وقرئ ﴿ تستكثرون ﴾ من الكثرة، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام، ثم زادوا على هذا التبكيت، وهو قولهم: ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ﴾ فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما هزؤوا بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية، لمن كان مستضعفاً عنده قلق لذلك، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه.
وأما قوله تعالى: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ فقد اختلفوا فيه.
فقيل هم أصحاب الأعراف، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول.
وقيل: بل يقول بعضهم لبعض والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة، واللحوق بالمنزلة التي أعدها الله تعالى لهم، وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف.
وقوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ من كلام الله تعالى، ولا بد هاهنا من إضمار، والتقدير: فقال الله لهم هذا كما قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ وانقطع هاهنا كلام الملأ.
ثم قال فرعون: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ فاتصل كلامه بكلامهم من غير إظهار فارق، فكذا هاهنا.
<div class="verse-tafsir"
إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم بالتسليم عليهم ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار ﴾ ورأوا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم.
ونادوا رجالاً من رؤوس الكفرة يقولون لهم: ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ﴾ إشارة لهم إلى أهل الجنة، الذين كان الرؤساء يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا، وكانوا يقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ يقال لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويعرفونهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون.
وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وأن أحداً لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشرّ، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه.
وليعلم أنّ العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقصر الناس عملاً.
قوله: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ فيه أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا وقرأ الأعمش: ﴿ وإذا قلبت أبصارهم ﴾ وقرئ: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ على البناء للمفعول.
وقرأ عكرمة: ﴿ دخلوا الجنة ﴾ ، فإن قلت: كيف لاءم هاتين القراءتين قوله: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ؟
قلت: تأويله: ادخلوا، أو دخلوا الجنة مقولاً لهم: لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
فإن قلت: ما محل قوله: لم يدخلوها وهم يطمعون؟
قلت: لا محل له لأنه استئناف؛ كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل: لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا.
ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لرجال ﴿ مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرئ: ﴿ تستكثرون ﴾ من الكثرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ ﴾ مِن رُؤَساءِ الكَفَرَةِ.
﴿ قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ ﴾ كَثْرَتُكم أوْ جَمْعُكُمُ المالَ.
﴿ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوْ عَلى الخَلْقِ.
وقُرِئَ « تَسْتَكْثِرُونَ» مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ لِلرِّجالِ، والإشارَةُ إلى ضُعَفاءِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَتِ الكَفَرَةُ يَحْتَقِرُونَهم في الدُّنْيا ويَحْلِفُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ أيْ فالتَفَتُوا إلى أصْحابِ الجَنَّةِ وقالُوا لَهُمُ ادْخُلُوا وهو أوْفَقُ لِلْوُجُوهِ الأخِيرَةِ، أوْ فَقِيلَ لِأصْحابِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ حُبِسُوا حَتّى أبْصَرُوا الفَرِيقَيْنِ وعَرَفُوهم وقالُوا لَهم ما قالُوا.
قِيلَ لَمّا عَيَّرُوا أصْحابَ النّارِ أقْسَمُوا أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ.
وقُرِئَ « أُدْخِلُوا» و « دَخَلُوا» عَلى الِاسْتِئْنافِ وتَقْدِيرُهُ دَخَلُوا الجَنَّةَ مَقُولًا لَهم ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{أهؤلاء} مبتدأ {الذين} خبر مبتدأ مضمبر تقديره هؤلاء هم الذين {أقسمتم} حلفتم في الدنيا والمشار اليهم فقراء المؤمنين مكصهيب وسلمان ونحوهما {لا ينالهم الله برحمةٍ} جواب أقسمتم وهو داخل في صلة الذين تقديره أقسمتم عليهم بأن لا ينالهم الله برحمة أي لا يدخلهم الجنة يحتقرونهم لفقرهم فيقال لأصحاب الأعراف {ادخلوا الجنّة} وذلك بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسماهم وقالوا ماقالوا {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}
﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ لِلرِّجالِ فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولُ القَوْلِ أيْضًا أيْ قالُوا ما أغْنى وقالُوا: أهَؤُلاءِ والإشارَةُ إلى ضُعَفاءِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الكَفَرَةُ يَحْتَقِرُونَهم في الدُّنْيا ويَحْلِفُونَ أنَّهم لا يُصِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَةٍ وخَيْرٍ ولا يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ كَسَلْمانَ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أوْ يَفْعَلُونَ ما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ ﴾ .
﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ (49) مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ أيْضًا أيْ فالتَفَتُوا إلى أُولَئِكَ المُشارِ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وقالُوا لَهم: دُومُوا في الجَنَّةِ غَيْرَ خائِفِينَ ولا مَحْزُونِينَ عَلى أكْمَلِ سُرُورٍ وأتَمِّ كَرامَةٍ.
وقِيلَ: هو أمْرٌ بِأصْلِ الدُّخُولِ بِناءً عَلى أنْ يَكُونَ كَوْنُهم عَلى الأعْرافِ وقَوْلُهم هَذا قَبْلَ دُخُولِ بَعْضِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أهَؤُلاءِ ﴾ ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافٌ ولَيْسَ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ والمَقُولُ لَهُ أهْلُ النّارِ في قَوْلٍ وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِمْ هم أهْلُ الأعْرافِ وهُمُ القائِلُونَ أيْضًا والمَقُولُ لَهم أهْلُ النّارِ و ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ مِن قَوْلِ أهْلِ الأعْرافِ أيْضًا أيْ يَرْجِعُونَ فَيُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَقُولُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وقِيلَ: لَمّا عَيَّرَ أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ النّارِ أقْسَمَ أصْحابُ النّارِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ خِطابًا لِأهْلِ النّارِ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مُشِيرًا إلى أصْحابِ الأعْرافِ ثُمَّ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ..
إلَخْ.
وقُرِئَ ( ادْخُلُوا.
ودَخَلُوا ) بِالمَزِيدِ المَجْهُولِ وبِالمُجَرَّدِ المَعْلُومِ وعَلَيْهِما فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ..
إلَخْ.
مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا لِيَتَّجِهَ الخِطابُ ويَرْتَبِطَ الكَلامُ أيِ ادْخُلُوا أوْ دَخَلُوا الجَنَّةَ مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ ..
إلَخْ.
وقُرِئَ أيْضًا أدْخِلُوا بِأمْرِ المَزِيدِ لِلْمَلائِكَةِ والظّاهِرُ أنَّها تَحْتاجُ إلى زِيادَةِ تَقْدِيرٍ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قال: من سرعة ما انصرفوا كأنهم صرفوا، تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يعني: أنهم إذا نظروا قِبَلَ أصحاب النار أي تلقاء أصحاب النار قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: مع الكافرين في النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يعني: في النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ في الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي ما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان.
وقرأ بعضهم وما كنتم تستكثرون.
يعني تجمعون المال الكثير.
وهي قراءة شاذة.
أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ يعني: أنّ أهل الأعراف يقولون: يا وليد ويا أبا جهل: أهؤلاء؟
يعني: صهيباً وبلالاً والضعفة من المسلمين الذين كنتم تحلفون لا ينالهم الله برحمة.
يعني: إنَّهم لا يدخلون الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
وعن أبي مجلز أنه قال: وعلى الأعراف رجال من الملائكة، نادوا أصحاب الجنة قبل أن يدخلوها سلام عليكم لم يدخلوها.
وهم يطمعون دخولها يعني: في الجنة.
وإذا نظروا إلى أصحاب النار حين مروا بهم قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من المشركين يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ يعني: لأهل الجنة.
قال مقاتل: فأقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم.
فقالت الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟.
ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة.
ويقال: إن أهل النار يقولون لأهل الأعراف: ما أغنى عنكم جمعكم وعملكم وأنتم والله تكونون معنا في النار ولا تدخلون الجنة؟.
فيقول الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم يعني، أصحاب الأعراف لا ينالهم الله برحمته.
ثم يقال: لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
قوله عز وجل: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي اسقونا من الماء أو شيئاً من الفواكه وثمار الجنة فإنّ فينا من معارفكم.
فعلم الله تعالى أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب.
فأجابهم أهل الجنة: قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ يعني: الماء والثمار.
وروي في الخبر أنَّ أبا جهل بن هشام بعث إلى النبيّ يستهزئ به: أطعمني من عنب جنتك أو شيئاً من الفواكه.
فقال لأبي بكر الصديق- -: «قُلْ لَهُ: إنَّ الله حَرَّمَهُما عَلَى الكَافِرِينَ» .
ثم وصفهم عز وجل فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً أي: اتخذوا الإسلام باطلاً ودخلوا في غير دين الإسلام.
ويقال: اتخذوا عبداً لهواً وفرحاً.
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: غرّهم ما أصابهم من زينة الدنيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في النار كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي: كما تركوا العمل ليومهم هذا.
ويقال: كما تركوا الإيمان ليومهم هذا يعني: أنكروا البعث وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بجحدهم بآياتنا بأنها ليست من عند الله تعالى- قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ أي: أكرمناهم بالقرآن فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ يعني: بيّنا فيه الآيات، الحلال والحرام عَلى عِلْمٍ أي: بعلم منا هُدىً يعني: بياناً من الضلالة.
ويقال: جعلناه هادياً.
وَرَحْمَةً أي: نعمة ونجاة من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: لمن آمن وصدق به.
يعني: أكرمناهم بهذا الكتاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا.
وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين يهتدون به ويستوجبون به الرحمة.
ثم قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ عاقبة ما وعدهم الله.
وهو يوم القيامة.
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ يقول: الذين تركوا العمل والإيمان مِنْ قَبْلُ يعني: في الدنيا قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وذلك أنهم حين عاينوا العذاب، وذكروا قول الرسل، وندموا على تكذيبهم إياهم.
يقولون: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ.
أي بأمر البعث فكذبناهم فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا لأنهم يرون الشفعاء يشفعون للمؤمنين، فيقال لهم: ليس لكم شفيع.
فيقولون: أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي: هل نرد إلى الدنيا فنصدق الرسل ونعمل غير الشرك فَنَعْمَلَ صار نصباً لأنه جواب الاستفهام، وجواب الاستفهام إذا كان بالفاء فهو نصب.
وكذلك جواب الأمر والنهي.
يقول الله تعالى: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: قد غبنوا حظ أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يكذبون بأن الآلهة شفعاؤهم عند الله.
قوله: <div class="verse-tafsir"
خيثمة «١» بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار.
قيل: يا رَسُولَ اللَّه فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته؟
قال: أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون» «٢» .
وقيل غير هذا من التَّأويلات.
قال ع «٣» : واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار.
ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ، أي: بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء.
وقوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ المراد به: أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن «٤» وقال: واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم.
قال ع «٥» : وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ النّارِ أقْسَمُوا أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَنا، وأنَّ اللَّهَ لَنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِأهْلِ النّارِ: أهَؤُلاءِ يَعْنِي أهْلَ الأعْرافِ ﴿ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ رَواهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ حُذَيْفَةُ: بَيْنا أصْحابَ الأعْرافِ هُنالِكَ، اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم فَقالَ لَهُمُ: "ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" والثّانِي: أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرَوْنَ في الجَنَّةِ الفُقَراءَ والمَساكِينَ الَّذِينَ كانَ الكَفّارُ يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِمْ، كَسَلْمانُ، وصُهَيْبٌ، وخَبّابٌ، فَيُنادُونَ الكُفّارَ: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ ﴾ وأنْتُمْ في الدُّنْيا ﴿ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
فَعَلى هَذا يَنْقَطِعُ كَلامُ أهْلِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلُهُ: ﴿ بِرَحْمَةٍ ﴾ ، ويَكُونُ الباقِي مِن خِطابِ اللَّهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِأهْلِ الأعْرافِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ.
والثّانِي:[أنْ] يَكُونُ خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِأهْلِ الجَنَّةِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن أهْلِ الأعْرافِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، يَكُونُ مَعْنى قَوْلِ أهْلِ الأعْرافِ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ : اعْلُوا إلى القُصُورِ المُشْرِفَةِ، وارْتَفِعُوا إلى المَنازِلِ المَنِيفَةِ، لِأنَّهم قَدْ رَأوْهم في الجَنَّةِ.
ورَوى مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارِثِ قالَ: يُؤْتى بِأصْحابِ الأعْرافِ إلى نَهْرٍ يُقالُ لَهُ: الحَياةُ، عَلَيْهِ قُضْبانُ الذَّهَبِ مُكَلَّلَةٌ بِاللُّؤْلُؤِ فَيُغْمَسُونَ فِيهِ، فَيُخْرَجُونَ، فَتَبْدُو في نُحُورِهِمْ شامَةٌ بَيْضاءُ يُعْرَفُونَ بِها، ويُقالُ لَهُمْ: تَمَنَّوْا ما شِئْتُمْ، ولَكم سَبْعُونَ ضِعْفًا، فَهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنَّ اللهُ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ؛ وهُمُ القائِلُونَ: "أهَؤُلاءِ"؛ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءُ وشُهَداءُ.
وقالَ غَيْرُهُ: أهْلُ الأعْرافِ بَشَرٌ مُذْنِبُونَ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "أهَؤُلاءِ"؛ ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ؛ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النارِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقالَ النَقّاشُ: لَمّا وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أغْنى عنكم جَمْعُكُمْ ﴾ ؛ أقْسَمَ أهْلُ النارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النارَ مَعَهُمْ؛ فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ: "أهَؤُلاءِ...؟"؛ ثُمَّ نادَتْ أصْحابَ الأعْرافِ: ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: اَلْإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ"؛ إلى أهْلِ الجَنَّةِ؛ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ؛ والَّذِينَ خُوطِبُوا هم أهْلُ النارِ؛ والمَعْنى: "أهَؤُلاءِ الضُعَفاءُ في الدُنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ؟
قِيلَ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ النَقّاشُ مِن أنَّ القَسَمَ هو في الآخِرَةِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "أدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "أدْخِلُوا أنْفُسَكُمْ"؛ أو عَلى أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِلْمَلائِكَةِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ المُخاطَبَةُ بَعْدُ إلى البَشَرِ في "عَلَيْكُمْ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ: "دَخَلُوا الجَنَّةَ"؛ عَلى الإخْبارِ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُدْخِلُوا الجَنَّةَ"؛ خَبَرٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْتِيبُ كُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ عَلى الأقْوالِ في المُخاطِبِ؛ والمُخاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعالى "أهَؤُلاءِ"؛ مُمْكِنٌ بِأيْسَرِ تَناوُلٍ؛ فاخْتَصَرْتُهُ إيجازًا؛ وكَذَلِكَ ما في الآيَةِ مِنَ الرُجُوعِ مِن مُخاطَبَةِ فَرِيقٍ إلى مُخاطَبَةِ غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "لا تَخافُونَ ما يَأْتِي؛ ولا تَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ؛ مِن طَرِيقِ حُذَيْفَةَ ؛ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَفاعَةِ؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ؛ ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَشْفَعَ لَهُمْ؛ فَيَشْفَعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ؛ فَيُبَيَّضُونَ؛ ويُسَمَّوْنَ "مَساكِينَ الجَنَّةِ"؛ قالَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَنادى أصْحابُ النارِ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظَةُ النِداءِ تَتَضَمَّنُ أنَّ أهْلَ النارِ وقَعَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْمَعُونَ نِداءَهُمْ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وهم يَرَوْنَهم بِإدْراكٍ يَجْعَلُهُ اللهُ تَعالى لَهم عَلى بُعْدِ السُفْلِ مِنَ العُلُوِّ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ السُورُ والحِجابُ المُتَقَدِّمُ الذِكْرِ؛ ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النِداءَ هو عِنْدَ اطِّلاعِ أهْلِ الجَنَّةِ عَلَيْهِمْ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أنْ أفِيضُوا"؛ ﴾ مُفَسِّرَةٌ؛ بِمَعْنى "أيْ".
و"فاضَ الماءُ"؛ إذا سالَ؛ وانْماعَ؛ وأفاضَهُ غَيْرُهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أو مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الطَعامِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الجَنَّةِ: "إنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَ طَعامَ الجَنَّةِ وشَرابَها عَلى الكافِرِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأشْنَعُ عَلى الكافِرِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم يَرى بَعْضًا؛ فَإنَّهُ أخْزى وَأنْكى لِلنَّفْسِ؛ وإجابَةُ أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذا الحُكْمِ هو عن أمْرِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أفْضَلُ الصَدَقَةِ بِالماءِ"؛» يَعْنِي: عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ إذْ هو ألَذُّ مَشْرُوبٍ وأنْعَشُها لِلنَّفْسِ؛ واسْتَسْقى الشَعْبِيُّ عِنْدَ مُصْعَبٍ؛ فَقالَ لَهُ: أيَّ الأشْرِبَةِ تُحِبُّ؟
فَقالَ: أهْوَنَها مَوْجُودًا؛ وأعَزَّها مَفْقُودًا؛ فَقالَ لَهُ مُصْعَبٌ: يا غُلامُ؛ هاتِ الماءَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أُضِيفُ الدِينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ قَبُولُهم أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ أمَرَ بِهِ؛ ودِينُ جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ أمَرُوا بِهِ.
﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ ويَكُونَ ابْتِداءَ كَلامِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: "فاليَوْمَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن أوَّلِهِ مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ﴾ ؛ أيْ: بِالإعْراضِ والِاسْتِهْزاءِ لِمَن يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ؛ ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهم بِزُخْرُفِها؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها الغايَةُ القُصْوى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ مِن "اَلْغَرُّ"؛ وهو مَلْءُ الفَمِ؛ أيْ: أشْبَعَتْهم وأبْطَرَتْهم.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فاليَوْمَ نَنْساهُمْ ﴾ ؛ فَهو مِن إخْبارِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يُفْعَلُ بِهِمْ؛ والنِسْيانُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِمَعْنى التَرْكِ؛ أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ؛ كَما تَرَكُوا النَظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ؛ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَرِّ؛ وإنْ قُدِّرَ النِسْيانُ بِمَعْنى الذُهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ فَهو في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَما كانُوا"؛ ﴾ عُطِفَ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "كَما نَسُوا"؛ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تُقَدَّرَ "ما"؛ اَلثّانِيَةُ زائِدَةً؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "كانُوا"؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "نَسُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ذَكَرَ الأعْذارَ إلَيْهِمْ؛ إثْرَ ذِكْرِ ما يُفْعَلُ بِهِمْ؛ واللامُ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لَقَدْ"؛ لامُ قَسَمٍ؛ والضَمِيرُ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: تَمَّ الكَلامُ في "يَجْحَدُونَ"؛ وهَذا الضَمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ العَزِيزُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ في جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَ في "جِئْناهُمْ"؛ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَصَّلْناهُ"؛ ﴾ مِن تَفْصِيلِ الآياتِ؛ وتَبْيِينِها؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَضَّلْناهُ"؛ بِضادٍ مَنقُوطَةٍ؛ و"عَلى عِلْمٍ"؛ مَعْناهُ: عن بَصِيرَةٍ واسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
التّعريف في قوله: ﴿ أصحاب الأعراف ﴾ للعهد بقرينة تقدّم ذكره في قوله: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ [الأعراف: 46] وبقرينة قوله هنا ﴿ رجالاً يعرفونهم ﴾ إذ لا يستقيم أن يكون أولئك الرّجال يناديهم جميع من كان على الأعراف، ولا أن يَعرفهم بسيماهم جميع الذين كانوا على الأعراف، مع اختلاف العصور والأمم، فالمقصود بأصحاب الأعراف هم الرّجال الذين ذكروا في الآية السابقة بقوله: ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ [الأعراف: 46] كأنّه قيل: ونادى أولئك الرّجالُ الذين على الأعراف رجالاً.
والتّعبير عنهم هنا بأصحاب الأعراف إظهار في مقام الإضمار، إذ كان مقتضى الظّاهر أن يقال.
ونادوا رجالاً، إلاّ أنّه لما تعدّد في الآية السّابقة ما يصلح لعود الضّمائر إليه وقع الإظهار في مقام الإضمار دفعاً للالتباس.
والنّداء يؤذن ببعد المخاطب فيظهر أنّ أهل الأعراف لما تطلّعوا بأبصارهم إلى النّار عرفوا رجالاً، أو قَبْلَ ذلك لمّا مُرّ عليهم بأهل النّار عرفوا رجالاً كانوا جبارين في الدّنيا.
والسيما هنا يتعيّن أن يكون المراد بها المشخّصات الذاتية التي تتميّز بها الأشخاص، وليست السيما التي يتميّز بها أهل النّار كلّهم كما هو في الآية السّابقة.
فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة، فيه نذارة وموعظة لجبابرة المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين، وفيهم عبيد وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنّة سكتوا عمن كان من أحرار المسلمين وسادتهم.
وأنكروا أن يكون أولئك الضّعاف والعبيد من أهل الجنّة، وذلك على سبيل الفرض، أي لو فرضوا صدق وجود جنّة، فليس هؤلاء بأهل لسكنى الجنّة لأنّهم ما كانوا يؤمنون بالجنّة، وقصدهم من هذا تكذيب النّبيء صلى الله عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خَطلا من أقواله، وذلك مثل قولهم: ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ﴾ [سبأ: 7] فجعلوا تمزّق الأجساد وفناءها دليلا على إبطال الحشر، وسكتوا عن حشر الأجساد التي لم تمزّق.
وكلّ ذلك من سوء الفهم وضعف الإدراك والتّخليط بين العاديات والعقليات.
قال ابن الكلبي: «ينادي أهل الأعراف وهم على السور يَا وليدُ بنَ المغيرة يا أبَا جهل بنَ هشام يا فلان ويا فلان» فهؤلاء من الرّجال الذين يعرفونهم بسيماهم وكانوا من أهل العزّة والكبرياء.
ومعنى ﴿ جمعكم ﴾ يحتمل أن يكون جَمْع النّاس، أي ما أغنت عنكم كثرتكم التي تعتزّون بها، ويحتمل أن يراد من الجمع المصدر بمعنى اسم المفعول.
أي ما جمعتموه من المال والثّروة كقوله تعالى: ﴿ ما أغنى عني ماليه ﴾ [الحاقة: 28].
و (مَا) الأولى نافية، ومعنى ﴿ ما أَغْنَى ﴾ ما أَجْزَى مصدره الغَناء بفتح الغين وبالمدّ.
والخبر مستعمل في الشّماتة والتّوقيف على الخطأ.
و (ما) الثّانية مصدريّة، أي واستكباركم الذي مضى في الدّنيا، ووجه صوغه بصيغة الفعل دون المصدر إذ لم يقل استكباركم ليتوسّل بالفعل إلى كونه مضارِعا فيفيد أنّ الاستكبار كان دأبَهم لا يفترون عنه.
وجملة ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ من كلام أصحاب الأعراف.
والاستفهام في قوله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ مستعمل في التّقرير.
والإشارة ب ﴿ أهؤلاء ﴾ إلى قوم من أهل الجنّة كانوا مستضعفين في الدّنيا ومحقرين عند المشركين بقرينة قوله: ﴿ الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ وقوله ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ قال المفسّرون هؤلاء مثل سلمانَ، وبلال، وخبَّاب، وصُهَيب من ضعفاء المؤمنين، فإما أن يكونوا حينئذ قد استقرّوا في الجنّة فَجَلاَهم الله لأهل الأعراف وللرّجال الذين خاطبوهم، وإمّا أن يكون ذلك الحِوار قد وقع قبل إدخالهم الجنّة.
وقسمُهم عليهم لإظهار تصلّبهم في اعتقادهم وأنّهم لا يخامرهم شكّ في ذلك كقوله تعالى: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ [النحل: 38].
وقوله: ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ هو المقسم عليه، وقد سلّطوا النّفي في كلامهم على مراعاة نفي كلام يقوله الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أو المؤْمنون، وذلك أنّ بشارات القرآن أولئك الضّعفاءَ، ووعدَه إياهم بالجنّة، وثناءَه عليهم نُزل منزلة كلام يقول: إنّ الله ينالهم برحمة، أي بأن جُعل إيواء الله إياهم بدار رحمته، أي الجنّة، بمنزلة النَّيْل وهو حصول الأمر المحبوب المبحُوث عنه كما تقدّم في قوله: ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ [الأعراف: 37] آنفاً، فأطلق على ذلك الإيواءِ فعل (يَنال) على سبيل الاستعارة.
وجعلت الرّحمة بمنزلة الآلة للنَّيل كما يقال: نال الثّمرة بمحجن.
فالباء للآلة.
أو جعلت الرّحمة ملابسة للنَّيل فالباء للملابسة.
والنّيل هنا استعارة، وقد عمدوا إلى هذا الكلام المقدّر فنفوه فقالوا: ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ .
وهذا النّظم الذين حكي به قسمهم يؤذن بتهكّمهم بضعفاء المُؤمنين في الدّنيا، وقد أغفل المفسّرون تفسير هذه الآية بحسب نظمها.
وجملة: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ قيل مقول قول محذوف اختصاراً لدلالة السّياق عليه، وحذفُ القول في مثله كثير ولا سيما إذا كان المقول جملة إنشائيّة، والتّقدير: قال لهم الله ادخلوا الجنّة فكذّب اللَّهُ قسمَكُم وخيّب ظنّكم، وهذا كلّه من كلام أصحاب الأعراف، والأظهر أن يكون الأمر في قوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ للدّعاء لأنّ المشار إليهم بهؤلاء هم أناس من أهل الجنّة، لأنّ ذلك الحين قد استقرّ فيه أهل الجنّة في الجنّة وأهلُ النّار في النّار، كما تقتضيه الآيات السّابقة من قوله: ﴿ ونادوا أصحابَ الجنّة أنْ سلام عليكم إلى قوله القوممِ الظالمين ﴾ [الأعراف: 46، 47] فلذلك يتعيّن جعل الأمر للدّعاء كما في قول المعرّي: ابْقَ في نعمة بقاءَ الدّهور *** نافِذاً لحُكْم في جميع الأمور وإذ قد كان الدّخول حاصلاً فالدّعاء به لإرادة الدّوام كما يقول الدّاعي على الخارج: أخرج غير مأْسوففٍ عليك، ومنه قوله تعالى: ﴿ وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ﴾ .
ورفُع ﴿ خوف ﴾ مع (لا) لأنّ أسماء أجناس المعاني التي ليست لها أفراد في الخارج يستوي في نفيها بلا الرّفعُ والفتحُ، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [الأعراف: 35].
<div class="verse-tafsir"
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَنادى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى يُنادِي، لِأنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى الحَذْفِ وتَقْدِيرُهُ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ نادى أصْحابُ الأعْرافِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً ﴾ قال: في النار ﴿ يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ وتكبركم ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ قال الله لأهل التكبر ﴿ أهولاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ يعني أصحاب الأعراف ﴿ أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يعرفونهم بسيماهم ﴾ قال: سواد الوجوه وزرقة العيون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً ﴾ قال: هذا حين دخل أهل الجنة الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف ﴾ قال: مرَّ بهم ناس من الجبارين عرفوهم بسيماهم، فناداهم أصحاب الأعراف ﴿ قالوا: ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ قال: هم الضعفاء.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أدخلوا الجنة ﴾ قال: دخلوا الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ﴾ قال: كان رجال في النار قد أقسموا بالله لا ينال أصحاب الأعراف من الله رحمة، فاكذبهم الله فكانوا آخر أهل الجنة دخولاً، فيما سمعناه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .
قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ نعم ﴾ بكسر العين حيث كان: علي.
الباقون بالفتح ﴿ مؤذن ﴾ بغير همز: النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف.
﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون: مشددة وبالنصب.
الوقوف: ﴿ حقاً ﴾ ج لانتهاء الاستفهام.
﴿ نعم ﴾ ج للعطف مع الابتداء بالتأذين.
﴿ على الظالمين ﴾ ه لا لأن "الذين" صفتهم ﴿ عوجاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال ﴿ كافرون ﴾ ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجزأن يكون حالاً ﴿ حجاب ﴾ ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين ﴿ بسيماهم ﴾ ط ﴿ يطمعون ﴾ ه ﴿ أصحاب النار ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذاً" ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ برحمة ﴾ ط لتناهي الاستفهام والأقسام ﴿ تحزنون ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ج للابتداء مع فاء التعقيب ﴿ هذا ﴾ لا "وما" مصدرية كما في ﴿ كما نسوا ﴾ والتقدير ننساهم كنسيانهم وجحودهم ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إلا تأويله ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء للتعقيب ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: ﴿ ونادى ﴾ وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي.
والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض.
ومع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟
وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب.
وهذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار.
و"أن" في ﴿ إن قد وجدنا ﴾ مفسرة أو مخففة من الثقيلة كما مر في قوله: ﴿ أن تلكم الجنة ﴾ وكذا قوله: ﴿ أن لعنة الله ﴾ لأن النداء والتأذين في معنى القول: قال ابن عباس: ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا ﴾ في الدنيا من الثواب ﴿ حقاً ﴾ صحيحاً مطابقاً للواقع ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم ﴾ من العقاب ﴿ حقاً ﴾ والغرض من هذا الاستفهام إظهار البشاشة والاغتباط وإيقاع الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر الأخبار.
وإنما حذف المفعول في ﴿ وعد ربكم ﴾ لدلالة المفعول في ﴿ وعدنا ﴾ عليه، ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة ﴿ قالوا نعم ﴾ قال سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقاً.
فإذا قال: أتعطيني؟
قال: نعم، فهو عدة.
وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد صدقت.
والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو منفيين.
فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم.
كان معناه نعم قام زيد مصدقاً أو محققاً ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم.
كان المعنى ما قام زيد مصدقاً أو محققاً.
ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ "نعم" لكان كفراً.
هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ذلك كقول الفقهاء.
لو قيل أليس لي عليك دينار فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارىء بعد الوضع.
وكنانة تكسر العين من نعم.
وروي عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد ﴿ فأذن مؤذن ﴾ قال ابن عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار.
ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها.
والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ وقد مر في آل عمران.
والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحاً لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس.
وأما في سورة هود فلما تقدم ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴾ وقال: ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ولم يقل "عليهم" والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكرون لا غيرهم.
ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: ﴿ وبينهما ﴾ يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ﴿ حجاب ﴾ وهو السور المذكور في قوله : ﴿ فضرب بينهم بسور له باب ﴾ قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين.
وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب.
والأعراف لغة جمع عرف بالضموهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه.
الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى.
أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس.
وعنه أيضاً أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب.
وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة.
وعلى الأول فيه وجوه: فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
فقيل له: يقول الله : ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ وأنت تقول: إنهم ملائكة.
فقال: الملائكة ذكور لا إناث.
ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم.
وقيل: إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله على ذلك المكان العالي إظهاراً لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم.
وقيل: إنهم الشهداء.
وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار.
ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء.
وخصصه بعضهم فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر.
وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة.
وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف.
وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة.
قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا.
وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك.
ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين.
وقال المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به.
ثم قال: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها.
ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ﴿ وهم يطمعون ﴾ كأن سائلاً سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال.
فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "ان أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم" ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب.
وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة ﴿ وإذا صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ قال الواحدي: التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً.
ولم يأت من المصادر على "تفعال" بالكسر إلا حرفان "تبيان" و "تلقاء" وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم.
وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا.
ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن الحق وعلى الناس، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ أما قوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ إلى آخر الآية.
فمن قول الله لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا.
قال المفسرون: الرجال ههنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم.
وكانوا يقولون إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلاً والله إن الله لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف.
ثم ختم المناظرت بقوله: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ طلبوا الماء أوّلاً لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد.
وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار.
قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول.
وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد.
وإن علم أنه لا يغنيه.
قوله: ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة.
وقيل: أي من الثمار أو الطعام.
والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً *** فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم.
ثم كأن سائلاً سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟
فقيل: ﴿ قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها.
ثم وصف هؤلاء الكافرين بأنهم ﴿ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة ﴾ وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام.
وقال ابن عباس: يريد المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين غريقاً في بحر الدنيا ومشتهياتها.
ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على سبيل الحكاية فقال: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي جزاء النسيان نسياناً كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم.
عن أبي الدرداء أن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فتقول أهل الجنة ﴿ إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ ، ويقولون لمالك ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في زفير وشهيق.
وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله دخل من كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة.
وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها.
فهذه صفة الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق.
ولما شرح الله حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملاً للمكلف على الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بيّن شرف هذا الكتاب الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ﴾ ميزنا بعضه عن بعض تمييزاً يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط.
وإنما فعلنا ذلك لا كيفما اتفق بل ﴿ على علم ﴾ بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئاً من كل خلل وقدح ومعجزاً باقياً على وجه الدهر.
وقوله: ﴿ وهدى ورحمة ﴾ حالان من منصوب ﴿ فصلناه ﴾ كما أن ﴿ على علم ﴾ حالٍ من مرفوعه.
ويحتمل أن يكونا مفعولاً لهما ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن فائدته تعود إليهم، ثم لما بيّن إزاحة العلة بسب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟
الجواب لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه.
وأيضاً إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة.
قال الفراء: الضمير في تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل ﴿ يوم يأتي ﴾ يريد يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف ﴿ يقول ﴾ ومعنى: ﴿ نسوه ﴾ تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء والتقدير: هل يثبت لنا شفيع فيشفع ﴿ أو ﴾ هل ﴿ نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ﴾ فنوحد الله بدلاً عن الشرك ونطيعه بدلاً عن المعصية.
وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا تكليف لهم خلافاً للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال.
ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئاً وأن مطلوبهم لا يكون ألبتة فقال: ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان التي بالغوا في نصرها.
التأويل: نادى أهل المحبة أهل القطيعة ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ يعني قوله: "ألا من طلبني وجدني" ﴿ فهل وجدتم ما وعدكم ﴾ ﴿ ربكم ﴾ حقاً وهو قوله: "ومن طلب غيري لم يجدني" ﴿ فأذن مؤذن ﴾ العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، الذين يصدون القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها ﴿ وبينهما حجاب ﴾ من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمةالنفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل الله - وهم أصحاب الأعراف - حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية.
وسميت أعرافاً لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالاً لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن ﴿ يعرفون كلاً ﴾ من أهل الجنة وأهل النيران ﴿ بسيماهم ﴾ من آثار نور القلب وظلمته ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ يعني هنيئاً لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور.
ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: ﴿ لم يدخلوها ﴾ أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا إلى غير المولى ﴿ وهم يطمعون ﴾ في الوصول إلى الحق .
﴿ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ ابتلاء ليعرفوا أنه من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله في الخلوات ﴿ رجالاً يعرفونهم بسيماهم ﴾ يعني أهل الجنة وأهل النار ﴿ ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل النار من الدنيا والشهوات ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن السير في حقيقة لا إله إلا الله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ الوصول ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ يعني الجنة المضافة إليه في قوله: ﴿ ادخلي جنتي ﴾ في حظائر القدس وعالم الجبروت ﴿ لا خوف عليكم ﴾ من الخروج ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا.
اعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقرّبين فافهم.
يحكى عن بابا جعفر الأبهري أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك ثمة؟
فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص وكنت داخلاً مع الأخص فما رأيتني.
﴿ فيضوا علينا من الماء ﴾ كانوا في الدنيا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها ﴿ فقالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ وفي الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم.
فللمؤمنين كشف الغطاء وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة الافتقار وعذاب النار أعاذنا الله منها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ .
يشبه أن يكون ما ذكر من الحجاب ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ ، فأمكن أن يكون الحجاب المذكور بينهما هو السور الذي ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: هم قوم استوت حسناتهم بسيئاتهم، لم يبشروا بالجنة حتى لا يخافوا عقوبته، ولا أيسوا حتى لا يطمعوا ولا يرجوا دخولهم فيها.
وقال آخرون: هم أهل كرامة الله، أكرمهم بذلك، يرفعهم على ذلك السور لينظروا إلى حكم الله في الخلق وعدله فيهم، وينظرون إلى إحسان الله فيمن يحسن إليه، وعدله فيمن يعاقبهم.
وقيل: هم الأنبياء.
والأشبه أن الأنبياء يكونون على الأعراف يشهدون على الأمم؛ كقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً ﴾ ، وقال قائلون: هم الملائكة، لكن ملائكة الله ما يسمون رجالاً، ولم نسمع بذلك، والله أعلم بذلك.
ثم اختلف فيه: قيل: سموا أصحاب الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار سمي بذلك؛ لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب أعراف، وهو قول القتبي.
وقال غيره: الأعراف: هو عرف كعرف الديك والفرس، وهو أيضاً من الارتفاع.
وقال الحسن: هم أصحاب التعريف، يعرفون أهل النار عدل الله فيهم وحكمه، وأن ما حل بهم من الشدائد وأنواع العذاب إنما حل بهم مما كان منهم في الدنيا من صدهم الناس عن سبيل الله، واستكبارهم على الرسل، يعرفونهم أن ما نزل بهم إنما نزل بعدل منه، ويعرفون أهل الجنة فضل الله وإحسانه إليهم أن ما نالوا هم إنما نالوا بفضل منه وإحسان.
أو قوم نصبهم الله لمحاجة أهل النار؛ كقوله: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، فهذه هي المحاجة التي يحاجون بها أهل النار.
أو أن يقال: هم قوم نصبوا يترجمون بين أهل الجنة وأهل النار، يؤدون كلام بعضهم إلى بعض، وينهون مخاطبات بعض إلى بعض، من ذلك قوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ ﴾ ، ونحوه.
والله أعلم من هم؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ﴾ .
قيل: المؤمن يعرف ببياض وجهه، والكافر: بسواد وجهه.
ويحتمل ما قال الحسن: هو أن يعرفوا بالمنازل والأماكن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ﴾ .
يعني: نادى أصحابُ الأعراف أصحاب الجنة.
﴿ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ .
ليس أن يقولوا سلام عليكم باللسان خاصة؛ ولكن في كل كلام سديد وقول حسن وصواب؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، أي: سديداً صواباً، وكذلك [قوله]: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ليس على أن يقولوا: سلام عليكم، ولكن يقولون لهم قولا صواباً محكماً؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل: ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ .
اختلف فيه: قال عامّة أهل التأويل: هم أصحاب الأعراف لم [يدخلوا الجنة] وهم يطمعون دخولها.
وقيل: هم كفار أهل النار يطمعون أن ينالوا منها؛ كقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، إلى هذا الوقت كانوا يطمعون دخولها والنيل منها، ثمّ أيسوا بهذا.
وقال بعضهم: هم أهل الجنة يطمعون دخولها قبل أن يدخل أهل الجنة [الجنة]، وقبل أن يدخل أهل النار النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ ﴾ .
قيل: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف إلى أهل النار.
﴿ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
من شدة ما يرون من العذاب وما نزل بهم.
وقيل: وإذا صرفت أبصار أهل الجنة تلقاء أصحاب النار، قالوا ذلك.
وفي حرف أبي: وإذا قلبت أبصارهم نحو أصحاب النار، قالوا: عائذون بك أن تجعلنا ربنا مع القوم الظالمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
إن كان ذلك الدعاء من الأنبياء أو من أهل كرامة الله من الذين كانوا على الأعراف، فذلك منهم شهادة أنهم ظلمة وكفرة، ومعنى التعوذ منهم من النار؛ لأنهم لم يدخلوا الجنة بعد؛ فيخافون لقصور كان منهم في شكر المنعم، أو بالطبع يتعوذون كما يتعوذ كل أحد إذا رأى أحداً في البلاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون، ولكن أمكن أن يعرفوا بالأعلام التي كانت لهم في الدنيا سوى سواد الوجوه؛ لأنهم يخاطبونهم بقوله: ﴿ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، فلو لم يعرفوهم بآثار كانت لهم في الدنيا، لم يكونوا يعاتبونهم بجمع الأموال والاستكبار في الدنيا، ولا يقال للفقراء ذلك، إنما يقال للأغنياء؛ لأنهم هم الذين يجمعون الأموال وهم المستكبرون على الخلق؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .
ويشبه أن يخاطب الكل، وفيهم من قد جمع واستكبر، وذلك جائز، هذا على تأويل من يجعل أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم بسيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، ولكن يدخلون النار، فتقول الملائكة لأهل النار: هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته ﴿ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون القسم الذي ذكر في الآية كان منهم في الدنيا، كانوا يقسمون أنه لا يدخلون هؤلاء الجنة، يعنون: أصحاب رسول الله ؛ كقوله ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ ، كانوا يقولون: إن الذي هم عليه لو كان خيراً لنالوا هم ذلك؛ إذ نالوا هم كل خير في الدنيا، يعنون أنفسهم؛ فعلى ذلك ينالون في الآخرة مثله، ونحو ذلك من الكلام الذي يقولون في الدنيا؛ فيقولون لهم في الآخرة: ﴿ أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾ .
وأمكن أن يكون قوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ لأهل الجنة قبل أن يدخلوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ .
قال الأصم: يكون الحزن في فوت كل محبوب، والخوف في نيل كل مكروه؛ كقول يعقوب: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ، ذكر الحزن عند فوت محبوبه، و [الخوف] عند نيل المكروه، ولكن عندنا الحزن إنما يكون بفوت الموجود من المحبوب، والخوف بما سيصيبه من المكروه.
<div class="verse-tafsir"
وقال الله موبخًا الكفار: أهؤلاء هم الذين حلفتم أن لا ينالهم الله برحمة من عنده؟!
وقال الله للمؤمنين: ادخلوا -أيها المؤمنون- الجنة لا خوف عليكم فيما تستقبلونه، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا لما لقيتم من النعيم المقيم.
<div class="verse-tafsir" id="91.k5N62"