الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥٣ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال : ( هل ينظرون إلا تأويله ) أي : ما وعد من العذاب والنكال والجنة والنار .
قاله مجاهد وغير واحد .
وقال مالك : ثوابه .
وقال الربيع : لا يزال يجيء تأويله أمر ، حتى يتم يوم الحساب ، حتى يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، فيتم تأويله يومئذ .
( يوم يأتي تأويله ) أي : يوم القيامة ، قاله ابن عباس - ( يقول الذين نسوه من قبل ) أي : تركوا العمل به ، وتناسوه في الدار الدنيا : ( قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ) أي : في خلاصنا مما نحن فيه ، ( أو نرد ) إلى الدار الدنيا ( فنعمل غير الذي كنا نعمل ) كما قال تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام : 27 ، 28 ] كما قال هاهنا : ( قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : قد خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيه ، ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا ينصرونهم ، ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم مما هم فيه .
القول في تأويل قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " هل ينظرون إلا تأويله " ، هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله ويجحدون لقاءه =" إلا تأويله "، يقول: إلا ما يؤول إليه أمرهم، من ورودهم على عذاب الله، وصِلِيِّهم جحيمه، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به.
* * * وقد بينا معنى " التأويل " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(5) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14761 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " هل ينظرون إلا تأويله " ، أي: ثوابه =" يوم يأتي تأويله " ، أي ثوابه.
14762 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " ، قال: " تأويله "، عاقبته.
14763 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح: عن مجاهد،" هل ينظرون إلا تأويله " ، قال: جزاءه =" يوم يأتي تأويله " ، قال: جزاؤه.
14764 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
14765 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " هل ينظرون إلا تأويله "، أما " تأويله "، فعواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة، وما وعد فيها من موعد.
(6) 14766 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق " ، فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففي ذلك أنـزل: " هل ينظرون إلا تأويله " ، حيث أثابَ الله تبارك وتعالى أولياءَه وأعداءه ثواب أعمالهم.
يقول يومئذ الذين نسوه من قبل: " قد جاءت رسل ربنا بالحق " ، الآية.
14767 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " ، قال: يوم القيامة.
14768 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يوم يأتي تأويله " ، قال: يوم يأتي حقيقته، (7) وقرأ قول الله تعالى: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ، [سورة يوسف: 100] .
قال: هذا تحقيقها.
وقرأ قول الله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ ، [ سورة آل عمران: 7 ] ، قال: ما يعلم حقيقته ومتى يأتي، إلا الله تعالى * * * وأما قوله: " يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل " ، فإن معناه: يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله =" يقول الذين نسوه من قبل " ، أي: يقول الذين ضيَّعوا وتركوا ما أمروا به من العمل المنجيهم مما آل إليه أمرهم يومئذ من العذاب، من قبل ذلك في الدنيا =" لقد جاءت رسل ربنا بالحق " ، أقسم المساكين حين عاينوا البلاءَ وحلّ بهم العقاب: أنّ رسل الله التي أتتهم بالنِّذارة وبلغتهم عن الله الرسالة، (8) قد كانت نصحت لهم وصَدَقتهم عن الله، وذلك حين لا ينفعهم التصديق.
ولا ينجيهم من سَخَط الله وأليم عقابه كثرة القال والقيل.
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14769 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق " ، أما " الذين نسوه "، فتركوه، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم، استيقنوا فقالوا: " قد جاءت رسل ربنا بالحق ".
14770 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يقول الذين نسوه " ، قال: أعرضوا عنه.
14771 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* * * القول في تأويل قوله : فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم، أنهم يقولون عند حلول سَخَط الله بهم، وورودهم أليمَ عذابه، ومعاينتهم تأويل ما كانت رسلُ الله تعِدهم: هل لنا من أصدقاءَ وأولياء اليوم فيشفعوا لنا عند ربنا، فتنجينا شفاعتهم عنده مما قد حلّ بنا من سوء فعالنا في الدنيا (9) = أو نردّ إلى الدنيا مرة أخرى، فنعمل فيها بما يرضيه ويُعْتِبُه من أنفسنا؟
(10) قال هذا القولَ المساكينُ هنالك، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم، فيذكروا ذلك في وقت لا خُلة فيه لهم ولا شفاعة.
يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه : " قد خسروا أنفسهم "، (11) يقول: غَبَنوا أنفسهم حظوظها، ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرة الدائم، بالخسيس من عَرَض الدنيا الزائل =" وضل عنهم ما كانوا يفترون " ، يقول: وأسلمهم لعذاب الله، وحار عنهم أولياؤهم، (12) الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، (13) ويزعمون كذبًا وافتراء أنهم أربابهم من دون الله.
(14) 14772 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " قد خسروا أنفسهم " ، يقول: شروها بخسران.
* * * وإنما رفع قوله: " أو نردُّ" ولم ينصب عطفًا على قوله: " فيشفعوا لنا " ، لأن المعنى: هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا = أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل؟
= ولم يرد به العطف على قوله: " فيشفعوا لنا ".
(15) ------------------- الهوامش : (5) انظر تفسير"التأويل" فيما سلف 6: 199 - 206/ 8: 506 .
(6) في المطبوعة: "وما وعد فيه" وأثبت ما في المخطوطة.
(7) في المطبوعة: "يوم يأتي تحقيقه" وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.
(8) "النذارة" بكسر النون ، كالإنذار ، على وزن"الرسالة" ، وانظر ما كتبته آنفًا 10: 575 ، تعليق: 2.
(9) انظر تفسير"الشفاعة" فيما سلف 11: 547 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(10) "أعتبه من نفسه" ، أعطاه العتبى - وهي الرضا - ورجع إلى مسرته.
(11) انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف ص: 357 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(12) في المطبوعة: "وحاد" بالدال ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب.
(13) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(14) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 408 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(15) في المخطوطة خلط وتكرار في هذه الجملة ، وصوابها ما في المطبوعة.
وانظر معاني القرآن للفراء 1: 380.
قوله تعالى هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترونقوله تعالى هل ينظرون إلا تأويله بالهمز ، من آل .
وأهل المدينة يخففون الهمزة .
والنظر : الانتظار ، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب .
وقيل : ينظرون من النظر إلى يوم القيامة .
فالكناية في تأويله ترجع إلى الكتاب .
وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب .
وقال مجاهد : تأويله جزاؤه ، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب .
قال قتادة : تأويله عاقبته .
والمعنى متقارب .يوم يأتي تأويله أي تبدو عواقبه يوم القيامة .
و يوم منصوب ب يقول أي يقول الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله .قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء استفهام فيه معنى التمني فيشفعوا نصب لأنه جواب الاستفهام لنا أو نرد قال الفراء : المعنى أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قال الزجاج : نرد عطف على المعنى ، أي هل يشفع لنا أحد أو نرد .
وقرأ ابن إسحاق ( أو نرد فنعمل ) بالنصب فيهما .
والمعنى إلا أن نرد ; كما قال :فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذراوقرأ الحسن ( أو نرد فنعمل ) برفعهما جميعا .قد خسروا أنفسهم أي فلم ينتفعوا بها ، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها .
وقيل : خسروا النعم وحظ أنفسهم منها .وضل عنهم ما كانوا يفترون أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر .
ولهذا قال: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ } أي: وقوع ما أخبر به كما قال يوسف عليه السلام حين وقعت رؤياه: { هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } { يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ } متندمين متأسفين على ما مضى منهم، متشفعين في مغفرة ذنوبهم.
مقرين بما أخبرت به الرسل: { قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ } إلى الدنيا { فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } وقد فات الوقت عن الرجوع إلى الدنيا.
{ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم كذب منهم، مقصودهم به، دفع ما حل بهم، قال تعالى: { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } { قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } حين فوتوها الأرباح، وسلكوا بها سبيل الهلاك، وليس ذلك كخسران الأموال والأثاث أو الأولاد، إنما هذا خسران لا جبران لمصابه، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } في الدنيا مما تمنيهم أنفسهم به، ويعدهم به الشيطان، قدموا على ما لم يكن لهم في حساب، وتبين لهم باطلهم وضلالهم، وصدق ما جاءتهم به الرسل
( هل ينظرون ) أي : هل ينتظرون ، ( إلا تأويله ) قال مجاهد : جزاءه .
وقال السدي : عاقبته .
ومعناه : هل ينتظرون إلا ما يئول إليه أمرهم في العذاب ومصيرهم إلى النار .
( يوم يأتي تأويله ) أي : جزاؤه وما يئول إليه أمرهم ، ( يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف ، ( فهل لنا ) اليوم ، ( من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد ) إلى الدنيا ، ( فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم ) أهلكوها بالعذاب ، ( وضل ) وبطل ( عنهم ما كانوا يفترون ) .
«هل ينظرون» ما ينتظرون «إلا تأويله» عاقبة ما فيه «يوم يأتي تأويله» هو يوم القيامة «يقول الذين نسوه من قبل» تركوا الإيمان به «قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو» هل «نُرد» إلى الدنيا «فنعمل غير الذي كنا نعمل» نوحِّد الله ونترك الشرك، فيقال لهم: لا، قال تعالى: «قد خسروا أنفسهم» إذ صاروا إلى الهلاك «وضلّ» ذهب «عنهم ما كانوا يفترون» من دعوى الشريك.
هل ينتظر الكفار إلا ما وُعِدوا به في القرآن من العقاب الذي يؤول إليه أمرهم؟
يوم يأتي ما يئول إليه الأمر من الحساب والثواب والعقاب يوم القيامة يقول الكفار الذين تركوا القرآن، وكفروا به في الحياة الدنيا: قد تبيَّن لنا الآن أنَّ رسل ربنا قد جاؤوا بالحق، ونصحوا لنا، فهل لنا من أصدقاء وشفعاء، فيشفعوا لنا عند ربنا، أو نعاد إلى الدنيا مرة أخرى فنعمل فيها بما يرضي الله عنا؟
قد خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، وذهب عنهم ما كانوا يعبدونه من دون الله، ويفترونه في الدنيا مما يَعِدُهم به الشيطان.
ثم بين - سبحانه - عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الذى أنزله الله هداية ورحمة فقال : ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ) .النظر هنا بمعنى الانتظار والتوقع لا بمعنى الرؤية .
فالمراد بينظرون : ينتظرون ويتوقعون ، وتأويل الشىء : مرجعه ومصيره الذى يئول إليه ذلك الشىء والاستفهام بمعنى النفى .والمعنى : إن هؤلاء المشركين ليس أمامهم شىء ينتظرونه بعد أن أصروا على شركهم إلا ما يئول إليه أمر هذا الكتاب وما تتجلى عنه عاقبته ، من تبين صدقه ، وظهور صحة ما أخبر به من الوعد والوعيد والبعث والحساب ، وانتصار المؤمنين به واندحار المعرضين عنه .فإن قيل : كيف ينتظرون ذلك مع كفرهم به؟فالجواب : أنهم قبل وقوع ما هو محقق الوقوع ، صاروا كالمنتظرين له ، لأن كل آت قريب ، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به ، وسينزل بهم لا محالة .ثم بين - سبحانه - حالهم يوم الحساب فقال : ( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ) .أى : يوم يأتى يوم القيامة الذى أخبر عنه القرآن ، والذى يقف الناس فيه أمام خالقهم للحساب ، يقول هؤلاء الكافرون الذين جحدوا هذا اليوم عندما تكشف لهم الحقائق ، ( قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ) وتبين صدقهم ولكننا نحن الذين كذبناهم وسرنا فى طريق الضلال ، ( فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ ) فى هذه الساعة العصبية ويدفعوا عنا ما نحن فيه من كرب وبلاء ، أو نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا غير الذى كنا نعمله من الجحود واللهو واللعب .أى : أنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين ، وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب ، أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل .فالجملة الكريمة تصور حسرتهم يوم القيامة تصويرا يهز المشاعر ، ويحمل العقلاء على الإيمان والعمل الصالح .والاستفهام فى قوله : ( فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ ) للتمنى والتحسر ، ومن مزيدة للاستغراق والتأكيد وشفعاء مبتدأ مؤخر ولنا خبر مقدم .ثم بين - سبحانه - نهايتهم فقال : ( قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) .أى : قد خسر هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنفسهم ، بسبب إشراكهم بالله ، وذهب عنهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من أن أصنامهم ستشفع لهم يوم الجزاء ، وأيقنوا أنهم كانوا كاذبين فى دعواهم .
اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المُفَصَّل الموجب للهداية والرحمة، بين بعده حال من كذب فقال: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ والنظر هاهنا بمعنى الانتظار والتوقع.
فإن قيل: كيف يتوقعون وينتظرون مع جَحدِهم له وإنكارِهم؟
قلنا: لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا، فلهذا السبب انتظروه وأيضاً إنهم وإن كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالةَ، وقوله: ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ قال الفراء الضمير في قوله: ﴿ تَأْوِيلَهُ ﴾ للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب.
والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ذهب إلى قوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله ﴾ أي ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ ﴾ يريد يوم القيامة، قال الزجاج قوله: ﴿ يَوْمَ ﴾ نصب بقوله: ﴿ يِقُولُ ﴾ وأما قوله: ﴿ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه، ويجوز أن يكون معنى ﴿ نَسُوهُ ﴾ أي تركوا العمل به والإيمان به وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا ﴾ ثم بين تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون: ﴿ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق ﴾ والمراد أنهم أقروا بأن الذي جاءت به الرسل من ثبوت الحشر، والنشر، والبعث، والقيامة، والثواب، والعقاب، كل ذلك كان حقاً، وإنما أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم شاهدوها وعاينوها، وبين الله تعالى أنهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: ﴿ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ والمعنى إنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين.
وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب أو يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل يعني نوحد الله تعالى بدلاً عن الكفر ونطيعه بدلاً عن المعصية.
فإن قيل: أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع اليأس؟
وجوابنا عنه مثل ما ذكرناه في قوله: ﴿ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء ﴾ ثم بين تعالى بقوله: ﴿ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ أن الذين طلبوه، لا يكون لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم.
ثم قال: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يريد أنهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها، قال الجبائي: هذه الآية تدل على حكمين: الحكم الأول: قال: الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الإيمان والتوبة فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد فائدة ولا جاز أن يسألوا ذلك.
الحكم الثاني: أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد إلى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال، فبطل ما حكي عن النجار وطبقته من أن التكليف باق على أهل الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه، حتى جاء حكيماً قيماً غير ذي عوج قرأ ابن محيصن فضلتاه بالضاد المعجمة بمعنى فضلناه على جميع الكتب، عالمين أنه أهل للتفضيل عليها، و ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ حال من منصوب فصلناه، كما أن على علم حال من مرفوعه ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ إلاّ عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق ﴾ أي تبين وصحّ أنهم جاؤوا بالحق ﴿ نُرَدُّ ﴾ جملة معطوفة على الجملة قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء؟
أو هل نردّ؟
ورافعه وقوعه موقعاً يصلح للاسم، كما تقول ابتداء: هل يضرب زيد؟
ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه.
فلا يقدّر: هل يشفع لنا شافع أو نردّ؟
وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿ أو نردّ ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ فيشفعوا لنا ﴾ أو تكون (أو) بمعنى (حتى أنّ) أي يشفعوا لنا حتى نردّ فنعمل وقرأ الحسن بنصب ﴿ نردّ ﴾ ورفع ﴿ فَنَعْمَلَ ﴾ بمعنى: فنحن نعمل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ﴾ بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً.
﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عالِمِينَ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ حَتّى جاءَ حَكِيمًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِعِلْمٍ، أوْ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.
وقُرِئَ « فَضَّلْناهُ» أيْ عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ.
﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ.
﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يَنْتَظِرُونَ.
﴿ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ إلّا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ بِظُهُورِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ تَرَكُوهُ تَرْكَ النّاسِي.
﴿ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم جاءُوا بِالحَقِّ.
﴿ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ﴾ اليَوْمَ.
﴿ أوْ نُرَدُّ ﴾ أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ فَيَشْفَعُوا ﴾ ، أوْ لِأنَّ ﴿ أوْ ﴾ بِمَعْنى إلى أنْ، فَعَلى الأوَّلِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ الشَّفاعَةُ أوْ رَدُّهم إلى الدُّنْيا، وعَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أوْ لِأمْرٍ واحِدٍ وهو الرَّدُّ.
﴿ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ﴾ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ فَنَحْنُ نَعْمَلُ.
﴿ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمْ في الكُفْرِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ بَطَلَ عَنْهم فَلَمْ يَنْفَعْهم.
<div class="verse-tafsir"
{هل ينظرون} ينتظرون {إلاّ تأويله} إلا عاقبة امره وما يؤل إليه من تبيين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد {يوم يأتي تأويله يقول الّذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} أى بيتن وصح أنهم جاءوا باحلق فأقروا حين لا ينفعهم {فهل لّنا من شفعآء فيشفعوا لنآ} جواب الاستفهام {أو نردّ} جملة معطوفة على جملة قبلها داخلة معها في حكم الاستفهام كأنه قيل فهل لنا من شفعاء أو هل تردوا رافعة وقوعه مسوقعا يصلح للاسم كقولك ابتداء هل يضرب زيادا أو عطف على تقدير هل يشفع لنا شافع أو هل نرد {فنعمل} جواب الاستفهام أيضاً {غير الّذي كنّا نعمل قد خسروآ أنفسهم وضلّ عنهم مّا كانوا يفترون} ما كانوا يعقدونه من الأصنام
﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ شَيْئًا ﴿ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ أيْ عاقِبَتَهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ بِظُهُورِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والمُرادُ أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظَرِينَ وفي حُكْمِهِمْ مِن حَيْثُ أنَّ ما ذُكِرَ يَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ وحِينَئِذٍ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَنْتَظِرُونَهُ وهم جاحِدُونَ غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ.
وقِيلَ: إنَّ فِيهِمْ أقْوامًا يَشُكُّونَ ويَتَوَقَّعُونَ فالكَلامُ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا زَيْدًا ( يَوْمَ يَأْتِيهِمْ تَأْوِيلُهُ ) وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقِيلَ هو يَوْمُ بَدْرٍ ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ ﴾ أيْ تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ فَأعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إتْيانِ تَأْوِيلِهِ ﴿ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ جاءُوا بِالحَقِّ وإنَّما فُسِّرَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الواقِعُ هُناكَ ولِأنَّهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ طَلَبُ الشَّفاعَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ﴾ اليَوْمَ ويَدْفَعُوا عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ ﴿ أوْ نُرَدُّ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ و( مِن ) مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَأِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً في الفاعِلِ بِالظَّرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا ورافِعُهُ وُقُوعُهُ مَوْقِعًا يَصْلُحُ لِلِاسْمِ كَما تَقُولُ: ابْتِداءٌ هَلْ يُضْرَبُ زَيْدٌ ولا يُطْلُبُ لَهُ فِعْلٌ آخَرُ يُعْطَفُ عَلَيْهِ فَلا يُقَدَّرُ هَلْ يَشْفَعُ لَنا شافِعٌ أوْ نُرَدُّ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأرادَ كَما في الكَشْفِ لَفْظًا لِأنَّ الظَّرْفَ مُقَدَّرٌ بِجُمْلَةٍ و( هَلْ ) مِمّا لَهُ اخْتِصاصٌ بِالفِعْلِ والعُدُولُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَمَنِّيَ الشَّفِيعِ أصْلٌ وتَمَنِّيَ الرَّدِّ فَرْعٌ لِأنَّ تَرْكَ الفِعْلِ إلى الِاسْمِ مَعَ اسْتِدْعاءِ هَلْ لِلْفِعْلِ يُفِيدُ ذَلِكَ فَلَوْ قُدِّرَ لَفاتَتْ نُكْتَةُ العُدُولِ مَعْنًى مَعَ الغِنى عَنْهُ لَفْظًا وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ﴿ أوْ نُرَدُّ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَيَشْفَعُوا لَنا المَنصُوبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ أوْ لِأنَّ ( أوْ ) بِمَعْنى إلى أنْ أوْ حَتّى أنْ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إظْهارًا لِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ قالَ القاضِي: فَعَلى الرَّفْعِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ الشَّفاعَةُ والرَّدُّ إلى الدُّنْيا وعَلى النَّصْبِ المَسْؤُولُ أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الشَّفاعَةِ في العَفْوِ عَنْهم والرَّدِّ إنْ كانَتْ ( أوْ ) عاطِفَةً وإمّا لِأمْرٍ واحِدٍ إذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ إذْ مَعْناهُ حِينَئِذٍ يَشْفَعُونَ إلى الرَّدِّ وكَذا إذا كانَتْ بِمَعْنى حَتّى أنْ أيْ يَشْفَعُونَ حَتّى يَحْصُلَ الرَّدُّ ﴿ فَنَعْمَلَ ﴾ بِالنَّصْبِ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ( نُرَدَّ ) مُسَبَّبٌ عَنْهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِنَصْبِ ( نُرَدَّ ) ورَفْعِ ( نَعْمَلُ ) أيْ فَنَحْنُ نَعْمَلُ ﴿ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ﴾ أيْ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ ﴿ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ إلى الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ وضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ غابَ وفُقِدَ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ (53) أيِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وشُفَعاءَهم يَوْمَ القِيامَةِ والمُرادُ أنَّهُ ظَهَرَ بُطْلانُهُ ولَمْ يُفِدْهم شَيْئًا.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ ﴾ أيِ النَّفْسُ وسُمِّيَتْ حَوّاءَ لِمُلازَمَتِها الجِسْمَ الظَّلْمانِيَّ إذِ الحَوَّةُ اللَّوْنُ الَّذِي يَغْلُبُ عَلَيْهِ السَّوادُ وبَعْضُهم يَجْعَلُ آدَمَ إشارَةً إلى القَلْبِ لِأنَّهُ مِنَ الأُدْمَةِ وهي السُّمْرَةُ وهو لِتَعَلُّقِهِ بِالجِسْمِ دُونَ النَّفْسِ سَمِّي بِذَلِكَ ولِشَرَفِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَّهَ النِّداءَ إلَيْهِ وزَوْجُهُ تَبَعٌ لَهُ في السُّكْنى.
الجَنَّةُ هي عِنْدَهُمُ إشارَةٌ إلى سَماءِ عالَمِ الأرْواحِ الَّتِي هي رَوْضَةُ القُدُسِ ﴿ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ﴾ حِجْرٌ عَلَيْكُما في تَلَقِّي المَعانِي والمَعارِفِ والحِكَمِ الَّتِي هي الأقْواتُ القَلْبِيَّةُ والفَواكِهُ الرُّوحانِيَّةُ ﴿ ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ أيْ شَجَرَةَ الطَّبِيعَةِ والهَوى الَّتِي بِحَضْرَتِكُما ﴿ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ الواضِعِينَ النُّورَ في مَحَلِّ الظُّلْمَةِ أوِ النّاقِصِينَ مِن نُورِ اسْتِعْدادِكُما وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الشَّجَرَةَ بِشَجَرَةِ المَحَبَّةِ المُورِقَةِ بِأنْواعِ المِحْنَةِ أيْ لا تَقْرَباها فَتَظْلِما أنْفُسَكُما لِما فِيها مِنَ احْتِراقِ أنانِيَّةِ المُحِبِّ وفَناءِ هَوِيَّتِهِ في هُوِيَّةِ المَحْبُوبِ ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ غَرَسَها الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما خَمَّرَ طِينَتَهُ بِيَدِهِ لَها: فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إلّا لَهُ ولَمْ يَكُ يَصْلُحُ إلّا لَها وإنَّ المَنعَ كانَ تَحْرِيضًا عَلى تَناوُلِها فالمَرْءُ حَرِيصٌ عَلى ما مُنِعَ واخْتارَ هَذا النَّيْسابُورِيُّ وتَكَلَّفَ في باقِي الآيَةِ ما تَكَلَّفَ فَإنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما ﴾ أيْ لِيَظْهَرَ لَهُما بِالمَيْلِ إلى شَجَرَةِ الطَّبِيعَةِ ما حُجِبَ عَنْهُما عِنْدَ التَّجَرُّدِ مِنَ الأُمُورِ الرَّذِيلَةِ الَّتِي هي عَوْراتٌ عِنْدَ العَقْلِ ﴿ وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ ﴾ أوْهَمَهُما أنَّ في الِاتِّصافِ بِالطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ لَذّاتًا مَلَكِيَّةً وخُلُودًا فِيها أوْ مُلْكًا ورِياسَةً عَلى القُوى بِغَيْرِ زَوالٍ إنْ قُرِئَ ( مَلِكَيْنِ ) بِكَسْرِ اللّامِ.
﴿ فَدَلاهُما ﴾ فَنَزَّلَهُما مِن غُرَفِ القُدُسِ إلى التَّعَلُّقِ بِها والرُّكُونِ إلَيْها ﴿ بِغُرُورٍ ﴾ بِما غَرَّهُما مِن كَأْسِ القَسَمِ المُتْرَعَةِ مِن حِمْيا ذِكْرِ الحَبِيبِ ﴿ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ﴾ والقَلِيلُ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما كَثِيرٌ ﴿ وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ ﴾ أيْ يَكْتُمانِ هاتِيكَ السَّوْآتِ والفَواحِشَ الطَّبِيعِيَّةَ بِالآدابِ الحَسَنَةِ والعاداتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي هي مِن تَفارِيعِ الآراءِ العَقْلِيَّةِ ومُسْتَنْبَطاتِ القُوَّةِ العاقِلَةِ العِلْمِيَّةِ ويُخْفِيانِها بِالحِيَلِ العَمَلِيَّةِ ﴿ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما ﴾ بِما أوْدَعْتُ في عُقُولِكُما مِنَ المَيْلِ إلى التَّجَرُّدِ وإدْراكِ المَعْقُولاتِ ﴿ عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ وذَلِكَ القَوْلُ بِما ألْهَمَ العَقْلَ مِن مُنافاةِ أحْكامِ الوَهْمِ ومُضادَّةِ مُدْرِكاتِهِ والوُقُوفِ عَلى مُخالَفاتِهِ ومُكابَراتِهِ إيّاهُ ﴿ قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ﴾ بِالمَيْلِ إلى جِهَةِ الطَّبِيعَةِ وانْطِفاءِ نُورِها وانْكِسارِ قُوَّتِها: ﴿ وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ﴾ بِإلْباسِنا الأنْوارَ الرُّوحانِيَّةَ وإفاضَتِها عَلَيْنا ﴿ وتَرْحَمْنا ﴾ بِإفاضَةِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ الَّذِينَ أتْلَفُوا الِاسْتِعْدادَ الَّذِي هو مادَّةُ السَّعادَةِ وحُرِمُوا عَنِ الكَمالِ التَّجَرُّدِيِّ بِمُلازَمَةِ النَّقْصِ الطَّبِيعِيِّ ﴿ قالَ اهْبِطُوا ﴾ إلى الجِهَةِ السُّفْلى الَّتِي هي العالَمُ الجُسْمانِيُّ ﴿ بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ لِأنَّ مَطالِبَ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ جُزْئِيَّةٌ لا تَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ فَكُلَّما حَظِيَ بِها أحَدٌ حُرِمَ مِنها غَيْرُهُ فَيَقَعُ بَيْنَهُما العَداوَةُ والبَغْضاءُ بِخِلافِ المَطالِبِ الكُلِّيَّةِ.
وجَمَعَ الخِطابَ لِأنَّهُ في قُوَّةِ خِطابِ النَّوْعِ ﴿ يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا ﴾ وهو لِباسُ الشَّرِيعَةِ ﴿ يُوارِي سَوْآتِكُمْ ﴾ يَسْتُرُ قَبائِحَ أوْصافِكم وفَواحِشَ أفْعالِكم بِشَعارِهِ ودِثارِهِ ﴿ ورِيشًا ﴾ زِينَةً وجَمالًا في الظّاهِرِ والباطِنِ تَمْتازُونَ بِهِ عَنْ سائِرِ الحَيَواناتِ ﴿ ولِباسُ التَّقْوى ﴾ أيْ صِفَةُ الوَرَعِ والحَذَرِ مِن صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ مِن سائِرِ أرْكانِ الشَّرائِعِ والحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّواءِ ويُقالُ: لِباسُ التَّقْوى هو لِباسُ القَلْبِ والرُّوحِ والسِّرُّ والخَفِيُّ ولِباسُ الأوَّلِ مِنها الصِّدْقُ في طَلَبِ المَوْلى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ الطَّمَعِ وما فِيها ولِباسُ الثّانِي مَحَبَّةُ ذِي المَجْدِ الأسْنى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ التَّعَلُّقِ بِالسُّوى ولِباسُ الثّالِثِ رُؤْيَةُ العَلِيِّ الأعْلى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ في الأُولى والأُخْرى ولِباسُ الرّابِعِ البَقاءُ بِهِوِيَّةِ ذِي القُدُسِ الأسْنى ويَتَوارى بِهِ سَوْءَةُ هَوِيَّةِ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ وما تَحْتَ الثَّرى قِيلَ: وهَذا إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ ورُبَّما يُقالُ: اللِّباسُ المُوارِي لِلسَّوْآتِ إشارَةٌ إلى الشَّرِيعَةِ والرِّيشُ إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ لِما أنَّ مَدارَها حُسْنُ الأخْلاقِ وبِذَلِكَ يَتَزَيَّنُ الإنْسانُ ولِباسُ التَّقْوى إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ لِما فِيها مِن تَرْكِ السُّوى وهو أكْمَلُ أنْواعِ التَّقْوى ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ لِباسُ التَّقْوى ﴿ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أنْوارِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ إذِ التَّوَقِّي مِن صِفاتِ النَّفْسِ لا يَتَيَسَّرُ إلّا بِظُهُورِ تَجَلِّياتِ صِفاتِ الحَقِّ أوْ إنْزالِ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ( لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ) عِنْدَ ظُهُورِ تِلْكَ الأنْوارِ لِباسَكُمُ الأصْلِيَّ النُّورِيَّ أوْ تَذَكَّرُونَ مَعْرِفَتَكم لَهُ عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ فَتَتَمَسَّكُونَ بِأذْيالِها اليَوْمَ ﴿ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ﴾ بِنَزْعِ لِباسِ الشَّرِيعَةِ والتَّقْوى فَتُحْرَمُوا مِن دُخُولِ الجَنَّةِ ﴿ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما ﴾ الفِطْرِيَّ النُّورِيَّ ﴿ إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾ وذَلِكَ بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ وقَدْ يُرَوْنَ بِواسِطَةِ النُّورِ الرَّبّانِيِّ.
﴿ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ ﴿ وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أيْ ذَواتَكم بِمَنعِها عَنِ المَيْلِ إلى أحَدِ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ أيْ مَقامِ سُجُودٍ أوْ وقْتِهِ والسُّجُودُ عِنْدَهم كَما قالَهُ البَعْضُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ سُجُودُ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِالإخْلاصِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى السُّوى ومُراعاةِ مُوافَقَةِ الأمْرِ وصِدْقِ النِّيَّةِ والِامْتِناعِ عَنِ المُخالَفَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ وسُجُودُ الفَناءِ في الأفْعالِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِأنْ لا يَرى مُؤَثِّرًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى أصْلًا وسُجُودُ الفَناءِ في الصِّفاتِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِأنْ لا يَكْرَهَ شَيْئًا مِن غَيْرِ أنْ يَمِيلَ إلى الإفْراطِ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ولا التَّفْرِيطِ بِالتَّسْخِيطِ عَلى المُخالِفِ والتَّعْيِيرِ لَهُ والِاسْتِخْفافِ بِهِ وسُجُودُ الفَناءِ في الذّاتِ وإقامَةُ الوَجْهِ عِنْدَهُ بِالغَيْبَةِ عَنِ البَقِيَّةِ والِانْطِماسِ بِالكُلِّيَّةِ والِامْتِناعِ عَنْ إثْباتِ الأنِيَّةِ والإثْنِينِيَّةِ فَلا يَطْغى بِحِجابِ الأنِيَّةِ ولا يَتَزَنْدَقُ بِالإباحَةِ وتَرْكِ الإطاعَةِ.
﴿ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ بِتَخْصِيصِ العَمَلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أوْ بِرُؤْيَةِ العَمَلِ مِنهُ أوْ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ كَما بَدَأكُمْ ﴾ أظْهَرَكم بِإفاضَةِ هَذِهِ التَّعَيُّناتِ عَلَيْكم ﴿ تَعُودُونَ ﴾ إلَيْهِ أوْ كَما بَدَأكم لُطْفًا أوْ قَهْرًا تَعُودُونَ إلَيْهِ فَيُعامِلُكم حَسْبَما بَدَأكم ﴿ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ﴾ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في عِلْمِهِ ﴿ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ ﴾ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الوَهْمِيَّةِ والتَّخَيُّلِيَّةِ ﴿ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ لِلْمُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ لِقُوَّةِ سُلْطانِ الوَهْمِ ﴿ يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ فَأخْلِصُوا العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وقُومُوا بِحَقِّ الرِّضا وتَمَكَّنُوا في التَّحَقُّقِ بِالحَقِيقَةِ ومُراعاةِ حُقُوقِ الِاسْتِقامَةِ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ ﴿ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا ﴾ بِالإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فَإنَّ العَدالَةَ صِراطُ اللَّهِ تَعالى المُسْتَقِيمُ.
﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ أيْ مَنَعَ عَنْها وقالَ: لا يُمْكِنُ التَّزَيُّنُ بِها ﴿ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴾ كَعُلُومِ الإخْلاصِ ومَقامِ التَّوَكُّلِ والرِّضا والتَّمْكِينِ ﴿ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الكُبْرى عَنِ التَّلَوُّنِ وظُهُورِ شَيْءٍ مِن بَقايا الأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ﴾ رَذائِلَ القُوَّةِ البَهِيمِيَّةِ ﴿ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ ﴾ رَذائِلَ القُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ ﴿ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ رَذائِلَ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن مَوانِعِ الزِّينَةِ ﴿ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ ﴾ يَنْتَهُونَ عِنْدَهُ إلى مَبْدَئِهِمْ ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ لِأنَّ وُقُوعَ ما يُخالِفُ العِلْمَ مُحالٌ ﴿ يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ مِن جِنْسِكم وقِيلَ: هي العُقُولُ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: التَّأْوِيلُ إمّا يَأْتِيَنَّكُمُ إلْهاماتٌ مِن طَرِيقِ قُلُوبِكم وأسْرارِكم وفِيهِ أنَّ بَنِي آدَمَ كُلَّهم مُسْتَعِدُّونَ لِإشاراتِ الحَقِّ وإلْهاماتِهِ ﴿ فَمَنِ اتَّقى ﴾ في الفَناءِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ عِنْدَ البَقاءِ ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِوُصُولِهِمْ إلى مَقامِ الوِلايَةِ ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أخْفَوْا صِفاتِنا بِصِفاتِ أنْفُسِهِمْ ﴿ واسْتَكْبَرُوا عَنْها ﴾ بِالِاتِّصافِ بِالرَّذائِلِ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ نارِ الحِرْمانِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِسُوءِ ما طُبِعُوا عَلَيْهِ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِأنْ قالَ: أكْرَمَنِي اللَّهُ تَعالى بِالكَراماتِ وهو الَّذِي بِالكَرى ماتَ ﴿ أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ﴾ بِأنْ أنْكَرَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الفائِزِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالحَظِّ الأوْفى ﴿ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ ﴾ مِمّا كُتِبَ لَهم في لَوْحِ القَضاءِ والقَدَرِ.
وقِيلَ: الكِتابُ الإنْسانُ الكامِلُ ونَصِيبُهم مِنهُ نَصِيبُ الغَرَضِ مِنَ السَّهْمِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ الدّالَّةِ عَلَيْنا ﴿ واسْتَكْبَرُوا عَنْها ﴾ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها لِوُقُوفِهِمْ مَعَ أنْفُسِهِمْ ﴿ لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ﴾ فَلا تَعْرُجُ أرْواحُهم إلى المَلَكُوتِ ﴿ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ أيْ جَنَّةَ المَعْرِفَةِ والمُشاهَدَةِ والقُرْبَةِ ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ ﴾ أيْ جَمَلُ أنْفُسِهِمُ المُسْتَكْبِرَةِ ﴿ فِي سَمِّ الخِياطِ ﴾ أيْ خِياطِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي بِهِ يُخاطُ ما شَقَّتْهُ يَدُ الشِّقاقِ: وسْمُهُ آدابُ الطَّرِيقَةِ لِأنَّها دَقِيقَةٌ جِدًّا وقَدْ يُقالُ: الخِياطُ إشارَةٌ إلى خِياطِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ وسْمُهُ ما يَلْزَمُهُ العَمَلُ بِهِ مِن ذَلِكَ ووُلُوجُ ذَلِكَ الجَمَلِ لا يُمْكِنُ مَعَ الِاسْتِكْبارِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ وتَرْكِ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الجَمَلُ أقَلَّ مِنَ البَعُوضَةِ بَلْ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرَةِ فَحِينَئِذٍ يَلِجُ في ذَلِكَ السَّمِّ ﴿ لَهم مِن جَهَنَّمَ ﴾ الحِرْمانِ ﴿ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ ﴾ أيْ أنَّ الحِرْمانَ أحاطَ بِهِمْ وقِيلَ: لَهم مِن جَهَنَّمَ المُجاهَدَةُ والرِّياضَةُ فِراشٌ ومِن فَوْقِهِمْ مِن مُخالَفاتِ النَّفْسِ وقَطْعِ الهَوى لِحافٌ فَتُذِيبُهم وتَحْرُقُ أنانِيَّتَهم ﴿ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ المَرْحُومُونَ ﴿ أصْحابَ النّارِ ﴾ المُحَرَّمُونَ ﴿ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا ﴾ مِنَ القُرْبِ ﴿ حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ ﴾ مِنَ البُعْدِ ﴿ حَقًّا ﴾ ﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ وهو مُؤَذِّنُ العِزَّةِ والعَظَمَةِ ﴿ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ ﴾ الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ ﴾ السّالِكِينَ ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ: يَصُدُّونَ القَلْبَ والرُّوحَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ ويَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ بِأنْ يَصِفُوها بِما يُنَفِّرُ السّالِكَ عَنْها مِنَ الزَّيْغِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ وقِيلَ: يَطْلُبُونَ صَرْفَ وُجُوهِهِمُ إلى الدُّنْيا وما فِيها ﴿ وهم بِالآخِرَةِ ﴾ أيِ الفَناءِ بِاللَّهِ تَعالى أوْ بِالقِيامَةِ الكُبْرى ﴿ كافِرُونَ ﴾ لِمَزِيدِ احْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ ﴿ وبَيْنَهُما ﴾ أيْ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وهي جَنَّةُ ثَوابِ الأعْمالِ مِنَ العِبادِ والزُّهّادِ وبَيْنَ أهْلِ النّارِ ﴿ حِجابٌ ﴾ فَكُلٌّ مِنهم مَحْجُوبٌ عَنْ صاحِبِهِ ﴿ وعَلى الأعْرافِ ﴾ أيْ أعالِي ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي هو حِجابُ القَلْبِ ﴿ رِجالٌ ﴾ وأيُّ رِجالٍ وهُمُ العُرَفاءُ أهْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وخاصَّتُهُ وقِيلَ: وإنَّما سُمُّوا رِجالًا لِأنَّهم يَتَصَرَّفُونَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فِيما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ تَصَرُّفَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ ولا يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ مِن ذَلِكَ ﴿ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ ﴾ لِما أُعْطُوا مِن نُورِ الفِراسَةِ ﴿ ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ ﴾ : أيْ جَنَّةِ ثَوابِ الأعْمالِ ﴿ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِهِ مِنَ الخَلاصِ مِنَ النّارِ وقِيلَ: إنَّ سَلامَهم عَلى أهْلِ الجَنَّةِ بِإمْدادِهِمْ بِأسْبابِ التَّزْكِيَةِ والتَّخْلِيَةِ والأنْوارِ القَلْبِيَّةِ وإفاضَةِ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ عَلَيْهِمْ ﴿ لَمْ يَدْخُلُوها ﴾ أيْ لَمْ يَدْخُلْ أُولَئِكَ الرِّجالُ الجَنَّةَ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمُ إلَيْها ﴿ وهم يَطْمَعُونَ ﴾ في كُلِّ وقْتٍ بِما هو أعْلى وأغْلى وقِيلَ: هم أيْ أهْلُ الجَنَّةِ يَطْمَعُونَ في دُخُولِ أُولَئِكَ الرِّجالِ لِيَقْتَبِسُوا مِن نُورِهِمْ ويَسْتَضِيئُوا بِأشِعَّةِ وُجُوهِهِمْ ويَسْتَأْنِسُوا بِحُضُورِهِمْ ﴿ وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ ﴾ لِيَعْتَبِرُوا ﴿ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ بِأنْ تَحْفَظَ قُلُوبَنا مِنَ الزَّيْغِ ﴿ ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا ﴾ مِن رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ وإطْلاقُ الرِّجالِ عَلَيْهِمْ وعَلى أصْحابِ الأعْرافِ كَإطْلاقِ المَسِيحِ عَلى الدَّجّالِ اللَّعِينِ وعَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أهَؤُلاءِ ﴾ إشارَةٌ إلى أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ ﴾ أيِ الحَياةِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها: ﴿ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيِ النَّعِيمِ الَّذِي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلَيْكم أوْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ العِلْمِ أوِ العَمَلِ لِنَنالَ بِهِ ما نِلْتُمْ ﴿ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما ﴾ في الأزَلِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ لَمّا كانُوا عَبِيدَ البُطُونِ حُرّاصًا عَلى الطَّعامِ والشَّرابِ فَماتُوا عَلى ما عاشُوا وحُشِرُوا وأُدْخِلُوا النّارَ عَلى ما ماتُوا طَلَبُوا الماءَ أوِ الطَّعامَ ﴿ ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ وهو النَّبِيُّ الجامِعُ لِكُلِّ شَيْءٍ والمُظْهِرُ الأعْظَمُ لَنا ﴿ فَصَّلْناهُ ﴾ أيْ أظْهَرْنا مِنهُ ما أظْهَرْنا ﴿ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ مِنهُ وإنْ كانَ مِن جِهَةٍ أُخْرى رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ أيْ ما يَؤُولُ إلَيْهِ عاقِبَةُ أمْرِهِ وقِيلَ: الكِتابُ الَّذِي فُصِّلَ عَلى عِلْمٍ إشارَةٌ إلى البَدَنِ الإنْسانِيِّ المُفَصَّلِ إلى أعْضاءِ وجَوارِحَ وآلاتٍ وحَواسَّ تَصْلُحُ لِلِاسْتِكْمالِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الإلَهِيُّ وتَأْوِيلُهُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ في العاقِبَةِ مِنَ الِانْقِلابِ إلّا ما لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ مِن هَيْئاتٍ وصُوَرٍ وأشْكالٍ تُناسِبُ صِفاتِهِمْ وعَقائِدَهم عَلى مُقْتَضى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ ﴾ وكَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ .
انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ المَذْكُورُ إشارَةً إلى الآفاقِ والأنْفُسِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ كُلُّ ظاهِرٍ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ <div class="verse-tafsir"
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قال: من سرعة ما انصرفوا كأنهم صرفوا، تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يعني: أنهم إذا نظروا قِبَلَ أصحاب النار أي تلقاء أصحاب النار قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي: مع الكافرين في النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يعني: في النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ في الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي ما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان.
وقرأ بعضهم وما كنتم تستكثرون.
يعني تجمعون المال الكثير.
وهي قراءة شاذة.
أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ يعني: أنّ أهل الأعراف يقولون: يا وليد ويا أبا جهل: أهؤلاء؟
يعني: صهيباً وبلالاً والضعفة من المسلمين الذين كنتم تحلفون لا ينالهم الله برحمة.
يعني: إنَّهم لا يدخلون الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
وعن أبي مجلز أنه قال: وعلى الأعراف رجال من الملائكة، نادوا أصحاب الجنة قبل أن يدخلوها سلام عليكم لم يدخلوها.
وهم يطمعون دخولها يعني: في الجنة.
وإذا نظروا إلى أصحاب النار حين مروا بهم قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من المشركين يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ يعني: لأهل الجنة.
قال مقاتل: فأقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم.
فقالت الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟.
ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة.
ويقال: إن أهل النار يقولون لأهل الأعراف: ما أغنى عنكم جمعكم وعملكم وأنتم والله تكونون معنا في النار ولا تدخلون الجنة؟.
فيقول الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم يعني، أصحاب الأعراف لا ينالهم الله برحمته.
ثم يقال: لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
قوله عز وجل: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي اسقونا من الماء أو شيئاً من الفواكه وثمار الجنة فإنّ فينا من معارفكم.
فعلم الله تعالى أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب.
فأجابهم أهل الجنة: قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ يعني: الماء والثمار.
وروي في الخبر أنَّ أبا جهل بن هشام بعث إلى النبيّ يستهزئ به: أطعمني من عنب جنتك أو شيئاً من الفواكه.
فقال لأبي بكر الصديق- -: «قُلْ لَهُ: إنَّ الله حَرَّمَهُما عَلَى الكَافِرِينَ» .
ثم وصفهم عز وجل فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً أي: اتخذوا الإسلام باطلاً ودخلوا في غير دين الإسلام.
ويقال: اتخذوا عبداً لهواً وفرحاً.
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: غرّهم ما أصابهم من زينة الدنيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم في النار كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا أي: كما تركوا العمل ليومهم هذا.
ويقال: كما تركوا الإيمان ليومهم هذا يعني: أنكروا البعث وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بجحدهم بآياتنا بأنها ليست من عند الله تعالى- قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ أي: أكرمناهم بالقرآن فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ يعني: بيّنا فيه الآيات، الحلال والحرام عَلى عِلْمٍ أي: بعلم منا هُدىً يعني: بياناً من الضلالة.
ويقال: جعلناه هادياً.
وَرَحْمَةً أي: نعمة ونجاة من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: لمن آمن وصدق به.
يعني: أكرمناهم بهذا الكتاب فلم يؤمنوا ولم يصدقوا.
وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين يهتدون به ويستوجبون به الرحمة.
ثم قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ عاقبة ما وعدهم الله.
وهو يوم القيامة.
يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ يقول: الذين تركوا العمل والإيمان مِنْ قَبْلُ يعني: في الدنيا قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وذلك أنهم حين عاينوا العذاب، وذكروا قول الرسل، وندموا على تكذيبهم إياهم.
يقولون: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ.
أي بأمر البعث فكذبناهم فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا لأنهم يرون الشفعاء يشفعون للمؤمنين، فيقال لهم: ليس لكم شفيع.
فيقولون: أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي: هل نرد إلى الدنيا فنصدق الرسل ونعمل غير الشرك فَنَعْمَلَ صار نصباً لأنه جواب الاستفهام، وجواب الاستفهام إذا كان بالفاء فهو نصب.
وكذلك جواب الأمر والنهي.
يقول الله تعالى: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: قد غبنوا حظ أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يكذبون بأن الآلهة شفعاؤهم عند الله.
قوله: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي: أبصار أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها، قالوا: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قاله ابن عباس «١» ، وجماعة من العلماء.
وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يريد من أهل النار.
مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ «ما» استفهام بمعنى التَقْرِيرِ، والتوبيخ، و «ما» الثانية مصدرية، و «جمعكم» لفظ يعم المال والأَجْنَادَ والخَوَلَ.
وقوله سبحانه: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أهل الأعراف هم القائلون: «أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى: أهؤلاء الضُّعَفَاء في الدنيا الذين حَلَفْتُمْ أن اللَّه لا يعبؤبهم، قيل لهم: ادخلوا الجنة.
وقال النقاش: اقسم أهْلُ النَّارِ أن أصحاب الأعراف داخلون النَّارَ «٢» معهم، فنادتهم المَلاَئِكَةُ: أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأَعْرَافِ: ادخلوا الجنة.
وقرأ عكرمة «٣» : «دخلوا الجَنَّة» على الإخبار بفعل ماض.
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ...
الآية: لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجنّة يسمعون نداءهم،
وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر.
وروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم.
وقوله سبحانه: أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إشارة إِلى الطعام.
قاله السدي «١» .
فيقول لهم أهل الجنة: إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى.
ومعنى قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء.
بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام.
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى.
وقوله: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ هو من إخبار اللَّه عز وجل عما يَفْعَلُ بهم والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي: نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر/ للقاء هذا اليوم.
قاله ابن عباس «٢» وجماعة.
«وما كانوا» عطف على «ما» من قوله: «كما نسوا» ، ويحتمل أن تقدر «ما» الثانية زائدة، ويكون قوله: و «كانوا» عَطْفاً على قوله: «نسوا» .
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ الضمير في جِئْناهُمْ لمن تَقَدَّم ذكره، و «الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قَسَم.
وقال يحيى بن سلام: بل الكلام تَمَّ في يَجْحَدُونَ، وهذا الضمير لمكذبي نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٣» وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، وعَلى عِلْمٍ معناه: على بَصِيرَةٍ.
وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ، أي مآله وعاقبته يوم القيامة.
قاله ابن عباس «٤» وغيره.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَصْدِيقُ ما وعَدُوا في القُرْآَنِ.
﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ ﴾ أيْ: تَرَكُوهُ "مِن قَبْلُ" في الدُّنْيا قَدْ ﴿ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نُرَدُّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أوْ هَلْ نُرَدُّ.
وقَوْلُهُ: فَنَعْمَلُ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ الفاءِ لَلِاسْتِفْهامِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلَهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ "يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلتَّأْوِيلُ" - في هَذا المَوْضِعِ - بِمَعْنى: "اَلْمَآلُ"؛ و"اَلْعاقِبَةُ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَأْوِيلَهُ": مَآلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: ذَلِكَ في الدُنْيا؛ وقْعَةُ بَدْرٍ وغَيْرُها؛ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا؛ والمُرادُ: "هَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ إلّا مَآلَ الحالِ في هَذا الدِينِ؛ وما دُعُوا إلَيْهِ؛ وما صَدُّوهم عنهُ؛ وهم يَعْتَقِدُونَ مَآلَهُ جَمِيلًا لَهُمْ"؛ فَأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَآلَهُ يَوْمَ يَأْتِي يَقَعُ مَعَهُ نَدَمُهُمْ؛ ويَقُولُونَ تَأسُّفًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ: لَقَدْ صَدَقَتِ الرُسُلُ وجاؤُوا بِالحَقِّ؛ فالتَأْوِيلُ - عَلى هَذا - مَأْخُوذٌ مِن: "آلَ؛ يَؤُولُ"؛ وقالَ الخَطابِيُّ: "أوَّلْتُ الشَيْءَ": رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ؛ فاللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "اَلْأوَّلُ"؛ حَكاهُ النَقّاشُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ قِيلَ: "أوَّلْتُ"؛ مَعْناهُ: طَلَبْتُ أوَّلَ الوُجُوهِ؛ والمَعانِي.
و"نَسُوهُ"؛ في الآيَةِ؛ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ النِسْيانُ مِن أوَّلِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ.
ويُقِرُّونَ بِالحَقِّ ويَسْتَفْهِمُونَ عن وُجُوهِ الخَلاصِ في وقْتٍ لا مُسْتَعْتَبَ لَهم فِيهِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أو نُرَدُّ"؛ بِرَفْعِ الفِعْلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "أو هَلْ نُرَدُّ؟"؛ وبِنَصْبِ "فَنَعْمَلَ"؛ في جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أو نُرَدُّ فَنَعْمَلُ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ عَلى عَطْفِ "نَعْمَلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وأبُو حَيْوَةَ: "أو نُرَدَّ فَنَعْمَلُ"؛ ونَصْبُ "نُرَدَّ"؛ في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "فَيَشْفَعُوا"؛ وإمّا بِما حَكاهُ الفَرّاءُ مِن أنَّ "أو"؛ تَكُونُ بِمَعْنى "حَتّى"؛ كَنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: .................
∗∗∗..........أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا ويَجِيءُ المَعْنى أنَّ الشَفاعَةَ تَكُونُ في أنْ يُرَدُّوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَسارَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ واضْمِحْلالِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللهِ تَعالى وكَذِبِهِمْ في جَعْلِ الأصْنامِ آلِهَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ خِطابٌ عامَّ يَقْتَضِي التَوْحِيدَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ بِدَلائِلِهِ؛ و"اَلرَّبُّ"؛ أصْلُهُ في اللُغَةِ: اَلْمُصْلِحُ؛ مِن "رَبَّ؛ يُرَبُّ"؛ وهو يَجْمَعُ في جِهَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعالى "اَلْمالِكُ"؛ و"اَلسَّيِّدُ"؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ؛ ولا يُقالُ: "اَلرَّبُّ"؛ مُعَرَّفًا؛ إلّا لِلَّهِ تَعالى ؛ وإنَّما يُقالُ في البَشَرِ بِإضافَةٍ؛ ورَوى بَكّارُ بْنُ الشُقَيْرِ: "إنَّ رَبَّكُمُ اللهَ"؛ بِنَصْبِ الهاءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ؛ حَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّ اليَوْمَ كَألْفِ سَنَةٍ؛ وهَذا كُلُّهُ والساعَةُ اليَسِيرَةُ سَواءٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ؛ وأمّا وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَمِمّا انْفَرَدَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِلْمِهِ؛ كَسائِرِ أحْوالِ الشَرائِعِ؛ وما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن أرادَ أنْ يُوَجِّهَ هَذا - كالمَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ - تَخَرُّصٌ؛ وجاءَ في التَفْسِيرِ؛ وفي الأحادِيثِ؛ أنَّ اللهَ تَعالى ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ الأحَدِ؛ وكَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ثُمَّ بَقِيَ دُونَ خَلْقٍ يَوْمَ السَبْتِ؛ ومِن ذَلِكَ اخْتارَتْهُ اليَهُودُ لِراحَتِها؛ وعَلى هَذا تَوالَتْ تَفاسِيرُ الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ؛ ولِلْيَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللهُ تَعالى - في هَذا كَلامُ سُوءٍ - تَعالى اللهُ عَمّا يَصِفُونَ.
وَوَقَعَ حَدِيثٌ في كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ ؛ في كِتابِ "اَلدَّلائِلُ"؛ لِثابِتٍ السَرَقُسْطِيِّ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ في "اَلْهِدايَةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ ؛ مَعْناهُ عِنْدَ أبِي المَعالِي؛ وغَيْرِهِ مِن حُذّاقِ المُتَكَلِّمِينَ: "بِالمُلْكِ والسُلْطانِ"؛ وخُصَّ العَرْشُ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ؛ وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ "اِسْتِواءً".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والعَرْشُ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ؛ جِسْمٌ ما؛ هَذا الَّذِي قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وبَلَغَنِي عن أبِي الفُضَيْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: اَلْعَرْشُ: مَصْدَرُ "عَرَشَ؛ يَعْرِشُ؛ عَرْشًا"؛ والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خُرُوجٌ كَثِيرٌ عن ما فُهِمَ مِنَ العَرْشِ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يُغْشِي"؛ مِن "أغْشى"؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يُغَشِّي"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ مِن "غَشّى"؛ وهُما طَرِيقانِ في تَعْدِيَةِ "غَشى"؛ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَغْشى"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والشِينِ؛ ونَصْبِ "اَللَّيْلَ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّهارُ"؛ كَذا قالَ أبُو الفَتْحِ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِرَفْعِ "اَللَّيْلُ"؛ ونَصْبِ "اَلنَّهارَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ.
وَ"حَثِيثًا"؛ مَعْناهُ: سَرِيعًا؛ و ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ ؛ حالٌ مِن "اَللَّيْلَ"؛ بِحَسَبِ اللَفْظِ؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ومِن "اَلنَّهارَ"؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ حُمَيْدٍ؛ فَمِن "اَلنَّهارَ"؛ في الوَجْهَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ "تَحْمِلُهُ"؛ حالًا مِنها؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما؛ و"مُسَخَّراتٍ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ في جَمِيعِها؛ ونَصَبَ الباقُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "والشَمْسَ والقَمَرَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ"؛ بِالرَفْعِ.
و"ألا"؛ اِسْتِفْتاحُ كَلامٍ؛ فاسْتَفْتَحَ بِها؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ هَذا الخَبَرَ الصادِقَ المُرْشِدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأخَذَ المُفَسِّرُونَ "اَلْخَلْقُ"؛ بِمَعْنى: اَلْمَخْلُوقاتُ؛ أيْ: "هِيَ لَهُ كُلُّها؛ ومِلْكُهُ واخْتِراعُهُ"؛ وأخَذُوا "اَلْأمْرُ"؛ مَصْدَرًا مِن "أمَرَ؛ يَأْمُرُ"؛ وعَلى هَذا قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: إنَّ الآيَةَ تَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِخَلْقِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيها بَيْنَ المَخْلُوقاتِ؛ وبَيْنَ الأمْرِ؛ إذْ "والأمْرُ"؛ كَلامُهُ - عَزَّ وجَلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ تُؤْخَذَ لَفْظَةُ "اَلْخَلْقُ"؛ عَلى المَصْدَرِ مِن "خَلَقَ؛ يَخْلُقُ؛ خَلْقًا"؛ أيْ: "لَهُ هَذِهِ الصِفَةُ؛ إذْ هو المُوجِدُ لِلْأشْياءِ بَعْدَ العَدَمِ"؛ ويُؤْخَذَ "والأمْرُ" عَلى أنَّهُ واحِدُ "اَلْأُمُورُ"؛ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴾ ؛ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ؛ فَإذا أُخِذَتِ اللَفْظَتانِ هَكَذا؛ خَرَجَتا عن مَسْألَةِ الكَلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ "خَلَقَ"؛ و"بِأمْرِهِ"؛ تَأكَّدَ في آخِرِهِ أنَّ لَهُ الخَلْقَ والأمْرَ المُصَدَّرَيْنِ حَسَبَ تَقَدُّمِهِما؛ وكَيْفَما تَأوَّلْتَ الآيَةَ فالجَمِيعُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - جَعَلَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ شَيْئًا مِنَ الأمْرِ فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ ".» قالَ النَقّاشُ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى الإنْسانَ في القُرْآنِ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ في جَمِيعِها أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وذَكَرَ القُرْآنَ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا؛ لَيْسَ في واحِدٍ مِنها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ؛ وقالَ الشَعْبِيُّ: "اَلْخَلْقُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا؛ و"اَلْأمْرُ"؛ عِبارَةٌ عَنِ الآخِرَةِ؛ و"تَبارَكَ"؛ لا يُتَصَرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ؛ لا يُقالُ مِنهُ "يَتَبارَكُ"؛ وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ لِأهْلِ اللِسانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّ "تَبارَكَ"؛ لَمّا لَمْ يُوصَفْ بِها غَيْرُ اللهِ تَعالى ؛ لَمْ تَقْتَضِ مُسْتَقْبَلًا؛ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ تَبارَكَ في الأزَلِ؛ وقَدْ غَلِطَ بِها أبُو عَلِيٍّ القالِي؛ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ المُسْتَقْبَلُ مِن "تَبارَكَ"؟
فَقالَ: "يَتَبارَكُ"؛ فَوَقَفَ عَلى أنَّ العَرَبَ لَمْ تَقُلْهُ؛ و"اَلرَّبُّ": اَلسَّيِّدُ المُصْلِحُ؛ و"اَلْعالَمِينَ"؛ جَمْعُ "عالَمٌ".
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ مستأنفة استينافاً بيانياً، لأنّ قوله: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ يثير سؤال من يسأل: فماذا يؤخّرهم عن التّصديق بهذا الكتاب الموصوف بتلك الصّفات؟
وهل أعظم منه آية على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم فكان قوله: ﴿ هل ينظرون ﴾ كالجواب عن هذا السّؤال، الذي يجيش في نفس السّامع.
والاستفهام إنكاري ولذلك جاء بعده الاستثناء.
ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ ينتظرون من النّظرة بمعنى الانتظار، والاستثناء من عموم الأشياء المنتظرات، والمراد المنتَظرات من هذا النّوع وهو الآيات، أي ما ينتظرون آية أعظم إلاّ تأويل الكتاب، أي إلاّ ظهور ما تَوَعدَّهم به، وإطلاق الانتظار هنا استعارة تهكميّة: شبه حال تمهّلهم إلى الوقت الذي سيحلّ عليهم فيه ما أوعدهم به القرآن بحال المنتظرين، وهم ليسوا بمنتظرين ذلك إذ هم جاحدون وقوعه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ﴾ [محمد: 18] وقوله ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ [يونس: 102] والاستثناء على حقيقته وليس من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه لأنّ المجاز في فعل ﴿ ينظرون ﴾ فقط.
والقصر إضافي، أي بالنّسبة إلى غير ذلك من أغراض نسيانهم وجحودهم بالآيات، وقد مضى القول في نظير هذا التّركيب عند قوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ﴾ في سورة الأنعام (158).
والتّأويل توضيحُ وتفسير ما خفي، من مقصد كلام أوْ فعل، وتحقيقه، قال تعالى: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ [الكهف: 78] وقال: ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ [يوسف: 100] وقال: ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلاً ﴾ [النساء: 59] وقد تقدّم اشتقاقه ومعناه في المقدّمة الأولى من مقدّمات هذا التّفسير.
وضمير ﴿ تأويله ﴾ عائد إلى (كتابٍ) من قوله: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ﴾ [الأعراف: 52].
وتأويله وضوح معنى ما عَدّوه محالا وكذباً، من البعث والجزاء ورسالة رسول من الله تعالى ووحدانية الإله والعقاب، فذلك تأويل ما جاء به الكتاب أي تحقيقه ووضوحه بالمشاهدة، وما بعد العّيان بيان.
وقد بيّنتْه جملة ﴿ يوم يأتي تأويله يقول ﴾ إلخ، فلذلك فصلت، لأنّها تتنزل من التي قبلها منزّلة البيان للمراد من تأويله، وهو التأويل الذي سيظهر يوم القيامة، فالمراد باليوم يوم القيامة، بدليل تعلّقه بقوله: ﴿ يقول الذين نسوه من قبل ﴾ الآية فإنّهم لا يعلمون ذلك ولا يقولونه إلاّ يوم القيامة.
وإتيان تأويله مجازٌ في ظهوره وتبيّنِه بعلاقة لزوم ذلك للإتيان.
والتّأويل مراد به ما به ظهور الأشياء الدّالة على صدق القرآن.
فيما أخبرهم وما توعّدهم.
و ﴿ الذين نسوه ﴾ هم المشركون، وهم معاد ضمير ﴿ ينظرون ﴾ فكان مقتضى الظّاهر أن يقال: يقُولون، إلاّ أنّه أظهر بالموصولية لقصد التّسجيل عليهم بأنّهم نسُوه وأعرضوا عنه وأنكروه، تسجيلاً مراداً به التّنبيه على خطئِهم والنَّعي عليهم بأنّهم يجرّون بإعراضهم سوء العاقبه لأنفسهم.
والنّسيان مستعمل في الإعراض والصدّ، كما تقدّم في قوله: ﴿ كما نسوا لقاء يومهم هذا ﴾ [الأعراف: 51] والمضاف إليه المقدّرُ المنبيء عنه بناءُ (قبلُ) على الضم: هو التّأويلُ، أو اليوم، أي من قبل تأويله، أو من قبل ذلك اليوم، أي في الدّنيا.
والقول هنا كناية عن العلم والاعتقاد، لأنّ الأصل في الأخبار مطابقتها لاعتقاد المخبر، أي يتبيّن لهم الحقّ ويصرّحون به.
وهذا القول يقوله بعضهم لبعض اعترافاً بخطئهم في تكذيبهم الرّسول صلى الله عليه وسلم وما أخبر به عن الرّسل من قبله، ولذلك جمع الرّسل هنا، مع أنّ الحديث عن المكذّبين محمّداً صلى الله عليه وسلم وذلك لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم الأمثال بالرّسل السابقين، وهم لما كذّبوه جرَّأهم تكذيبه على إنكار بعثة الرّسل إذ قالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91] أو لأنّهم مشاهدون يومئذ ما هو عقاب الأمم السّابقة على تكذيب رسلهم، فيصدر عنهم ذلك القول عن تأثّر بجميع ما شاهدوه من التّهديد الشّامل لهم ولمن عداهم من الأمم.
وقولهم: ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ خبر مستعمل في الإقرار بخطَئهم في تكذيب الرّسل، وإنشاء للحسرة على ذلك، وإبداء الحيرة فيما ذا يَصْنعون.
ولذلك رتّبوا عليه وفرعوا بالفاء قولهم: ﴿ فهل لنا من شفعاء ﴾ إلى آخره.
والاستفهام يجوز أن يكون حقيقياً يقوله بعضهم لبعض، لَعلّ أحدهم يرشدهم إلى مخلص لهم من تلك الورطة، وهذا القول يقولونه في ابتداء رؤية ما يهدّدهم قبل أن يوقنوا بانتفاء الشّفعاء المحكي عنهم في قوله تعالى: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ [الشعراء: 100، 101] ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملاً في التّمني، ويجوز أن يكون مستعملاً في النّفي.
على معنى التّحسّر والتّندم.
و ﴿ من ﴾ زائدة للتّوكيد.
على جميع التّقادير.
فتفيد توكيد العموم في المستفهم عنه، ليفيد أنّهم لا يسألون عمن توهموهم شفعاء من أصنامهم، إذ قد يئسوا منهم.
كما قال تعالى: ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ﴾ [الأعراف: 94] بل هم يتساءلون عن أي شفيع يشفع لهم.
ولو يكون الرّسول عليه الصّلاة والسّلام الذي ناصبوه العَداء في الحياة الدّنيا.
ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمن (11) ﴿ فهل إلى خروج من سبيل.
﴾ وانتصب ﴿ فيشفعوا ﴾ على جواب الاستفهام، أو التّمنّي، أو النّفي.
«والشفعاء» جمع شفيع وهو الذي يسعى بالشّفاعة، وهم يُسمّون أصنامهم شفعاء قال تعالى: ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18].
وتقدّم معنى الشّفاعة عند قوله تعالى: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ﴾ في سورة البقرة (48).
وعند قوله: ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ في سورة البقرة (254) وعند قوله: ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ في سورة النّساء (85).
وعطف فعل نرد} ب (أو) على مدخول الاستفهام، فيكون الاستفهام عن أحد الأمرين، لأنّ أحدهما لا يجتمع مع الآخر، فإذا حصلت الشّفاعة فلا حاجة إلى الردّ، وإذا حصل الردّ استغني عن الشّفاعة.
وإذ كانت جملة ﴿ لنا من شفعاء ﴾ واقعة في حيز الاستفهام، فالتي عطفت عليها تكون واقعة في حيز الاستفهام، فلذلك تعين رفع الفعل المضارع في القراءات المشهورة، ورفعه بتجّرده عن عامل النّصب وعامل الجزم، فوقع موقع الاسم كما قدّره الزمخشري تبعاً للفراء، فهو مرفوع بنفسه من غير احتياج إلى تأويل الجملة التي قبله، بردّها إلى جملة فعليّة، بتقدير: هل يشفع لنا شفعاء كما قدّره الزّجاج، لعدم المُلجئ إلى ذلك، ولذلك انتصب: ﴿ فنعمل ﴾ في جواب ﴿ نرد ﴾ كما انتصب ﴿ فيشفعوا ﴾ في جواب ﴿ فهل لنا من شفعاء ﴾ .
والمراد بالعمل في قولهم: ﴿ فنعمل ﴾ ما يشمل الاعتقاد، وهو الأهم، مثل اعتقاد الوحدانيّه والبعث وتصديق الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، لأنّ الاعتقاد عمل القلب، ولأنّه تترتّب عليه آثار عمليّة، من أقوال وأفعال وامتثال.
والمراد بالصّلة في قوله: ﴿ الذي كنا نعمل ﴾ ما كانوا يعملونه من أمور الدين بقرينة سياق قولهم: وجملة: قد خسروا أنفسهم} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تذييلاً وخلاصة لقصّتهم، أي فكان حاصل أمرهم أنّهم خسروا أنفسهم من الآن وضلّ عنهم ما كانوا يفترون.
والخسارة مستعارة لعدم الانتفاع بما يرجى منه النّفع، وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ في سورة الأنعام، (12) وقوله: ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ في أوّل هذه السّورة (9).
والمعنى: أنّ ما أقحموا فيه نفوسهم من الشّرك والتّكذيب قد تبيّن أنّه مفض بهم إلى تحقّق الوعيد فيهم، يوم يأتي تأويل ما توعّدهم به القرآن، فبذلك تحقّق أنّهم خسروا أنفسهم من الآن، وإن كانوا لا يشعرون.
وأما قوله: وضل عنهم ما كانوا يفترون } فالضّلال مستعار للعدم طريقة التّهكّم شبه عدم شفعائهم المزعومين بضلال الإبل عن أربابها تهكّماً عليهم، وهذا التّهكّم منظور فيه إلى محاكاة ظنّهم يوم القيامة المحكي عنهم في قوله قبل ﴿ قالوا ضلوا عنا ﴾ [الأعراف: 37].
و (مَا) من قوله: ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ موصولة، ما صْدَقها الشّفعاء الذين كانوا يدعونهم من دون الله.
وحُذف عائد الصّلة المنصوب، أي ما كانوا يفترونه، أي يَكْذِبونه إذ يقولون ﴿ هؤلاء شفعاؤنا ﴾ [يونس: 18]، وهم جماد لاحظَّ لهم في شؤون العقلاء حتى يشفعوا، فهم قد ضلوا عنهم من الآن ولذلك عبّر بالمضي لأنّ الضّلال المستعار للعدم متحقّق من ماضي الأزمنة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَيَّنّا ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ عَلى عِلْمٍ بِالمَصْلَحَةِ.
والثّانِي: مَيَّزْنا بِهِ الهُدى مِنَ الضَّلالَةِ عَلى عِلْمٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الهُدى البُرْهانُ.
والثّانِي: أنَّ الهُدى الإرْشادُ، والرَّحْمَةَ: اللُّطْفُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ أيْ هَلْ يَنْظُرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الِانْتِظارِ بِالنَّظَرِ، ﴿ إلا تَأْوِيلَهُ ﴾ أيْ تَأْوِيلَ القُرْآنِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عاقِبَتُهُ مِنَ الجَزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والحِسابِ.
﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القَضاءُ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: عاقِبَةُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ الكَلْبِيُّ.
﴿ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْنى نَسُوهُ أعْرَضُوا عَنْهُ فَصارَ كالمَنسِيِّ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.
والثّانِي: تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْبِياءُ اللَّهِ في الدُّنْيا بِكُتُبِهِ المُنْذِرَةِ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ عِنْدَ المُعايَنَةِ بِما بَشَّرُوهم بِهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ قال: عاقبته.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يأتي تأويله ﴾ قال: جزاؤه ﴿ يقول الذين نسوه من قبل ﴾ أعرضوا عنه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يأتي تأويله ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ يوم يأتي تأويله ﴾ قال: عواقبه مثل وقعة بدر والقيامة وما وعد فيه من موعد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في الآية قال: لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة، حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ، ففي ذلك أنزل ﴿ يوم يأتي تأويله ﴾ حيث أثاب الله أولياءه وأعداءه ثواب أعمالهم.
يقول يومئذ ﴿ الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ يوم يأتي تأويله ﴾ قال: تحقيقه.
وقرأ ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ [ يوسف: 100] قال: هذا تحقيقها، وقرأ ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ [ آل عمران: 7] قال: ما يعلم تحقيقه إلا الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يكذبون في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يشركون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾ ، النظر هاهنا بمعنى: الانتظار (١) (٢) ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ ، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم في منزلة المنتظر كأنهم ينتظرون ذلك لأنهم يأتيهم لا محالة، وفيه وجه آخر ذكرناه في قوله: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ في آخر سورة الأنعام.
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾ .
قال الفراء: (الهاء في ﴿ تَأْوِيلَهُ ﴾ للكتاب يريد: عاقبته وما وعد الله فيه) (٣) وقال مقاتل (٤) ﴿ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾ عاقبة ما وعدوا] (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: يوم القيامة) (٩) قال الزجاج: ( ﴿ يَوْمَ ﴾ نصب بقوله ﴿ يَقُولُ ﴾ (١٠) (١١) ﴿ الَّذِينَ نَسُوهُ ﴾ معناه (١٢) ﴿ نَسُوهُ ﴾ تركوا (١٣) (١٤) ﴿ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ أَوْ نُرَدُّ ﴾ نسق على قوله: ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ ﴾ ، كأنه قيل: هل يشفع لنا شافع، أو هل نرد ﴿ فَنَعْمَلَ ﴾ ، منصوب على جواب الاستفهام [بالفاء (١٥) (١٦) ﴿ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ نوحد الله قاله ابن عباس (١٧) قال الله تعالى (١٨) ﴿ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: قد خسروا النعيم (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ، يريد: سقط عنهم ما كانوا (٢٢) (٢٣) (١) النَّظَر: تقليب البَصَرِ والبَصيرة لإدراك الشيء وتأمله ورؤيته، والنَّظَر: الانتظار يقال: نَظَرْتُه أي انتظَرْتْه، وأَنْظَرْتُه - أخَّرْتُه.
انظر: "الجمهرة" 2/ 763، و"تهذيب اللغة" 4/ 3604، و"الصحاح" 5/ 380، و"المجمل" 3/ 873، و"مقاييس اللغة" 5/ 444، و"المفردات" ص 813، و"اللسان" 7/ 4466 (نظر).
(٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 126ب.
(٣) "معاني الفراء" 1/ 380، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 216، و"تفسير غريب القرآن" ص 178.
(٤) "تفسير مقاتل" 2/ 40، وقال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 616 (في معناه قولان: أحدهما: هل ينظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب، والقول الآخر: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾ من النظر إلى يوم القيامة) اهـ.
وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 341، والطبري 8/ 204، و"معاني النحاس" 3/ 41 - 42، والسمرقندي 1/ 545، والماوردي 2/ 228.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦) في النسخ: (ومعنى) والأولى (ومضى).
(٧) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 175 أ.
(٨) انظر: "البسيط" نسخة جستربتي 2/ 4 أ.
(٩) أخرجه الطبري 8/ 204، وابن أبي حاتم 5/ 1494 بسند ضعيف، وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 217 - 218 (فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله، والجنة والنار ويسمى تعبير الرؤيا تأويلًا بالاعتبارين، فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه، فتأويل ما أخبرت به الرسل == هو مجيء حقيقته ورؤيتها عيانًا ومنه تأويل الرؤيا وهو حقيقتها الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال) اهـ.
(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 341، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 616، و"المشكل" 1/ 293، و"البيان" 1/ 364، و"التبيان" ص 378، و"الفريد" 2/ 310، و"الدر المصون" 5/ 337 وكلهم على أنه منصوب على الظرف والعامل فيه ﴿ يَقُولُ ﴾ .
(١١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١٢) في (ب): (معنا)، وهو تحريف.
(١٣) في (ب): (تركوه العمل)، وهو تحريف.
(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 341 - 342، وانظر: الطبري 8/ 204، و"معاني النحاس" 3/ 42، والسمرقندي 1/ 545، والماوردي 2/ 229.
(١٥) لفظ: (بالفاء) ساقط من (ب).
(١٦) هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 342 وهو المشهور، وقول الجمهور: (فتكون جملة ﴿ أَوْ نُرَدُّ ﴾ معطوفة على جملة ﴿ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ ﴾ داخلة معها في حكم الاستفهام.
انظر: "معاني الفراء" 1/ 380، والأخفش 2/ 300، و"تفسير الطبري" 12/ 205، و"إعراب النحاس" 1/ 616، و"المشكل" 1/ 293، و"البيان" 1/ 364، و"التبيان" ص 378، و"الفريد" 2/ 310، و"البحر" 4/ 306، و"الدر المصون" 5/ 337.
(١٧) "تنوير المقباس" 2/ 99 وفيه: (فنؤمن ونعمل غير الذي كنا نعمل في الشرك) اهـ.
(١٨) في (ب) تكرار قال الله تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
(١٩) في (ب): (خسروا النعيم)، وهو تصحيف.
(٢٠) "تنوير المقباس" 2/ 9: وفيه (غبنوا أنفسهم بذهاب الجنة ولزوم النار) اهـ.
(٢١) انظر: معنى الخسران في "البسيط" البقرة: 27.
(٢٢) في (ب) تكرار: (يريد سقط عنهم ما كانوا يفترون يريد سقط عنهم ما كانوا يقولون ...) (٢٣) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 205، والسمرقندي 1/ 545، والبغوي 3/ 235.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ أي من كان صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخواناً أحباباً، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة كقوله: ﴿ ونادى أَصْحَابُ الجنة ﴾ ، ﴿ ونادى أَصْحَابُ الأعراف ﴾ ﴿ ونادى أَصْحَابُ النار ﴾ ، وغير ذلك ﴿ هَدَانَا لهذا ﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿ أَن تِلْكُمُ الجنة ﴾ و ﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا ﴾ ، ﴿ أَن لَّعْنَةُ الله ﴾ و ﴿ أَن سلام ﴾ : يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميراً أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ﴿ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾ حُذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ [يوسف: 70] أي أعلم معلم وهو ملك ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ﴾ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ﴾ [الحديد: 13] ﴿ الأعراف ﴾ .
قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة ﴿ رِجَالٌ ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بسيماهم ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿ وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿ جَمْعُكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي استكبارهم على النار أو استكبارهم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: ﴿ مَآ أغنى ﴾ استفهامية أو نافية ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطاباً لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطاباً لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ خطاباً لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطاباً لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء ﴾ دليل على أن الجنة فوق النار ﴿ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ من سائر الأطعمة والأشربة ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم ﴿ كَمَا نَسُواْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَمَا كَانُواْ ﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿ جئناهم بكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ فصلناه على عِلْمٍ ﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ﴾ أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ نعم ﴾ بكسر العين حيث كان: علي.
الباقون بالفتح ﴿ مؤذن ﴾ بغير همز: النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف.
﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الباقون: مشددة وبالنصب.
الوقوف: ﴿ حقاً ﴾ ج لانتهاء الاستفهام.
﴿ نعم ﴾ ج للعطف مع الابتداء بالتأذين.
﴿ على الظالمين ﴾ ه لا لأن "الذين" صفتهم ﴿ عوجاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال ﴿ كافرون ﴾ ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجزأن يكون حالاً ﴿ حجاب ﴾ ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين ﴿ بسيماهم ﴾ ط ﴿ يطمعون ﴾ ه ﴿ أصحاب النار ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذاً" ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ تستكبرون ﴾ ه ﴿ برحمة ﴾ ط لتناهي الاستفهام والأقسام ﴿ تحزنون ﴾ ه ﴿ رزقكم الله ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الحياة الدنيا ﴾ ج للابتداء مع فاء التعقيب ﴿ هذا ﴾ لا "وما" مصدرية كما في ﴿ كما نسوا ﴾ والتقدير ننساهم كنسيانهم وجحودهم ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إلا تأويله ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء للتعقيب ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: ﴿ ونادى ﴾ وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي.
والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض.
ومع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء؟
وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب.
وهذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار.
و"أن" في ﴿ إن قد وجدنا ﴾ مفسرة أو مخففة من الثقيلة كما مر في قوله: ﴿ أن تلكم الجنة ﴾ وكذا قوله: ﴿ أن لعنة الله ﴾ لأن النداء والتأذين في معنى القول: قال ابن عباس: ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا ﴾ في الدنيا من الثواب ﴿ حقاً ﴾ صحيحاً مطابقاً للواقع ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم ﴾ من العقاب ﴿ حقاً ﴾ والغرض من هذا الاستفهام إظهار البشاشة والاغتباط وإيقاع الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر الأخبار.
وإنما حذف المفعول في ﴿ وعد ربكم ﴾ لدلالة المفعول في ﴿ وعدنا ﴾ عليه، ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة ﴿ قالوا نعم ﴾ قال سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقاً.
فإذا قال: أتعطيني؟
قال: نعم، فهو عدة.
وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد صدقت.
والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو منفيين.
فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم.
كان معناه نعم قام زيد مصدقاً أو محققاً ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم.
كان المعنى ما قام زيد مصدقاً أو محققاً.
ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب ﴿ ألست بربكم ﴾ "نعم" لكان كفراً.
هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ذلك كقول الفقهاء.
لو قيل أليس لي عليك دينار فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارىء بعد الوضع.
وكنانة تكسر العين من نعم.
وروي عن عمر أنه سأل قوماً عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد ﴿ فأذن مؤذن ﴾ قال ابن عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار.
ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام بالصلاة وبوقتها.
والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ وقد مر في آل عمران.
والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم بالآخرة تصحيحاً لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس.
وأما في سورة هود فلما تقدم ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴾ وقال: ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ولم يقل "عليهم" والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم فكرر ليعلم أنهم هم المذكرون لا غيرهم.
ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: ﴿ وبينهما ﴾ يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ﴿ حجاب ﴾ وهو السور المذكور في قوله : ﴿ فضرب بينهم بسور له باب ﴾ قيل: أي حاجة إلى ضرب هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين.
وأجيب بأن بعد أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب.
والأعراف لغة جمع عرف بالضموهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه.
الأعراف في الآية يفسر بالمكان تارة وبغيره أخرى.
أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس.
وعنه أيضاً أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب.
وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة.
وعلى الأول فيه وجوه: فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
فقيل له: يقول الله : ﴿ وعلى الأعراف رجال ﴾ وأنت تقول: إنهم ملائكة.
فقال: الملائكة ذكور لا إناث.
ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على الذكر من بني آدم.
وقيل: إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله على ذلك المكان العالي إظهاراً لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم.
وقيل: إنهم الشهداء.
وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار.
ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء.
وخصصه بعضهم فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر.
وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة.
وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف.
وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو بتعريف الملائكة.
قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا.
وعلى جميع التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وزيف بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف بذلك.
ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين.
وقال المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية، فهو يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به.
ثم قال: ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها.
ثم أخبر على سبيل الاستئناف أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ﴿ وهم يطمعون ﴾ كأن سائلاً سأل عن حالهم أو على أنه صفة أخرى لرجال.
فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "ان أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم" ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم: ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب.
وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة ﴿ وإذا صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ قال الواحدي: التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفاً.
ولم يأت من المصادر على "تفعال" بالكسر إلا حرفان "تبيان" و "تلقاء" وإنه في الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم.
وفي بناء الفعل للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا.
ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أكابر أهل النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن الحق وعلى الناس، وفيه تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ أما قوله: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ إلى آخر الآية.
فمن قول الله لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا.
قال المفسرون: الرجال ههنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن وائل السهمي ونظراؤهم.
وكانوا يقولون إن بلالاً وسلمان وعماراً وأمثالهم يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلاً والله إن الله لا يفضل علينا خدمنا ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف.
ثم ختم المناظرت بقوله: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ طلبوا الماء أوّلاً لما في بواطنهم من الاحتراق الشديد.
وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكاناً من أهل النار.
قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول.
وقال آخرون: بل مع اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل: الغريق يتعلق بالزبد.
وإن علم أنه لا يغنيه.
قوله: ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة.
وقيل: أي من الثمار أو الطعام.
والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً *** فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم.
ثم كأن سائلاً سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟
فقيل: ﴿ قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها.
ثم وصف هؤلاء الكافرين بأنهم ﴿ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة ﴾ وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام.
وقال ابن عباس: يريد المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين غريقاً في بحر الدنيا ومشتهياتها.
ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على سبيل الحكاية فقال: ﴿ فاليوم ننساهم ﴾ أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي جزاء النسيان نسياناً كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم.
عن أبي الدرداء أن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فتقول أهل الجنة ﴿ إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ ، ويقولون لمالك ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ويأخذون في زفير وشهيق.
وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله دخل من كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة.
وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال أشد بياضاً من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها.
فهذه صفة الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق.
ولما شرح الله حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملاً للمكلف على الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بيّن شرف هذا الكتاب الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ﴾ ميزنا بعضه عن بعض تمييزاً يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط.
وإنما فعلنا ذلك لا كيفما اتفق بل ﴿ على علم ﴾ بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئاً من كل خلل وقدح ومعجزاً باقياً على وجه الدهر.
وقوله: ﴿ وهدى ورحمة ﴾ حالان من منصوب ﴿ فصلناه ﴾ كما أن ﴿ على علم ﴾ حالٍ من مرفوعه.
ويحتمل أن يكونا مفعولاً لهما ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن فائدته تعود إليهم، ثم لما بيّن إزاحة العلة بسب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟
الجواب لعل فيهم أقواماً تشككوا وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه.
وأيضاً إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة.
قال الفراء: الضمير في تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل ﴿ يوم يأتي ﴾ يريد يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف ﴿ يقول ﴾ ومعنى: ﴿ نسوه ﴾ تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ منصوب بإضمار "أن" بعد الفاء والتقدير: هل يثبت لنا شفيع فيشفع ﴿ أو ﴾ هل ﴿ نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ﴾ فنوحد الله بدلاً عن الشرك ونطيعه بدلاً عن المعصية.
وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا تكليف لهم خلافاً للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال.
ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئاً وأن مطلوبهم لا يكون ألبتة فقال: ﴿ قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان التي بالغوا في نصرها.
التأويل: نادى أهل المحبة أهل القطيعة ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ﴾ يعني قوله: "ألا من طلبني وجدني" ﴿ فهل وجدتم ما وعدكم ﴾ ﴿ ربكم ﴾ حقاً وهو قوله: "ومن طلب غيري لم يجدني" ﴿ فأذن مؤذن ﴾ العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع مطلوبه، الذين يصدون القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف وجوههم إلى الدنيا وما فيها ﴿ وبينهما حجاب ﴾ من الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمةالنفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل الله - وهم أصحاب الأعراف - حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة الروحانية.
وسميت أعرافاً لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالاً لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن ﴿ يعرفون كلاً ﴾ من أهل الجنة وأهل النيران ﴿ بسيماهم ﴾ من آثار نور القلب وظلمته ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ﴾ يعني هنيئاً لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور.
ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: ﴿ لم يدخلوها ﴾ أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا إلى غير المولى ﴿ وهم يطمعون ﴾ في الوصول إلى الحق .
﴿ وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ﴾ ابتلاء ليعرفوا أنه من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله في الخلوات ﴿ رجالاً يعرفونهم بسيماهم ﴾ يعني أهل الجنة وأهل النار ﴿ ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل النار من الدنيا والشهوات ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن السير في حقيقة لا إله إلا الله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ الوصول ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ يعني الجنة المضافة إليه في قوله: ﴿ ادخلي جنتي ﴾ في حظائر القدس وعالم الجبروت ﴿ لا خوف عليكم ﴾ من الخروج ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا.
اعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة انقطع عنهم نظرهم ونظر الملائكة المقرّبين فافهم.
يحكى عن بابا جعفر الأبهري أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك ثمة؟
فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص وكنت داخلاً مع الأخص فما رأيتني.
﴿ فيضوا علينا من الماء ﴾ كانوا في الدنيا عبيد البطون حراصاً على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها ﴿ فقالوا إن الله حرمهما على الكافرين ﴾ وفي الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم.
فللمؤمنين كشف الغطاء وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة الافتقار وعذاب النار أعاذنا الله منها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .
قال الحسن: الماء مما رزقهم الله، ولكن مكرر مثنى.
وقال أبو بكر: طلبوا الماء؛ ليدفعوا عن أنفسهم ما اشتد بهم من الظمأ والعطش، ثم تقع لهم الحاجة إلى الطعام؛ لأن الرجل إذا اشتد به العطش والظمأ لا يتهيأ له الأكل.
ولكن يشبه أن يكون طلب بعضهم الماء وبعضهم الطعام الذي رزقهم الله، وهذا جائز، وإن لم يذكر؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، لم يكن هذا القول من الفريقين؛ ولكن كان من اليهود ﴿ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً ﴾ ، ومن النصارى: ﴿ أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
قيل: هذا مقابل قولهم في الدنيا للمؤمنين: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ ، قال لهم المؤمنون في الآخرة مقابل ما قالوا لهم في الدنيا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
وهذا - والله أعلم - ليس على التحريم، ولكن على المنع؛ لأن الكفرة لا ينالون بعد أن نالوا ذلك حراماً كان أو حلالاً، ولكن على المنع؛ كقوله - -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ ﴾ ليس هو تحريم حرمة أكل، ولكن منع، ويشبه أن يكون ذلك محرماً على المؤمنين إطعام الكافرين من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾ .
قال الحسن: اتخذوا دينهم الذي كلفوا به وأمروا أن يأتوا به لهواً ولعباً.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ﴾ أي: اتخذوا دينهم الملاهي التي كانوا يلهون ويلعبون؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ أي: اتخذوا دينهم الذي دانوا به لهواً ولعباً؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، وفي إنكارهم البعث إنكار الجزاء للحسنات والسيئات، وفي الحكمة إيجاب ذلك، فمن لم ير ذلك فهو لاه ولاعب، واللهو واللعب هو الذي لا عاقبة له، وكل من عمل عملاً لا عاقبة له فهو لعب ولهو، وكل من يعمل لعاقبة فهو ليس بلعب ولا لهو، وهم كانوا يعملون لا لعاقبة؛ لذلك كان لهواً ولعباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم: إن الحياة الدنيا لا تغر أحداً، ولكن أضيف إليها التغرير لما كانت سبباً من أسباب الاغترار بها، فأضيف إليها؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ أضاف الفرار إلى الدعاء، وقد يضاف الشيء إلى سببه؛ كقوله: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، أي: يبصر به.
وقال بعضهم: أضيف ذلك إليها؛ لما كان منها من السبب من الهيئة ما لو كان ذلك من ذي العقل والتمييز كان ذلك غروراً؛ من نحو التزيين وغيره.
وجائز إضافة التغرير إليها على إرادة أهلها، أي: غرهم أهلها، وهم القادة والرؤساء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا ﴾ .
لا يجوز أن يضاف النسيان إلى الله - - بحال، ولكن يجوز أن يقال: يجزيهم جزاء نسيانهم، فسمي الثاني باسم الأول، وإن لم يكن الثاني نسياناً؛ نحو قوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ والثانية ليست بسيئة، ولكن جزاء السيئة، لكنه سماها باسم السيئة؛ لما هي جزاء لها؛ فعلى ذلك هذا، وكقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ ﴾ ، والثاني ليس باعتداء، ولكنه جزاء الاعتداء، فسماه باسم الاعتداء؛ لما هو جزاؤه؛ فعلى ذلك سمى الثاني نسياناً؛ لأنه جزاء النسيان، وإن كان الله لا يجوز أن ينسى، أو يسهو عن شيء، أو يغفل، ولأن في النسيان تركاً، وكل منسي متروك، فيتركهم في العذاب والهوان كما تركوا هم أمر الله ونهيه في الدنيا.
وقال الحسن: إن الله لا ينسى شيئاً ولا يسهو، ولكن الكفرة يكونون على الكرامة والرحمة والمنزلة كالشيء المنسي، وعن العذاب والهوان لا، أو كلام نحو هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ قال بعضهم: "ما" هاهنا صلة؛ كأنه قال: وكانوا بآياتنا.
وقال بعضهم: هو على ما ذكر، أي: اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا، [وكما كانوا] بآياتنا يجحدون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ ﴾ \[يحتمل بكتاب\].
[أي]: بيّناه؛ والتفصيل: التبيين.
ويحتمل قوله: ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾ أي: فرقناه في إنزاله، لم ننزله جملة واحدة؛ كقوله: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ أي: فرقناه في الإنزال على قدر النوازل بهم؛ ليعلموا حكم كل آية نزلت بالنوازل التي وقعت بهم، لا تقع لهم الحاجة إلى معرفة ما في كل آية نزلت عليهم على حدة، بل يعرفون ذلك بالنوازل.
أو أنزله مفرقاً.
أو أن يكون معرفة ما فيه من الأحكام إذا كان منزلا بالتفاريق أهون وأيسر على الطباع من معرفة ما فيه إذا نزل جملة.
ثم قوله: ﴿ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: فصلناه، أي: بيناه بالحجج والبراهين على علم منه أن الخلائق لا تقوم بإتيان مثله؛ ليعلم أنه من عنده نزل.
أو أنزله مفصلاً على علم منه بمن يصدقه ويتبعه، وبمن يكذبه ولا يتبعه.
أو على علم منه بمصالح الخلق إن أنزله صلح الخلق، أي: على علم منه بمعاملة القوم إياه أنزله؛ لأن المنفعة في إنزاله للمنزل عليهم، لا للمرسل والمنزِّل، فضرر الرد والمنفعة لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال أبو بكر: هو هدىً للكل: للمؤمن والكافر جميعاً، ورحمة للمؤمنين خاصة.
وأمّا عندنا: فهو هدىً للمؤمنين، وعمى على الكافرين؛ على ما ذكر: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ خص المؤمنين بالهدى لهم؛ لأنهم هم المخصوصون بالانتفاع به دون أولئك، وعلى أولئك عمى ورجس؛ على ما ذكر، وصار للمؤمنين حجة على أولئك، وقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ هذا للكافرين، وقال للمؤمنين: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ﴾ أي: ما ينظرون إلا وقوع ما وعدهم رسول الله من نزول بأس الله بهم، أي: لا يؤمنون إلا بعد وقوع البأس بهم، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، والتأويل هو ما ينتهي إليه الأمر ويئول، وما يقع بهم من البأس الموعود لهم، وإيمانهم ما ذكر من قولهم: ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يعني: بالحق الواقع بهم من بأس الله الذي كانت الرسل تعدهم، أي: إن ما وعدوا من وقوع البأس بنا كان حقّاً.
ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالتوحيد، أي: إن الذي جاءت به الرسل في الدنيا من التوحيد كان حقّاً.
أو أن الذي أخبر الرسل عن هذا اليوم كان حقّاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ ﴾ .
كأنهم إذا حل بهم ووقع ما أوعد لهم الرسول من البأس، تمنوا عند ذلك الشفعاء الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
أو طلبوا الشفعاء كما كانوا يطلبون في الدنيا شفعاء إذا بدا لهم أمر عظيم، فيشفع بعضهم بعضاً، ويعين بعضهم بعضاً في هذه الدنيا، فعلى ما كان لهم في الدنيا تمنوا في الآخرة ذلك، فإذا أيسوا عن ذلك وأيقنوا أن لا شفيع يشفع لهم، فعند ذلك قالوا: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، لا أنهم قالوا ذلك مجموعاً؛ كقوله: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا...
﴾ إلى قوله: ﴿ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
قال بعضهم: لو ردوا في الدنيا، لعادوا إلى ما نهوا عنه.
وقال آخرون: لو ردوا إلى المحنة إلى الأمر والنهي لصاروا إلى العمل الذي كانوا يعملون.
ثم أخبر أنهم قد خسروا أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا، وبعبادتهم غير الله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ ، أي: بطل عنهم ما كانوا يفترون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وغير ذلك من الافتراء؛ ذلك كله قد بطل عنهم، فبقوا حيارى، وانقطع رجاؤهم وأملهم الذي طمعوا.
قوله: ﴿ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ من رحمة الله.
وقيل: مما وعدوا لو أطاعوا.
وقيل: أهلكوها.
<div class="verse-tafsir"
ما ينتظر الكفار إلا وقوع ما أخبروا بوقوعه من العذاب الأليم الذي يؤول إليه أمرهم في الآخرة، يوم يأتي ما أخبروا به من ذلك، وما أخبر به المؤمنون من الثواب، يقول الذين نسوا القرآن في الدنيا، ولم يعملوا بما جاء فيه: لقد جاءت رسل ربنا بالحق الذي لا مرية فيه، ولا شك أنه من عند الله، فليت لنا وسطاء يشفعون لنا عند الله ليعفينا من العذاب، أو ليتنا نرجع إلى الحياة الدنيا لنعمل عملًا صالحًا ننجو به بدل ما كنا نعمل من السيئات، قد خسر هؤلاء الكافرون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك بسبب كفرهم، وغاب عنهم من كانوا يعبدونهم من دون الله، فلم ينفعوهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.68MJr"