الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٥٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 174 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أرشد سبحانه وتعالى عباده إلى دعائه ، الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم ، فقال تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) قيل معناه : تذللا واستكانة ، و ) خفية ) كما قال : ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) [ الأعراف : 205 ] وفي الصحيحين ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم; فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إن الذي تدعونه سميع قريب " الحديث .
وقال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس في قوله : ( تضرعا وخفية ) قال : السر .
وقال ابن جرير : ( تضرعا ) تذللا واستكانة لطاعته .
) وخفية ) يقول : بخشوع قلوبكم ، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه ، لا جهارا ومراءاة .
وقال عبد الله بن المبارك ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : إن كان الرجل لقد جمع القرآن ، وما يشعر به الناس .
وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ، وما يشعر به الناس .
وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به .
ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر ، فيكون علانية أبدا .
ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ، وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ، وذلك أن الله تعالى يقول : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) [ مريم : 3 ] .
وقال ابن جريج : يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ، ويؤمر بالتضرع والاستكانة ، ثم روي عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس في قوله : ( إنه لا يحب المعتدين ) في الدعاء ولا في غيره .
.
وقال أبو مجلز : ( إنه لا يحب المعتدين ) لا يسأل منازل الأنبياء .
وقال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا شعبة ، عن زياد بن مخراق ، سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد; أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول : اللهم ، إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا ، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها .
فقال : لقد سألت الله خيرا كثيرا ، وتعوذت بالله من شر كثير ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء " وقرأ هذه الآية : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) وإن بحسبك أن تقول : " اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل " ورواه أبو داود ، من حديث شعبة ، عن زياد بن مخراق ، عن أبي نعامة ، عن ابن لسعد ، عن سعد ، فذكره والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا الجريري ، عن أبي نعامة : أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم ، إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها .
فقال : يا بني ، سل الله الجنة ، وعذ به من النار; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور " وهكذا رواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عفان به .
وأخرجه أبو داود ، عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة ، عن سعيد بن إياس الجريري ، عن أبي نعامة - واسمه : قيس بن عباية الحنفي البصري - وهو إسناد حسن لا بأس به ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ادعوا، أيها الناس، ربَّكم وحده، فأخلصوا له الدعاء، دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام =" تضرعًا " ، يقول: تذلُّلا واستكانة لطاعته (21) =" وخفية " ، يقول بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا ومراءاةً، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعلَ أهل النفاق والخداع لله ولرسوله، (22) كما:- 14777 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إنْ كانَ الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعرُ جارُه.
وإن كان الرجل لقد فَقُه الفقهَ الكثير، وما يشعرُ به الناس.
وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْر، (23) وما يشعرون به.
ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبدًا!
ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية " ، وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا فرضِي فعله فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ، [ سورة مريم: 3 ] .
14778 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في غَزَاة، (24) فأشرفوا على وادٍ يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال: " أيها الناس، اربَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا!
إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم ".
(25) 14779 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية " ، قال: السر.
* * * وأما قوله: " إنه لا يحب المعتدين " ، فإن معناه: إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذي حدَّه لعباده في دعائه ومسألته ربَّه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حدَّ لهم في دعائهم إياه، ومسألتهم، وفي غير ذلك من الأمور، (26) كما:- 14780 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن عباد بن عباد، عن علقمة، عن أبي مجلز: " ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين " ، قال: لا يسأل منازلَ الأنبياء عليهم السلام.
14781 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " إنه لا يحب المعتدين " ، في الدعاء ولا في غيره = قال ابن جريج: إن من الدعاء اعتداءً، يُكره رفعُ الصوتِ والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويُؤمر بالتضرُّع والاستكانة.
------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير"التضرع" فيما سلف 11: 355 ، 414.
(22) انظر تفسير"خفية" فيما سلف 11: 414.
(23) "الزور" (بفتح فسكون) جمع"زائر" ، مثل"صاحب" و"صحب".
وفي المخطوطة: "الزور" مضبوطة بالقلم بضم الزاي وتشديد الواو مفتوحة ، وهو صواب أيضًا.
(24) هذه الغزاة ، هي غزوة خيبر.
(25) الأثر: 14778- رواه البخاري في صحيحه (الفتح 7: 363) ، ومسلم في صحيحه 17: 25 من هذه الطريق ، مطولا.
وقوله: "اربعوا على أنفسكم" ، أي : ارفقوا بأنفسكم ، واخفضوا أصواتكم.
وفي المخطوطة: "سميعًا قريبًا أنا معكم" غير منقوطة ، وأثبت ما في الصحيحين ، وفي المطبوعة ، حذف ما في المخطوطة ، ولم يزد"وهو" التي زدتها.
(26) انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).
قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدينفيه ثلاث مسائل ، الأولى : قوله تعالى : ادعوا ربكم هذا أمر بالدعاء وتعبد به .
ثم قرن جل وعز بالأمر صفات تحسن معه ، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع .
ومعنى خفية أي سرا في النفس ليبعد عن الرياء ; وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبرا عنه : إذ نادى ربه نداء خفيا ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم : خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي .
والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر .
وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " قال الحسن بن أبي الحسن : لقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا .
ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت ، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم .
وذلك أن الله تعالى يقول : ادعوا ربكم تضرعا وخفية .
وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال : إذ نادى ربه نداء خفيا .
وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء " آمين " أولى من الجهر بها ; لأنه دعاء .
وقد مضى القول فيه في " الفاتحة " .
وروى مسلم عن أبي موسى قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر - وفي رواية في غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير - وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية قال : لا إله إلا الله - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم .
الحديث .[ ص: 202 ] الثانية : واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء ; فكرهه طائفة منهم جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير .
ورأى شريح رجلا رافعا يديه فقال : من تتناول بهما ، لا أم لك !
وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم : قطعها الله .
واختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه السبابة .
ويقولون : ذلك الإخلاص .
وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه .
وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم .
وروي جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ; ذكره البخاري .
قال أبو موسى الأشعري : دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه .
ومثله عن أنس .
وقال ابن عمر : رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد .
وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادا يديه ، فجعل يهتف بربه ; وذكر الحديث .
وروى الترمذي عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه .
قال : هذا حديث صحيح غريب .
وروى ابن ماجه عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما صفرا .
أو قال خائبتين .
احتج الأولون بما رواه [ ص: 203 ] مسلم عن عمارة بن رويبة ورأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال : قبح الله هاتين اليدين ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا ; وأشار بأصبعه المسبحة .
وبما روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه .
والأول أصح طرقا وأثبت من حديث سعيد بن أبي عروبة ; فإن سعيدا كان قد تغير عقله في آخر عمره .
وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس بن مالك فقال فيه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه .
وقد قيل : إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويوم بدر .
قلت : والدعاء حسن كيفما تيسر ، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل ، والتذلل له والخضوع .
فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن ، وإن شاء فلا ; فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في الأحاديث .
وقد قال تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية .
ولم يرد صفة من رفع يدين وغيرها .
وقال : الذين يذكرون الله قياما وقعودا فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر .
وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة .الثالثة : قوله تعالى إنه لا يحب المعتدين يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما إلى هذا هي الإشارة .
والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر .
وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سيكون قوم يعتدون في الدعاء .
أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة .
حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها .
فقال : أي بني ، سل الله الجنة وعذ به من النار ; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 204 ] يقول : سيكون قوم يعتدون في الدعاء .
والاعتداء في الدعاء على وجوه : منها الجهر الكثير والصياح ; كما تقدم .
ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي ، أو يدعو في محال ; ونحو هذا من الشطط .
ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك .
ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة ; فيتخير ألفاظا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها ، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام .
وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء .
كما تقدم في " البقرة " بيانه
الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فأمر بدعائه { تَضَرُّعًا } أي: إلحاحا في المسألة، ودُءُوبا في العبادة، { وَخُفْيَةً } أي: لا جهرا وعلانية، يخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصا للّه تعالى.
{ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } أي: المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل اللّه مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه.
( ادعوا ربكم تضرعا ) تذللا واستكانة ، ( وخفية ) أي سرا .
قال الحسن : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت ، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم ، وذلك أن الله سبحانه يقول : " ادعوا ربكم تضرعا وخفية " ، وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله فقال : " إذ نادى ربه نداء خفيا " مريم - 3 .
( إنه لا يحب المعتدين ) قيل : المعتدين في الدعاء ، وقال أبو مجلز : هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام .
أخبرنا عمر بن عبد العزيز الفاشاني ، أنبأنا القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي ، ثنا أبو داود السجستاني ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد يعني ابن سلمة ، أنبأنا سعيد الجريري ، عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها ، فقال : يا بني سل الله الجنة وتعوذ من النار ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء " .
وقيل : أراد به الاعتداء بالجهر والصياح قال ابن جريج : من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح .
وروينا عن أبي موسى قال لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا " .
وقال عطية : هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل ، فيقولون : اللهم أخزهم اللهم العنهم .
«ادعوا ربَّكم تضرُّعا» حال تذللا «وخُفية» سرا «إنه لا يحب المعتدين» في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت.
ادعوا -أيها المؤمنون- ربكم متذللين له خفية وسرًّا، وليكن الدعاء بخشوع وبُعْدٍ عن الرياء.
إن الله تعالى لا يحب المتجاوزين حدود شرعه، وأعظم التجاوز الشرك بالله، كدعاء غير الله من الأموات والأوثان، ونحو ذلك.
ثم أمر الله - تعالى - عباده أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء الخالص فقال : ( ادعوا رَبَّكُمْ .
.
.
) .التضرع : تفعل من الضراعة وهى الذلة والاستكانة .
يقال : ضرع فلان ضراعة : أى خشع وذل وخضع .
ويقال : تضرع ، أى أظهر الضراعة والخضوع .
وتضرعا حال من الضمير فى ادعوا .الخفية : بضم الخاء وكسرها - مصدر خفى كمرض بمعنى اختفى أى : استتر وتوارة ولم يجهر بدعائه .والمعنى : سلوا ربكم - أيها الناس - حوائجكم بتذلل واستكانة وإسرار واستتار فإنه - سبحانه - يسمع الدعاء ، ويجيب المضطر ، ويكشف السوء ، وهو القادر على إيصالها إليكم ، وغيره عن ذلك عاجز .وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء فى ضراعة وإسرار ، لأن الدعاء ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم ، واستعانة به بإخلاص ويقين ، لكى يدفع المكروه ، ويمنح الخير ، ويعين على نوائب الدهر ، ولا شك أن الإنسان فى هذه الحالة يكون فى أسمى درجات الصفاء الروحى ، والنقاء النفسى ، ويكون كذلك مؤدياً لأشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد القهار ، معترفا لنفسه بالعجز والنقص .
ولربه بالقدرة والكمال .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية من آداب الدعاء الخشوع والإسرار واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ما جاء فى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى " قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم - أى ارفقوا بها - وأقصروا من الصياح - فإنكم لا تدعون اصم ولا غائباً .
إنه معكم - إنه سميع قريب .
تبارك اسمه وتعالى جده " " .وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة ، عن الحقن قال : إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل ، لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس .
وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة فى بيته وعنده الزور - أى الزوار - وما يشعرون به .
ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه فى السر فيكون علانية أبداً .
ولقد كان المسلمون يجهدون فى الدعاء وما يسمع لهم صوت ، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم .
وذلك أن الله - تعالى - يقول : ( ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضى فعله وهو زكريا فقال : ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ) وقال ابن المنير : " وحسبك فى تعين الإسرار فى الدعاء اقترانه بالتضرع فى الآية ، فالاخلال بالضراعة إلى الله إخلال بالدعاء .
وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى .
فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا وقار يصحبه .
وترى كثيراً من أهل زمانك يعمدون إلى الصراخ والصياح فى الدعاء خصوصا فى الجوامع حتى يعظم اللفظ ويشتد ، وتستك المسامع وتنسد ، ويهتز الداعى بالناس ، ولا يعلم أنه جمع بين بدعيتن : رفع الصوت فى الدعاء وفى المسجد ، وربما حصلت للعوام حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت ، ورعاية سمت الوقار ، وسلوك السنة الثابتة بالآثار .وما هى إلا رقة شبيهة بالقرة العارضة للنساء والأطفال ليست خارجة عن صميم الفؤاد ، لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتباع السنة فى الدعاء .
وفى خفض الصوت به أوفر وأوفى وأزكى فما أكثر التباس الباطل بالحق على عقول كثير من الخلق .
" اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه " .وقوله : ( إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ) الاعتداء تجاوز الحد أى : لا يحب المتجاوزين حدودهم فى كل شىء ، ويدخل فيه الاعتداء فى الدعاء دخولا أوليا .
ومن مظاهر الاعتداء فى الدعاء أن يترك هذهين الأمرين وهما التضرع والإخفاء ، كذلك من مظاهر الاعتداء فى الدعاء أن يتكلف فيه .روى أبو داود فى سننه أن سعد بن أبى وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول : اللهم إنى أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا ، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها .
فقال له يا بنى : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه سيكون قوم يعتدون فى الدعاء ثم قرا سعد هذه الآية ( ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) وإن بحسبك أن تقول : اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل " .
اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة والرحمة، وعند هذا تم التكليف المتوجه إلى تحصيل المعارف النفسانية، والعلوم الحقيقية، أتبعه بذكر الأعمال اللائقة بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع، فإن الدعاء مخ العبادة، فقال: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ ﴾ فيه قولان: قال بعضهم: اعبدوا وقال آخرون: هو الدعاء، ومن قال بالأول عقل من الدعاء أنه طلب الخير من الله تعالى، وهذه صفة العبادة، لأنه يفعل تقرباً، وطلباً للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ والمعطوف ينبغي أن يكون مغايراً للمعطوف عليه.
والقول الثاني هو الأظهر، لأن الدعاء مغاير للعبادة في المعنى.
إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في الدعاء، فمنهم من أنكره واحتج على صحة قوله بأشياء: الأول: أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع لامتناع وقوع التغيير في علم الله تعالى، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة أيضاً في طلبه.
الثاني: أنه تعالى إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك المطلوب، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أو لم يحصل، وإن كان قد أراد في الأزل أن لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب، وإن قلنا أنه ما أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه، ثم إنه عند ذلك الدعاء، صار مريداً له لزم وقوع التغير في ذات الله وفي صفاته، وهو محال.
لأن على هذا التقدير: يصير إقدام العبد على الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله تعالى، فيكون العبد متصرفاً في صفة الله بالتبديل والتغيير، وهو محال.
والثالث: أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه، فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء لأنه منزه عن أن يكون بخيلاً وأن اقتضت الحكمة منعه، فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه.
والرابع: أن الدعاء غير الأمر، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل رتبة، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر الله سوء أدب، وإنه لا يجوز.
الخامس: الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الإله على شيء ما كان منتبهاً له، وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الإحسان والفضل فأنت بهذا تحمله على الإقدام على الإحسان والفضل، وذلك جهل.
السادس: إن الإقدام على الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ لو رضي بما قضاه الله عليه لترك تصرف نفسه، ولما طلب من الله شيئاً على التعيين وترك الرضا بالقضاء أمر من المنكرات.
السابع: كثيراً ما يظن العبد بشيء كونه نافعاً وخيراً، ثم أنه عند دخوله في الوجود يصير سبباً للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة، وإذا كان كذلك كان طلب الشيء المعين من الله غير جائز، بل الأولى طلب ما هو المصلحة والخير، وذلك حاصل من الله تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه.
فلم يبق في الدعاء فائدة.
الثامن: أن الدعاء عبارة عن توجه القلب إلى طلب شيء من الله تعالى، وتوجه القلب إلى طلب ذلك الشيء المعين يمنع القلب من الاستغراق في معرفة الله تعالى، وفي محبته، وفي عبوديته، وهذه مقامات عالية شريفة، وما يمنع من حصول المقامات العالية الشريفة كان مذموماً.
التاسع: روي أنه عليه الصلاة والسلام.
قال حاكياً عن الله سبحانه: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وذلك يدل على أن الأولى ترك الدعاء.
العاشر: إن علم الحق محيط بحاجة العبد، والعبد إذا علم أن مولاه عالم باحتياجه، فسكت ولم يذكر تلك الحاجة كان ذلك أدخل في الأدب، وفي تعظيم المولى مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحالة، ويطلب ما يدفع تلك الحاجة، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد، وجب اعتبار مثله في حق الله سبحانه، ولذلك يقال أن الخليل عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار.
قال جبريل عليه السلام ادع ربك.
فقال الخليل عليه السلام: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فهذه الوجوه هي المذكورة في هذا الباب.
واعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة والأسئلة المذكورة واردة في جميع أنواع العبادات، فإنه يقال إن كان هذا الإنسان سعيداً في علم الله فلا حاجة إلى الطاعات والعبادات، وإن كان شقياً في علمه فلا فائدة في تلك العبادات، وأيضاً يقال وجب أن لا يقدم الإنسان على أكل الخبز وشرب الماء لأنه إن كان هذا الإنسان شبعان في علم الله تعالى فلا حاجة إلى أكل الخبز، وإن كان جائعاً فلا فائدة في أكل الخبز، وكما أن هذا الكلام باطل هاهنا، فكذا فيما ذكروه، بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية ويفيد معرفة عزة الربوبية، وهذا هو المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات وبيانه أن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجاً إلى ذلك المطلوب وكونه عاجزاً عن تحصيله وعرف من ربه وإلهه أنه يسمع دعاءه، ويعلم حاجته وهو قادر على دفع تلك الحاجة وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك الحاجة، وإذا كان كذلك فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفاً بالحاجة وبالعجز وعرف كون الإله سبحانه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والرحمة، فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية، فإذا كان الدعاء مستجمعاً لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات.
وقوله تعالى: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه لأن التضرع لا يحصل إلا من الناقص في حضرة الكامل فما لم يعتقد العبد نقصان نفسه وكمال مولاه في العلم والقدرة والرحمة لم يقدم على التضرع، فثبت أن المقصود من الدعاء ما ذكرناه، فثبت أن لفظ القرآن دليل عليه والذي يقوي ما ذكرناه ما روي أنه عليه السلام قال: «ما من شيء أكرم على الله من الدعاء والدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين ﴾ وتمام الكلام في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ والله أعلم.
المسألة الثانية: في تقرير شرائط الدعاء.
اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهداً لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهداً لكون مولاه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والرحمة، فكل هذه المعاني دخلت تحت قوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص، فلابد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الأخلاص عن شوائب الرياء، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه: ﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء، وأنه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط، فقد بالغ في شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة الله عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك.
المسألة الثالثة: التضرع التذلل والتخشع، وهو إظهار ذل النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال والخفية ضد العلانية.
يقال: أخفيت الشيء إذا سترته، ويقال: ﴿ خفية ﴾ أيضاً بالكسر، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه ﴿ خفية ﴾ بكسر الخاء هاهنا وفي الأنعام، والباقون بالضم، وهما لغتان: واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء، ويدل على وجوه: الأول: هذه الآية فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقروناً باللإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب، فلا أقل من كونه ندباً.
ثم قال تعالى بعده: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين، وهما التضرع والإخفاء، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة عن الثواب، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والإخفاء، فإن الله لا يثيبه ألبتة، ولا يحسن إليه، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة، فظهر أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء.
الحجة الثانية: أنه تعالى أثنى على زكريا فقال: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ أي أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه.
الحجة الثالثة: ما روى أبو موسى الأشعري، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام: «ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وإنه لمعكم».
الحجة الرابعة: قوله عليه السلام: «دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية» وعنه عليه السلام: «خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي» وعن الحسن أنه كان يقول: إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره، يفقه الكثير وما يشعر به الناس، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواماً كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همساً، لأن الله تعالى قال: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ وذكر الله عبده زكريا فقال: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ .
الحجة الخامسة: المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة ألبتة فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصوناً عن الرياء وهاهنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها، وهي: أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها؟
فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صوناً لها عن الرياء وقال أخرون: الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات.
وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء الأولى الإخفاء صوناً لعمله عن البطلان، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء.
المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه الله، إخفاء التأمين أفضل.
وقال الشافعي رحمه الله، إعلانه أفضل، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله، قال: في قوله: آمين وجهان: أحدهما: أنه دعاء.
والثاني: أنه من أسماء الله، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ وإن كان اسماً من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾ فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن بهذا القول نقول: أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى، لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة.
واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال بالاتفاق، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال: فالقول الأول: أنها عبارة عن أيصال الله الثواب والخير والرحمة إلى العبد.
والقول الثاني: أنها عبارة عن كونه تعالى مريداً لإيصال الثواب والخير إلى العبد.
وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي: أنه تعالى هل هو موصوف بصفة الإرادة أم لا؟
قال الكعبي وأبو الحسين: إنه تعالى غير موصوف بالإرادة ألبتة، فكونه تعالى مريداً لأفعال نفسه أنه موجد لها وفاعل لها، وكونه تعالى مريداً لأفعال غيره كونه آمراً بها ولا يجوز كونه تعالى موصوفاً بصفة الإرادة.
وأما أصحابنا ومعتزلة البصرة فقد أثبتوا كونه تعالى موصوفاً بصفة المريدية.
إذا عرفت هذا فمن نفي الإرادة في حق الله تعالى فسر محبة الله بمجرد إيصال الثواب إلى العبد ومن أثبت الإرادة لله تعالى فسر محبة الله بإرادته لإيصال الثواب إليه.
والقول الثالث: أنه لا يبعد أن تكون محبة الله تعالى للعبد صفة وراء كونه تعالى مريداً لإيصال الثواب إليه، وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخير إلى ذلك الابن فكانت هذه الإرادة أثراً من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها وفائدة من فوائدها.
أقصى ما في الباب أن يقال: إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة النفس وذلك في حق الله تعالى محال، إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال محبة الله تعالى صفة أخرى، سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها إرادة إيصال الخير والثواب إلى العبد؟
أقصى ما في الباب، أنا لا نعرف أن تلك المحبة ما هي وكيف هي؟ا إلا أن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه تعالى مرئياً، ثم يقولون إن تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان، بل هي رؤية بلا كيف، فلم لا يقولون هاهنا أيضاً أن محبة الله للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس بل هي محبة بلا كيف؟
فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع.
بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها، لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ أي المجاوزين ما أمروا به.
قال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء.
المسألة الثالثة: اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه، فقد اعتدى وتعدى فيدخل تحت قوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ وقد بينا أن من لا يحبه الله فإنه يعذبه، فظاهر هذه الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه، فإنه يكون معاقباً، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ ﴿ المعتدين ﴾ لفظ عام دخله الألف واللام، فيفيد الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثاني: أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه، وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد.
والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا يفيد القطع بالوعيد.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إصلاحها ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إصلاحها ﴾ معناه ولا تفسدوا شيئاً في الأرض، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف، وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة: النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول.
فقوله: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ ﴾ منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة، وأما قوله: ﴿ بَعْدَ إصلاحها ﴾ فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال: لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح، وذلك مستكره في بداهة العقول.
المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق.
إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصاً خاصاً دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص.
واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق ﴾ أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى، فكذلك في هذه الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام، الحرمة.
وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلاً تحت عموم هذه الآية، وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت هذه العمومات، وأيضاً هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين الخصمين، فإنه انعقد وصح وثبت، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح، والنص دل على أنه لا يجوز.
إذا ثبت هذا فنقول: أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ وبعموم قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ وتحت قوله: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون ﴾ وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود.
إذا ثبت هذا فنقول: إن وجدنا نصاً دالاً على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من الجانبين غير صحيح، قضينا فيه بالبطلان تقديماً للخاص على العام، وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات.
وبهذا الطريق البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها.
ثم قال تعالى: ﴿ وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: قال في أول الآية: ﴿ أَدْعُو رَبَّكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ ﴾ ثم قال: ﴿ وادعوه ﴾ وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل.
والجواب: أن الذين قالوا في تفسير قوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ أي اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفاً من هذا الإشكال.
فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال، وإن قلنا المراد من قوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ﴾ هو الدعاء كان الجواب أن قوله: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ يدل على أن الدعاء لابد وأن يكون مقروناً بالتضرع وبالإخفاء، ثم بين في قوله: ﴿ وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء ومنفعته.
السؤال الثاني: إن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب والطمع في الثواب لم تصح عبادته، وذلك لأن المتكلمين فريقان: منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية، فكونه إلهاً لنا وكوننا عبيداً له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً، وهذا قول أهل السنة.
ومنهم من قال: التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح؛ وهذا هو قول المعتزلة.
إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول: فوجه وجوب بعض الأعمال، وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه ونهيه عما حرمه، فمن أتى بهذه العبادات صحت.
أما من أتى بها خوفاً من العقاب، أو طمعاً في الثواب، وجب أن لا يصح، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها، وأما على القول الثاني: فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح، فمن أتى بها للخوف من العقاب، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها، فوجب أن لا تصح، فثبت أن على كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب، والطمع في الثواب، وجب أن لا يصح.
إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: ﴿ وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ يقتضي أنه تعالى أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض، وقد ثبت بالدليل فساده، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول.
والجواب: ليس المراد من الآية ما ظننتم، بل المراد: وادعوه مع الخوف من وقوع التقصير، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل؟
السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الداعي لابد وأن يحصل في قلبه هذا الخوف والطمع؟
والجواب: أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتياً بجميع الشرائط المعتبرة في قبول الدعاء، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف، وأيضاً لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة، فوجب كونه طامعاً في قبولها فلا جرم.
قلنا: بأن الداعي لا يكون داعياً إلا إذا كان كذلك فقوله: ﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم.
ويتأكد هذا بقوله: ﴿ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ إن رحمة الله قَريِب من المحسنين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة إيصال الخير والنعمة، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال، وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ﴾ .
المسألة الثانية: قال بعض أصحابنا: ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة.
واحتجوا بهذه الآية، وبيانه: أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من المحسنين، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريباً من المحسنين، أن لا يكون رحمة، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين، فوجب أن لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه.
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن رحمة الله قريب من المحسنين، فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب لغير المحسنين، فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة الله في حق الكافرين، والعفو عن العذاب رحمة، والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة، فوجب أن لا يحصل ذلك لمن لم يكن من المحسنين، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين، فوجب أن لا يحصل لهم العفو عن العقاب، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار.
الجواب: أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة، فقد أحسن بدليل أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة، وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فقد أجمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى ﴾ ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت بشيء من الطاعات سوى المعرفة والإقرار، لأنه لما بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة الصبح، ولما مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب عليه.
فثبت أنه محسن، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والإقرار، فوجب كون هذا القدر إحساناً، فيكون فاعله محسناً.
إذا ثبت هذا فنقول: كل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين، ودلت هذه الآية على أن رحمة الله قريب من المحسنين، فوجب بحكم هذه الآية أن تصل إلى صاحب الكبيرة من أهل الصلاة رحمة الله، وحينئذ تنقلب هذه الآية حجة عليهم.
فإن قالوا: المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الإحسان.
فنقول: هذا باطل، لأن المحسن من صدر عنه مسمى الإحسان وليس من شرط كونه محسناً أن يكون آتياً بكل وجوه الإحسان كما أن العالم هو الذي له العلم وليس من شرطه أن يحصل جميع أنواع العلم فثبت بهذا أن السؤال الذي ذكروه ساقط وأن الحق ما ذهبنا إليه.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول مقتضى علم الأعراب أن يقال: إن رحمة الله قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث؟
وذكروا في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أن الرحمة تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة.
الثاني: قال الزجاج: إنما قال: ﴿ قَرِيبٌ ﴾ لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد فقوله: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ بمعنى إنعام الله قريب وثواب الله قريب فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر.
الثالث: قال النضر بن شميل: الرحمة مصدر ومن حق المصادر التذكير كقوله: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ فهذا راجع إلى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ، فلذلك ذكره قال الشاعر: إن السَّماحة والمُروءة ضُمِّنا *** قبراً بمرو على الطَّريق الواضح قيل: أراد بالسماحة السخاء وبالمروءة الكرم.
والرابع: أن يكون التأويل إن رحمة الله ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا: حائض ولابن تامر أي ذات حيض ولبن وتمر.
قال الواحدي: أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني عن ابن السكيت قال: تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهم قريب مني وهي قريب مني، لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني وقد يجوز أيضاً قريبة وبعيدة تنبيهاً على معنى قربت وبعدت بنفسها.
المسألة الخامسة: تفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قرباً من الآخرة، وبعداً من الدنيا، فإن الدنيا كالماضي، والآخرة كالمستقبل، والأنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعداً عن الماضي، وقرباً من المستقبل.
ولذلك قال الشاعر: فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس ولما ثبت أن الدنيا تزداد بعداً في كل ساعة، وأن الآخرة تزداد قرباً في كل ساعة، وثبت أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت، لا جرم ذكر الله تعالى: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الارض بَعْدَ إصلاحها ﴾ بناء على هذا التأويل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ نصب على الحال، أي ذوي تضرع وخفية.
وكذلك خوفاً وطمعاً.
والتضرع تفعُّل من الضراعة وهو الذل، أي تذللاً وتملقاً.
وقرئ: ﴿ وخِفْيَة ﴾ وعن الحسن رضي الله عنه: إنّ الله يعلم القلب التقي والدعاء الخفي، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبداً.
ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلاّ همساً بينهم وبين ربهم.
وذلك أنّ الله تعالى يقول: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ وقد أثنى على زكريا فقال: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ [مريم: 3] وبين دعوة السرّ ودعوة العلانية سبعون ضعفاً.
﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ أي المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء وغيره.
وعن ابن جريج؛ هو رفع الصوت بالدعاء.
وعنه: الصياح في الدعاء مكروه وبدعة.
وقيل: هو الإسهاب في الدعاء.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللَّهمّ إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل» ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ .
﴿ إِنَّ رحمتالله قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ كقوله: ﴿ وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ [طه: 82] .
وإنما ذكر ﴿ قَرِيبٌ ﴾ على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي شيء قريب.
أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول كما شبه ذاك به، فقيل قتلاء وأسراء، أو على أنه بزنة المصدر، الذي هو النقيض والضغيب.
أو لأنّ تأنيث الرحمة غير حقيقي، قرئ: ﴿ نشراً ﴾ وهو مصدر نشر.
وانتصابه إمّا لأن أرسل ونشر متقاربان، فكأنه قيل: نشرها نشراً: وإمّا على الحال بمعنى منتشرات.
ونشراً جمع نشور.
ونشراً تخفيف نشر، كرسل ورسل.
وقرأ مسروق: ﴿ نشرًا ﴾ ، بمعنى منشورات، فعل بمعنى مفعول، كنقض وحسب.
ومنه قولهم (ضم نشره) وبشراً جمع بشير.
وبشراً بتخفيفه.
وبشراً- بفتح الباء- مصدر من بشره بمعنى بشره، أي باشرات، وبشرى ﴿ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ أمام رحمته، وهي الغيث الذي هو من أتمّ النعم وأجلّها وأحسنها أثراً ﴿ أَقَلَّتْ ﴾ حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأن الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلاً ﴿ سَحَابًا ثِقَالاً ﴾ سحائب ثقالاً بالماء جمع سحابة ﴿ سقناه ﴾ الضمير للسحاب على اللفظ، ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً ﴿ لِبَلَدٍ مَّيّتٍ ﴾ لأجل بلد ليس فيه حياً ولسقيه.
وقرئ: ﴿ مَيْتٍ ﴾ ﴿ فَأَنزَلْنَا بِهِ ﴾ بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق.
وكذلك ﴿ فأخرجنا به...
كذلك ﴾ مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات ﴿ نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فيؤدّيكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين.
إذ كل واحد منهما إعادة للشيء بعد إنشائه ﴿ والبلد الطيب ﴾ الأرض العذاة الكريمة التربة ﴿ والذى خَبُثَ ﴾ الأرض السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ بتيسيره وهو في موضع الحال، كأنه قيل: يخرج نباته حسناً وافياً لأنه واقع في مقابلة ﴿ نَكِدًا ﴾ والنكد الذي لا خير فيه.
وقرئ: ﴿ يخرج نباته ﴾ أن يخرجه البلد وينبته وقوله: ﴿ والذى خَبُثَ ﴾ صفة للبلد ومعناه: والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى البلد مقامه؛ إلاّ أنه كان مجروراً بارزاً، فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدّر: ونبات الذي خبث.
وقرئ: ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف على المصدر.
أي ذا نكد.
ونكداً، بإسكانها للتخفيف، كقوله: نزه عن الريب، بمعنى نزه.
وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر شيء من ذلك.
وعن مجاهد: آدم وذرّيته منهم خبيث وطيب.
وعن قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت.
والكافر بخلاف ذلك.
وهذا التمثيل واقع على أثر ذكر المطر، وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التصريف ﴿ نُصَرّفُ الأيات ﴾ نردِّدها ونكرّرها ﴿ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ نعمة الله وهم المؤمنون، ليفكروا فيها ويعتبروا بها.
وقرئ: ﴿ يصرف ﴾ بالياء أي يصرفها الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ أيْ ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ فَإنَّ الإخْفاءَ دَلِيلُ الإخْلاصِ.
﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ المُجاوَزِينَ ما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وغَيْرِهِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَنْبَغِي أنْ لا يَطْلُبَ ما لا يَلِيقُ بِهِ كَرُتْبَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والصُّعُودِ إلى السَّماءِ.
وقِيلَ هو الصِّياحُ في الدُّعاءِ والإسْهابُ فِيهِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ، «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ، وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ ثُمَّ قَرَأ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ» .
﴿ وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ بَعْدَ إصْلاحِها ﴾ بِبَعْثِ الأنْبِياءِ وشَرْعِ الأحْكامِ.
﴿ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ذَوِي خَوْفٍ مِنَ الرَّدِّ لِقُصُورِ آمالِكم وعَدَمِ اسْتِحْقاقِكم، وطَمَعٌ في إجابَتِهِ تَفَضُّلًا وإحْسانًا لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ تَرْجِيحٌ لِلطَّمَعِ وتَنْبِيهٌ عَلى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الإجابَةِ، وتَذْكِيرٌ قَرِيبٌ لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الرَّحِمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أيْ أمْرٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهِهِ بِفَعِيلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ كالنَّقِيضِ، أوِ الفَرْقُ بَيْنَ القَرِيبِ مِنَ النَّسَبِ والقَرِيبِ مِن غَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفيةً} نصب على الحال أى ذوى تضرع وخفية والترضع تفعل ن الضراعة وهي الذل أي تذللاً وتملقاً قال عليه السلام إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً إنه معكم
اينما كنتم عن الحسن بين دعوة الدعاء وعن النبى صلى الله عليه وسلم سيكون قوم يعتدون فى الدعاء وحسن المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب الهيا من قول وعلم ثم قرأ إنه لا يحب المعتدين
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ بَيَّنَ التَّوْحِيدَ وأخْبَرَ أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والأمْرِ أمَرَ عِبادَهُ أنَّهُ يَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ مُتَذَلِّلِينَ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ الَّذِي عَرَفْتُمْ شُؤُونَهُ الجَلِيلَةَ والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ السُّؤالُ والطَّلَبُ وهو مُخُّ العِبادَةِ لِأنَّ الدّاعِيَ لا يُقْدِمُ عَلى الدُّعاءِ إلّا إذا عَرَفَ مِن نَفْسِهِ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ وأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِهِ وعَرَفَ أنَّ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَسْمَعُ الدُّعاءَ ويَعْلَمُ الحاجَةَ وهو قادِرٌ عَلى إيصالِها إلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ والنَّقْصِ ومَعْرِفَتَهُ رَبَّهُ بِالقُدْرَةِ والكَمالِ مِن أعْظَمِ العِباداتِ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ هُنا العِبادَةُ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ( ادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ) والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ المُغايَرَةَ تَكْفِي بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقاتِ كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا وضَرَبْتْ عَمْرًا.
وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّها لا تَسْتَدْعِي حَمْلَ الدُّعاءِ هُنا عَلى العِبادَةِ بَلْ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ إمّا هُنا أوْ هُنا وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّهُ خِلافُ التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ أيْ ذَوِي تَضَرُّعٍ أوْ مُتَضَرِّعِينَ فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرٍ أوْ تَأْوِيلٍ وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وكَذا الكَلامُ فِيما بَعْدُ وهو مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذُّلُّ والِاسْتِكانَةُ يُقالُ ضَرَعَ فُلانٌ لِفُلانٍ إذا ذَلَّ لَهُ واسْتَكانَ وقالَ الزَّجّاجُ التَّضَرُّعُ التَّمَلُّقُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالُوا أيِ ادْعُوهُ تَذَلُّلًا وقِيلَ: التَّضَرُّعُ مُقابِلُ الخُفْيَةِ واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ أيِ ادْعُوهُ عَلانِيَةً ﴿ وخُفْيَةً ﴾ أيْ سِرًّا.
أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا فَرَضِيَ لَهُ فِعْلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: بَيْنَ دَعْوَةِ السِّرِّ ودَعْوَةِ العَلانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا وجاءَ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «أنَّهُ قالَ لِقَوْمٍ يَجْهَرُونَ: أيُّها النّاسُ أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وهو مَعَكم وهو أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ» والمَعْنى ارْفُقُوا وأقْصِرُوا مِنَ الصِّياحِ في الدُّعاءِ.
ومِن هُنا قالَ جَمْعٌ بِكَراهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ وفي الِانْتِصافِ حَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الأسْرارِ فِيهِ اقْتِرانُهُ في الآيَةِ بِالتَّضَرُّعِ فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ لِقَلِيلِ الجَدْوى فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ فِيهِ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ في الدُّعاءِ خُصُوصًا في الجَوامِعِ حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ ولا يَدْرُونَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ وكَوْنِ ذَلِكَ في المَسْجِدِ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ مِنَ الِاعْتِداءِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ (55) وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِثْلَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ ودُعاءُ المُعْتَدِينَ الَّذِي لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى هو طَلَبُ ما لا يَلِيقُ بِالدّاعِي كَرُتْبَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصُّعُودِ إلى السَّماءِ وأنَّ مِنهُ ما ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كُفْرٌ كَطَلَبِ دُخُولِ إبْلِيسَ وأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِما الجَنَّةَ وطَلَبِ نُزُولِ الوَحْيِ والتَّنَبِّي ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَحِيلاتِ لِما فِيهِ مِن طَلَبِ إكْذابِ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وأبُو داوُدَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ وحَسْبَ المَرْءِ أنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ ثُمَّ قَرَأ ( إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ )» وفَصَّلَ آخَرُونَ فَقالُوا: الإخْفاءُ أفْضَلُ عِنْدَ خَوْفِ الرِّياءِ والإظْهارُ أفْضَلُ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِهِ وأوْلى مِنهُ القَوْلُ بِتَقْدِيمِ الإخْفاءِ عَلى الجَهْرِ فِيما إذا خِيفَ الرِّياءُ أوْ كانَ في الجَهْرِ تَشْوِيشٌ عَلى نَحْوِ مُصَلٍّ أوْ نائِمٍ أوْ قارِئٍ أوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ وبِتَقْدِيمِ الجَهْرِ عَلى الإخْفاءِ فِيما إذا خَلا عَنْ ذَلِكَ وكانَ فِيهِ قَصْدُ تَعْلِيمِ جاهِلٍ أوْ نَحْوِ إزالَةِ وحْشَةٍ عَنْ مُسْتَوْحِشٍ أوْ طَرْدِ نَحْوِ نُعاسٍ أوْ كَسَلٍ عَنِ الدّاعِي نَفْسِهِ أوِ إدْخالِ سُرُورٍ عَلى قَلْبِ مُؤْمِنٍ أوْ تَنْفِيرِ مُبْتَدِعٍ عَنْ بِدْعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ومِنهُ الجَهْرُ بِالتَّرَضِّي عَنِ الصَّحابَةِ والدُّعاءُ أمامَ المُسْلِمِينَ في الخُطْبَةِ وقَدْ سَنَّ الشّافِعِيَّةُ الجَهْرَ بِآمِينَ بَعْدَ الفاتِحَةِ وهو دُعاءٌ ويَجْهَرُ بِها الإمامُ والمَأْمُومُ عِنْدَهم.
وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ جِدًّا كَما يَفْعَلُهُ المُؤَذِّنُونَ في الدُّعاءِ بِالفَرَجِ عَلى المَآذِنِ وبَيْنَ رَفْعِهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَن عِنْدَهُ فَقالَ: لا بَأْسَ في الثّانِي غالِبًا ولا كَذَلِكَ الأوَّلُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمُعْتَدِينَ المُجاوَزُونَ ما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ ويَدْخُلُ فِيهِمُ المُعْتَدُونَ في الدُّعاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المَعْنى في الآيَةِ ادْعُوا رَبَّكم في كُلِّ حاجاتِكم مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا تَعْتَدُوا فَتَدْعُوا عَلى مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ بِشَرٍّ كالخِزْيِ واللَّعْنِ وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كُفْرِ مَن دَعا عَلى آخَرَ بِسَلْبِ الإيمانِ أوِ المَوْتِ كافِرًا وهو مِن أعْظَمِ أنْواعِ الِاعْتِداءِ والمُفْتى بِهِ عَدَمُ الكُفْرِ وذَكَرُوا لِلدُّعاءِ آدابًا كَثِيرَةً مِنها الكَوْنُ عَلى طَهارَةِ واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وتَخْلِيَةِ القَلْبِ مِنَ الشَّواغِلِ وافْتِتاحُهُ واخْتِتامُهُ بِالتَّصْلِيَةِ عَلى النَّبِيِّ ورَفْعُ اليَدَيْنِ نَحْوَ السَّماءِ وإشْراكُ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وتَحَرِّي ساعاتِ الإجابَةِ ومِنها يَوْمُ الجُمُعَةِ عِنْدَ كَثِيرٍ ساعَةَ الخُطْبَةِ ويَدْعُو فِيها بِقَلْبِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أفْضَلُ مُتَأخِّرِي مِصْرِهِ الفاضِلُ الطَّحْطاوِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الدُّرِّ المُخْتارِ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ أفْقَهُ المُعاصِرِينَ ابْنُ عابِدِينَ الدِّمَشْقِيُّ ووَقْتُ نُزُولِ الغَيْثِ والإفْطارِ وثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ وبَعْدَ خَتْمِ القُرْآنِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ.
<div class="verse-tafsir"
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً قال الكلبي: يعني في الأحوال كلها.
يعني: ادعوا الذي خلق هذه الأشياء في الأحوال كلها.
ويقال خفية يعني: اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة.
ثم قال: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يعني: أن يدعوا بما لا يحل أو يدعوا على أحد باللعن والخزي أو تدعوا عليه بالشر.
ثم قال: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وذلك أن الله تعالى إذا بعث نبياً فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها، وفي المعصية فساد الأرض وفساد أهلها، ويقال: لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أي لا تجوروا في الأرض فتخرب الأرض لأن الأرض قامت بالعدل، ويقال لا تخربوا المساجد فتتركوا الجماعات وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً يعني اعبدوه خوفاً وطمعاً أي: خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته: ويقال: ادعوه في حال الخوف والضيق، ويقال: خوفاً عن قطيعته ورجاء إلى الغاية.
ثم قال: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ولم يقل قريبة.
قال بعضهم: لأن القريب والبعيد يصلحان للواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
كما قال: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب: 63] وقال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: 83] وقال بعضهم: تفسير الرحمة هاهنا المطر.
فذكر بلفظ المذكر، وقال بعضهم إن رحمة الله قريب.
يعني الغفران والعفو فانصرف إلى المعنى.
ومعناه: المحسنون قريب من الجنة وهم المؤمنون.
ثم قال وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر.
قرأ حمزة والكسائي الريح بلفظ الوحدان.
وقرأ الباقون الرياح بلفظ الجماعة.
واختار أبو عبيد أن كل ما ذكر في القرآن من ذكر الرحمة فهو رياح وكل ما كان فيه ذكر العذاب فهو ريح.
واحتج بما روي عن النبيِّ- -: أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذا هَبَّتِ الرِّيحُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رياحا ولا تجعلها ريحا» .
وقرأ ابن عامر نُشْراً بضم النون وجزم الشين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع نُشُراً بضمتين.
وقرأ حمزة والكسائي نشراً بنصب النون وجزم الشين.
وقرأ عاصم بشراً بالباء ويكون من البشارة كما قال في آية أخرى يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم: 46] .
ومن قرأ نَشْراً بالنون والنصب فيكون معناه يُرْسِلُ الرِّياحَ تَنْشُر السحاب نَشْراً، ومن قرأ بالضمتين يكون جمع نشور، يقال: ريح نشور، أي تنشر السحاب ورياح نُشُر، ومن قرأ بضمة واحدة لأنه لما اجتمعت الضمتان حذفت إحداهما للتخفيف.
ثم قال: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا من الماء، والسحاب جمع السحابة يعني الريح حملت سَحَابًا ثِقَالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ يعني: السحاب تمر بأمر الله تعالى إلى أرض ليس فيها نبات فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ يعني: بالمكان.
ويقال: بالسَّحاب فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي نخرج بالماء من الأرض الثمرات كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى أي يقول: هكذا نحيي الموتى بالمطر كما أحييت الأرض الميتة بالمطر.
وذكر في الخبر أنه إذا كان قبل النفخة الأخيرة أمطرت السماء أربعين يوماً مثل مَني الرجال فتشرب الأرض، فتنبت الأجساد بذلك الماء، ثم ينفخ في الصور، فإذا هم قيام ينظرون.
وفي هذه الآية إثبات القياس وهو ردّ المختلف إلى المتفق، لأنهم كانوا متفقين أن الله تعالى هو الذي ينزل المطر ويخرج النبات من الأرض.
فاحتج عليهم لإحيائهم بعد الموت بإحياء الأرض بعد موتها.
ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لكي تتعظوا وتعتبروا في البعث أنه كائن.
ثم ضرب مثلاً للمؤمنين والكافرين فقال: <div class="verse-tafsir"
وقال السدي: مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة «١» أيضاً، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفاً على ما فاتهم من الإيمان:
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فالتأويل على هذا من آل يؤول، وَنَسُوهُ يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ت: وهذا التقرير يرجّح تأويل ابن سلام المتقدم.
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...
الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء.
قال م: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة.
انتهى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين: الملك، والسلطان «٢» ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات.
وقوله سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «ألا» : استفتاح كلام.
وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر.
قال ع «٣» : ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من: خلق يخلق خَلْقاً، أي: له هذه الصفة إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد
الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣] وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: ٢١٠] .
وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه.
وتَبارَكَ معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله سبحانه.
وتَبارَكَ لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، والْعالَمِينَ جمع عالم.
قوله عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه.
وقوله: تَضَرُّعاً معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، وخُفْيَةً يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم: ٣] ، ونحو هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» «١» والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ.
ت: ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال: الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة.
انتهى/ من «الأحكام» .
وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه صلّى الله عليه وسلّم:
«أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تدعون أصمّ ولا غائبا» «٢» .
ومنها: أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطّط وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قالُّ:
«سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ» «١» .
وقال البخاري: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: في الدعاء وغيره.
انتهى.
ت: قال الخطابي: وليس معنى الاعتداء الإكثار، فقد جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ» «٢» ، وقال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ» «٣» .
انتهى.
وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطّهر والدّعاء» «٤» انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا ﴾ التَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ.
والخِفْيَةُ: خِلافُ العَلانِيَةِ.
قالَ الحَسَنُ: كانُوا يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ، ولا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا.
ومِن هَذا حَدِيثُ أبِي مُوسى: « "أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم، إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا" .» وفي الِاعْتِداءِ المَذْكُورِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَدْعُوَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالشَّرِّ، كالخِزْيِ واللَّعْنَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنْ يَسْألَ ما لا يَسْتَحِقُّهُ مِن مَنازِلِ الأنْبِياءِ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الجَهْرُ في الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُجاوَزَةُ المَأْمُورِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ هَذا أمْرٌ بِالدُعاءِ؛ وتَعَبُّدٌ بِهِ؛ ثُمَّ قَرَنَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِهِ صِفاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تَضَرُّعًا"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِخُشُوعٍ واسْتِكانَةٍ؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الجَهْرَ؛ لِأنَّ التَضَرُّعَ إنَّما يَكُونُ بِإشاراتِ جَوارِحَ وهَيْئاتِ أعْضاءٍ تَقْتَرِنُ بِالطَلَبِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ يُرِيدُ: في النَفْسِ خاصَّةً؛ وقَدْ أثْنى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ"؛» والشَرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِرَّ فِيما لَمْ يُعْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ التَضَرُّعَ والخُفْيَةَ في مَعْنى السِرِّ جَمِيعًا؛ فَكَأنَّ التَضَرُّعَ فِعْلٌ لِلْقَلْبِ؛ ذَكَرَ هَذا المَعْنى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقالَ: "لَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يَقْدِرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونَ جَهْرًا أبَدًا؛ ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُعاءِ؛ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ؛ إنْ هو إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ ؛ وذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ "؛ وقالَ الزَجّاجُ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ مَعْناهُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ ﴿ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ ؛ أيْ بِاسْتِكانَةٍ؛ واعْتِقادِ ذَلِكَ في القُلُوبِ.
وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - هُنا؛ وفي "اَلْأنْعامِ" -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "خِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ بِمَعْنى: "اَلْخَوْفُ"؛ و"اَلرَّهْبَةُ"؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ أيْ: "اُدْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ"؛ ذَكَرَها ابْنُ سِيدَةَ في المُحْكَمِ؛ ولَمْ يَنْسُبْها؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: "فِي الدُعاءِ"؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا؛ فَإلى هَذا هي الإشارَةُ؛ والِاعْتِداءُ في الدُعاءِ عَلى وُجُوهٍ؛ مِنها الجَهْرُ الكَثِيرُ؛ والصِياحُ؛ كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقَوْمٍ - وقَدْ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَكْبِيرِ -: "أيُّها الناسُ؛ اِرْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا"؛» ومِنها أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ في أنْ تَكُونَ لَهُ مَنزِلَةُ نَبِيٍّ؛ أو يَدْعُوَ في مُحالٍ؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ التَشَطُّطِ؛ ومِنها أنْ يَدْعُوَ طالِبًا مَعْصِيَةً؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وفي هَذِهِ الأسْئِلَةِ كِفايَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ و"اَلْمُعْتَدِي"؛ هو مُجاوِزُ الحَدِّ؛ ومُرْتَكِبُ الحَظْرِ؛ وقَدْ يُتَفاضَلُ بِحَسَبِ ما اعْتُدِيَ فِيهِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "سَيَكُونُ أقْوامٌ يَعْتَدُونَ في الدُعاءِ؛ وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ؛ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ تَتَضَمَّنُ كُلَّ إفْسادٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ بَعْدَ إصْلاحٍ؛ قَلَّ أو كَثُرَ؛ والقَصْدُ بِالنَهْيِ هو عَلى العُمُومِ؛ وتَخْصِيصُ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ في هَذا تَحَكُّمٌ؛ إلّا أنْ يُقالَ عَلى وِجْهَةِ المِثالِ؛ قالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تُعَوِّرُوا الماءَ المَعِينَ؛ ولا تَقْطَعُوا الشَجَرَ المُثْمِرَ ضِرارًا؛ وقَدْ ورَدَ: "قَطْعُ الدِينارِ والدِرْهَمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقَدْ قِيلَ: "تِجارَةُ الحُكّامِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْمُرادُ: "وَلا تُشْرِكُوا في الأرْضِ بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللهُ تَعالى بِبِعْثَةِ الرُسُلِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ وتَقْرِيرِ الشَرائِعِ؛ ووُضُوحِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ قَصَدَ إلى أكْبَرِ فَسادٍ بَعْدَ أعْظَمِ صَلاحٍ؛ فَخَصَّهُ بِالذِكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ؛ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حالَةِ تَرَقُّبٍ؛ وتَحَزُّنٍ؛ وتَأْمِيلٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ حَتّى يَكُونَ الرَجاءُ والخَوْفُ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ؛ يَحْمِلانِهِ في طَرِيقِ اسْتِقامَةٍ؛ وإنِ انْفَرَدَ أحَدُهُما هَلَكَ الإنْسانُ؛ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَجاءَ؛ طُولَ الحَياةِ؛ فَإذا جاءَ المَوْتُ غَلَبَ الرَجاءُ؛ وقَدْ رَأى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ عَلى المَرْءِ بِكَثِيرٍ؛ وهَذا كُلُّهُ احْتِياطٌ؛ ومِنهُ تَمَنِّي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنْ يَكُونَ الرَجُلَ الَّذِي هو آخِرُ مَن يُدْخَلُ الجَنَّةَ؛ وتَمَنِّي سالِمٍ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ؛ أنْ يَكُونَ مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهم مُذْنِبُونَ.
ثُمَّ آنَسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ؛ فَإنَّها آيَةُ وعْدٍ؛ فِيها تَقْيِيدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ حَذْفِ التاءِ مِن "قَرِيبٌ"؛ في صِفَةِ الرَحْمَةِ؛ عَلى أقْوالٍ؛ مِنها أنَّهُ عَلى جِهَةِ النَسَبِ؛ أيْ: "ذاتُ قُرْبٍ"؛ ومِنها أنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ جَرَتْ مُجْرى "كَفٌّ خَضِيبٌ"؛ و"لِحْيَةٌ دَهِينٌ"؛ ومِنها أنَّها بِمَعْنًى مُذَكَّرٍ؛ فَذُكِرَ الوَصْفَ لِذَلِكَ؛ واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في تَقْدِيرِ المُذَكَّرِ الَّذِي هي بَدَلٌ مِنهُ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْغُفْرانُ والعَفْوُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَطَرُ؛ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "لَفْظَةُ "اَلْقُرْبُ"؛ إذا اسْتُعْمِلَتْ في النَسَبِ؛ والقَرابَةِ؛ فَهي مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ ولا بُدَّ؛ وإذا اسْتُعْمِلَتْ في قُرْبِ المَسافَةِ؛ [تُذَكَّرُ؛ وتُؤَنَّثُ]".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أو "اَلزَّمَنُ"؛ فَقَدْ تَجِيءُ مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ؛ وقَدْ تَجِيءُ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وهَذا مِنهُ؛ ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: عَشِيَّةَ لا عَفْراءَ مِنكَ قَرِيبَةٌ ∗∗∗ فَتَدْنُو ولا عَفْراءَ مِنكَ بَعِيدُ فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في كِتابِهِ؛ وقَدْ مَرَّ في بَعْضِ كُتُبِ المُفَسِّرِينَ مُقَيَّدًا؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "قَرِيبٌ"؛ في الآيَةِ؛ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلرَّحْمَةِ؛ وإنَّما هي ظَرْفٌ لَها؛ ومَوْضِعٌ؛ فَيَجِيءُ هَكَذا في المُؤَنَّثِ؛ والِاثْنَيْنِ؛ والجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ "بَعِيدٌ"؛ فَإذا جَعَلُوها صِفَةً بِمَعْنى "مُقَرَّبَةٌ"؛ قالُوا: "قَرِيبَةٌ"؛ و"قَرِيبَتانِ"؛ و"قَرِيباتٌ"؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "قَرِيبٌ"؛ إنَّما يُرادُ بِهِ مُقارَبَةُ الأرْواحِ لِلْأجْسادِ؛ أيْ: عِنْدَ ذَلِكَ تَنالُهُمُ الرَحْمَةُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف جاء معترضاً بين ذكر دلائل وحدانية الله تعالى بذكر عظيم قدرته على تكوين أشياء لا يشاركه غيره في تكوينها.
فالجملة معترضة بين جملة ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ [الأعراف: 54] وجملة: ﴿ وهو الذي يرسل الرياح ﴾ [الأعراف: 57] جرى هذا الاعتراض على عادة القرآن في انتهاز فُرص تهنُّؤ القلوب للذّكرى.
والخطاب ب ﴿ ادعوا ﴾ خاص بالمسلمين لأنّه تعليم لأدب دعاء الله تعالى وعبادته، وليس المشركون بمتهيّئين لمثل هذا الخطاب، وهو تقريب للؤمنين وإدناء لهم وتنبيه على رضى الله عنهم ومحبّته، وشاهدُه قوله بعده: ﴿ إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾ [الأعراف: 56].
والخطاب مُوَجَّه إلى المسلمين بقرينة السياق.
و (الدّعاء) حقيقته النّداء، ويطلق أيضاً على النّداء لطلب مهمّ، واستعمل مجازاً في العبادة لاشتمالها على الدّعاء والطّلب بالقول أو بلسان الحال، كما في الرّكوع والسّجود، مع مقارنتها للأقوال وهو إطلاق كثير في القرآن.
والظاهر أنّ المراد منه هنا الطّلب والتّوجه، لأنّ المسلمين قد عبدوا الله وأفردوه بالعبادة، وإنّما المهمّ إشعارهم بالقرب من رحمة ربّهم وإدناء مَقامهم منها.
وجيء لتعريف الرّب بطريق الإضافة دون ضمير الغائب، مع وجود معاد قريب في قوله: ﴿ تبارك الله ﴾ [الأعراف: 54] ودون ضمير المتكلّم، لأنّ في لفظ الرّب إشعاراً بتقريب المؤمنين بصلة المربوبية، وليتوسّل بإضافة الرّب إلى ضمير المخاطبين إلى تشريف المؤمنين وعناية الرّب بهم كقوله: ﴿ بل الله مولاكم ﴾ [آل عمران: 150].
والتّضرّع: إظهار التّذلل بهيئة خاصة، ويطلق التّضرع على الجهر بالدّعاء لأنّ الجهر من هيئة التّضرع، لأنّه تذلّل جهري، وقد فُسّر في هذه الآية وفي قوله في الأنعام (63): ﴿ تدعونه تضرعاً وخفية ﴾ بالجهر بالدّعاء، وهو الذي نختاره لأنّه أنسب بمقابلته بالخُفية، فيكون أسلوبه وفقا لأسلوب نظيره في قوله ﴿ ادعوه خوفاً وطمعاً ﴾ [الأعراف: 56] وتكون، الواو للتقسيم بمنزلة (أو) وقد قالوا: إنّها فيه أجود من (أوْ).
ومن المفسّرين من أبقى التّضرع على حقيقته وهو التّذلل، فيكون مصدراً بمعنى الحال، أي متذلّلين، أو مفعولاً مطلقاً ل ﴿ ادعوا ﴾ ، لأنّ التّذلّل بعض أحوال الدّعاء فكأنّه نوع منه، وجعلوا قوله: وخفية } مأموراً به مقصوداً بذاته، أي ادعوه مُخفين دعاءكم، حتّى أوهم كلام بعضهم أنّ الإعلان بالدّعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه، وهذا خطأ: فإنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم دعا علَناً غير مرّة.
وعلى المنبر بمسمع من النّاس وقال: «اللّهمّ اسْقِنا» وقال: «اللّهمّ حَوالَيْنا ولا علينا» وقال: «اللّهمّ عليك بقريش» الحديث.
وما رويت أدعيته إلاّ لأنّه جهر بها يسمعها من رَوَاها، فالصّواب أنّ قوله: ﴿ تضرعاً ﴾ إذنٌ بالدّعاء بالجهر والإخفاء، وأمّا ما ورد من النّهي عن الجهر فإنّما هو عن الجهر الشّديد الخارج عن حدّ الخشوع.
وقرأ الجمهور ﴿ وخفية ﴾ بضمّ الخاء وقرأه أبو بكر بكسر الخاء وتقدّم في الأنعام.
وجملة ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ واقعة موقع التّعليل للأمر بالّدعاء، إشارة إلى أنّه أمر تكريم للمسلمين يتضمّن رضى الله عنهم، ولكن سلك في التّعليل طريق إثبات الشّيء بإبطال ضدّه، تنبيهاً على قصد الأمرين وإيجازاً في الكلام.
ولكون الجملة واقعَة موقع التّعليل افتتحت ب (إنّ) المفيدة لمجرّد الاهتْمام، بقرينة خلو المخاطبين عن التّردد في هذا الخبر، ومن شأن (إنّ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التّعليل والرّبط، وتقوم مقام الفاء، كما نبّه عليه الشّيخ عبد القاهر.
وإطلاق المحبّة وصفاً لله تعالى، في هذه الآية ونحوها، إطلاقٌ مجازي مراد بها لازم معنى المحبّة، بناء على أنّ حقيقة المحبّة انفعال نفساني، وعندي فيه احتمال، فقالوا: أريد لازم المحبّة، أي في المحبوب والمحِب، فيلزمها اتّصاف المحبوب بما يرضي المحِب لتنشأ المحبّة التي أصلها الاستحسان، ويلزمها رضى المحِب عن محبوبه وإيصال النّفع له.
وهذان اللاّزِماننِ مُتَلازمان في أنفسهما.
فإطلاق المحبّة وصفاً لله مجاز بهذا اللاّزم المركب.
والمراد ب {المعتدين: المشركون، لأنّ يرادف الظّالمين.
6 والمعنى: ادعوا ربّكم لأنّه يحبّكم ولا يحبّ المعتدين، كقوله: ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ [غافر: 60] تعريض بالوعد بإجابة دعاء المؤمنين وأنّه لا يستجيب دعاءَ الكافرين، قال تعالى: ﴿ وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال ﴾ [الرعد: 14] على أحد تأويلين فيها.
وحمل بعض المُفسّرين التّضرّع على الخضوع، فجعلوا الآية مقصورة على طلب الدّعاء الخفي حتّى بَالغ بعضهم فجعل الجهر بالدّعاء منهياً عنه، وتجاوز بعضهم فجعل قوله: ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ تأكيداً لمعنى الأمر بإخفاء الدّعاء، وجعل الجهر بالدّعاء من الاعتداء والجاهرين به من المعتدين الذين لا يحبّهم الله.
ونقل ذلك عن ابن جريج، وأحسب أنّه نقلٌ عنه غير مضبوط العبارة، كيف وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهراً ودعا أصحابه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: التَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، والخُفْيَةُ: إخْلاصُ القَلْبِ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّ التَّضَرُّعَ بِالبَدَنِ، والخُفْيَةَ إخْلاصُ القَلْبِ.
﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ يَعْنِي في الدُّعاءِ، والِاعْتِداءُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يَسْألَ ما لا يَسْتَحِقُّهُ مِن مَنازِلِ الأنْبِياءِ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يَدْعُو بِاللَّعْنَةِ والهَلاكِ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ، رَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ في غَزاةٍ فَأشْرَفُوا وادٍ، فَجَعَلَ النّاسُ يُكَبِّرُونَ ويُهَلِّلُونَ ويَرْفَعُونَ أصْواتَهم، فَقالَ النَّبِيُّ : (أيُّها النّاسُ ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكم إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وهو مَعَكم.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا تُفْسِدُوها بِالكُفْرِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالإيمانِ.
والثّانِي: لا تُفْسِدُوها بِالظُّلْمِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالعَدْلِ.
والثّالِثُ: لا تُفْسِدُوها بِالمَعْصِيَةِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالطّاعَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والرّابِعُ: لا تُفْسِدُوها بِقَتْلِ المُؤْمِنِ بَعْدَ إصْلاحِها بِبَقائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: خَوْفًا مِن عِقابِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
والثّانِي: خَوْفًا مِنَ الرَّدِّ وطَمَعًا في الإجابَةِ.
﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أسْقَطَ الهاءَ مِن قَرِيبٍ والرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ؟
فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ إنْعامٌ مِنهُ فَذُكِّرَ عَلى المَعْنى، وهو أنَّ إنْعامَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ مَكانُ الرَّحْمَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ، كَما قالَ عُرْوَةُ بْنُ حِزامٍ: عَشِيَّةً لا عَفْراءَ مِنكِ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ولا عَفْراءُ مِنكِ بَعِيدُ فَأرادَ بِالبُعْدِ مَكانَها فَأسْقَطَ الهاءَ، وأرادَها هي بِالقَرِيبَةِ فَأثْبَتَ الهاءَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن سميط قال: دلنا ربنا تبارك وتعالى على نفسه في هذه الآية ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء والخطيب في تاريخه عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية أن يعصمه الله من كل سلطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ وعشراً من أول الصافات، وثلاث آيات من الرحمن ﴿ يا معشر الجن ﴾ [ الرحمن: 33] وخاتمة سورة الحشر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة قال: نزلت هذه الآية ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾ [ آل عمران: 7] لقي ركب عظيم لا يرون أنهم من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟
قالوا: من الجنة، خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن عبيد بن أبي مرزوق قال: من قرأ عند نومه ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...
﴾ الآية.
بسط عليه ملك جناحه حتى يصبح، وعوفي من السرق.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن قيس صاحب عمر بن عبد العزيز قال: مرض رجل من أهل المدينة فجاءه زمرة من أصحابه يعوذونه، فقرأ رجل منهم ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض...
﴾ الآية كلها.
وقد أصمت الرجل، فتحرك ثم استوى جالساً، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد من الساعة التي سجد فيها قال له أهله: الحمد لله الذي عافاك.
قال: بعث إلى نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ، سجد الملك وسجدت بسجوده فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضى.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾ لكل يوم منها اسم: أبي جاد، هواز، حطى، كلمون، صعفص، قرشات.
وأخرج سمويه في فوائده عن زيد بن أرقم قال: إن الله عزَّ وجلَّ خلق السموات والأرض في ستة أيام، قال: كل يوم مقداره ألف سنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: بدء الخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد ويوم الإِثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وجميع الخلق في يوم الجمعة، وتهودت اليهود يوم السبت، ويوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إن الله بدأ خلق السموات والأرض وما بينهما يوم الأحد، ثم استوى على العرش يوم الجمعة في ثلاث ساعات، فخلق في ساعة منها الشموس كي يرغب الناس إلى ربهم في الدعاء والمسألة، وخلق في ساعة النتن الذي يقع على ابن آدم إذا مات لكي يقبر.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن حيان الأعرج قال: كتب يزيد بن أبي سلم إلى جابر بن زيد يسأله عن بدء الخلق؟
قال: العرش والماء والقلم، والله أعلم أي ذلك بدأ قبل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كل يوم ألف سنة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، وآدم يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في اخر ساعة من النهار» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ قال: يوم السابع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: إن الله حين خلق الخلق استوى على العرش فسبَّحه العرش.
وأخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها في قوله: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والاقرار به ايمان، والجحود به كفر.
وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله: ﴿ استوى على العرش ﴾ كيف استوى؟
قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق.
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عبد الله بن صالح بن مسلم قال: سئل ربيعة...
فذكره.
وأخرج اللالكائي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له: يا أبا عبد الله استوى على العرش كيف استوى؟
قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرُّحَضاء يعني العرق وأطرق القوم قام: فسرى عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً وأمر به فأخرج.
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ كيف استواؤه؟
فاطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ كما وصف نفسه، ولا يقال له كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه.
قال: فأخرج الرجل.
وأخرج البيهقي عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت سفيان بن عيينه يقول: كلما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه.
وأخرج البيهقي عن إسحاق بن موسى قال: سمعت ابن عيينه يقول: ما وصف الله به نفسه فتفسيره قراءته، ليس إلا لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسله صلوات الله عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عيسى قال: لما استوى على العرش خر ملك ساجداً، فهو ساجد إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة رفع رأسه فقال: سبحانك ما عبدتك حق عبادتك إلا اني لم أشرك بك شيئاً، ولم اتخذ من دونك ولياً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ قال: يغشي الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعاً حتى يدركه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ حثيثاً ﴾ قال: سريعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ قال: يلبس الليل النهار.
أما قوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم ﴾ .
أخرج الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشمس والقمر والنجوم خلقن من نور العرش» .
أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينه في قوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ قال: الخلق: ما دون العرش، والأمر: ما فوق ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان بن عيينه قال: الخلق: هو الخلق، والأمر، هو الكلام.
وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل: ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال: السر.
﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ في الدعاء ولا في غيره.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: التضرع: علانية، والخفية: سر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً ﴾ يعني مستكيناً ﴿ وخفية ﴾ يعني في خفض وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ يقول: لا تدعوا على المؤمن والمؤمنه بالشر: اللهمَّ اخزه والعنه ونحو ذلك، فإن ذلك عدوان.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله: ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ قال: لا تسألوا منازل الأنبياء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: كان يرى أن الجهر بالدعاء الاعتداء.
وأخرج عبد بن حميد وأبو والشيخ عن قتادة ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ قال: لما أنبأكم الله بقدرته وعظمته وجلاله، بيَّن لكم كيف تدعونه على تفئه ذلك فقال: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾ قال: تعلموا إن في بعض الدعاء اعتداء فاجتنبوا العدوان والاعتداء إن استطعتم ولا قوة إلا بالله.
قال: وذكر لنا أن مجالد بن مسعود أخا بني سليم سمع قوماً يعجون في دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم لقد أصبتم فضلاً على من كان قبلكم أو لقد هلكتم، فجعلوا يتسللون رجلاً رجلاً حتى تركوا بقعتهم التي كانوا فيها قال: وذكر لنا أن ابن عمر أتى على قوم يرفعون أيديهم فقال: ما يتناول هؤلاء القوم؟
فوالله لو كانوا على أطول جبل في الأرض ما ازدادوا من الله قرباً.
قال قتادة: وإن الله إنما يتقرب إليه بطاعته، فما كان من دعائكم الله فليكن في سكينة، ووقار، وحسن سمت، وزي وهدي، وحسن دعة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن مغفل.
أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها.
فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوّذ به من النار، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد بن أبي وقَّاص.
أنه سمع ابناً له يدعو ويقول: اللهمَّ إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها ونحو هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً وتعوّذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء» وقرأ هذه الآية ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾ وأن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسلك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: إياك أن تسأل ربك أمراً قد نهيت عنه أو ما ينبغي لك.
وأخرج ابن المبارك وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً فرضي له قوله، فقال: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ [ مريم: 2] .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال: إن من الدعاء اعتداء، يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ ، التضرع: التذلل والتخشع، وهو إظهار الذل الذي في النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا ما تخشع له وسأله أن يعطيه، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ، والخُفية: خلاف العلانية، وهو من أخفيت الشيء إذا سترته (١) (٢) (٣) قال الزجاج: ( ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ تملقًا، وحقيقته: أن يدعوه خاضعين متعبدين) (٤) قال (٥) (٦) أنه قال: "خير الدعاء ما خفي" (٧) وقال أيضًا لقوم رفعوا أصواتهم بالدعاء: "إنكم لستم تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، إنه معكم" (٨) وقال الحسن: (إن الله يحب القلب النقي والدعاء الخفي، ولقد أثنى علي زكريا فقال: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾ ، وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء و (٩) ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ (١٠) ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ (أي: واعتقدوا عبادته في أنفسكم؛ لأن الدعاء معناه: العبادة) (١١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: المجاوزين ما أمروا به، قال الكلبي: ( ﴿ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ بالجهر في الدعاء) (١٢) وقال ابن جريج: (من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء) (١٣) (١) في (أ): (أي سترته).
(٢) انظر: "العين" 4/ 313، و"الجمهرة" 1/ 617 - 618، و"تهذيب اللغة" 1/ 1070، و"الصحاح" 6/ 2329، و"المجمل" 2/ 297، و"مقاييس اللغة" 2/ 202، و"المفردات" ص 289، و"اللسان" 2/ 1217 (خفي).
(٣) قرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام آية 63: ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ بكسر الخاء، وقرأ الباقون بضمها في السورتين، وهما لغتان مشهورتان.
انظر: "السبعة" ص 283، و"المبسوط" ص 170، و"التذكرة" 2/ 400، و"التيسير" ص 103، و"النشر" 2/ 259، وانظر: في "توجيه القراءات "الحجة" لأبي علي 4/ 29 - 30، و"معاني القراءات" 1/ 362، و"إعراب القراءات" 1/ 159، و"الحجة" لابن خالويه ص 141، ولابن زنجلة ص 255، و"الكشف" 1/ 435.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 344، وفيه: (قال قوم: تضرعوا تملقًا - حقيقته ..).
(٥) لفظ: (قال) ساقط من (ب).
(٦) انظر: "الفتاوى" 15/ 10 - 28، و"بدائع التفسير" 2/ 219 - 238.
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ بعد طول بحث، وروي وكيع في "الزهد" 1/ 341 == رقم 118، وابن أبي شيبة 6/ 86 (29654)، وأحمد في "المسند" 3/ 44، و"الزهد" ص 16، وابن حبان في "صحيحه" 2/ 125 رقم 797، وابن السني في "القناعة" ص 26 - 27 رقم 28 - 29 بسند ضعيف عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي قال: "خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي" اهـ.
وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة لين الحديث، كثير الإرسال.
انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 627، وانظر: "المفاسد الحسنة" للسخاوي ص 247.
(٨) أخرجه البخاري رقم (2992) كتاب الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر رقم (2704)، عن أبي موسى الأشعري قال: (كنا مع النبي في سفر فجعل الناس يجهرون التكبير فقال النبي : "أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم") اهـ.
(٩) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١٠) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" ص 45 - 46، والطبري في "تفسيره" 8/ 206، 207 بسند جيد، وأخرجه وكيع في "الزهد" 2/ 616، وابن أبي شيبة 6/ 87 (29662)، بلفظ: (كانوا يجتهدون في الدعاء ولا تسمع إلا همسًا) اهـ.
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 344، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 43.
(١٢) "تنوير المقباس" 2/ 100، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 195، وابن الجوزي 3/ 215.
(١٣) أخرجه الطبري 8/ 207 بسند جيد، ومحبة الله تعالى لا تنتفي عمن يجهر بالدعاء لمجرد الجهر، فالدعاء مأمور به مطلقًا ﴿ الله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ في كل شيء دعاء كان أو غيره، وأعظمهم الذين يدعون معه غيره أو يعتدون بترك التضرع والدعاء، وكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله، والدعاء خفية أحب إلى الله تعالى وأفضل، وفيه فوائد عظيمة وكثيرة، ذكرها ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 219 - 233، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 784، والقرطبي 7/ 223.
<div class="verse-tafsir"
﴿ استوى عَلَى العرش ﴾ حيث وقع حمله قوم على ظاهره منهم ابن أبي زيد وغيره، وتأوّله قولم بمعنى: قصد كقوله: ثنم استوى إلى السماء، ولو كان ذلك لقال: ثم استوى إلى العرش، وتأوّلها الأشعرية أنّ معنى استوى استولى بالملك والقدرة، والحق: الإيمان به من غير تكييف، فإنّ السلامة في التسليم، ولله در مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة، وقد روي مثل قول مالك عن أبي حنيفة، وجعفر الصادق، والحسن: البصري، ولم يتكلم الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه ولذلك قال مالك السؤال عن هذا بدعة ﴿ يُغْشِي اليل النهار ﴾ أي يلحق الليل بالنهار، ويحتمل الوجهين، هكذا قال الزمخشري، وأصل اللفظة من الغشاء، أي يجعل أحدهم غشاء للآخر يغطيه فتغطي ظلمة الليل ضوء النهار ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ أي سريعاً، والجملة في موضع الحال من الليل أي طلب الليل النهار فيدركه ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ﴾ قيل: الخلق المخلوقات، والأمر مصدر أمر يأمر، وقيل: الخلق مصدر خلق، والأمر واحد الأمور: كقوله: إلى الله تصير الأمور، والكل صحيح ﴿ تَبَارَكَ ﴾ من البركة، وهو فعل غير منصرف لم تنطق له العرب بمضارع ﴿ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ مصدر في موضع الحال وكذلك خوفاً وطمعاً، وخفية من الإخفاء، وقرئ خيفة من الخوف ﴿ المعتدين ﴾ المجاوزين للحد، وقيل هنا هو رفع الصوت بالدعاء والتشطط فيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغشي ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد وسهل ويعقوب غير روح.
﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها بالرفع: ابن عامر.
الآخرون بالنصب.
﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلى خلف ﴿ نشرا ﴾ بالنون وسكون الشين: ابن عامر.
وبفتح النون وسكون الشين: حمزة وعلي وخلف وأبو زيد عن المفضل.
وبضم الباء الموحدة والشين الساكنة: عاصم غير أبي زيد الباقون بضم النون والشين.
﴿ ميت ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وحفص والمفضل ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف: يزيد.
الآخرون بكسرها.
الوقوف: ﴿ حثيثاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده مرفوعات ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ والأمر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه للعطف مع الآية.
﴿ وطمعاً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ بإذن ربه ﴾ ج للابتداء مع العطف ﴿ نكداً ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير أمر المعاد عاد على عادته إلى بيان المبدإ وهو ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة والعلم تأكيداً للمعاد.
والمعنى إن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكاره هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأجسام الجسام وأودع فيها أنواع المنافع وأصناف الفوائد، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات ويعوّل على غيره في تحصيل السعادات؟
قال علماء الأدب: أصل ست سدس بدليل سديس وأسداس.
ثم إن العرب كانوا يخاطبون اليهود فالظاهر أنهم سمعوا بعض أوصاف الخالق منهم فكأنه يقول: لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتهما في ستة أيام.
قيل: إنه كان قادراً على إيجادهما دفعة واحدة فما الفائدة في ذكر أنه خلقهما في ستة أيام في أثناء ذكر ما يدل على وجود الصانع؟
وأجيب بأنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور والصبر فيها كيلا يحمل المكلف تأخير الثواب والعقاب على التعطيل.
ومن العلماء من قال: إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذلك إنما وقع على سبيل الاتفاق، أما إذا أحدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للحكمة والمصلحة كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث حكيم عليم قادر رحيم.
وأيضاً ثبت بالدليل أنه يخلق العاقل أوّلاً ثم يخلق السموات والأرض بعده لأن خلق ما لا ينتفع به في الحال يجر إلى العبث.
ثم إن ذلك العاقل - ملكاً كان أو جنياً - إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على سبيل التعاقب والتوالي كان ذلك أقوى في إفادة اليقين لأنه يتكرر على عقله ظهور هذه الدلائل لحظة فلحظة.
وأما تقدير المدة بستة أيام فلا يرد عليه إشكال لأن السؤال يعود على أي مقدار فرض، وقيل: إن لعدد السبعة شرفاً عظيماً ولهذا خصت ليلة القدر بالسابع والعشرين.
فالأيام الستة لتخليق العالم والسابع لتحصيل كمال الملك والملكوت.
فإن قيل: كيف يعقل حصول الأيام قبل خلق الشمس التي نيط تقدير الأزمنة بطلوعها وغروبها؟
فالجواب أن المراد خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام كقوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ والمراد مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا صباح عند الله ولا مساء.
وعن ابن عباس أن هذه الأيام أيام الآخرة كل يوم ألف سنة مما تعدون.
والأكثرون على أنها أيام الدنيا لأن التعريف بها يقع.
والظاهر أنها الأيام بلياليها لا النهار.
ونقول: يمكن أن تحمل الأيام الستة على الأطوار الستة التي للأجسام الهيولي والصورة والجسم البسيط ثم المركب المعدني والنباتي والحيواني والله أعلم بمراده.
أما قوله : ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ فحمل بعضهم الاستواء على الاستقرار وزيف بوجوه عقلية ونقلية منها: أن استقراره على العرش يستلزم تناهيه من الجانب الذي يلي العرش، وكل ما هو متناهٍ فاختصاصه بذلك الحد المعين يستند لا محالة إلى محدث مخصص فلا يكون واجباً.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإله نوراً غير متناهٍ ويراد باستقراره على العرش بلا تناهيه إحاطته به من الجوانب ونفوذه في الكل لا كإحاطة الفلك الحاوي بالمحوى.
ولا كنفوذ النور المحسوس في الشرف، بل على نحو آخر تعوزه العبارة.
ومنها أنه لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناهٍ من كل الجهات أو متناهياً من بعضها دون بعض.
وعلى الأول يلزم اختلاطه بجميع الأجسام حتى للقاذورات ومع ذلك فالشيء الذي هو محل السموات، إما أن يكون عين الشيء الذي هو محل الأرض أو غيره، وعلى الأول يلزم أن يكون السماء والأرض حالين في محل واحد فهما شيء واحد لا شيئان.
وعلى الثاني يلزم التركيب والتجزئة في ذاته .
وأما إن كان متناهياً من الجهات فلو حصل في جميع الأحياز فهو محال بالبديهة، وإن حصل في حيز واحد فلو كان جوهراً فرداً لزم أن يكون واجب الوجود أحقر الأشياء وإلا لزم التبعيض لأن جهة الفوق منه تكون مغايرة لمقابلتها.
وكذا الكلام فيه إن كان متناهياً من بعض الجهات، ولو جاز أن يكون الشيء المحدود من جانب أو جوانب قديماً أزلياً فاعلاً للعالم فلم لا يجوز أن يقال فاعل العالم هو الشمس والقمر أو كوكب آخر؟
وأيضاً يصح على الشق المتناهي أن يكون غير متناهٍ وعلى غير المتناهي أن يكون متناهياً، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي فيصح النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفريق والتمزق على ذاته فيكون ممكناً محدثاً لا واجباً قديماً.
ولقائل أن يقول: إنه غير متناهٍ ولا يلزم من ذلك أن يكون محلاً للعالم ولا حالاً فيه، واستصحاب الشيء للمحل غير كونه نفس المحل أو مفتقراً إلى المحل.
وحديث اختلاطه بالقاذورات تخييل لا أصل له عند الرجل البرهاني.
ومنها أنه لو كان الباري يتعالى حاصلاً في المكان والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجوداً مشاراً إليه أو لا يكون.
فإن كان موجوداً كان له بعد وامتداد وللحاصل فيه أيضاً بعد وامتداد فيلزم تداخل البعدين ومع ذلك يلزم كون الجهة والحيز أزليين ضرورة كون الباري أزلياً ومحال أن يكون ما سوى الواجب أزلياً، وإن لم يكن موجوداً لزم كون العدم المحض ظرفاً لغيره ومشاراً إليه بالحس وذلك باطل.
واعترض بأن ذلك أيضاً وارد عليكم في قولكم: "الجسم حاصل في الحيز والجهة".
وأجيب بأن مكان الجسم عندنا عبارة عن السطح الظاهر من الجسم المحوي وهذا المعنى بالاتفاق في حق الله محال فسقط الاعتراض.
ولقائل أن يقول: الجهة مقطع الإشارة الحسية وهذا في حقه محال لعدم تناهيه.
ولم لا يجوز أن يكون المكان خلاء فلا يلزم تداخل البعدين ولو لزم هناك لزم في الأجسام أيضاً بل لا بعد هناك ولا امتداد، ولو فرض فلن يلزم منه الانقسام في الخارج، ومنها أنه لو امتنع وجود الباري بحيث لا يكون مختصاً بالحيز والجهة لكانت ذاته مفتقرة في تحققها ووجودها إلى غيره فيكون ممكناً.
والجواب ما مر من أن استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إليه.
ومنها أن الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، ولأن هذا المفهوم واحد فالأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية.
فلو اختص ذاته بحيز معين لكان اختصاصه به لمخصص مختار، وكل ما كان فعل الفاعل المختار فهو محدث، فحصوله في الحيز محدث وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو أولى بالحدوث فالواجب محدث هذا خلف.
ولقائل أن يقول: ما لا يتناهى لا يعقل له حيز معين ولو فرض لا تناهي الأحياز أيضاً فافتقاره إليها ممنوع، وكيف يفتقر الشيء إلى ما تأخر وجوده عن وجود ذلك الشيء والمعية بعد ذلك لا تضر؟
ومنها لو كان في الحيز والجهة لكان مشاراً إليه بالحسن، ثم إن كان قابلاً للقسمة لزم التجزي وإلا لكان نقطة أو جوهراً فرداً فلا يبعد أن يقال: إن إله العام جزء من ألف جزء من رأس إبرة ملتصقة بذنب قملة أو نملة.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن كونه مع الحيز من جميع الجهات المفروضة يستلزم كونه مشاراً إليه حساً فإن العقل يعجز عن إدراكه فضلاً عن الحس وباقي الكلام لا يستحق الجواب.
ومنها كل ذات قائمة بالنفس يشار إليها بحسب الحس فلا بد أن يكون جانب يمينه مغايراً لجانب شماله فيكون منقسماً وكل منقسم مفتقر ممكن.
قالوا: هذا الدليل مبني على نفي الجوهر الفرد.
ومنها لو كان في حيز لكان إما أعظم من العرش أو مساوياً له أو أصغر منه والثالث باطل بالإجماع والأولان يستلزمان الانقسام لأن المساوي للمنقسم منقسم وكذا الزائد عليه، لأن القدر الذي فضل به عليه مغاير لما سواه.
ولقائل أن يقول: لا نسبة بين الجسم وبين نور الأنوار وتستحيل هذه التقادير.
ومنها أنه لو فرض كونه غير متناهٍ من جميع الجهات كما يزعم الخصم لزم لا تناهي الأبعاد وإنه محال لبرهان تناهي الأبعاد.
ولقائل أن يقول: إن برهان تناهي الأبعاد لا يسلم ولو سلم فلا بعد فيما وراء العالم الجسماني ولا امتداد.
ومنها أنه لو كان حاصلاً في الحيز لكان كونه هناك أما أن يمنع من حصول جسم آخر فيه أو لا يمنع.
وعلى الأول كان تعالى مساوياً لجميع الأجسام في هذا المعنى، ثم إنه إن لم تحصل بينه وبينها ومخالفة بوجه آخر صح عليه ما يصح عليها من التغيرات وإنه محال، وإن حصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايراً لما به المخالفة فيكون الواجب مركبا بل ممكناً.
وأيضاً إن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد إما أن يكون محلاً لما به المخالفة أو حالاً فيه أو لا هذا ولا ذاك.
فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه والأمور التي بها حصلت المخالفة أعراضاً وصفات، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما يصح على بعضها يصح على البواقي، وكل ما يصح على بعض الأجسام من التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد يصح على ذاته .
وإن كان ما به المخالفة محلاً وذوات وما به المشاركة حالاً وصفة فذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة فيجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً وامتداداً هذا خلف.
وإن لم يكن حالاً ولا محلاً كان أجنبياً مبايناً فتكون ذات الله مساوية لتمام الأجسام في الماهية ويصح عليه ما يصح عليها هذا محال، وعلى التقدير الثاني - وهو أن ذاته لا تمنع من حصول جسم آخر في حيزه - لزم سريانه في ذلك الجسم وتداخل البعدين كما مر والكل محال، فالمقدم وهو كونه في حيز محال.ولقائل أن يقول: كون البارىء مع الحيز مغاير لكون الجسم في الحيز فأين الاشتراك؟
ولو سلم فالاشتراك في اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات فمن أين يلزم التركيب؟
قوله: "فإن كان محلاً له كان البعد جوهراً قائماً بنفسه" قلنا: كون البعد جوهراً قائماً بنفسه حق، ولكن الملازمة ممنوعة، وكذا قوله: "الأمور التي بها حصلت المخالفة" أعراض وصفات لجواز قيام العرض بالعرض كالبطء والسرعة القائمين بالحركة، قوله: "وإلا كان موجوداً مجرداً فلا يكون بعداً" ممنوع لما قلنا من احتمال وجود بعد مجرد بلا وجوبه، والكلام في سريانه في الموجودات قد مر.
ومنها أنه لو كان في حيز فإن أمكنه التحرك منه بعد سكونه فيه كان المؤثر في حركته وسكونه فاعلاً مختاراً، وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث وما لا يخلو عن المحدث أولى بأن يكون محدثاً وإن لم يمكنه التحرك منه كان كالزمن المعقد العاجز وذلك محال.
وأيضاً لا يبعد فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عنها فلا يمكن إثبات حدوث الأجسام بدليل الحركة والسكون والكرامية يساعدون على أنه كفر.
ولقائل أن يقول: إن الحركة والسكون من خواص الأجسام المفتقرة إلى أحياز، فأما النور المجرد فلا يوصف بالحركة والسكون وإن كان مع الحيز والمتحيز.
سلمنا وجوب اتصافه بأحدهما فلم لا يجوز أن لا يمكنه التحرك لا لكونه زمناً مقعداً ولكن لأنه نور غير متناهٍ لا يصح وصفة بالتخلخل والتكاثف ونحو ذلك، فتستحيل عليه الحركة لأنها موقوفة على شغل حيز وتفريغ حيز آخر، ولأن العالم النوراني الذي لا نهاية له مملوء منه فكيف يتصور خلو حيز عنه؟
ومنها أنه لو كان مختصاً بحيز فإن كان لطيفاً كالماء والهواء كان قابلاً للتفرق والتمزق، وإن كان صلباً كان إله العالم جبلاً واقفاً في الحيز العالي، وإن كان نوراً محضاً جاز أن تفرض هذه الأنوار التي تشرق على الجدران إلهاً.
وأيضاً إن كان له طرف وحدّ فإن كان ذا عمق وثخن كان باطنه غير ظاهره وإلا كان سطحاً في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منها ألف ألف مرة.
قلت: إن أمثال هذه الكلمات لا تصدر إلا عمن لا يفرق بين النور المعقول والنور المحسوس، والجوهر المجرد والجوهر المادي، والشيء القائم بذاته والمفتقر إلى غيره.
ومن العجب العجاب أن هذا المستدل قد سمع من جمهور العقلاء أن الأجرام الفلكية لا تطلق عليها الصلابة واللين، وإذا جاز أن يكون في أنواع الأجسام نوع لا يمكن أن يتصف بهذين المتقابلين لأن ذلك الموضع أجل وأشرف من أن يتصف بأحدهما، فلم لا يجوز أن يكون فيما هو أشرف من ذلك النوع شيء لا يتصف بهما؟!
ومنها لو كان إله العالم فوق العرش لكان مماساً للعرش أو مبايناً له ببعد متناهٍ أو غير متناهٍ.
وعلى الأول فإن لم يكن له ثخن كان سطحاً رقيقاً كما مر، وإن كان له ثخن فالمماس مغاير لغير المماس ويلزم تركيبه، وإن كان مبايناً ببعد متناهٍ فلا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى أن يماسه ويعدو الإلزام المذكور، وإن كان مبايناً ببعد غير متناهٍ لزم أن يكون غير المتناهي محصوراً بين الحاصرين، ولقائل أن يقول: المباينة والمماسة من خواص الأجسام وإنه نور مجرد محض فلا يصلح عليه الاتصال والانفصال والتماس والتباين والتداخل وأشباه ذلك.
ومنها أن الاستقراء قد دل على أن الجرمية كلما كانت أقوى كانت الفاعلية والتأثير أضعف وبالعكس، ولهذا كان تأثير الأرض أقل من تأثير الماء، وتأثير الماء من تأثير الهواء، وتأثير الهواء من تأثير النار بالإحراق والطبخ، وتأثير النار من تأثير الأفلاك المؤثرة في العنصريات.
ثم إنه لا قدرة ولا قوة أشد من قدرة الواجب لذاته فيكون بريئاً من الحجم والجرم والكثافة والرزانة.
قلت: في الاستقراء نزاع إنه صحيح تام أولاً، ولكن لا نزاع في أن واجب الوجود شأنه بريء عن الحجمية والكثافة وعن كل شيء يقدح في قيوميته.
وههنا حجج قد أوردت في أوائل سورة الأنعام في تفسير قوله : ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وقد عرفت ما عليها فهذه حجج عقلية عول عليها الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، وقد أوردنا عليها ما كانت ترد من المنوع والاعتراضات لا اعتقاداً للتشبيه والتجسم أو تقليداً لأولئك الأقوام بل تشحيذاً للذهن وتقريباً إلى المعارف والحقائق وجذباً بضبع المتأمل في المضايق والمزالق فليختر المنصف ما أراد والله الموفق للرشاد.
ولعل هذا المقام مما لا يكشف المقال عنه غير الخيال والله أعلم بحقيقة الحال.
ثم قال : وأما الدلائل السمعية فكثيرة منها قوله : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والأحد مبالغة في كونه واحداً والذي يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركباً من أجزاء فوق أجزاء العرش وذلك ينافي كونه أحداً.
وأجيب بأنه ذات واحدة حصلت في كل الأحياز دفعة واحدة، وزيف بأن هذا معلوم الفساد بالضرورة لو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال جميع العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة الأحياز فظن أنه أشياء كثيرة.
قلت: وهذه مغالطة فإن هذا الجزء الذي لا يتجزأ لصغره غير الشيء الذي لا يقبل التجزئة والأنقسام لذاته.
وأيضاً المتحيز الذي مقداره ذراع في ذراع لا يشغل بالبديهة حيزين كل منهما ذراع في ذراع فلزم منه أن لا يشغل ذينك الحيزين متحيز مقداره.
ضعف ذلك على أن الحق ما عرفت مراراً أن نور الأنوار قيوم في ذاته حاصل في جميع الأشياء لا منفصل عنها انفصال المحيط عن المحاط، ولا متصل بها اتصال العرض الساري في الأجسام، ولهذا لا يلزمه بانقسامها الانقسام.
ومنها قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية ﴾ ويلزم منه أن يكون حامل العرش حاملاً للإله.
والجواب أنك إن سميت المعية حملاً فلا نزاع.
ومنها قوله: ﴿ والله الغني ﴾ فوجب أن يكون غير مفتقر إلى المكان والجهة، والجواب أن الاستصحاب غير الافتقار.
ومنها أن فرعون طلب حقيقة الإله في قوله: ﴿ وما رب العالمين ﴾ ولم يزد موسى على ذكر الأوصاف.
وأما فرعون فقد طلب الإله في السماء في قوله ﴿ فأطلع إلى إله موسى ﴾ فعلمنا أن التنزية دين موسى ووصفه بالمكان والحيز دين فرعون.
والجواب لا نزاع في أن حقيقة ذاته كما هي لا يعلمها إلا هو والبسائط المحضة لا تعرف إلا بلوازم، وطلب فرعون إنما كان مذموماً لأنه تصور أن يكون الإله شخصاً مثله على تقدير وجوده لقوله: ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ .
ومنها هذه الآية لأنها تدل على أنه استقر على العرش بعد تخليق السموات والأرض وكان قبل ذلك مضطرباً.
والجوب المراد بالاستقرار أنه كان ولم يكن معه شيء فإذا خلق ما خلق من عالم الأجسام والأختلاط بقي ما وراءه نوراً محضاً.
ومنها قصة إبراهيم وتبرئه من الآفلين ولو كان جسماً لكان آفلاً في أفق الإمكان.
والجواب أن نور الأنوار أجل من ذلك ولا يلزم من كونه مع جميع الأحياز ومع ما سواها أن يكون في مرتبة الأجسام بل النفوس والعقول.
ومنها أن أول الآية أعني قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ﴾ يدل على قدرته وحكمته وكذا قوله ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ إلى آخر الآية.
فلو كان المراد من الاستواء هو الاستقرار كان أجنبياً عما قبله وعما بعده لأنه ليس من صفات المدح إذ لو استقر عليه بق وبعوض صدق عليه أنه استقر على العرش.
فإذن المراد بالاستواء كمال قدرته في تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها.
والجواب أن الاستقرار بالتفسير الذي ذكرناه أدل شيء على المدح والثناء، وحديث البق والبعوض خراف وهل هو إلا كقول القائل: لو كان واجب الوجود بقاً أو بعوضاً صدق عليه أنه إله فلا يكون الإله دالاً على المدح.
ومنها أنه حكم في آيات كثيرة بأنه خالق السموات فلو كان فوق العرش كان سماء لساكني العرش لأن السماء عبارة عن كل ما علا وسما، ومن هنا قد يسمى السحاب سماء فيلزم أن يكون خالقاً لنفسه.
والجواب بعد تسليم أن كل ما سما وارتفع فهو سماء من غير اعتبار أنه نور أو جسم، أن ذاته مخصوصة بدليل منفصل كقوله: ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ هذا ولغير الموسومين بالمجسمة والمشبهة في الآية قولان: الأول القطع بكونه متعالياً عن المكان والجهة ثم الوقوف عن تأويل الآية وتفويض علمها إلى الله، والثاني الخوض في التأويل وذلك من وجوه: أحدها تفسير العرش بالملك والاستواء بالاستعلاء أي استعلى على الملك.
وثانيها: أن "استوى" بمعنى "استولى" كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق وثالثها ذكر القفال أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك.
يقال: استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه إذا استقام له أمره واطرد.
وفي ضدّه خلا عرشه أي انتقض ملكه وفسد.
فالله دلّ على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم بالوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم لتستقر عظمة الله تعالى في قلوبهم إلا أن ذلك مشروط بنفي التشبيه، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه لا يخفى عليه شيء، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة أو روية ولا باستعمال حاسة وإذا قال: قادر.
علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات وتكوين الممكنات ثم عرفوا أنه غني في ذلك الإيجاد والتكوين عن الآلات والأدوات وسبق المادة والمدّة والفكرة والروية، وكذا القول في كل من صفاته.
وإذا أخبر أن له بيتاً يجب على عباده حجه فهموا منه أنه نصب موضعاً يقصدونه لمآربهم وحوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه ولم ينتفع به لدفع الحر والبرد.
وإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ثم علموا أنه لا يفرح بذلك التحميد والتمجيد ولا يحزن بتركه والإعراض عنه.
وإذا أخبر أنه خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش فهموا منه أنه بعد أن خلقهما استوى على عرش الملك والجلال.
ومعنى التراخي أنه يظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلقها لأن تأثير الفاعل لا يظهر إلا في القابل.
وقال أبو مسلم: العرش لغة هو البناء والعارش الباني قال : ﴿ ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ فالمراد أنه بعد أن خلقها قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
قوله : ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ قال صاحب الكشاف: يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل يحتملهما اللفظ جميعاً.
وقال القفال: لما أخبر بالاستواء على العرش وأن أمر المخلوقات منوط بتدبيره ومشيئته أراهم ذلك عياناً فيما يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر.
وقدم ذكر الليل والنهار لما في تعاقبهما من المنافع الجليلة فبهما تتم أمور الحياة، ثم وصف الحركة التي يحصلان منها بالسرعة والشدةّ فقال ﴿ يطلبه حثيثاً ﴾ قال الليث: الحث الإعجال وذلك أن حركة الفلك الأعظم أشدّ الحركات سرعة حتى إنها في مقدار ما تقول واحد واحد واحد يتحرك ألفاً وسبعمائة واثنين وثلاثين فرسخاً من مقعر فلكه والله أعلم بتحرك محدبه.
فإن قيل: ما محل الجملتين؟
قلت: أما الأولى فمستأنفة كأنه قيل: فماذا يفعل بعد خلق السموات والأرض؟
فأجيب يغشي الليل النهار.
وعلى قول من يفسر الاستواء بالتدبير والتصرف يحتمل أن تكون هذه الجملة مبينة.
وأما الثانية ففي محل النصب على الحال من الملحق كما أن ﴿ حثيثاً ﴾ منصوب على الحال من الطالب وهو الملحق بعينه.
ثم قال: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخّرات ﴾ من قرأهن منصوبات فمعناه وخلق هذه الأجرام حال كونهن تحت تسخيره، ومن قرأها مرفوعات فعلى الابتداء والخبر، وكلتا القراءتين حسنة لأنك إذا قلت: ضربت زيداً استقام أن يقال زيد مضروب.
وقوله: ﴿ بأمره ﴾ متعلق بمسخرات أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره.
قال في الكشاف: سمي ذلك أمراً على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك.
ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الذي هو الكلام، وعلى هذا لا يبعد أن يكون ﴿ بأمره ﴾ متعلقاً بـ ﴿ خلق ﴾ .
بدأ بالشمس لأنه سلطان الكواكب، وثنى بالقمر لأنه كالنائب، وثلث بسائر النجوم لأنها كالخدم.
فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، والشمس تأثيرها بالتسخين، والقمر تأثيره بالترطيب، وتوليد المواليد الثلاثة المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة.
ثم إنه وتعالى خص كل كوكب بخاصية عجيبة وتأثير غريب لا يعلمه بتمامه إلا مبدعه وخالقه، واعلم أن الأجسام متماثلة في الجسمية؛ فاختصاص جرم الشمس بالنور الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي وكذا تخصيص كل واحد من سائر السيارات والثوابت بقوّة أخرى لا بد أن يستند إلى فاعل حكيم قدير عليم فلهذا قال: ﴿ مسخرات بأمره ﴾ .
وأيضاً إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيراً خاصاً من المغرب إلى المشرق، وسيراً آخر سريعاً بسبب حركة الفلك الأعظم، فقوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ تنبيه على أن حدوث الليل والنهار إنما هو بحركة الفلك الأعظم المسمى بالعرش، وقوله: ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ إشارة إلى أن العرش يحرك جميع الأفلاك والكواكب وأنه أودع في جرمه قوّة قاهرة قاسرة باعتبارها قويت على تحريك من دونه على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب.
وأيضاً أن أقسام الأجسام ثلاثة: متحرك إلى الوسط وهما العنصران الثقيلان، ومتحرك عن الوسط وهما الخفيفان، ومتحرك على الوسط وهي الأجرام الفلكية، فيكون الأفلاك والكواكب متحركة بالاستدارة لا إلى المركز ولا عن المركز لا يكون إلا بتسخير الله ، ولأمر ما أكثر الله في كتابه الكريم من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء والغبراء وبالتفكر فيهما قائلاً: ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ﴾ ﴿ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وإن من صنف كتاباً شريفاً مشتملاً على دقائق العلوم العقلية والنقلية فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من اعتقد كونه كذلك على الإجمال، ومنهم من وقف على دقائقها على سبيل التفصيل والكمال، ولا ريب أن اعتقاد الفريق الثاني يكون أكمل وأقوى إذا ثبت هذا فنقول: من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث حصل له بهذا الطريق إثبات الصانع، أما الذي ضم إلى هذه المعرفة البحث عن أحوال هذا العالم العلوي والعالم السفلي على التفصيل الممكن لا يزال ينتقل من برهان إلى برهان ومن دليل إلى دليل فإن يقينه يتزايد وبصيرته تتكامل إلى أن يصير علماً معقولاً مضاهياً لما عليه الموجود، ولمثل هذه الفوائد والأغراض والغايات أنزل هذا الكتاب الكريم لا لتكثير وجوه الإعراب والاشتقاقات المؤدية إلى الإطناب والإسهاب، وأما قوله عز من قائل ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ فالخلق عبارة عن التقدير ويختص بكل ما هو جسم وجسماني لأنه خص بمقدار معين، فكل ما كان بريئاً عن الحجم والمقدار فهو من عالم الأرواح وعالم الأمر لأنه أوجد بأمر "كن" من غير سبق مادّة ومدّة، فعالم الخلق في تسخيره وعالم الأمر في تدبيره واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقديره.
وههنا مسائل ذكرها العلماء: الأولى أنه متكلم آمر ناهٍ مخبر مستخبر لأن قوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ دل على أن له الأمر فوجب أن يكون له النهي وسائر أنواع الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الثانية لا خالق إلا هو لأن قوله: ﴿ ألا له الخلق ﴾ بتقديم الخبر يفيد الحصر.
ولو سلم أنه لا يفيده فلا أقل من إفادة أنه خالق بعض الأشياء، وحينئذٍ يثبت المطلوب لأن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه والإمكان مفهوم واحد في الممكنات وإنه علة للحاجة إلى موجود معين، فجميع الممكنات محتاجة إلى ذلك المعين فالذي يكون مؤثراً في وجود شيء واحد يجب أن يكون هو المؤثر في جميع الممكنات ولا يحتاج إلى الممكنات.
الثالثة قالت الأشاعرة: كل أثر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي فخالق ذلك الأثر في الحقيقة هو الله لقوله: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ ويتفرع على هذا أنه لا إله إلا الله وإلا كان الثاني مدبراً وخالقاً، وأنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم، وأن القول بالطبائع والعقول والنفوس على ما يزعم الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل، وأن خالق أعمال العباد هو الله والقول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل، كل ذلك لئلا يلزم خالق ومؤثر غير الله .
الرابعة كلام الله قديم لأنه ميز بين الخلق وبين الأمر ولو كان أمر الله مخلوقاً لما صح هذا التمييز.
أجاب الجبائي بأنه لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق كقوله: ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ {البقرة: 98] وعارض الكعبي بقوله: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾ فإنه لو وجب مغايرة المعطوف للمعطوف عليه لزم أن تكون الكلمات غير الله ، وكل ما كان غير الله فإنه محدث ومخلوق فكلمات الله مخلوقة.
وقال القاضي: اتفق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام الله بل المراد به نفاذ إرادته وإظهار قدرته، وقال قوم: لا يبعد أن يقال الأمر داخل في الخلق ولكنه من حيث كونه أمراً يدل على نوع آخر من الكمال والجلال.
والمعنى له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى.
ثم بعد الإيجاد والتكوين له الأمر والتكليف في المرتبة الثانية.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ ألا له الخلق ﴾ أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق، فقوله: ﴿ والأمر ﴾ يجب أن يكون معناه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، ويلزم منه أن يكون الأمر محدثاً مخلوقاً لأنه لو كان قديماً لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته بل كان من لوازم ذاته فلا يصدق أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر هذا خلف.
وأجيب بأنه لو كان الأمر داخلاً تحت الخلق لزم التكرار والأصل عدمه فلا يصار إليه إلا للضرورة ولا ضرورة ههنا.
الخامسة في الآية دلالة على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئاً إلا الله، ففعل الطاعة لا يوجب الثواب، وفعل المعصية لا يوجب العقاب، وإيصال الألم لا يوجب العوض.
السادسة دلت الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه، وأن الحسن لا يحسن لأمر عائد إليه وإلا لم يأمر إلا بما حصل فيه وجه الحسن ولم ينه إلا عما حصل فيه وجه القبح، فلا يكون متمكناً من الأمر والنهي كيف شاء وأراد هذا خلف.
السابعة أطلق الخلق والأمر فيعلم أنه لو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والكواكب في أقل من لحظة لقدر عليه، لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات.
الثامنة قال قوم: الخلق صفة من صفات الله وهو غير المخلوق لأن أهل السنة يقولون: معنى قوله: ﴿ الأمر لله ﴾ أنه صفة له فكذا الخلق صفة قائمة بذاته فلا يكون مخلوقاً، وأجيب بأن الخلق لو كان غير المخلوق فإما أن يكون قديماً ويلزم من قدمه قدم المخلوق، وإما أن يكون حادثاً فيفتقر إلى خلق آخر ويتسلسل، ويمكن أن يقال: الصفة قديمة والتعلق حادث.
التاسعة له الأمر يقتضي أن لا أمر لله.
وقول النبي صلّى الله عليه وآله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" لا ينافي ذلك لأن الموجب لأمره في الحقيقة هو أمر الله ، العاشرة في الآية دلالة على أن الله أمراً ونهياً على عباده والخلاف مع نفاة التكليف.
قالوا: إن كان التكليف معلوم الوقوع كان واجب الوقوع فكان الأمر به تحصيلاً للحاصل، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع فكان الأمر به أمراً بما يمتنع وقوعه وهو محال.
وأيضاً إنه إن خلق الداعي إلى فعله كان واجب الوقوع وإلا فلا فائدة في الأمر به.
وأيضاً الكافر أو الفاسق لا يستفيد بالتكليف، إلا الضرر المحض لأنه يعلم أنه لا يؤمن ولا يطيع وخلاف علم الله محال فلا يحصل من الأمر إلا مجرد استحقاق العذاب وهذا لا يليق بالرحيم الحليم.
وأيضاً التكليف إن لم يكن لفائدة في الأمر فهو عبث، وإن كان لفائدة فلا بد أن تعود إلى المكلف لأنه غني فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل نفع أو دفع ضر والله قادر على تحصيلهما للمكلف من غير واسطة التكليف فكان توسيط التكليف إضراراً محضاً.
والجواب أن أوّل الآية دل على أنه هو الخالق لكل العبيد، وإذا كان خالقاً لهم كان مالكاً لهم، وتصرف المالك في ملك نفسه كيف شاء مستحسن، ويحسن منه أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقاً لا كما يقول المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحاً أو من كونه موجب عوض أو ثواب.
ولما بين أن له الأمر والنهي والحكم والتكليف ذكر أنه يستحق الثناء والتقديس فقال: ﴿ تبارك الله رب العالمين ﴾ وللبركة تفسيران: أحدهما الثبات والدوام ولا ريب أنه الواجب لذاته القائم بذاته الدائم الغني بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه.
وثانيهما كثرة الآثام الفاضلة.
ولا شك أن كل الخيرات والكمالات فائضة من جوده وإحسانه بل جميع الممكنات رشحة من بحار فضله وامتنانه.
ثم لما بيّن كمال قدرته وحكمته وأرشد إلى التكليف الموصل إلى سعادة الدارين أتبعه ذكر ما يستعان به على تحصيل المطالب والمآرب الدينية والدنيوية فقال: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال في الكشاف: نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية وكذلك ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ قلت: ويحتمل الانتصاب على المصدر مثل: رجع القهقرى.
والتضرع التذلل وهو إظهار ذل النفس والخفية بالضم أو الكسر ضد العلانية.
قال بعض العلماء: الدعاء ههنا بمعنى العبادة لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على نفسه في قوله: ﴿ وادعوه خوفاً وطمعاً ﴾ والأظهر أنه على الأصل.
ومن الناس من أنكر الدعاء قال: لأن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع أو كان مراداً في الأزل أو كان على وفق الحكمة والمصلحة وقع لا محالة وإلا فلا فائدة فيه.
وأيضاً إنه نوع من سوء الأدب وعدم الرضا بالقضاء وقد يطب ما ليس بنافع له.
وفيه من الاشتغال بغير الله وعدم التوكل عليه ما لا يخفى.
والحق أن الدعاء نوع من أنواع العبادة ورفضه يستدعي رفض كثير من السوائل والوسائط والروابط، ولو لم يكن فيه إلاّ معرفة ذلة العبودية وعزة الربوبية لكفى بذلك فائدة، ولهذا روي عنه وآله: "ما من شيء أكرم على الله من الدّعاء" إلا أنه لا بد فيه من الإخلاص والصون عن الرياء والسمعة، وإليهما أشار بقوله: ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ ونحن قد أطنبنا في تحقيق الدعاء وشرائطه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ وللمسلمين اتفاق على أنه ليس معنى المحبة عند إطلاقها على الله شهوة النفس وميل الطبع ولكنها عبارة عن إيصاله الثواب والخير إلى العبد، وهذا مبني على قول الكعبي وأبي الحسين أنه غير موصوف بالإرادة، وأن كونه مريداً لأفعال نفسه عبارة عن إيجادها وفعلها، وكونه مريداً لأفعال غيره هو كونه آمراً بها.
وأما الأشاعرة ومعتزلة البصرة القائلون بصفة الإرادة فإنهم فسروا المحبة بإرادة إيصال الثواب.
وقال بعض العلماء: إنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخيرات إلى ذلك الابن وكانت هذه الإرادة أثراً من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها.
غاية ما في الباب أن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة في النفس وذلك في حقه محال.
إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال أن محبة الله صفة أخرى يترتب عليها إيصال الثواب أو إرادة الإيصال؟
لكنا لا نعرف تلك المحبة ما هي وكيف هي لأن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء.
نظير ذلك أن أهل السنة يثبتون كونه مرئياً ثم يقولون إن تلك الرؤية لا كرؤية الأجسام والألوان.
ويعني بالمعتدين المجاوزين ما أمروا به فيشمل كل من خالف أمر الله ونهيه.
وقال الكلبي وابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء ويؤيده أنه أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء وظاهره الوجوب إذ قد أثنى على زكريا فقال: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ وعن النبي : "دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية" وعنه "خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي" وعنه صلى الله عليه وآله: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ قوله إنه لا يحب المعتدين" .
ومن هنا اختلف أرباب الطريقة أن الأولى في العبادات الإخفاء أم الإظهار فقيل: الأولى الإخفاء صوناً لها عن الرياء.
وقيل: الأولى الإظهار ليرغب غيره فيالاقتداء.
وتوسط الشيخ محمد بن علي الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفاً على نفسه من الرياء فالأولى في حقه الإخفاء، وإن بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً من شائبة الرياء فالأولى في حقه الإظهار ليحصل فائدة الاقتداء.
قال الشافعي: إظهار التأمين أفضل.
وقال أبو حنيفة: الإخفاء أفضل لأنه إن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ وإن كان اسماً من أسماء الله على ما قيل فكذلك لقوله : ﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ﴾ فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية، ثم نهى عن مجامع المفاسد والمضار بقوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ فيدخل فيه خمسة أشياء: المنع من إفساد النفوس بالقتل، ومن إفساد الأموال بقطع الطريق والسرقة، وإفساد الأنساب بالزنا واللواط والقذف، وإفساد العقول بشرب المسكرات، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وذلك أن قوله: ﴿ لا تفسدوا ﴾ منع عن إدخال ماهية الفساد في الوجود والمنع من الماهية يقتضي المنع من جميع أنواعه.
ومعنى: ﴿ بعد إصلاحها ﴾ بعد أن أصلح خلق الأرض على الوجه المطابق لمنافع الخلق الموافق لمصالح المكلفين، أو المراد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع، فإن الإقدام على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع يقتضي وقوع الهرج والمرج وحدوث الفتن في الأرض.
وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار الحرمة فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام.
وفيها أيضاً دلالة على أن كل عقد وقع التراضي به بين الخصمين فإنه منعقد صحيح لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفساداً بعد الإصلاح، فإن وجدنا نصاً يدل على عدم صحة بعض تلك العقود قضينا فيه بالبطلان عملاً بالأخص.
فجميع أحكام الله داخلة تحت عموم هذه الآية الدالة على أن الأصل في المضار والآلام الحرمة كما كانت داخلة تحت عموم قوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ بأنها كانت تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، فكل واحدة من الآيتين مطابقة ومؤكدة للأخرى، ثم لما بين أن الدعاء لا بد أن يكون مقروناً بالتضرع والإخفاء وبعدم المنافي وهو الإفساد بالوجوه الخمسة، ذكر أن فائدة الدعاء والباعث عليه أحد الأمرين الخوف من العقاب والطمع في الثواب.
واعترض عليه بأن أهل السنة يقولون: التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية أي كونه إلهاً لنا، وكوننا عبيداً له اقتضى أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ولا يعتبر فيه كونه في نفسه صلاحاً وحسناً.
والمعتزلة يقولون: إنها وردت لأنها في نفسها مصالح.
فعلى القولين من أتى بها للخوف من العقاب والطمع في الثواب لم يأت بها لوجه وجوبها فوجب أن لا يصح.
وأجيب بأن المراد من الآية ادعوه مع الخوف من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها أي كونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في جميع أعمالكم ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم قد أديتم حق ربكم كقوله: ﴿ والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة ﴾ \[المؤمنون: 6\].
والجواب الصحيح عندي أن غاية التكليف من الآمر غير غايته من المأمور إذاً فهب أن الغاية الأولى هي المصلحة أو الإلهية والعبودية فلم لا يجوز أن تكون الغاية الثانية الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب؟
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ ظاهره أن يقال قريبة.
وذكروا في حذف علامة التأنيث وجوهاً: فقيل: لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي.
وقال الزجاج: لأن الرحمة غير حقيقي.
وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد، أو لأن المراد بالرحمة الترحم أو الرحم.
وقيل: إنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول كما شبه ذاك به فقيل: قتلاء وأسراء، وقيل: لأنه بزنة المصدر كالنقيض صوت العقبان أو الدجاجة والضغيب صوت الأرنب.
وقيل: المراد ذات مكان قريب كلابن وتامر، وروى الواحدي بإسناده عن ابن السكيت تقول العرب: هو قريب مني وهما قريب مني وهي قريب لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني.
قال بعض المفسرين: معنى هذا القرب أن الإنسان يزداد بعداً عن الماضي وقرباً من المستقبل أي الآخرة التي هي مقام رحمة الله.
ويمكن أن يقال: المراد به قرب الحصول سواء كان في الدنيا أو في الآخرة كقوله: ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ قالت المعتزلة: إن ماهية الرحمة لما كانت حصة المحسنين وجب أن لا يحصل للكافر والفاسق منها شيء، والغرض أن صاحب الكبيرة لا يكون له نصيب من العفو.
وأجيب بأن المحسن من صدر عنه الإحسان ولو من بعض الوجوه، فكل من آمن بالله تعالى وأقر بالتوحيد والنبوة فقد أحسن والدليل عليه الإجماع.
على أن الصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول إلى الظهر فإنه يسمى مؤمناً محسناً، على أن قوله ماهية الرحمة نصيب المحسنين ممنوع لأن الكافر أيضاً في رحمة الله ونعمته في الدنيا بدليل قوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه ﴾ ثم إنه لما ذكر دلائل الآلهية وكمال العلم والقدرة من العالم العلوي أتبعه ذكر الدلائل من أحوال هذا العالم وهي الآثار العلوية من المعادن والنبات والحيوان ومن جملتها أحوال الرياح والسحب والأمطار.
وأيضاً لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله القادر العليم الحكيم الرحيم أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر ليتم بالآيتين تقرير المبدأ والمعاد فقال: ﴿ وهو الذي يرسل الرياح ﴾ الريح هواء متحرك، وتحركه ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلا دام بدوام الذات، فهو بتحريك الفاعل المختار.
قالت الحكماء: من أسباب الريح أن يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنت تسخيناً شديداً، فبسبب تلك السخونة ترتفع وتتصاعد، فإذا وصلت إلى قريب من الفلك فإن الهواء الملتصق بمقعر الفلك يمنع هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها لتحرك تلك الطبقة على الاستدارة تشيعاً للفلك، فحينئذٍ ترجع الأدخنة وتتفرق في الجوانب وبسبب تفرقها تحصل الرياح.
وكلما كانت تلك الأدخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان رجوعها أيضاً أشد فكانت الرياح أقوى، وزيف بأن صعود تلك الأجزاء الأرضية إنما يكون لأجل شدة تسخينها بالعرض، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة بردت فامتنع صعودها إلى الطبقة العليا المتحركة بحركة الفلك.
سلمنا أنها تصعد إلى الطبقة المتحركة بالاستدارة لكن رجوعها يجب أن يكون على الاستقامة كما هو مقتضى طبيعة الأرض لكنها تتحرك يمنة ويسرة.
وأيضاً إن حركة تلك الأجزاء لا تكون قاهرة فإن الرياح إذا أصعدت الغبار الكثير ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، ونحن نرى هذه الرياح تقلع الأشجار وتهدم الجبال وتموج البحار، وأيضاً لو كان الأمر على ما قالوا لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر وليس كذلك، لأنه قد توجد الرياح العاصفة في وجه البحر وليس فيها شيء من الغبار.
ويمكن أن يجاب بأن الحكم بامتناع الصعود استبعاد محض وحديث الرجوع على الاستقامة مبني على أن الريح هي تلك الأجزاء الراجعة فقط وليس كذلك، فإن الراجع إذا خرق الهواء حدث فيما يجاوره من الهواء تحرك واضطراب وتموج شبه ما يحدث في الماء إذا ألقي فيه حجر، وكذا الكلام في الوجهين الباقيين.
وقال المنجمون: قد يحدث بسبب وصول كوكب معين إلى موضع معين من البروج ريح عاصفة، وزيف بأنه لو كان كذلك لزم تحرك كل الهواء.
والجواب أن وصول الكوكب إلى الموضع الفلاني إنما يوجب تحرك الهواء بتسخين أو تلطيف أو تكثيف يحدث في بعض المواد المستعدة لذلك فيطلب ذلك القابل مكاناً أكثر أو أقل مما كان عليه، فيلزم من ذلك تحرك الهواء المجاور له لاستحالة التداخل والخلاء لا يتدافع إلى أن يتحرك جميع كرة الهواء بل يتموج بعض أجزاء الهواء ثم يستقر كل في موضعه، ويختلف مقدار ذلك بحسب المؤثر والمتأثر والكل يستند إلى تدبير الله وتقديره، وإنما قال في هذه السورة ﴿ يرسل الرياح ﴾ بلفظ المستقبل وكذا في "الروم" لأن ما قبله ههنا ذكر الخوف والطمع وأنهما يناسبان المستقبل، وأما في "الروم" فليناسب ما قبل ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ وقال في الفرقان: ﴿ أرسل الرياح ﴾ بلفظ الماضي ليناسب ما قبله: ﴿ كيف مد الظل ﴾ وما بعده ﴿ وهو الذي جعل ﴾ وكذا في "فاطر" مبني على أول السورة ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة ﴾ وهما بمعنى الماضي والله أعلم.
أما قوله: ﴿ نشراً ﴾ بنون مفتوحة وشين ساكنة فإنه مصدر نشر.
وانتصابه إما على الحال بمعنى منتشرات وإما لأن أرسل ونشر متقاربان كأنه قيل: نشرها نشراً.
ومن قرأ ﴿ نشراً ﴾ بضمتين فلأنه جمع نشور كرسول ورسل، وقد تخفف كرسل، ومن قرأ ﴿ بشراً ﴾ بضم الباء الموحدة وسكون الشين فلأنه مخفف بشر جمع بشير.
ومعنى: ﴿ بين يدي رحمته ﴾ أمام نعمته وهي الغيث الذي هو من أجلِّ النعم وأحسنها وهذا بحسب الأغلب، فإن المطر قلما لا يتقدمه رياح يسلطها الله على السحاب والعرب تستعمل اليدين بدل قدام وأمام مجازاً لأن اليدين من الحيوان متقدمان على الرجلين.
﴿ حتى إذا أقلت ﴾ حملت ورفعت واشتقاقه من القلة لأن الرافع الذي يقدر على حمل الثقيل يزعم أن ما يرفعه قليل ﴿ سحاباً ﴾ جمع سحابة ولهذا قال: ﴿ ثقالاً ﴾ على الجمع جمع ثقيلة والضمير في ﴿ سقناه ﴾ يعود إلى السحاب على لفظه، وضمير المتكلم في ﴿ سقناه ﴾ على أصله.
وأما الذي في قوله: ﴿ وهو الذي ﴾ فعلى طريقة الالتفات وإلا فالظاهر أن يقال: نحن أرسلنا.
واعلم أن السحاب المستمطر للمياه العظيمة إنما يبقى معلقاً في الهواء لأنه دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكاً شديداً.
ولتلك الحركات فوائد منها: أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر ثم تصير متفرقة.
ومنها أن تتحرك الرياح يمنة ويسرة فتمنع الأجزاء المائية الرشية عن النزول فيبقى معلقاً في الهواء.
ومنها أن ينساق السحاب إلى موضع علم الله احتياجهم إلى نزول الأمطار، ومن الرياح مقوية للزروع والأشجار ومكملة لما فيها من النشوء والنماء وهي اللواقح.
ومنها مبطلة لها كما في الخريف.
ومنها طيبة لذيذة وموافقة للأبدان.
ومنها مهلكة للحر الشديد كالسموم أو البرد الشديد.
ومنها مشرقية ومغربية وشمالية وجنوبية، وبالحقيقة تهب الرياح من كل جانب ولكنها ضبطت كذلك، وقد يصعد الريح من قعر الأرض فقد يشاهد غليان شديد في البحر بسبب تولد الرياح في قعره ثم لا يزال يتزايد ذلك الغليان إلى أن ينفصل الريح إلى ما فوق البحر، وحينئذٍ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وعن ابن عمر: الرياح ثمان: أربع منها عذاب وهو العاصف والقاصف والصرصر والعقيم، وأربع منها رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وعن النبي صلى الله عليه وآله: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب من ريح الجنة" وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدي أنه يرسل الرياح فتأتي بالسحاب، ثم إنه يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فينزل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك برحمته وهي المطر.
ومعنى ﴿ لبلد ميت ﴾ أي لأجل بلد ميت ليس فيه نبات ولا زرع، والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خالٍ أو مسكون.
﴿ فأنزلنا به الماء ﴾ قال الزجاج وابن الأنباري: أي بالبلد.
وجائز أن يراد بالسحاب أو بالسوق فالباء للسببية.
﴿ فأخرجنا به ﴾ قال الزجاج: أي بالبلد.
﴿ من كل الثمرات ﴾ ويجوز أن يراد أي بالماء.
قال جمهور الحكماء: إنه أودع في الماء قوّة وطبيعة توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء بالتراب.
وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار ليست متولدة من الماء وإنما أجرى الله عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الأخراج وهو إخراج الثمرات.
﴿ نخرج الموتى ﴾ فالتشبيه إنما وقع في أصل الإحياء أي كما أحيا هذا البلد وأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا تراباً لأن من قدر على إحداث الجسم وخلق الرطوبة والطعم فيه كان قادراً على إحداث الحياة في بدن الميت.
وقال كثر من المفسرين: المراد أنه كما يخلق النبات بواسطة إنزال الماء كذلك يحيي الموتى بواسطة إنزال مطر على الأجساد الرميمة.
يروى أنه يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطر كالمني أربعين يوماً فينبتون عند ذلك أحياء.
وعن مجاهد: تمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها.
قال العلماء: إن هؤلاء المفسرين ذهبوا إلى هذا بناء على النقل وعلى إجراء العادة وإلا فإنه تعالى قادر على خلق الحياة في الجسم ابتداء من غير واسطة المطر كما أنه يجمع بقدرته الأجزاء المتفرقة والمتمزقة غاية التفرق والتمزق ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ والمعنى أنكم شاهدتم أن الأرض كانت مزينة وقت الربيع والصيف والخريف بالأزهار والثمار والأشجار ثم صارت وقت الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها قادر على إحياء الأجساد بعد موتها، ثم ضرب الله مثلاً للمؤمن والكافر وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرتعليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين.
وقيل: ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة.
فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان أولى.
وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، لأنها دلت على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها الأشجار والأنهار والثمار.
ومما يقوّي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في الصفات؛ فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله : ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان والنقود، ومنهم من هو بالعكس.
ومما يؤكد هذه المعاني قوله وتعالى : ﴿ بإذن ربه ﴾ أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل: يخرج نباته حسناً كاملاً لوقوعه في طباق ﴿ نكداً ﴾ والنكد الذي لا خير فيه.
وتقدير الآية ونبات البلد الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب مرفوعاً مستكناً بعد أن كان مجروراً بارزاً.
من قرأ ﴿ نكداً ﴾ بفتح الكاف فعلى المصدر أي ذا نكد ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التصريف نردّد الآيات ونكررها ﴿ لقوم يشكرون ﴾ نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر لأن الذي سبق ذكره هو أن الله يرسل الرياح النافعة فيجعلها سبباً للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه مقابتلها بالشكر والله أعلم.
التأويل: عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة: الأوّل الأرواح الإنسانية (ب) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة.
(ج) النفوس السماوية الأرضية.
(د) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار.
(هـ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه.
وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني.
والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين.
ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض.
ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿ يغشى ﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس.
﴿ ألا له الخلق ﴾ بواسطة ﴿ الأمر ﴾ بلا واسطة ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً ﴾ بالجوارح ﴿ وخفية ﴾ بالقلوب.
أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ ولا تفسدوا ﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط.
﴿ وادعوه خوفاً ﴾ من الانقطاع ﴿ وطمعاً ﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال.
﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس.
والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿ كذلك نصرف الآيات ﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
وذكر ما بينهما في مواضع، ولم يذكر في مواضع، وذلك داخل في ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، الذي صنع ذلك ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ﴾ ثم جمع اليومين الأولين مع هذا الذي ذكر فيه وقال: ﴿ فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ، ليعلم أن ذا خلق في يومين، ثم قال: ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، فتصير ستة الأيام التي أبهمها في غير ذلك، والله أعلم.
ثم قد بين - عز وجل - فساد قول كل من عبد غيره، وعجز كل ذلك عما له يُعبد وجهله بمعنى العبادة، وخروجه عن الاستحقاق بما فيه من آثار التدبير، وعليه من دلالة التقدير واستحقاق جميع معاني الخلقة، ودخوله تحت الصنعة، وحاجته إلى من احتاج إليه كل مما هي التي تبعث على العبادة وتوجب إظهار الذلة والخضوع لمن هو كذلك في الخلقة والجوهر، فألزمهم الفزع إلى من يدلهم إلى الرب الحق، ويدعوهم إلى المعبود المتعالي عن الأشباه والأضداد بما يوجب الشبه والمشاكلة، وفي وجوب ذلك دليل جاعل أخذ له شكلا، وذلك آية الصنعة ودلالة الحدث، وفي تحقيق الضد خوف ذهاب وفساد فتضمحل الألوهية وتستوجب حق الدخول تحت التقدير، والقيام على ما شاء من له التدبير؛ جل الله عن توهم ذلك، فأكرم من بعثته الحاجة إلى معرفته ورفعته الخلقة إلى العلم بمن أنعم عليه واختصه من بين كثير من خلقه بما ركب فيه ما به يدبر أمر غيره، وبه يعرف قدر النعم عليه لمن أكرمه به؛ ليشكر له فيما أولاه ويحمده على ما أعطاه، فمن بإظهار ذلك على لسان رسوله الذي عرف خلقه بما نصب من أدلة صدقه، وأبان من حجج عصمته عن الكذب فيما ينبئ، وإصابته فيما يخبر، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أي\] الذي لا ربّ لكم سواه ولا لأحد من الخلائق، هو الله الذي لا إله غيره؛ ليوجهوا إليه العبادة في الحقيقة، وليؤدوا إليه شكر ما أنعم عليهم، وإن كانت نعمه أعظم من أن يجزيها العباد، وحقه أجل من أن يقوم به العباد، [و] لولا أن الله - - لم يورد من البيان على ربوبيته، والدليل على ألوهيته سوى ما أنطق به [على] لسان رسوله بعد الإيضاح أنه لا ينطق إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق لكان ذلك بياناً شافياً، لكنه بفضل رحمته بين الأدلة التي تحقق ذلك وتعلم أنه كما جاء به رسوله، إلا أن يعانَد الحق ويكابَر العقل، فقال عز وجل: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ إلى آخر ما ذكر دلالة خلق ما ذكر من آثار التدبير وعجيب التقدير الذي به قوام كل ممن يحتمل المنافع والمضار واتصال ما بين السماء والأرض على تباعد بعض من بعض في المنافع مع جميع الأضداد التي من طبعها التنافر في أصل ما ذكر حتى صارت كالأشكال، بعد أن كانت السماوات والأرض مشبهة لا تشعر بما فيها من الحكمة، ولا بالذي فيه من أنه من أي وجه يقضي الحاجة؛ ليدل أن مدبّر الكل واحد، وأنه عليم حكيم وضع كل شيء موضعه ودل كل ذي عقل على الوجه الذي يظفر بحاجته، ويقيم به أوده، ويصل إلى بغيته، وسخر الذي ذكر، فصير كلا من ذلك جارياً دائباً بما لا ينتفع هو به، ولا مضرة عليه فيه؛ ليعلم أنه لغيره قدر ولحاجة غيره سير، وكذلك الذي جبل على القرار وأمسك عن الزوال من غير أن كان له في حقيقة أحد الوجهين نفع أو ضرر؛ ليعلم أن تدبير ذلك جرى لا له، ولكن لأهل الممتحنين الذين بهم يظهر العز والشرف ونيل الجود والكرم، ويعظم الملك والسلطان؛ إذ عندهم تمييز الأحوال، وتفريق الأمور، وتوجيه إلى حقه وإعطاء كل ذي فضل فضله.
فيعلم من هذا وصفه أنه لم ينشأ عبثاً، ولا خلق باطلاً؛ إذ به يعظم قدر كل خلق، ويشرف جلالة كل جليل، لم يجز إمهال مثله، فيكون خلق الجميع لغير شيء مما في ذلك من فنائه وتبدّده الذي في الحكمة قصد مثله في العقل يوجب العبث ثبت أنه خلق للمحنة ولدار البقاء، لكن جعل البقاء جزاء، والفناء محنة؛ ليكون البقاء هو المنتهى، فيعظم القصد في الابتداء؛ إذ فاسد أن يجعل المحنة للبقاء، فيدل على حاجة الممتحن مع ما في ذلك زوال الجزاء؛ إذ محال تقديمه على ما له الجزاء، والله الموفق.
ثم الأصل أن الله جعل العقل جزءاً من عالمه، وجعله دليلاً لأهله في معرفة المساوئ والمحاسن، وعلماً للتمييز بين الحكمة والسفه، وبين الإتقان والعبث، وجعله بالذي يعرف المحمود من المذموم، والمرغوب فيه من المزجور عنه، فلم يجز أن يكون إنشاء كل العالم على غير الحكمة؛ لأنه سفه، وهو بالذي جزء من العالم يعلم به الذميم من الحميد ثبت أنه أنشئ للحكمة.
وعلى ذلك تقدير كل عاقل على احتمال ما يضره وينفعه بحق الجزاء والمحنة، فثبت أن ذلك للمحنة، وأن المحنة ثم الهلاك بلا جزاء ولا نفع للممتحن عبث - أيضاً - وسفه، فلزم به القول بالبعث وإثبات دارين مما كان لكل شاهد دليل غائب يحمد عليه أو يذم، وكذا فعل كل ذي عقل إنما هو لعاقبة يحمد عليها، أو بفعل عبث فيذم عليه.
فعلى ذلك أمر تدبير هذه الدار من أخرى، فلا يجوز أن يخلي الجملة عن الدلالة، ولا يخلو كل جزء منها؛ إذ جملة الأفعال عن العواقب، والواحد منها إذا خرج يصير عبثاً وسفهاً، فثبت بالذي ذكرت القول بالتوحيد، وبالدارين، وبالرسالة؛ إذ بها تعرف العواقب بما هي غائبة، وحقائق كل غائب تعرف بالإخبار عنها والدلالة عليها، ثم لا دلالة على ماهية الجزاء ولا بالشكر ولا العبادة، إنما الدلالة من حيث التدبير على العلم بها جملة، فلزم القول بالرسل، ولا قوة إلا بالله.
ثم قوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ يحتمل وجهين.
أحدهما: خلق أصول الأشياء التي يكون غيرها بحق التولد عن ذلك والانقلاب.
ويحتمل أن يكون على خلق كليّة كل شيء، مما عليه تركيب هذا العالم إلى أن يبدل بعالم آخر، لا يبيد ولا يفنى؛ فإن كان على الأول فهو ستة من السبعة التي عليها مدار المدد والأزمنة؛ إذ جعل - جل ثناؤه - جميع ما ذكر من الخلائق تحت الأزمنة والأوقات، ويزول بزوال مدارها، وكذلك عندنا كل الحوادث؛ إذ لكل منها بدء يصير ذلك وقت ابتدائه، وذلك ينقض على الباطنية قولهم: المبدع الأول لا يقع عن الزمان والمكان، وأنه لا يبيد ولا يفنى، ولو كان كذلك لم يكن مبدعاً، ولكن كان قديماً لا يقع عليه الإبداع، فلمّا وقت ثبت له البدء؛ فيجب وصفه بالوقت من حيث الابتداء، وهو - أيضاً - معلول عندهم، وعلته فيه وهو الإبداع، مما لو زالت علته لباد، وإذا ثبت أنه معلول ثبت أن علة أوجبته وأحدثته بعد أن لم يكن، فوجب له وقت به كان أو كان فيه، والله أعلم.
ثم على هذا كان إنشاء من ذكر في الأيام الستة، ولم يذكر في ذلك ممتحناً؛ فيشبه أن يكون وقت كون الممتحنين يوم السابع، وبهم تم ظهور الملك، واستوى على العرش، وهو الملك إذا لم يكن قبل ذلك من له التمييز، ومعرفة الملك والسلطان، وقدر العلم بالمحامد والمعالي، وأضداد ذلك إنما يكون بأولئك الذين ركب فيهم العقول، وأكرموا بالتمييز، ومما لهم يجعل العالم وهم المقصودون من الإنشاء؛ لذلك جعل كل من سواهم مسخراً لمنافعهم، داخلاً تحت أفهامهم، مما يحتمل أكثر ذلك تدبير ليعلم أنهم قصدوا لأنفسهم، أو لمعرفة ما عليهم من شكر النعم والعبادة، فكان بهم ظهور تمام الملك، وبلوغه النهاية، فأخبر بالاستواء إذ هو وصف العلو والرفعة، ووصف التمام في الرتبة والقدر؛ كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ وذلك في معنى الاستواء على العرش؛ من حيث ظهور الملك، وبيان الحجة والربوبية للمستدلِّين والمعبرين.
وإن كان التأويل هو الثاني يخرج على وجهين.
أحدهما: ما قال بعض أهل التفسير: إن كل يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، لم يبين لنا مقدار ذلك؛ فجائز أن يكون منتهى تدبير هذا العالم إلى ذلك ستة أيام، بمعنى ستة آلاف سنة على القدر الذي قدره الله، ثم يكون اليوم السابع هو يوم القيامة، لا يبيد أبداً، ولا ينقضي، فيه يبدل العالم، ويُقر كل ممتحن له بالملك والجلال، وإن كان كذلك في الأزل ففي ذلك اتفاق القول من طريق الاختيار، والعلم بذلك من كل جبار وغيره.
وعلى نحو ما قيل: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ وقيل: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ وقيل: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ونحو ذلك.
على أن له الملك أبداً، وكذلك لم يكن يخفى عليه شيء، لكن ذلك مما يعلم كلٌ أنه كذلك، فبذلك يتم ظهور كل معنى من ذلك، وإن كانت حقيقته موجودة قبل ذلك.
وعلى ذلك القول: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ ونحو ذلك.
إنه إذ ذلك يظهر لكل معلومه: فأضيف إليه بحرف الابتداء، وهو عن ذلك متعال؛ فعلى هذا جميع ما بيّنا، وبذلك ظهور تمام شرائط الملك، والاعتراف من الكل بذلك، والله أعلم.
والثاني: أن تكون تلك الأيام الستة على ما في علم الله تقديرها، لا يعلمه أحد سواه إلا من طريق الجملة التي أدى، وقد بيّن يوماً كخمسين ألف سنة، ويوماً كألف سنة حده لا يعلمه غيره، ثم كان يوم السابع يوم تبلى السائر وتقع العقوبة والمثوبة، وهو المقصود من خلق العالم الأول؛ فيكون ما ذكرت من تمام الظهور، والله الموفق.
وعلى هذا لو قيل لما قيل يحملون العرش، ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ - قيل: ليس أن المراد من هذا العرش الأوّل، وجائز أن يكون هذا هو السرير المعروف، منشأه من النور، ومما شاء؛ ليكرم به أولياءه يوم القيامة، والأول هو الملك الذي ظهر تمامه وعلوه على ما بينا.
ثم لو كان العرش الذي قال - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ هو ما فهمه أهل التشبيه من مكان، لم يكن ليجب أن يفهم من الاستواء عليه الاستقراء.
وأن يكون لله مكان يوصف بالكون فيه وعليه؛ لأنه ليس في كون أحد في مكان - وإن جل قدره، وعظم خطره - رفعة ولا نباهة فيما يتعارف من أمر الملوك والأجلة، بل كل منسوب إلى مكان من جهة التمكين فيه والقرار، منسوب إلى استعانة وحاجة منه إليه، جل الله عن ذلك، وعلى أنه إما أن يكون مثله أو أعظم منه، لكان له عديلاً بالعظمة أو دونه، ومن السخف الجلوس على مكان لا يطمئن به أو يقصر عنه، إذ قد يجوز أن يزاد فيه؛ فيكون أعظم منه، جل الله عن هذا الوصف وتعالى.
"بل كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الاستحالة والتغير": إذ هو أثر الحدث، وأمارة الكون، بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.
ثم الأصل أنه لو كان فهو بإضافة الله إلى العلو عليه تعظيماً له، وعلى ذلك في كل [شيء] يضاف إلى الله أو لله إليه من جهة الخضوع فهو على تعظيم ذلك، لا على أن يفهم منه ما يفهم مثله من الخلائق؛ نحو القول بأن المساجد لله، وناقة الله وزينة الله، وحدود الله، ونحو ذلك.
فما بال المشبهة فهمت من إضافة الاستواء على العرش المعنى المكروه على احتمال الاستواء معاني سوى الذي ذكر، أو أن يقال: استوى: ثم واستوى: قصد، واستوى: علا، واستوى: استقر، واستوى: استولى؛ فإذا [كان] معناه يتوجَّه إلى هذه الوجوه، لم يحتمل أن يكون أحد يقدر من ذلك؛ إذ هو ما يتوجه إليه، ويعتمد عليه لولا الجهل به.
ثم الأصل أن الإضافات إلى الأشياء يفترق المقصود بها، وإن كان في ظاهر المخرج واحداً باختلاف مَنْ إليه القصد بالإضافة، والإضافة جميعاً.
يقال: جاء الحق، وجاء فلان، وبيت فلان، وبيت الله.
وقيل في الملائكة: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ ، وقال في الفسقة: ﴿ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ﴾ ، ونحو ذلك لا على الجمع في المعنى، فالاستواء الذي يتوجّه إلى وجوه أحق بذلك، والله الموفق.
ثم قد قيل في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ بوجوه.
أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: هو [على] التقديم والتأخير، كأنه قال: إن ربكم الله الذي استوى على العرش ثم خلق ما ذكر؛ فيكون معناه: خلق كذا، وقد استوى على العرش؛ كقوله ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ بمعنى: وقد جعل منها زوجها، وعلى هذا ليس في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ...
﴾ ﴿ ...ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ الشبهة التي في الأول كما لم يكن في قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ إذا صرف إلى "عند" شبهة؛ فيكون: وقد استوى: خلق العرش؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ بمعنى: ثم خلق السماء أو قصد خلقها، ونحو ذلك.
وقال الحسن: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: استوى عليه أمره، وصنعه، أي: لم يختلف عليه صنع العرش، وأمره، - وإن جل - أمر غيره وصنعه، كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ على استواء الأمر في التدبير والصنع.
وقال الحسن: معناه: استولى على العرش، كما يقال: استوى فلان على بغداد، بمعنى: استولى.
وقال قوم: معناه: استوى عليه، وهو فوق كل شيء في القدرة والعظمة، تعظيماً له على غير اختلاف عليه في التحقيق بينه وبين غيره؛ كالذي ذكر بأن الأمر كله يوم القيامة له، والمساجد له، على التفصيل دون تخصيص له في ذاته من حيث ذلك.
وقال قوم: إذ كان العرش فوق كل شيء في تقدير المعارف، فقال: هو علاه بمعنى لا يوصف في الخلق، ولكن على ما كان، ولا خلق.
ونحن نقول - وبالله التوفيق -: قد ثبت من طريق التنزيل بأنه استوى على العرش، وقد لزم القول بأنه ليس كمثله شيء، وعلى ذلك اتفاق القول ألاَّ يقدر كلامه بما عرف من كلام الخلق، ولا فعله به، وما يوجبه، ولا علمه، ولا ما قيل: هو ربّ كذا، أو مالك كذا، لا يراد به المفهوم من الخلق، لكن الوجه الذي يليق به، وما يوجبه حق الربوبية؛ فمثله في الأوّل.
ثم يلزم تسليم المراد لما عنده إذ لم يبينه لنا، وقد ثبت نفي ما يفهم من غيره.
وبعد؛ فإن القول فيه بالمكان يفسد بالذي به يحتج بوجوه.
أحدها: إن قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ إخبار عن فعله الذي في التحقيق، يضاف إليه في خلق [الخلق] على اختلاف المخرج في القول؛ نحو: أن ذكر مرة أبدع، ومرة ﴿ فَطَرَ ﴾ ، ﴿ وَجَعَلَ ﴾ ، ﴿ وَأَنزَلَ ﴾ وأثبت، وكتب، ﴿ وَأَعْطَىٰ ﴾ ، وأنشأ، وغير ذلك من الألفاظ.
حقيقة ذلك: أنه خلق إذ ذلك معنى فعله في الحقيقة، وعلى ذلك كون وفعل وأمر في بعض المواضع، ثم يجب توجيه كل من ذلك إلى الوجه الذي يليق فيه القول بخلق، وكذا في ﴿ هُدًى ﴾ ﴿ وَأَضَلُّ ﴾ ﴿ وَزَيَّنَ ﴾ وأتقن وأحكم، ونحو ذلك.
فكذلك في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ يجب أن يقابل ذلك بخلق؛ إذ هو إضافة إلى فعله.
ثم يخرج على وجهين.
أحدهما: ثم خلق العرش، ورفعه، وأعلاه، بعد أن كان العرش على الماء؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، وليس ثم تَنَقُّلٌ من حال إلى حال؛ إذ لو كان كذلك لكان يصير حيث ثم ينتقل من خلق إلى خلق فيما يخلق، فيكون في الوقت الذي يصير إلى العرش صائراً إلى الثرى، وفي الوقت الذي يحدث خلق ما في الأرض؛ وما في السماء، متنقلاً من ذا إلى ذا، وذلك تناقض فاسد، وفي ذلك بطلان معنى القول بالاستواء على العرش، بل يكون أبداً غير مستوٍ عليه حتى يفرغ من خلق جميع ما يكون أبداً، وذلك متناقض فاسد، جل الله عن هذا التوهم، وبالله التوفيق.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ أي: إلى العرش في خلقه، ورفعه، وإتمامه، دليل احتماله على ذلك أن [على] من حروف الخفض [و] قد يوضع بعض موضع بعض؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ بمعنى: عن الناس، وقوله: ﴿ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ بمعنى: عند ربهم، مع ما قال الله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ بمعنى إليه، وعلى ذلك: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ \[أي\]: إلى العرش وهو على الماء كما ذكر ما فرفعه وأتمه؛ كما قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، فخلق ما ذكر، والله أعلم.
[والوجه الثاني: المذكور في الآية من اسم الرب وخلق ما ذكر وتسخير الذي وصفه ثم لم يتوهم في شيء من ذلك المعنى الذي يضاف إلى الخلق أنه رب كذا أو سخر كذا أو صنع كذا ملحد ولا موحد فكيف احتمل قلبي المشبهي في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ لولا جهله به وتقديره بالذي عليه أمر نفسه، والله الموفق].
والثالث: أن الناس في خلق الله الخلق مختلفون.
فمنهم من جعله الخلق نفسه، دون أن يكون الله بذاته يلحقه وصف سوى إضافة الخلق إليه في أن كان به، فعلى ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ إنما هو ما ذكر من غير أن كان يلحقه وصف لم يكن له.
ومنهم مَنْ يراه خالقاً بذاته؛ ليكون جميع الخلائق إلى الأبد بتكوينه الذي يعبر عنه بقوله: كن من غير أن كان ثَمَّ كاف أو نون على كون كل شيء عليه به من غير تغيير عليه، ولا زوال عما كان عليه إذ لا شيء غيره، فكل معنى لو حقق أوجب تغيراً أو زوالاً أو قراراً أو نحو ذلك، فالله يجل عنه ويتعالى؛ إذ ذلك علم الحدث، وأمارة الغيرية، ولا قوة إلا بالله.
والرابع: هو الذي يرى فعله على ما عليه فعل الخلق من التحرك والزوال والسكون والقرار، إضافة من ذلك وصفه إلى مكان دون مكان، وحال دون حال، محال فاسد؛ لذلك بطل القول بالمكان في جميع الأقاويل، وأيّد الذي ذكرت ما ختم به الآية من قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وصف ذاته بالربوبية [و] بالتعالي عن جميع معاني المربوبين؛ إذ من حيث التشاكل يوجب خروجه من أن يكون ربّاً، والآخر [من أن يكون] مربوباً، فإذا ثبت أن كل شيء من كل جهة مربوب ثبتت سبحانيته من ذلك الوجه، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ هو على وجهين: أحدهما: إضمار ما بينهما على ما جرى الذكر به في غيره.
والثاني: أن ذكر من وقت ابتداء الكون إلى الانتهاء لا على تحقيق ذلك في كل وقت كما يقال: كان كذا [في شهر كذا] لا على إحاطة كلية أجزاء الشهر به؛ فمثله معنى ﴿ سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ومعنى التوقيت ليس على حاجة إلى ذلك؛ إذ الوقت داخل فيما خلق، لكن على وجوه، وإن كان الله وتعالى قادراً على إنشاء جميع ما ذكر بدفعة واحدة: أحدها: ما ذكرت من معنى أن الأيام لمدار مدد الخلق وأطول ما عليه تفنى الأعمار.
والثاني: على بيان منتهى العالم.
والثالث: على إدخال كل ذلك مع علو درجات كثير منها وجلالة أقدارها في الأعين، حتى لا أحد ينظر إليها إلا [بعين] التعظيم، وحتى بكثير منها قام تدبير العالم و [حتى عبد] دون الله تعظيماً، وإن كان في ذلك دلالة خروجه عن الاستحقاق، فصيرها الله داخلة تحت الأزمنة والمدد مقهورة بها، حتى لو أريد بكل جهد وحيل إخراج شيء من ذلك أو تخليص الجبابرة من ذلك، لما تهيأ لهم ليعلم ذلة الخلق وأمارات الحدث، وعلامة الحاجة، ثم كانت الأوقات مترادفة متتابعة، لو أسقطت عنها الأولية لبطل الكل، ولما جاوز الحساب بالواحد، ولما انتهى إلى ما هو بعد لما مضى ليعلم به أوليّة كل شيء من العالم، وحدثه مع ما جعلت الأيام تدور على [أمر] واحد بها بجميع المحتاجين ممن ذكرت، فثبت لذلك بأسماء معروفة أمكن قصد كل منها على الإشارة إليه باسمه المعروف يحفظ فيه المواعيد، ويعلم به ما يجب من الحقوق، ويبطل، والله أعلم.
ثم الأصل إذ جعلت هذه الدار دار المحنة، والمحنة إنما كونها تختلف الأحوال جعلت الأحوال مختلفة، نحو: موت وحياة، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وجمع الخلق على حالة منها بأضدادها، وفي ذلك الجهل باللذات والآلام، فيجب بذلك اختلاف الأحوال، وعلى ذلك جرى أمر خلق الخلائق، وعلى هذا أمر الأرزاق وغير ذلك، فعلى ذلك أمر خلق ما ذكر في أيام مختلفة ثم يجمع في البعث بمرة، وفي حال من حال اللذات، والبعث بمرة مع ما كان اختلاف الأحوال أقرب إلى الدلالة، وأوضح للحجة؛ فلذلك جعل في هذا الدار إلزام الحجة وإظهار المحنة والكلفة، والله الموفق.
والأصل أن العقول إنشاءات متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء، والأفهام متناقصة عن بلوغ غاية الأمور؛ إذ هن من أجزاء العالم الذي هو بكليته متناهٍ، وأسباب الإدراك التي يدرك بها بأداء المشاعر التي تعجز عن كنه ما يقع عليها من الظواهر، فضلاً عما استتر منها، وإذا كان هذا وصف ما يدرك به مبلغ الحكمة، فهو قاصر عن الإحاطة بالحكمة الموضوعة من البشر، فمن رام الإحاطة بها أو بلوغ حكمة الربوبية من غير إشارة منه، فهو يظلم العقل، ويحمل عليه ما يعلم عجزه عنه، ومعلوم أن المذكور من الأيام في خلق ما ذكر حكمة بالغة، وإن قصرت العقول عن الإحاطة [بها]؛ إذ الذي قدّرها هو الذي حمد الحكمة، وأوجب لأهل العقل [في] ذمّ السفه وأهله، فأوجب ذلك تحقيق الحكمة لذلك، وإن لم يبلغها إلا مقدار ما يكرم به، والله الموفق.
وقوله: و ﴿ مُسَخَّرَاتٍ ﴾ ما ذكره، فكذلك سخرهن بالسير فيما يرجع إلى منافع الخلق، وجعل فيهن آية لولا العيان لم يكن يصدق به أحد ممن يجحد البعث والرسل ونحوهم، إذ الخبر عن سير جوهر واحد في اليوم الواحد مسيرة أكثر من ألف سنة، وتولد جواهر بمعونة من يبعد عنه مقدار خمسمائة [عام] ونضج كل شيء وصلاحه به أبعد عن احتمال القبول من إعادة شيء بعد الفناء أو إرسال الرسل بإعلام ما خفي من المصالح والأمور، إذ ذلك أمر متعالم في صنع الخلق معاني ذلك فيما به تقلّب الزمان من الليل والنهار، ولكن الله أظهر لهم من قدرته، وعظيم حكمته بما بسط لهم [الأرض] بغلظها وسعتها، ورفع عليها السماء بغير عمد ترى، فأقر كلاً من ذلك لحاجة أهلها إلى إقرارها، وسيّر فيها بالتسخير ما ذكر؛ لحاجة الأهل في تسيير ذلك؛ ليعلم ألا يعجزه شيء ولا يخفى عليه أمر، ولا يدخل في تدبيره عوج، ولا في خلقه تفاوت، وأن الذي أظهر إذا قوبل بالذي وعد يضاعف عليه بوجوه له مع ما كان الذي أظهر هو إبداع على غير احتذاء، وإنشاء الإعادة، والله الموفق.
ثم من عجيب قدرته في قوله: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ أن الله يظهر النور في ابتداء النهار من طرف [من أطراف] السماء، والظلمة في أوّل الليل، ثم ينشر ذلك ويبسطه في جميع أطراف السماء والأرض، وما بينهما من جميع الأقطار والجوانب، في قدر لحظة بصر، وطرفة العين، ما لو أريد تقدير ذلك بالهندسة، وبجميع ما في الخلق من المقادير لما أحيط بالذي انبسط ذلك النور والظلام؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد لخلق جميع ما ذكر في أدق مدة وألطف وقت، وأنه القادر على البعث، وجميع ما جاءت به الرسل، على أنه بالذي ذكرت يلبس وجوه كلية الأشياء السنن، ويجليها بطرف عين بالتدبير، والعلم الذي [له] يوجب ذلك مما يعجز عن توهم مثله جميع الحكماء، فضلاً عن إدراكه؛ ليعلم أنه عليم لا يجهل، عزيز لا يعجزه شيء، حكيم لا يتفاوت صنعه، ولا يتناقض تدبيره، ولا قوة إلا بالله.
وقريباً من ذلك ما جعل في جوهر الإنسان من البصر الذي يبصر بأول أحوال الفتح قدر خمسمائة سنة، والفكر الذي يبلغ به من غير أن يزول عن مكانه، منتهى مرجع الخلق من الجنة والنار، ويبصر به المعاد والمعاش، والعقل الذي يعرف حقائق من غاب عنه وحضر، مما له صورة وطينة أو إحداهما وما ليس له واحد من الأمرين على قصور الحواس عن إدراك صورة شيء لا طينة له؛ ليعلم أن الذي قدر على تقدير مثله في جوهر واحد وعلم كيف يصنع فيه؛ ليعلم ذلك العلم، قادر على كل شيء، حكيم، عليم.
وهذا معنى ما قيل إن الإنسان هو العالم الصغير، بمعنى أنه يوجد فيه لكل أمر من الأمور للعالم الكبير فيه مثالاً، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ .
قال أبو بكر: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أمره كما يقال: أتاه أمر الله، أي: الموت، والعذاب، ونحو ذلك على إرادة ذلك [الذي نزل به].
والثاني: أن يطلعن ويغربن بأمر توحيد الله والإيمان به بما هو فيهن من عجيب الحكمة، ورفع التقدير.
وقال الحسن: بأمره الذي به كون الأشياء من "كن".
فالقول الأول هو قول من لا يرى خلق الخلق غير الخلق.
والثاني: قول من يرى "كن" عبارة عن التكوين الذي يكون [به الخلق] [أبد الآبدين] من غير أن كان ثَم في الحقيقة كاف أو نون.
لكنه جاء ما يفهم به المراد من الكلام يراد في ذلك نفي الصعوبة عنه، وتيسير الأمر عليه، [وذلك] يكون في الحقيقة غير الخلق إذ أخبر في الخلق أنه كان به، وكل شيء يكون بشيء في المتعارف من القول يكون غيره.
وكذلك قوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: الإخبار عن تكوين الخلق الذي هو له.
والثاني: عن الأمر في خلقه بما شاء ولا يُرَدُّ شيء من أمره عن الوجه الذي أمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ يذهب بضوء النهار ظلمة الليل، وضوء النهار بظلمة الليل، إذا جاء هذا ذهب سلطان الآخر.
﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ قيل: سريعاً، وهو أن الله - عز وجل - يظهر النور في ابتداء النهار في طرف من أطراف السماء، والظلمة في أول الليل، ثم ينشر ذلك في جميع أطراف السماء والأرض وما بينهما من جميع الآفاق والجوانب في قدر لحظة بصر وطرفة عين، ما لو أريد تقدير ذلك بجميع ما في الخلق من المقادير ما قدروا عليه؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد أن يخلق جميع ما ذكر أنه خلق في ستة أيام لقادر أن يخلقه في طرفة عين، لكنه خلقه في ستة أيام لحكمة في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ لا يكون مما ذكر طلب حقيقة، لكن ذكر الطلب؛ لأن ما كان من كل واحد منهما للآخر لو كان ممن يكون له الطلب كان طلباً وهرباً من غلبة كل واحد منهما صاحبه، وهو ما ذكرنا في قوله : ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ أنها أنشئت على هيئة وجهة لو كان ذلك ممن يكون منه التغرير كان غروراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ﴾ أي: بتكوينه، أي أنشأها، وكَوَّنَها مسخرات لهم.
[و] قال بعضهم بأمره ينفعن البشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ .
قال بعضهم: الأمر ها هنا هو التكوين.
وقيل: ألا له الخلق والتدبير في الخلق.
وقيل: له الأمر في الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : الله عما فهمت المشبهة من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: ادعوا، أي: اعبدوا ربكم؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ ذكر في الابتداء الدعاء وفي آخر العبادة، فكان الأمر بالدعاء أمراً بالعبادة.
وقال بعضهم: الدعاء ها هنا هو الدعاء، وقد جاء "أن الدعاء مخ العبادة"؛ لأن العبادة قد تكون بالتقليد، والدعاء لا يحتمل التقليد، ولكن إنما يكون عند الحاجة لما رأى في نفسه من الحاجة والعجز عن القيام بذلك؛ فعند ذلك يفزع إلى ربه، فهو مخ العبادة من هذا الوجه.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: وحِّدوا ربكم تضرعاً وخفية.
قيل: ﴿ تَضَرُّعاً ﴾ خضوعاً، ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ إخلاصاً.
وقيل: ﴿ تَضَرُّعاً ﴾ : ظاهراً.
﴿ وَخُفْيَةً ﴾ : سراً.
وأصله: أن اعبدوا ربكم في كل وقت وكل ساعة، أو ادعوا خاضعين مخلصين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ : قيل: المتجاوزين الحد بالإشراك بالله.
وقيل: لا يجب الاعتداء في الدعاء؛ نحو أن يقول: اللهم اجعلني نبياً أو ملكاً أو أنزلني في الجنة منزل كذا، وموضع كذا.
وروي عن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك الفردوس؛ وأسألك كذا، فقال له عبد الله: سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت النبي يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور" ويحتمل الاعتداء في الدعاء: هو أن يسأل ربه ما ليس [هو] بأهل له؛ نحو: أن يسأل كرامة الأخيار والرسل.
وأصل الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.
وعن الحسن، قال في قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ : علمكم كيف تدعون ربكم، وقال للعبد الصالح [حيث] رضي دعاءه: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .
وقال أنس، قال رسول الله : "عمل البر كله نصف العبادة، والدعاء نصف العبادة" ومنهم من صرف قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ إلى الدعاء، وقال: يكره للرجل أن يرفع صوته في الدعاء، ويروون على ذلك حديثاً عن النبي أنه سمع قوماً يرفعون أصواتهم في الدعاء، فقال: "أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن..." وقوله: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بعد ما بعث الرسل بإصلاحها من الدعاء إلى عبادة الله، والطاعة، ويأمرون بالحلال، وينهون عن الحرام.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ : بعد ما خلقها طاهرة عن جميع أنواع المعاصي، والفواحش، وسفك الدماء، وغير ذلك.
ويقال: ﴿ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ بعد ما أعطاكم أسباباً تقدرون [بها] على الإصلاح، وما به تملكون إصلاحها.
وجائز أن يكون المراد بإصلاح الأرض: أهلها، أي: لا تفسدوا أهلها؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ﴾ والقرية لا توصف بالعتوِّ، ولكن أهلها.
وقوله - عز وجلّ - ﴿ وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .
قال بعضهم: خوفاً: لما كان في العبادة من التقصير، وطمعاً في التجاوز والقبول؛ لأنه لا أحد يقدر أن يعبد ربه حق عبادة لا تقصير فيها.
وعلى ذلك روي عن رسول الله أنه قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمته، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟:!
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وعلى ذلك ما روي: "أن الملائكة يقولون يوم القيامة: ما عبدناك حق عبادتك" ويجب على كل مؤمن أن يكون في كل فعل الخير خائفاً، راجياً الخوف للتقصير، والرجاء للقبول.
وقال بعضهم: خوفاً من عذابه ونقمته، وطمعاً في جنته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
قال أهل التأويل إن الجنة قريب من المحسنين، ويقولون: أراد بالقريب: الوقوع فيها، والنزول، ويحتمل أن يكون المراد بالرحمة صفته، فيكون تأويله: إن منفعة رحمة الله قريب من المحسنين.
وقال الحسن: إن رحمة الله - وهي الجنة - قريب من الخائفين.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ أي: إجابة الله قريب إلى من استجاب دعاءه، ويحتمل ما ذكرنا من منفعة رحمة الله قريب إلى من ذكر.
ثم المحسنين يحتمل المحسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى خلقه، أو المحسنين إلى نعم الله، أي: أحسنوا صحبة نعمه، والقيام لشكرها، واجتناب الكفران بها.
أو يريد الموحدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ .
يذكرهم عز وجل في هذا حكمته وقدرته ونعمه؛ ليحتج بها عليهم بالبعث، أما حكمته فبما يرسل الرياح والأمطار، ويسوقها إلى المكان الذي يريد أن يمطر فيه ما لم يعاينوا ذلك وشاهدوه ما عرفوا، أنْ كيف يرسل المطر من السماء، وكيف يرسل الريح، ويسوق السحاب، ففي ذلك تذكير حكمته إياهم.
وأما نعمه: فهو ما يسوق السحاب بالريح إلى المكان الذي فيه حاجة إلى المطر، فيرسل على ذلك المكان المطر، وذلك من عظيم نعمه؛ ليعلم أن ذلك كان برحمته، لا أنهم كانوا مستوجبين لذلك.
وأما ما ذكرهم من قدرته: فهو ما ذكر من إحياء الأرض بعد ما كان ميتة؛ ليعلم أن الذي قدر على إحياء الأرض، وإخراج النبات والثمر بعدما كان ميتاً، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد موتهم، على ما قدر على إحياء الأرض بالنبات وإحياء النخل بالثمار بعدما كان علم كلٌّ أن لا نبات فيها ولا ثمار فيه؛ فإذا خرج النبات منها والثمار من النخيل على ما خرج في العام الأول، دل ذلك على وحدانيته وقدرته على إحياء الموتى وبعثهم بعدما ماتوا وصاروا تراباً على قدر ما ذكرنا، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ دلالة ألا تفهم من اليدين الجارحتين على ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم أحد بذكر اليد في المطر الجارحة؛ لأنه لا جارحة له؛ فعلى ذلك لا يفهم من ذكر اليد له الجارحة من قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ لم يفهم من قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ الجارحة للقرآن، فعلى ذلك لا يفهم [مما ذكر] من يديه الجارحة، ومن فهم ذلك فإنما يفهم لفساد في اعتقاده.
وكذلك ما ذكر من الاستواء على العرش، والاستواء إلى السماء، لا يفهم [منه ما يفهم] من استواء الخلق؛ لأنه بريء عن جميع مشابه الخلق، ومعانيهم، وهو ما وصف حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: يرسل الرياح - نَشْراً - نَشَراً - بُشْرى - والنشر: هو من جمع نشور، وهو من الإحياء، ونشراً من التفريق، وبشْرى بالباء -: من البشارة، ثم قيل في قوله: "نشراً" الله عز وجل هو الذي يفرق ويسوق ذلك السحاب.
وقيل: الريح هو الذي يرسل، ويسوق ذلك السحاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً ﴾ قيل: أقلت: حملت.
وقيل: رفعت الماء، وهو واحد، ثقالاً مما فيه من الماء ﴿ سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ﴾ إلى بلد ميت، فأنزلنا به الماء؛ أي: البلد.
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
[قال بعضهم: من كل الثمرات ما يشاهدون من الثمرات].
كذلك يخرج الموتى بعد ما ماتوا وذهب أثرهم كما أخرج النبات والثمار من الأرض والنخل من بعد ما ماتوا وذهب أثر ذلك النبات وذلك الثمار، فعلى ذلك يخرج الموتى بعد ما ذهب أثرهم حتى لم يبق شيء.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ : وتتفكرون وتعرفون قدرته وسلطانه على الإحياء بعد الموت، أو تذكرون، أي: تتعظون.
وبعد، فإن إعادة الشيء في عقول الخلق أهون وأيسر من ابتداء الإنشاء.
ألا ترى أن الدهرية والثنوية وهؤلاء قد أنكروا الإنشاء لا من شيء، ورأوا وجود الأشياء وخروجها وإعادتها عن أصل وكيان وهو ما ذكر.
"وهو أهون عليه"، أي: في عقولكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً ﴾ .
ذكر المثل ولم يذكر المضروب، وأهل التأويل قالوا: ضرب المثل للمؤمن والكافر، ثم يحتمل ضرب المثل وجوهاً.
أحدها: أنه وصف الأرض التي يخرج منها النبات بالطيب، ووصف الأرض التي لا يخرج منها النبات بالخبث، فعلى ذلك المؤمن لما كان منه من الأعمال من الطاعة لربه، والائتمار لأمره موصوف هو بالطيب، وجعله من جوهر الطيب، والكافر لما يكون منه من الأعمال الخبيثة، ولا يكون له من الأعمال الصالحة من الطاعة لربه خبيث، كما أن الأرض التي يخرج منها النبات الذي ينتفع به موصوفة بطيب الأصل والجوهر، والتي لا يخرج منها النبات ولا ينتفع به موصوفة بخبث الأصل.
وأمكن أن يكون من وجه آخر، وهو أن الله - عز وجل - جعل هذا القرآن مباركاً، شفاء للخلق على ما وصفه الله في غير موضع من الكتاب، ووصف الماء الذي ينزل من السماء بالبركة والرحمة، فإذا نزل ذلك الماء المبارك في الأرض الطيبة الجوهر، خرج منها النبات، والأنزال ينتفع بها، وإذا نزل في الأرض السبخة الخبيثة، لم يخرج لخبث أصلها، فعلى ذلك هذا القرآن هو مبارك شفاء، فيسمعه المؤمن، فيتبعه، ويعمل به، والكافر يسمعه ولا يتبعه، ولا يعمل به، فصار مثل المؤمن الذي يسمع هذا القرآن ويتبعه ويعمل بما فيه، كمثل الماء الذي يدخل في الأرض فيخرج منه النبات؛ لطيب جوهرها وأصلها، والكافر مثل الأرض التي لا يخرج منها النبات لخبث أصلها وجوهرها، وأصله: أنه ضرب مثل الذي هو مستحسن بالعقل بالذي هو مستحسن بالطبع؛ لأن ما حسن في الطبع فإنما معرفته حسن، وما حسن في العقل فإنما يعرف حسنه بالدلائل وهو غائب، فضرب مثل الذي معرفة حسنه بالعقل [وهو غائب بالذي معرفة حسنه حس ومشاهدة فالإيمان حسن وغائب ضرب مثله بالذي طريق معرفة حسنه بالحس] والمشاهدة، وهو ما ذكر من النبات الذي يخرج من الأرض، وذلك يدلّ على طيب أصلها وجوهرها، والتي لا تخرج شيئاً [هو] لخبث جوهرها وأصلها، فعلى ذلك المؤمن والكافر، ثم حسن عمل هذا وطيبه وقبح عمل الآخر وخبثه إنما يظهر في الآخرة وذلك يوجب البعث لأنهما جميعاً استويا في هذه الدنيا، فدل أن هنالك داراً أخرى فيها يظهر الطيب من الخبيث طاب عمل المؤمن، وجميع ما يكون منه حسناً لطيب أصله، وخبث عمل الكافر وقبح ما يكون منه لخبث أصله، كالأرض التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ يحتمل بعلمه وتكوينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ نَكِداً ﴾ .
قال الحسن: خبيثاً، أي: لا يخرج إلا خبيثاً.
وقال أبو بكر: نكداً، أي: لا منفعة فيه.
وقيل: إلا عسيراً.
وقيل: إلا قليلاً وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ .
أي: لقوم ينتفعون بالآيات.
<div class="verse-tafsir"
ادعوا -أيها المؤمنون- ربكم بتذلل تام وتواضع خفية وسرًّا، مخلصين في الدعاء غير مرائين ولا مشركين به سبحانه غيره في الدعاء، إنه لا يحب المتجاوزين لحدوده في الدعاء، ومن أعظم التجاوز لحدوده في الدعاء دعاء غيره معه كما يفعل المشركون.
<div class="verse-tafsir" id="91.8wW5K"