الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٦٤ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الله تعالى : ( فكذبوه ) أي : فتمادوا على تكذيبه ومخالفته ، وما آمن معه منهم إلا قليل ، كما نص عليه في موضع آخر ، ( فأنجيناه والذين معه في الفلك ) وهي السفينة ، كما قال : ( فأنجيناه وأصحاب السفينة ) [ العنكبوت : 15 ] ( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) كما قال : ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) [ نوح : 25 ] وقوله : ( إنهم كانوا قوما عمين ) أي : عن الحق ، لا يبصرونه ولا يهتدون له .
فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه ، وأنجى رسوله والمؤمنين ، وأهلك أعداءهم من الكافرين ، كما قال تعالى : ( إنا لننصر رسلنا [ والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ] ولهم سوء الدار ) [ غافر : 51 ، 52 ] وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة ، أن العاقبة للمتقين والظفر والغلب لهم ، كما أهلك قوم نوح [ عليه السلام ] بالغرق ونجى نوحا وأصحابه المؤمنين .
قال مالك ، عن زيد بن أسلم : كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما عذب الله قوم نوح عليه السلام إلا والأرض ملأى بهم ، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز .
وقال ابن وهب : بلغني عن ابن عباس : أنه نجا مع نوح عليه السلام في السفينة ثمانون رجلا أحدهم " جرهم " ، وكان لسانه عربيا .
رواهن ابن أبي حاتم .
وقد روي هذا الأثر الأخير من وجه آخر متصلا عن ابن عباس ، رضي الله عنهما .
القول في تأويل قوله : فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فكذب نوحًا قومه إذ أخبرهم أنه لله رسولٌ إليهم، يأمرهم بخلع الأنداد، والإقرار بوحدانية الله، والعمل بطاعته، وخالفوا أمر ربهم، ولجُّوا في طغيانهم يعمهون، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به، وكانوا بنوح عليه السلام أنفسًا عشرة، (16) فيما:- 14792 - حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: نوح، وبنوه الثلاثة سامٌ وحام ويافث، وأزواجهم، وستة أناسيّ ممن كان آمن به.
* * * وكان حمل معه في الفلك من كل زوجين اثنين، كما قال تبارك وتعالى: وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ [ سورة هود: 40 ].
* * * و " الفلك " ، هو السفينة.
* * * " وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا " ، يقول: وأغرق الله الذين كذبوا بحججه، ولم يتبعوا رسله، ولم يقبلوا نصيحته إياهم في الله بالطوفان.
=" إنهم كانوا قومًا عمين " ، يقول: عمين عن الحق، كما:- 14793 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " عمين " ، قال: عن الحق.
14794 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قوما عمين " ، قال: العَمَى، العامي عن الحق.
(17) ---------------- الهوامش : (16) في المخطوطة ما أثبت ، ولكن ناشر المطبوعة اجتهد فكتب"وكانوا بنوح عليه السلام ثلاث عشرة" ، وهو تصرف معيب ، فإن خبر ابن إسحاق هذا سيأتي في تفسير"سورة هود" 12: 26 (بولاق) ، وفيه: "فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم" ، فنوح وبنوه أربعة ، وستة أناسي ، فهذه عشرة.
أما الأزواج فإنه لم يدخلهن في العدة كما ترى ، وإنما عنى عدد الرجال دون النساء.
(17) انظر تفسير"العمى" فيما سلف 11: 372 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِو " الفلك " يكون واحدا ويكون جمعا .وقد تقدم في " البقرة "وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَو " عمين " أي عن الحق ; قال قتادة .وقيل : عن معرفة الله تعالى وقدرته , يقال : رجل عم بكذا , أي جاهل .
فلم يفد فيهم، ولا نجح { فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } أي: السفينة التي أمر اللّه نوحا عليه الصلاة والسلام بصنعتها، وأوحى إليه أن يحمل من كل صنف من الحيوانات، زوجين اثنين وأهله ومن آمن معه، فحملهم فيها ونجاهم اللّه بها.
{ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ } عن الهدى، أبصروا الحق، وأراهم اللّه - على يد نوح - من الآيات البينات، ما بهم يؤمن أولوا الألباب، فسخروا منه، واستهزءوا به وكفروا.
( فكذبوه ) يعني : كذبوا نوحا ، ( فأنجيناه ) من الطوفان ، ( والذين معه في الفلك ) في السفينة ، ( وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ) أي : كفارا ، قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة الله .
قال الزجاج : عموا عن الحق والإيمان ، يقال : رجل عم عن الحق وأعمى في البصر .
وقيل : العمي والأعمى كالخضر والأخضر .
قال مقاتل : عموات عن نزول العذاب بهم وهو الغرق .
«فكذَّبوه فأنجيناه والذين معه» من الغرق «في الفلك» السفينة «وأغرقنا الذين كذَّبوا بآياتنا» بالطوفان «إنهم كانوا قوما عَمين» عن الحق.
فكذبوا نوحًا فأنجيناه ومَن آمن معه في السفينة، وأغرقنا الكفار الذين كذبوا بحججنا الواضحة.
إنهم كانوا عُمْيَ القلوب عن رؤية الحق.
لقد صرحت السورة الكريمة بأن موقفهم كان قبيحا ، ولذا عوقبوا بما يناسب جرمهم قال - تعالى - : ( فَكَذَّبُوهُ ) أى : فكذب قوم نوح نبيهم ومرشدهم نوحا ، وأصروا على التكذيب مع أنه دعاهم إلى الهدى ليلا ونهاراً ، وسراً وجهاراً ، ومع أنه مكث فيهم " ألف سنة إلا خمسين عاما " كانت نتيجة ذلك - كما حكى القرآن :( فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ فِي الفلك ) أى : فأنجيناه من الغرق هو والذين آمنوا معه بأن حملناهم فى السفينة التى صنعها .
والفاء فى ( فَأَنجَيْنَاهُ ) للسببية .قيل كان عدد الذين آمنوا معه أربعين رجلا وأربعين امرأة .
وقيل غير ذلك .
والقرآن قد صرح بأن المؤمنين به كانوا قلة ، فقال : ( وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) ( وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ) عمين : جمع عم صفة مشبهة ، يقال : هو عم - كفرح - لأعمى البصيرة .أى : وأغرقنا بالطوفان أولئك الذين كذبوا بآياتنا من قوم نوح لأنهم كانوا قوماً عمى البصائر عن الحق والإيمان لا تنفع فيهم المواعظ ولم يجد معهم التذكير .
اعلم أن قوله: ﴿ أوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ ﴾ يدل على أن مراد القوم من قولهم لنوح عليه السلام: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال، وذلك من وجوه: أحدها: أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف.
والتكليف لا منفعة فيه للمعبود لكونه متعالياً عن النفع والضرر، ولا منفعة فيه للعابد، لأنه في الحال يوجب المضرة العظيمة، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف، فيكون التكليف عبثاً، والله متعال عن العبث، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة.
وثانيها: أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا: ما علم حسنه بالعقل فعلناه، وما علم قبحه تركناه، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه، لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به، وإن لم نكن مضطرين إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب، ولما كان رسول العقل كافياً فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر.
وثالثها: أن بتقدير: أنه لابد من الرسول؛ فإن إرسال الملائكة أولى، لأن مهابتهم أشد، وطهاراتهم أكمل، واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم.
ورابعها: أن بتقدير: أن يبعث رسولاً من البشر، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيراً، ولم يكن له تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح عليه السلام أنه من باب الوحي، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة، ثم أن نوحاً عليه السلام أزال تعجبهم وقال: إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء، وهو ينافي التكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ فبقي أن يكون إيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان، وذلك الإنسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة تكليف الله، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ .
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية.
أما قوله: ﴿ أوعجبتم ﴾ فالهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم؟
أي عجبتم أن جاءكم ذكر.
وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوهاً.
قال الحسن: إنه الوحي الذي جاءهم به.
وقال آخرون: المراد بهذا الذكر المعجز، ثم ذلك المعجز يحتمل وجهين: أحدهما: أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتاباً، وكان ذلك الكتاب معجزاً، فسماه الله تعالى ذكراً، كما سمي القرآن بهذا الاسم، وجعله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أن ذلك المعجز كان شيئاً آخر سوى الكتاب.
وقوله: ﴿ على رَجُلٍ ﴾ قال الفراء: ﴿ عَلَى ﴾ هاهنا بمعنى مع كما تقول: جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه، كلاهما جائز.
وقال ابن قتيبة: أي على لسان رجل منكم، كما قال: ﴿ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ أي على لسان رسلك.
وقال آخرون: ﴿ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ منزل على رجل، وقوله: ﴿ مِّنكُمْ ﴾ أي تعرفون نسبه فهو منكم نسباً، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف، وبطهارة أحواله أعلم، وبما يقتضي السكون إليه أبصر، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول، فقال: ﴿ لِيُنذِرَكُمْ ﴾ وما لأجله ينذر، فقال: ﴿ وَلِتَتَّقُواْ ﴾ وما لأجله يتقون، فقال: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وهذا الترتيب في غاية الحسن، فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى، الفوز بالرحمة في دار الآخرة.
قال الجبائي والكعبي والقاضي: هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم، التقوى والفوز بالرحمة، وذلك يبطل قول من يقول: إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والعناد، وخلقهم لأجل العذاب والنار.
وجواب أصحابنا أن نقول: إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح، وإن توقف لزم الجبر، ومتى لزم ذلك وجب القطع، فإنه تعالى أراد الكفر من الكافر، وذلك يبطل مذهبكم.
ثم بين تعالى أنهم مع ذلك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين.
وبين العلة في ذلك فقال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد، قال أهل اللغة: يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الانباء يَوْمَئِذٍ ﴾ وقال: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ﴾ قال زهير: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غد عمي قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ عَامِيْنِ ﴾ والفرق بين العمي والعامي أن العمي يدل على عمي ثابت.
والعامي على عمي حادث، ولا شك أن عماهم كان ثابتاً راسخاً، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين مَعَهُ ﴾ قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة.
وقيل: تسعة، بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به.
فإن قلت: ﴿ فِى الفلك ﴾ بم يتعلق؟
قلت: هو متعلق بمعه، كأنه قيل: والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك.
ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء، أي أنجيناهم في السفينة من الطوفان ﴿ عَمِينَ ﴾ عمى القلوب غير مستبصرين.
وقرئ: ﴿ عامين ﴾ .
والفرق بين العمى والعاميّ: أن العمى يدلّ على عمى ثابت، والعاميّ على حادث.
ونحوه قوله: ﴿ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ [هود: 12] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَعَجِبْتُمْ ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ أكَذَّبْتُمْ وعَجِبْتُمْ.
﴿ أنْ جاءَكُمْ ﴾ مِن أنْ جاءَكم.
﴿ ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ رِسالَةٌ أوْ مَوْعِظَةٌ.
﴿ عَلى رَجُلٍ ﴾ عَلى لِسانِ رَجُلٍ.
﴿ مِنكُمْ ﴾ مِن جُمْلَتِكم أوْ مِن جِنْسِكم، فَإنَّهم كانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِن إرْسالِ البَشَرِ ويَقُولُونَ (لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ) .
﴿ لِيُنْذِرَكُمْ ﴾ عاقِبَةَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ وَلِتَتَّقُوا ﴾ مِنهُما بِسَبَبِ الإنْذارِ.
﴿ وَلَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ بِالتَّقْوى، وفائِدَةُ حَرْفِ التَّرَجِّي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّقْوى غَيْرُ مُوجِبٍ والتَّرَحُّمَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَفَضُّلٌ، وأنَّ المُتَّقِيَ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَمِدَ عَلى تَقْواهُ ولا يَأْمَنَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ وهم مَن آمَنَ بِهِ وكانُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً.
وقِيلَ تِسْعَةٌ بَنُوهُ سامٌ وحامٌ ويافِثُ وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ.
﴿ فِي الفُلْكِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعَهُ أوْ بِأنْجَيْناهُ، أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مَعَهُ.
﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ بِالطُّوفانِ.
﴿ إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ عُمْيُ القُلُوبِ غَيْرُ مُسْتَبْصِرِينَ، وأصْلُهُ عَمِيِينَ فَخُفِّفَ وقُرِئَ « عامِينَ» والأوَّلُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى الثَّباتِ.
<div class="verse-tafsir"
{فكذّبوه} فنسبوه إلى الكذب {فأنجيناه والّذين معه} وكانوا أربعين رجلا وامرأة وقيل تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به {في الفلك} يتعلق بمعه كأنه قيل والذين صحبوه في الفلك {وأغرقنا الّذين كذّبوا بأياتنا إنّهم كانوا قوماً عمين} عن الحق يقال أعمى في البصر وعمٍ فى البصيرة
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما قالَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا ﴿ فَأنْجَيْناهُ ﴾ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءُ في الشُّعَراءِ مِن قَصْدِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وشُؤْمِ ما أضْمَرُوهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ: أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بِاعْتِبارِ الإغْراقِ لا فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فِي الفُلْكِ ﴾ أيِ السَّفِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً أيِ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الصِّلَةَ ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْجَيْناهُ وفي ظَرْفِيَّةً أوْ سَبَبِيَّةً وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( الَّذِينَ ) نَفْسِهِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ ﴿ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِها والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ أُولَئِكَ المَلَأ وغَيْرَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ المُصِرِّينَ وتَقْدِيمُ الإنْجاءِ عَلى الإغْراقِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإخْبارِ بِهِ والإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ (64) أيْ عُمْيَ القُلُوبِ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ عَنْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ وقُرِئَ ( عامِينَ ) والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَتَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ وأصْلُهُ عَمِيِّينَ فَخُفِّفَ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ عَمٍ وعامٍ بِأنَّ الأوَّلَ لِعَمى البَصِيرَةِ والثّانِيَ لِعَمى البَصَرِ وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ.
وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِي وقِيلَ: هُما سَواءٌ فِيهِما.
<div class="verse-tafsir"
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني: المكان العذب الزّكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع به، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن كما ينفع المطر الأرض الطيبة.
وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني: الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء، فكذلك الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها، ولا يتكلم بالإيمان، ولا يعمل بالطاعة إلا كرهاً لغير وجه الله.
ثم قال: كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ أي هكذا نبيّن الآيات والعلامات والأمثال لمن آمن وشكر رب هذه النعم ووحّده.
قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ يعني: بعثنا نوحاً إلى قومه بالرسالة فأتاهم، ويقال: معناه جعلنا نوحاً رسولاً إلى قومه.
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوا الله، مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي ليس لكم رب سواه.
قرأ الكسائي إله غَيْرِه بكسر الراء.
وقرأ الباقون غَيْرُهُ بالضم.
فمن قرأ بكسر الراء فلأجل مِنْ وجعله كله كلمة واحدة والغير تابعاً له.
ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ودخلت من مؤكدة.
ثم قال: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو الغرق ف قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم الرؤساء والأجلة والأشراف، سموا بذلك لأنهم ملِئوا بما يحتاج إليه منهم، ويقال: لأنهم ملؤوا الناظر هيبة إذا اجتمعوا في موضع.
قالوا: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطإ بَيِّنٍ.
قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن الجواب والمخاطبة.
لأنه ردّ جهلهم بأحسن الجواب، وهذا كما قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: 63] يعني: السداد من القول.
ثم قال: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد وأحذركم من العذاب.
وقال أهل اللغة: أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد، كما يقال: شكرت لك وشكرتك ثم قال: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني: أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوّفوا أمتهم بعذاب الأمم السابقة، كما قال شعيب لقومه: أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: 89] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم.
فقال لهم نوح: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من العذاب الذي ينزل بكم.
فقالت الكبراء للضعفاء لا تتبعوه فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ يعني: ينزل الكتاب والرسالة على رجل منكم تعرفون حسبه ونسبه لِيُنْذِرَكُمْ بالنار ولتتقوا الشرك.
قال بعضهم: «هذه الواو صلة وهو زيادة في الكلام.
ومعناه لِيُنْذِرَكُمْ لكي تتقوا.
وقال بعضهم هذه واو العطف أي: جاءكم رسول لكي ينذركم.
وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني: لكي تنجوا من العذاب.
قرأ أبو عمرو أبلغكم بجزم الباء والتخفيف.
وقرأ الباقون أُبَلّغكم بالتشديد فيكون فيه معنى المبالغة.
قوله: فَكَذَّبُوهُ أي نوحاً فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ يعني: الذين اتبعوه من المؤمنين في السفينة، والفلك اسم لواحد والجماعة- يعني: أنجينا المؤمنين من الغرق وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ عن نزول العذاب.
ويقال عَمِينَ عن الحق يعني: جعلوا أمره باطلاً.
وقد بيّن الله قصته في سورة هود.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم.
والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض.
والنَّكدُ العَسِيرُ القليل.
كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي هكذا نبين الأمور، ويَشْكُرُونَ معناه: يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه.
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
قال الطبري «١» : أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل «٢» نوحاً، وكذا قال أبو حيان «٣» : «لقد» اللام جواب قسم محذوف.
انتهى.
و «غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: مِنْ إِلهٍ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف.
قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملئون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ.
وقولهم: إِنَّا لَنَراكَ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر.
وفِي ضَلالٍ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك.
وقوله لهم جواب عن هذا:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَعَجِبْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، فَبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً.
وفي الذِّكْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَوْعِظَةُ.
والثّانِي: البَيانُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ "عَلى" بِمَعْنى: "مَعَ"، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: عَلى لَسانِ رَجُلٍ مِنكم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْمًا عَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِيَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ بَطْشِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ هَذِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ دَخَلَتْ عَلى الواوِ العاطِفَةِ؛ والِاسْتِفْهامُ هُنا بِمَعْنى التَقْرِيرِ؛ والتَوْبِيخِ؛ وعَجَبُهُمُ الَّذِي وقَعَ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِمْحالِ؛ هَذا هو الظاهِرُ مِن قِصَّتِهِمْ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "عَلى"؛ قِيلَ: هي بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَجِيءُ بِنَفْسِهِ في هَذا المَوْضِعِ يَصِلُ بِـ "عَلى"؛ إذْ كُلُّ ما يَأْتِي مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فَلَهُ حُكْمُ النُزُولِ؛ فَكَأنَّ "جاءَكُمْ"؛ مَعْناهُ: "نَزَلَ"؛ فَحَسُنَ مَعَهُ أنْ يُقالَ: "عَلى رَجُلٍ"؛ واللامُ في "لِيُنْذِرَكُمْ"؛ لامُ "كَيْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِ حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُعْتَقَدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ إنَّما هو مِن تِلْقاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم بَعْدَ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ فَأنْجاهُ اللهُ تَعالى ؛ والمُؤْمِنِينَ بِهِ؛ في السَفِينَةِ؛ وهي الفُلْكُ؛ و"اَلْفُلْكُ"؛ لِلْجَمْعِ؛ والمُفْرَدِ؛ ولَيْسَ عَلى حَدِّ "جُنُبٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ لَكِنَّ "فُلْكٌ"؛ لِلْواحِدِ؛ كُسِّرَ عَلى "فُلْكٌ"؛ لِلْجَمِيعِ؛ فَضَمَّةُ الفاءِ في الواحِدِ لَيْسَتْ هي في الجَمْعِ؛ و"فُعْلٌ"؛ بِناءُ تَكْسِيرٍ؛ مِثْلُ: "أسَدٌ"؛ و"أُسْدٌ"؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في التَثْنِيَةِ: "فُلْكانِ"؛ وفِي التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - في السَفِينَةِ أرْبَعُونَ رَجُلًا - وقِيلَ: ثَمانُونَ؛ وقِيلَ: عَشْرَةٌ - فَهم أولادُهُ: "يافِثُ"؛ و"سامُ"؛ و"حامُ"؛ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ؛ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: « "إنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛» وقالَ الزُهْرِيُّ في كِتابِ النَقّاشِ: وفي القُرْآنِ: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سائِرُ العَشْرَةِ؛ أوِ الأرْبَعِينَ - حَسَبَ الخِلافِ - حَفَدَةً لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن ذُرِّيَّتِهِ؛ فَتَجْتَمِعَ الآيَةُ؛ والحَدِيثُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ مَن كانَ في السَفِينَةِ - غَيْرُ بَنِيهِ - لَمْ يَنْسِلْ -؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ - وإلّا لَكانَ بَيْنَ الحَدِيثِ والآيَةِ تَعارُضٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَتْ لَهُ آياتٌ ومُعْجِزاتٌ.
وقَوْلُهُ: "عَمِينَ"؛ وزْنُهُ "فَعِينَ"؛ وهو جَمْعُ "عَمٍ"؛ وزْنُهُ "فَعٍ"؛ ويُرِيدُ: عَمى البَصائِرِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - بُعِثَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وجاءَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ؛ والأخَواتِ؛ والأُمَّهاتِ؛ والخالاتِ؛ والعَمّاتِ؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: بُعِثَ نُوحٌ وهو ابْنُ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: بُعِثَ ابْنَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ؛ وقِيلَ: ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ الغَرَقِ سِتِّينَ سَنَةً؛ ورُوِيَ أنَّ الطُوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمْرِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأتى في حَدِيثِ الشَفاعَةِ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الناسِ؛ وأتى أيْضًا أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومِن آبائِهِ؛ وذَلِكَ يَجْتَمِعُ بِأنْ تَكُونَ بِعْثَةُ نُوحٍ مُشْتَهِرَةً لِإصْلاحِ الناسِ؛ وحَمْلِهِمْ بِالعَذابِ؛ والإهْلاكِ؛ عَلى الإيمانِ؛ فالمُرادُ أنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وقع التّكذيب من جميع قومه: من قادتهم، ودهمائهم، عدا بعضَ أهل بيته ومن آمَن به عقب سماع قول نوح، فعُطف على كلامه بالفاء أي صدر منهم قول يقتضي تكذيب دعوى أنّه رسول من ربّ العالمين يبلِّغ وينصَح ويعلَم ما لا يعلمون، فصار تكذيباً أعم من التّكذيب الأوّل، فهو بالنّسبة للملأ يَؤول إلى معنى الاستمرار على التّكذيب، وبالنّسبة للعامة تكذيب أنُف، بعد سماع قول قَادتهم وانتهاء المجادلة بينهم وبين نوح، فليس الفعل مستعملاً في الاستِمرار كما في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ﴾ [النساء: 136] إذ لا داعي إليه هنا، وضمير الجمع عائد إلى القوم، والفاء في قوله: ﴿ فأنجيناه ﴾ للتّعقيب، وهو تعقيب عُرفي: لأنّ التّكذيب حصل بعده الوَحْيُ إلى نوح بأنّه لن يؤمن من قومه إلاّ مَن قد آمن، ولا يُرجى زيادة مؤمن آخر، وأمرُه بأن يدخل الفلك ويحملَ معه مَن آمن إلى آخر ما قصّه الله في سورة هود.
وقدم الإخبار بالإنجاء على الإخبار بالإغراق، مع أنّ مقتضى مقام العبرة تقديم الإخبار بإغراق المنكرين، فقدم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرة السّامعين من المؤمنين بأنّ عادة الله إذا أهلك المشركين أن ينجي الرّسول والمؤمنين، فذلك التّقديم يفيد التّعريض بالنّذارة، وإلاّ فإنّ الإغراق وقع قبل الإنجاء، إذ لا يظهر تحقّق إنجاء نوح ومن معه إلاّ بعد حصول العذاب لمن لم يؤمنوا به، فالمعقّب به التّكذيب ابتداءً هو الإغراق، والإنجاء واقع بعده، وليتأتى هذا التّقديم عطف فعل الإنجاء بالواو المفيدة لمطلق الجمع، دون الفاء.
وقوله: ﴿ في الفلك ﴾ متعلّق بمعنى قوله: ﴿ معه ﴾ لأنّ تقديره: استقرّوا معه في الفلك، وبهذا التّعليق عُلم أنّ الله أمره أن يحمل في الفلك معشراً، وأنّهم كانوا مصدّقين له، فكان هذا التّعليق إيجازاً بديعاً.
والفُلك تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض ﴾ في سورة البقرة (164).
﴿ والذين معه ﴾ هم الذين آمنوا به، وسنذكر تعيينهم عند الكلام على قصّته في سورة هود.
والإتيان بالموصول في قوله: ﴿ وأغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا ﴾ دون أن يقال: وأغرقنا سائرهم، أو بقيتهم، لما تؤذن به الصّلة من وجه تعليل الخبر في قوله: ﴿ وأغرقنا ﴾ أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم.
وجملة: ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ تتنزل منزلة العلّة لجملة ﴿ أغرقنا ﴾ كما دلّ عليه حرف (إن) لأنّ حرف (إن) هنا لا يقصد به ردّ الشكّ والتَّرَدّد، إذ لا شكّ فيه، وإنّما المقصود من الحرف الدّلالة على الاهتمام بالخبر، ومن شأن (إن) إذا جاءت للاهتمام أن تقوم مقام فَاء التّفريع، وتفيدَ التّعليل وربط الجملة بالتي قبلها.
ففصل هذه الجملة كَلاَ فَصْل.
و ﴿ عَمِين ﴾ جمع عَممٍ جمع سلامة بواو ونون.
وهو صفة على وزن فَعِل مثل أشِر، مشتق من العمَى، وأصله فقدان البصر، ويطلق مجازاً على فقدان الرأي النّافع، ويقال: عَمَى القَلْببِ، وقد غلب في الكلام تخصيص الموصوف بالمعنى المجازي بالصّفة المشبَّهة لدلالتها على ثبوت الصّفة، وتمكّنها بأن تكون سجية وإنّما يصدّق ذلك في فقد الرّأي، لأنّ المرء يخلق عليه غالباً، بخلاف فقد البصر، ولذلك قال تعالى هنا ﴿ عَمِين ﴾ ولم يقل عُمْياً كما قال في الآية الأخرى ﴿ عُمْياً وبكماً وصُمّاً ﴾ [الإسراء: 97] ومثله قول زهير: ولكنّني عن عِلْممِ مَا فِي غدٍ عَمِ *** والذين كذّبوا كانوا عمين لأنّ قادتهم دَاعون إلى الضّلالة مؤيّدونها، ودهماؤهم متقبّلون تلك الدّعوة سمَّاعون لها.
وقد دلّت هذه القصّة على معنى عظيم في إرادة الله تعالى تطوّرَ الخلق الإنساني: فإنّ الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق له الحسّ الظاهر والحِسّ الباطن، فانتفع باستعمال بعض قواه الحسيَّة في إدراك أوائل العلوم، ولكنّه استعمل بعض ذلك فيما جلَب إليه الضرّ والضّلال، وذلك باستعمال القواعد الحِسّية فيما غاب عن حسِّه وإعانتها بالقوى الوهميّة والمخيَّلة، ففكّر في خالقه وصفاته فتوهّم له أنداداً وأعواناً وعشيرة وأبناء وشركاءَ في مُلكه، وتفاقم ذلك في الإنسان مع مرور الأزمان حتّى عاد عليه بنسيان خالقه، إذ لم يَدخل العلمُ به تحت حواسه الظّاهرة، وأقبل على عبادة الآلهة الموهومة حيث اتّخذ لها صُوراً محسوسة، فأراد الله إصلاح البشر وتهذيبَ إدراكهم، فأرسل إليهم نوحاً فآمن به قليل من قومه وكفر به جمهورهم، فأراد الله انتخاب الصّالحين من البشر الذين قبلت عقولهم الهدى، وهم نوح ومن آمن به، واستيصال الذين تمكّنت الضّلالة من عقولهم ليُنشئ من الصّالحين ذرّية صالحة ويَكْفِيَ الإنسانيّة فساد الضّالين، كما قال نوح: ﴿ إنَّك إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلوا عبادَك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفَّارا ﴾ [نوح: 27]، فكانت بعثة نوح وما طرأ عليها تجديداً لصلاح البشر وانتخاباً للأصْلَح.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: بَسْطُ البَدَنِ وطُولُ الجَسَدِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ أقْصَرَهم طُولًا اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.
﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ مَعْناهُ نِعَمُ اللَّهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلى <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ قال الملأ ﴾ يعني الاشراف من قومه.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ أَوَ عجبتم أَن جاءكم ذكر ربكم ﴾ قال: بيان من ربكم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحَّاك عن ابن عباس ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال: كفاراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال: عن الحق.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: (عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه) (١) وقال الزجاج: (أي: قد عَمُوا عن الحق والإيمان) (٢) قال الليث: (يقال (٣) (٤) وقال أبو معاذ النحوي (٥) (٦) (٧) وَلَكِنِّني عَنْ عِلْمِ مَا فيِ غَدٍ عَمِ وعلى هذا الوجه فسر ابن عباس؛ حيث قال: (عميت قلوبهم) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والبغوي 3/ 242، وابن الجوزي 3/ 221، والرازي 14/ 153، و"الخازن" 2/ 246.
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 347، وهو قول الطبري 8/ 215، وأخرجه من طرق جيدة عن مجاهد وابن زيد.
(٣) لفظ: (يقال) ساقط من (ب).
(٤) "العين" 2/ 266، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2576 من قول الفراء ونفطويه.
(٥) أبو معاذ النحوي: الفضل بن خالد المروزي الباهلي مولاهم إمام نحوي، لغوي، مقرئ، روى عنه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 25 وقال: (له كتاب في القرآن حسن) اهـ.
توفي سنة 211 هـ.
انظر: "معجم الأدباء" 5/ 565، و"غاية النهاية" 2/ 9، و"بغية الوعاة" 2/ 245، و"طبقات المفسرين" للداودي 2/ 32.
(٦) جاء في (أ): (رجل عم لا يبصره)، ثم كتب عليه: لا بصيرة له، والنص في "تهذيب اللغة" 3/ 2577.
(٧) "ديوانه" ص 110، و"تهذيب اللغة" 3/ 2577، والرازي 14/ 153، و"اللسان" 5/ 3115 (عمى)، و"الدر المصون" 5/ 357، وأوله: (وأعلم ما في اليوم والأمس قبله)، وهو من معلقته المشهورة.
انظر: "شرح ديوان زهير" لثعلب ص 49، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 289، وللنحاس 1/ 125.
(٨) سبق تخريجه.
(٩) لفظ: (الحسين) ساقط من (ب).
(١٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 191 ب.
(١١) قال السمين في "الدر" 5/ 357: (عَمين: جمع عَم، قيل: عم إذا كان أعمى البصيرة غير عارف بأموره، وأعمى أي: في البصر، وقيل: عم وأعمى بمعنى كخضر وأخضر، وقيل: عمٍ فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق ولو أريد الحدوث لقيل عام كما يقال: فارح وضائق) اهـ، وانظر: "الصحاح" 6/ 2439، و"مقاييس اللغة" 4/ 133، و"المجمل" 3/ 628، و"المفردات" ص 588 (عمى).
(١٢) قال ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 155 وص180 وص370: (رجل عَمِي القلب وعم عن الصواب ورجل شج: إذا غص باللقمة ورجل صَدٍ للعطشان وصَدْيان وصاد، وإذا اشتكى الرجل نساه قلت: نَسِي يَنْسَى نسى فهو نَسٍ وقد نسيت الشيء: إذا لم تذكره، وقد أنسيته ما كان يحفظه، وأنسأته البيع: إذا أخرت ثمنه عليه) اهـ.
ملخصًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم: أي على لسان رجل منكم ﴿ فِي الفلك ﴾ متعلق بمعه والتقدير: استقروا معه في الفلك، ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه ﴿ عَمِينَ ﴾ جمع أعمى وهو من عمى القلب ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ أي واحد من قبيلتهم، وهو عطف على نوحاً، وهوداً بدل منه أو عطف بيان، وكذلك أخاهم صالحاً وما بعده، وما هو مثله حيث وقع ﴿ الملأ الذين كَفَرُواْ ﴾ قيَّد هنا بالكفر لأن في الملأ من قوم هود من آمن وهو مرثد بن سعيد، بخلاف قوم نوح، فإنهم لم يكن فيهم مؤمن، فأطلق لفظ الملأ ﴿ أَمِينٌ ﴾ يحتمل أن يريد أمانته على الوحي أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق ﴿ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً ﴾ كانوا عظام الأجسام فكان أقصرهم ستون ذراعاً، وأطولهم مائة ذراع ﴿ آلآءَ الله ﴾ نعمة حيث وقع ﴿ قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته، ولذلك قال لهم هود: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي حَقَّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب ﴿ أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ يعنى الأصنام: أي تجادلونني في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف، وأراد بقوله: سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل على أنها آلهة، فقولكم باطل؛ فالجدال على القول الأول في عبادتها، وعلى القول الثاني في تسميتها آلهة، والمراد بالأسماء على القول الأول: المسمى، وعلى القول الثاني: التسمية ﴿ دَابِرَ ﴾ ذكر في [الأنعام: 45].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إله غيره ﴾ بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملاً على محل ﴿ من إله ﴾ ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ أبلغكم ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو.
والباقون: بالتشديد.
عباس: بالاختلاس ﴿ بصطة ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيراً.
الوقوف: ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ عمين ﴾ ه ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ لينذركم ﴾ ط لتناهى الاستفهام ﴿ بسطة ﴾ ج تنبيهاً على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق الجملتين ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ آباؤنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ وغضب ﴾ ط ﴿ من سلطان ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد ﴿ المنتظرين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله .
ومنها بيان سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر قلوب المبطلين.
ومنها التنبيه على أن الله لا يهمل المبطلين وإن كان يمهلهم.
ومنها العظة والاعتبار ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ ومنها الدلالة على نبوّة محمد من حيث إنه إخبار بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة.
فمن القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أوّل السورة.
الثانية قصة نوح وهو نوح بن لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس.
قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك.
قال الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟
وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا تفيد صفة في المسمى.
والصحيح أنه اسم أعجمي.
قال ابن عباس: معنى أرسلنا بعثنا.
وقال آخرون: معناه أنه حمله رسالة يؤدّيها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع لا أنه أصل.
قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول أرسل إلى قوم ليعرّفهم أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من بعثته مجرد تأكيد ما في العقول.
وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلاً على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول النبي بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضاً قد مر دلائل التوحيد والنبوّة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى ههنا غير مرة، فوقع التعويل على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأوّل لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً منه، ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوّزنا التعدد لم يتعين المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في الأزل غير معبود.
ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً.
وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار.
ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب.
وقيل: المراد من الخوف التحذير.
وجملة قوله: ﴿ إني أخاف ﴾ بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام ﴿ فقال الملأ من قومه ﴾ أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح ﴿ إنا لنراك في ضلال ﴾ في ذهاب عن طريق الحق.
والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة.
نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد ﴿ قال يا قوم ليس بي ضلالة ﴾ لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين ﴾ وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز.
ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال ﴿ أبلغكم ﴾ الآية.
والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين، أو صفة لرسول.
وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره ﴿ رسالات ربي ﴾ ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي.
وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا.
ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة ﴿ وأنصح لكم ﴾ قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزاً ولكن تقول نصحت لك.
قال في الكشاف: وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة.
وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر.
ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله وأحب لكم ما أحب لنفسي ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله يعاقبكم في الآخرة عقاباً، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.
﴿ أو عجبتم ﴾ الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم.
قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به.
وقال آخرون: الذكر المعجز كتاباً أو غير كتاب.
وقيل: هو الموعظة ﴿ على رجل ﴾ أي على لسانه قاله ابن قتيبة ونظيره ﴿ آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ وقال الفراء "على" معنى "مع" تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز.
وقيل: أي منزل على رجل.
ومعنى ﴿ منكم ﴾ من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله قادر على تحصيلة بدون واسطة التكليف.
وأيضاً إن العقل كافٍ في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه فإن كان المكلف مضطراً إليه فعل لأنه لا يكلف ما لا يطاق، وإن لم يكن مضطراً إليه ترك حذراً عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان فقيراً خاملاً لا يصلح للنبوّة فأنكر نوح كل هذه الأشياء لأنه خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكاً لأن الجنس إلى الجنس أسكن وقد مر في أوّل "الأنعام".
ثم بين ما لأجله يبعث الرسول فقال ﴿ لينذركم ﴾ الآية.
وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز برحمة الله.
قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً ﴿ فكذبوه ﴾ في ادعاء النبوّة وتبليغ التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا.
والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿ فأنجيناه والذين ﴾ استقروا ﴿ معه في الفلك ﴾ وأنجيناهم في السفينة من الطوفان.
قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة.
وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به.
وإنما قال في سورة يونس ﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ لأن التشديد للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع والذكر والمؤنث بخلاف الذين ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوّة والمعاد.
وقال أهل اللغة: يقال رجل عمٍ في البصيرة وأعمى في البصر.
فالعمى يدل على عمّى ثابت والعامي على عمّى حادث.
القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ والتقدير لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً.
واتفقوا على أن هوداً ما كان أخاهم في الدين.
ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة والجن.
وقيل: أراد واحداً منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد منهم، وقيل: خص واحداً منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته.
وقيل: معناه صاحبهم.
والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم قال "إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن" يريد صاحبهم.
ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﴿ وهوداً ﴾ عطف بيان لأخاهم.
وأما عاد فهم كانوا باليمين بالأحقاف.
قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت.
واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ﴾ وههنا ﴿ قال يا قوم ﴾ والفرق أن نوحاً كان مواظباً على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فما كان جدّه إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود.
ويمكن أن يقال: لما أضمر ﴿ أرسلنا ﴾ أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء ﴿ أرسلنا ﴾ وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف.
ومنها قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وفي قصة هود ﴿ ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾ لأن واقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك العذاب العظيم الذي اشتهر خبره في الدنيا.
ومنها ﴿ قال الملأ من قومه ﴾ وفي قصة هود ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف.
ومنها أن قوم نوح ﴿ قالوا إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ وقوم هود ﴿ قالوا إنا لنراك في سفاهة ﴾ أي متمكناً منها تمكن المظروف من الظرف.
وذلك أن نوحاً كان يخوّفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدّة طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد.
وأما هو فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة وخفة العقل حيث فارق دين قومه.
ثم قالوا ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في ادعاء الرسالة.
قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر.
ومنها قول نوح ﴿ وأنصح لكم ﴾ وقال هود ﴿ وأنا لكم ناصح ﴾ وذلك لأنه كان من عادة نوح العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ﴾ إلى آخر الآيات.
وأما هود فكان ثابتاً على النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح.
ثم إن نوحاً قال ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لأنه كان يعلم من أسرار الله ما لم يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أميناً ثقة أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش.
أو المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.
وفي هذين الجوابين عن مثل ذينك الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا بالكلام المبني على الحلم والإغضاء.
ومنها أن هوداً اقتصر على قوله ﴿ لينذركم ﴾ لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئاً آخر يختص بهم فقال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً قد استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها من المنافع، "وإذا" مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا على الشيء الذي له مقدار وحجمية.
والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان.
قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.
وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر.
ومنهم من حمل اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدّة والجلادة متناصرين متوادّين ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه أني وآناء كعنب وأعناب.
قال الجوهري: واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء.
استدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرية بالآية قالوا: إنه رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر.
وأجيب بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون.
ذكرهم نبيهم نعم الله عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم ﴿ أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ الهمزة لإنكار اختصاص الله وحده بالعبادة.
وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.
ومنها الاستهزاء اعتقاداً منهم أن الله لا يرسل إلا ملكاً فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟
ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله وحده أي منفرداً عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالاً بتأويل.
ولا يمكن أن يكون وحده ههنا اعترافاً كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله وحده لأن الفرض أنهم مشركون.
ثم إن قول هود فيما قبل ﴿ أفلا تتقون ﴾ كان مشعراً بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعماً منهم أنه كاذب وذلك قولهم ﴿ فأتنا بما تعدنا ﴾ فأجابهم هود بقوله ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ ولا بد أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف.
أما الغضب في حقه فإرادة إيقاع السوء كما سبق مراراً، وأما الرجس فقيل: العذاب.
اعترض عليه بلزوم التكرار.
وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة.
وذلك أن الرجس ضد التطهير كما قال في صفة أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وقال القفال: الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كما قال ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا التفسير أخص.
أما قوله ﴿ قد وقع ﴾ ولم يقع العذاب بعد ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله حادثة: معناه أنه أحدث إرادة في ذلك الوقت.
وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب.
وقيل: جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك.
تريد أنها ستكون ألبتة.
وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟
فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر.
ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال ﴿ أتجادلونني في أسماء ﴾ تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء ﴿ سميتموها ﴾ أحدثتموها ﴿ أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ أي لا حجة على حقيقتها فتنزل.
والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال.
سموا واحداً بالعزي مشتقاً من العز وما أعطاه الله عزاً أصلاً.
وسموا آخر منها باللات من الإلهية وماله من الإلهية أثر.
وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء ﴿ أنزل ﴾ لأن "نزل" للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم.
ثم إنه ذكرهم وعيداً محدوداً فقال ﴿ فانتظروا ﴾ سوء عاقبة هذه الأصنام ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة ﴾ بسبب رحمة كانوا يستحقونها ﴿ منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام.
وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضاً بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم، أو معنى ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ في علم الله أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا.
قال في الكشاف: وإن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها.
صداء وصمود والهباء فبعث الله هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا.
وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وما يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولاً نغينهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية: ألا ياقيل ويحك قم فهينم *** لعل الله يسقينا غماماً ويسقي أوض عاد إن عاداً *** قد آمسوا ما يبينون الكلاما الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقياً لنا.
وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولاً من ضعفهم وسوء حالهم.
فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.
فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه.
فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء ياقيل اختر لنفسك ولقومك.
فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا.
فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله فيها حتى ماتوا.
التأويل: لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه والتعجب ﴿ فكذبوا ﴾ يعني النفس وصفاتها نوح والروح ﴿ فأنجيناه والذين معه ﴾ في الفلك الشريعة ﴿ وأغرقنا ﴾ النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ عن رؤية الله والوصول إليه ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ كما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني ﴿ قد رفع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه أصابكم سطوات العذاب.
فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ كما أرسلناك إلى قومك ولست أنت بأول رسول؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
وفيه دلالة أن الإيمان يصح بالأنبياء والرسل، وإن لم تعرف أنسابهم؛ لأن الله - عز وجل - ذكر الأنبياء والرسل بأساميهم، ولم يذكر أنسابهم، دل ذلك أن الإيمان يكون بهم [إيماناً] وإن لم تعرف أنسابهم؛ وكذلك يصح الإيمان وإن لم تعرف أسماؤهم؛ لأن من الأنبياء من لا يعرف اسمه، فيصح الإيمان بجملة الأنبياء، وإن لم تعرف أسماؤهم، وفي ذلك دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر عن رسالة نوح، فدل أنه بالله عرف ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ .، أي: وحدوا الله، سموا التوحيد عبادة لأن العبادة، لا تكون ولا تصح إلا بالتوحيد فيها لله خالصاً سمي بذلك مجازاً [إذ يجوز] أن يكون عبادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
أي: ما لكم من الإله الحق الذي ثبتت ألوهيته وربوبيته بالدلائل [والبراهين] من إله غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ ، أي: إني أعلم أن ينزل عليكم عذاب يوم عظيم إن متم على هذا.
أو قال بعضهم: الخوف هو الخوف، وهو خوف إشفاق، وذلك يحتمل أن يكون في الوقت الذي كان يطمع في إيمان قومه، ثم آيسه الله عن إيمان قومه بقوله: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
هو يوم عظيم للخلق؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وهو عظيم للخلق على ما وصف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ﴾ .
هم أشراف قومه وسادتهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا...
﴾ الآية، وكانوا هم أضداد الأنبياء والرسل؛ لأنهم كانوا يدعون الناس إلى ما يوحي إليهم الشياطين، والرسل كانوا يدعون إلى ما يوحي إليهم الله، وينزل عليهم؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ؛ لأنهم ظنوا أن ما أوحى إليهم الشيطان هو الحق، وأن ما يدعو إليه الرسل هو ضلال وباطل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ ﴾ .
أي: لست أنا بضال؛ لأنه إذا نفى الضلال عنه، نفى أن يكون ضالاً، وهو حرف رفق ولين، وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل أن يعاملوا قومهم؛ لأن ذلك أنجع في القلوب، وإلى القبول أقرب.
﴿ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ ، والعالم هو جوهر الكل.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: لفي خطأٍ مبين، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: نسبوه إلى الخطأ؛ لما رأوه خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم.
والثاني: نسبوه إلى الخطأ؛ لأنه [ترك] دين آبائه وأجداده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ﴾ .
رسالته التي أمرني بتبليغها إليكم، قبلتم أو رددتم؛ [أُوعدتم أوْ وعدتم] لأني أبلغها على أي حال استقبلتموني، أو يقول: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ﴾ رسالته التي أرسلها إليّ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ : أي: أدعوكم وآمركم إلى ما فيه صلاحكم، وأنهاكم عما فيه فسادكم، والنصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد، وتكون النصيحة لهم، ولجميع المؤمنين.
روي عن رسول الله ، قال: "ألا إن الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟
قال: لله ولرسوله [ولجميع المؤمنين]" قال الشيخ أبو الفدا الحكيم - رحمة الله عليه -: النصيحة: هي النهاية من صدق العناية، ثم أخبر أنه يبلغهم رسالات به، ولم يبين فيم ذا؟!
في كتاب أنزله عليه، أو بوحي في غير كتاب يوحى إليه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى التصديق له فيما يبلغ إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قد أتاه من الله العلم بأشياء ما لم يأت أولئك مثله، وهو كقول إبراهيم - - لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ ﴾ ، ويحتمل قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ من العذاب أنه ينزل بكم ﴿ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنتم إذا دمتم على ما أنتم عليه.
وقوله: ﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أي: تعجبون بما جاءكم ذكر من الله على يدي رجل منكم ما لا أقدر أنا ولا تقدرون أنتم على مثله، كانوا يعجبون وينكرون أن يكون رسل الله من البشر بقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\]، ﴿ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ \[المؤمنون: 24\]، ونحو ذلك كانوا ينكرون رسالة البشر وما ينبغي لهم أن ينكروا ذلك؛ لأنهم قد كانوا رأوا تفضيل بعض البشر على بعض، وفي وضع الرسالة فيهم - أعني في الرسل - تفضيلهم، وذلك قد رأوا فيما بينهم، ولله تفضيل بعضهم على بعض؛ إذ له الخلق والأمر، [ولكل] ذي ملك وسلطان أن يصنع في ملكه ما شاء من تفضيل بعض على بعض وغيره.
أو يقول: ﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : على يدي رجل منكم، ولو كان جاء الذكر على من هو من غير جوهركم، كان في ذلك لبس واشتباه عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُنذِرَكُمْ ﴾ عذاب الله: ولتتقوا معاصيه ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : إن اتقيتم ما نهاكم [عنه]، أو كان في قومه من يجوز أن يرحم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ .
يعني نوحاً [فيما] دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن عبادة غير الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ .
يعني نوحاً [فيما] دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن عبادة غير الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات نبوته ورسالته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ ﴾ .
يعني نوحاً، والذين آمنوا في الفلك.
﴿ وَأَغْرَقْنَا ﴾ .
الذين كذبوا بآياتنا، إذا كان إهلاك القوم إهلاك تعذيب وعقوبة، ينجي أولياءه ويبقيهم إلى الآجال التي قدر لهم، ويكون ذلك نجاة لهم من ذلك العذاب الذي حل بالأعداء.
وقوله - عز وجل - ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ : [أي: بآياتنا] التي جعلناها لإثبات رسالته ونبوته، ويحتمل: كذبوا بآياتنا التي أعطيناه لوحدانية الله وألوهيته.
﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ﴾ .
عموا عن الحق.
<div class="verse-tafsir"
فكذَّبه قومه، ولم يؤمنوا به، بل استمروا على كفرهم، فدعا عليهم أن يهلكهم الله، فسلمناه وسلمنا الذين معه في السفينة من المؤمنين من الغرق، وأهلكنا الذين كذبوا بآياتنا واستمروا على تكذيبهم بالغرق بالطوفان المنزل عقابًا لهم، إن قلوبهم كانت عميًا عن الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.K2kQj"