الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٧١ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال هود ، عليه السلام : ( قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ) أي : قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس [ وغضب ] قيل : هو مقلوب من رجز .
وعن ابن عباس : معناه السخط والغضب .
( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) أي : أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة ، وهي لا تضر ولا تنفع ، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلا ; ولهذا قال : ( ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ; ولهذا عقب بقوله :
القول في تأويل قوله : قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هود لقومه: قد حَلَّ بكم عذَابٌ وغضبٌ من الله.
* * * وكان أبو عمرو بن العلاء = فيما ذكر لنا عنه = يزعم أن " الرجز " و " الرجس " بمعنى واحد، وأنها مقلوبة، قلبت السين زايًا، كما قلبت " ستّ" وهي من " سداس " بسين، (72) وكما قالوا " قَرَبُوس " و " قَرَبُوت " (73) وكما قال الراجز: (74) أَلا لَحَــى اللــهُ بَنِــي السِّـعْلاتِ عَمْــرَو بْـنَ يَرْبُـوعٍ لِئَـامَ النَّـاتِ لَيْسُــوا بِأَعْفَـافٍ وَلا أَكْيَــاتِ (75) يريد " الناس "، و " أكياس " ، فقلبت السين تاء، كما قال رؤبة: كَـمْ قَـدْ رَأَيْنَـا مِـنْ عَدِيـدٍ مُـبْزِي حَــتَّى وَقَمْنَــا كَيْــدَهُ بــالرِّجْزِ (76) روي عن ابن عباس أنه كان يقول: " الرجس "، السّخط.
(77) 14808-حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قوله: ( قد وقع عليكم من ربكم رجس )يقول: سَخَط.
وأما قوله: ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم )فإنه يقول: أتخاصمونني في أسماء سمَّيتموها أصنامًا لا تضر ولا تنفع (78) =( أنتم وآباؤكم ما نـزل الله بها من سلطان )يقول: ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجُّون بها ، ولا معذرة تعتذرون بها ، (79) لأن العبادة إنما هي لمن ضرَّ ونفع ، وأثابَ على الطاعة وعاقب على المعصية ، ورزق ومنَع .
فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس ، فإنه لا نفع فيه ولا ضرّ، إلا أن تتخذ منه آلةً، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه ، لأن الله لم يأذن بذلك، فيعتذر من عبدَه بأنه يعبده اتباعًا منه أمرَ الله في عبادته إياه.
(80) ولا هو= إذ كان الله لم يأذن في عبادته= مما يرجى نفعه ، أو يخاف ضرّه ، في عاجل أو آجل، فيعبد رجَاء نفعه ، أو دفع ضره -( فانتظروا إني معكم من المنتظرين )يقول: فانتظروا حكمَ الله فينا وفيكم=( إني معكم من المنتظرين )حكمَه وفصل قضائه فينا وفيكم.
------------------- الهوامش : (72) في المطبوعة: "كما قلبت: شئز ، وهي من: شئس" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب ما أثبت ، يدل عليه شاهد الرجز الذي بعده.
(73) في المطبوعة والمخطوطة: "وقربوز" بالزاي (وهي في المخطوطة غير منقوطة) ، والصواب المحكي عنه بالتاء.
و"القربوس" حنو السرج" وهو بقاف وراء مفتوحتان ، بعدهما باء مضمومة.
(74) هو علباء بن أرقم اليشكري.
(75) نوادر أبي زيد: 104 ، 147 ، الحيوان 1: 187/ 6: 161 ، وفيه تخريج الأبيات ، وغيرهما كثير.
و"السعلاة" اسم الواحدة من نساء الجن ، إذا لم تتغول لتفتن السفار.
وزعموا أن عمرو بن يربوع تزوج السعلاة ، وأولدها ، وأنها أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ، فلما رأت برقًا يلمع من شق بلاد السعالي ، حنت وطارت إليهم ، فقال عمرو بن يربوع: أَلا لِلــهِ ضَيْفُــكِ ، يَــا أُمَامَــا .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ولا يعرف تمام البيت كما قال أبو زيد في نوادره : 146.
رَأَى بَرْقًــا فَــأَوْضَعَ فَـوْقَ بَكْـرٍ فَـلا ، بِـكِ ، مـا أسَـالَ ومـا أَغَامَا .
وقوله: "ليسوا بأعفاف" ، هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة.
ورواية أبي زيد وغيره: "ليسوا أعفاء" ، وهي القياس ، جمع"عفيف" ، وكأن"أعفاف" جمع"عف" ، وقد نصوا على أنهم لم يجمعوا"عفا" ، أو يكون كما جمع"شريف" على"أشراف" ، في غير المضعف.
(76) ديوانه: 64 ، هكذا جاء البيت الأول في المخطوطة والمطبوعة.
وهو لا يكاد يصح ، ورواية الديوان.
مَــا رَامَنَـا مـن ذي عَدِيـدٍ مَـبْزى يقال: "أبزى فلان بفلان" ، إذا غلبه وقهاه.
و"وقم عدوه" ، أذله وقهره.
(77) في المطبوعة: "الرجز" مكان"الرجس" ، وبين أن الصواب ما أثبت.
= وانظر تفسير"الرجس" فيما سلف 10: 565/ 12: 111 ، 112 ، 194.
(78) انظر تفسير"المجادلة" فيما سلف ص: 86 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(79) انظر تفسير"سلطان" فيما سلف ص: 404 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(80) في المطبوعة والمخطوطة: "فيعذر من عبده" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌومعنى وقع أي وجب .يقال : وقع القول والحكم أي وجب !
ومثله : " ولما وقع عليهم الرجز " [ الأعراف : 134 ] .أي نزل بهم ." وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض " [ النمل : 82 ] .والرجس العذاب وقيل : عني بالرجس الرين على القلب بزيادة الكفر .أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَيعني الأصنام التي عبدوها , وكان لها أسماء مختلفة .فالاسم هنا بمعنى المسمى .نظيره " إن هي إلا أسماء سميتموها " [ النجم : 23 ] .وهذه الأسماء مثل العزى من العز والأعز واللات , وليس لها من العز والإلهية شيء ." ما نزل الله بها من سلطان " أي من حجة لكم في عبادتها .
فقَالَ لهم هود عليه السلام: { قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } أي: لا بد من وقوعه، فإنه قد انعقدت أسبابه، وحان وقت الهلاك.
{ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } أي: كيف تجادلون على أمور، لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتوها آلهة، وهي لا شيء من الآلهة فيها، ولا مثقال ذرة و { مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } فإنها لو كانت صحيحة لأنزل اللّه بها سلطانا، فعدم إنزاله له دليل على بطلانها، فإنه ما من مطلوب ومقصود - وخصوصا الأمور الكبار - إلا وقد بين اللّه فيها من الحجج، ما يدل عليها، ومن السلطان، ما لا تخفى معه.
{ فَانْتَظِرُوا } ما يقع بكم من العقاب، الذي وعدتكم به { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } وفرق بين الانتظارين، انتظار من يخشى وقوع العقاب، ومن يرجو من اللّه النصر والثواب
( قال ) هود ، ( قد وقع ) وجب ونزل ، ( عليكم من ربكم رجس ) أي عذاب ، والسين مبدلة من الزاي ، ( وغضب ) أي : سخط ، ( أتجادلونني في أسماء سميتموها ) وضعتموها ، ( أنتم وآباؤكم ) قال أهل التفسير : كانت لهم أصنام يعبدونها سموها أسماء مختلفة ، ( ما نزل الله بها من سلطان ) حجة وبرهان ، ( فانتظروا ) نزول العذاب ، ( إني معكم من المنتظرين )
«قال قد وقع» وجب «عليكم من ربَّكم رجس» عذاب «وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها» أي سميتم بها «أنتم وآباؤكم» أصناما تعبدونها «ما نزَّل الله بها» أي بعبادتها «من سلطان» حجة وبرهان «فانتظروا» العذاب «إني معكم من المنتظرين» ذلكم بتكذيبكم لي فأرسلت عليهم الريح العقيم.
قال هود لقومه: قد حلَّ بكم عذاب وغضب من ربكم جل وعلا أتجادلونني في هذه الأصنام التي سميتموها آلهة أنتم وآباؤكم؟
ما نزَّل الله بها من حجة ولا برهان؛ لأنها مخلوقة لا تضر ولا تنفع، وإنما المعبود وحده هو الخالق سبحانه، فانتظروا نزول العذاب عليكم فإني منتظر معكم نزوله، وهذا غاية في التهديد والوعيد.
( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ) أى : قال هود لقومه بعد أن لجوا فى طغيانهم : قد حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب إصراركم على الكفر والعناد .والرجس والرجز بمعنى ، وأصل معناه الاضطراب يقال : رجست السماء أى : رعدت رعداً شديداً ، وهم فى مرجوسة من أمرهم أى : فى اختلاط والتباس .
ثم شاع فى العذاب لاضطراب من حل به .وعبر عن العذاب المتوقع وقوعه بأنه ( قَدْ وَقَعَ ) مبالغة فى تحقيق الوقوع ، وأنه أمر لا مفر لهم منه .وعطف الغضب على الرجس ، للإشارة إلى ما سينزل بهم من عذاب هو انتقام لا يمكن دفعه ، لأنه صادر من الله الذى غضب عليهم بسبب كفرهم ، وبعد أن أنذرهم هددهم بوقوع العذاب عليهم ، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون علم فقال : ( أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ ) أى : أتجادلونى وتخاصمونى فى شأن أشياء ما هى إلا أسماء ليس تحتها مسميات ، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ المستحق للعبادة إنما هو الله الذى خلق كل شىء ، أما هذه الأصنام التى زعمتم أنها آلهة فهى لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا .فأنت ترى أن هوداً - عليه السلام - قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئاً وراء الاسم الذى يطلق عليها ، وهذا أعمق فى الإنكار عليهم ، والاستهزاء بعقولهم .وقوله : ( مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) أى : ما أنزل الله بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم فى ألوهيتها أو فى كونها شفعاء لكم عند الله ، وإنما هى أصنام باطلة قلدتم آباءكم فى عبادتها بدون علم أو تفكير .ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال : ( فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ) أى : فانتظروا نزول العذاب الذى استعجلتموه وطلبتموه حين قلتم ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ) فإنى معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكذيبكم .
اعلم أن هوداً عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع، وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة، وصريح العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات، والجماد لا قدرة له على شيء أصلاً، وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم.
ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله، وأن لا يعبدوا شيئاً من الأصنام، ومقصود الله تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد، هذه الحجة التي ذكرها ثم إن هوداً عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد.
فقالوا: ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ﴾ ثم قالوا: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ وذلك لأنه عليه السلام قال: ﴿ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ فقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد فلهذا المعنى قالوا: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعتقدون كونه كاذباً بدليل أنهم قالوا له: ﴿ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين ﴾ فلما اعتقدوا كونه كاذباً قالوا له: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ والغرض أنه إذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذباً، وإنما قالوا ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد.
ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال عند هذا الكلام: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا الذي أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو العذاب، لأن العذاب ما كان حاصلاً في ذلك الوقت وقد اختلفوا فيه قال القاضي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر، إلا أنا نقول: معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت، لأن بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة.
واعلم أن هذا القول عندنا باطل، بل عندنا في الآية وجوه من التأويلات: أحدها: أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم، فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هود في ذلك الوقت: ﴿ وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾ .
وثانيها: أنه جعل التوقع الذي لابد من نزوله بمنزلة الواقع.
ونظيره قولك لمن طلب منك شيئاً، قد كان ذلك بمعنى أنه سيكون، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ بمعنى: سيأتي أمر الله.
وثالثها: أنا نحمل قوله: ﴿ وَقَعَ ﴾ على معنى وجد وحصل، والمعنى: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل إلى الأبد، لأن قولنا: حصل لا إشعار له بالحدوث بعد ما لم يكن.
المسألة الثانية: الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب لأن المراد من الغضب العذاب، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير، وأيضاً الرجس ضد التزكية والتطهير.
قال تعالى: ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ﴾ وقال في صفة أهل البيت: ﴿ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ والمراد التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الرجس عبارة عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة.
إذا ثبت هذا فقوله: ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس ﴾ يدل على أنه تعالى خصهم بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة، وذلك يدل على أن الخير والشر من الله تعالى، قال القفال: يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ أي قد وقع عليكم من الله رين على قلوبكم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي.
واعلم أنا قد دللنا على أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله، فهذا الذي قاله القفال أن كان المراد منه ذلك.
فقد جاء بالوفاق.
إلا أنه شديد النفرة عن هذا المذهب وأكثر تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على أنه لا يقول بهذا القول وإن كان المراد منه الجواب عما شرحناه، فهو ضعيف لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذي ذكرناه، والله أعلم.
وحاصل الكلام في الآية: أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفراً، وهو المراد من قوله: ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس ﴾ ثم خصهم بمزيد الغضب، وهو قوله: ﴿ وغضب ﴾ .
ثم قال: ﴿ أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ والمراد منه: الاستفهام على سبيل الإنكار، وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم، وسموا واحداً منها بالعزى مشتقاً من العز، والله ما أعطاه عزاً أصلاً، وسموا آخر منها باللات، وليس له من الإلهية شيء.
وقوله: ﴿ ما نزل الله بها من سلطان ﴾ عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيداً مجددا فقال: ﴿ فانتظروا ﴾ ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ .
ثم إنه تعالى أخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال: ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة منا ﴾ إذ كانوا مستحقين للرحمة بسبب إيمانهم، وقطعنا دابر الذين كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود، والمراد أنه تعالى أنزل عليهم عذاب الاستئصال الذي هو الريح، وقد بين الله كيفيته في غير هذا الموضع، وقطع الدابر: هو الاستئصال، فدل بهذا اللفظ أنه تعالى ما أبقى منهم أحداً، ودابر الشيء آخره.
فإن قيل: لما أخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين بآيات الله لزم القطع بأنهم ما كانوا مؤمنين، فما الفائدة في قوله بعد ذلك: ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ .
قلنا: معناه أنهم مكذبون، وعلم الله منهم أنهم لو بقوا لم يؤمنوا أيضاً، ولو علم تعالى أنهم سيؤمنون لأبقاهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ ﴾ أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، وترك دين الآباء.
في اتخاذ الأصنام شركاء معه، حباً لما نشأوا عليه، وألفاً لما صادفوا آباءهم يتدينون به.
فإن قلت: ما معنى المجيء في قوله: ﴿ أَجِئْتَنَا ﴾ قلت: فيه أوجه: أن يكون لهود عليه السلام مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث فلما أوحى إليه جاء قومه يدعوهم.
وأن يريدوا به الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى لا يرسل إلاّ الملائكة، فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك، وأن لا يريدوا حقيقة المجيء، ولكن التعرّض بذلك والقصد، كما يقال: ذهب يشمتني، ولا يراد حقيقة الذهاب، كأنهم قالوا: أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرّضت لنا بتكليف ذلك؟
﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ استعجال منهم للعذاب ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم ﴾ أي حق عليكم ووجب، أو قد نزل عليكم.
جعل المتوقع الذي لابد من نزوله بمنزلة الواقع.
ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب قد كان ذلك.
وعن حسان؛ أنّ ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل، فجاء يبكي.
فقال له يا بنيّ مالك؟
قال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردى حبرة، فضمه إلى صدره وقال له: يا بني، قد قلت الشعر.
والرجس: العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب ﴿ فِى أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ في أشياء ما هي إلاّ أسماء ليس تحتها مسميات، لأنكم تسمونها آلهة.
ومعنى الإلهية فيها معدوم محال وجوده.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ ومعنى ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ سميتم بها من: سميته زيداً.
وقطعُ دابرهم: استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم.
وقصتهم أن «عاداً» قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت.
وكانت لهم أصنام يعبدونها.
صداء.
وصمود، والهباء، فبعث الله إليهم هوداً نبياً، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً، فكذبوه وازدادوا عتوّاً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا، وكان الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرّم مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية ابن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً، منهم قيل بن عنز، ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه.
فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً عن الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان.- قينتان كانتا لمعاوية- فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك، وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه، وكان يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين.
فقالتا: قل شعراً نغنيهم به لا يدرون من قاله.
فقال معاوية: أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ** لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينَا غَمَامَا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَادا ** قَدْ امْسَوْا مَا يُبَينُونَ الْكَلاَمَا فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم وأظهر إسلامه، فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثداً لا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل اللَّهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء.
ياقيل، اختر لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهنّ ماء فخرجت على عاد من وادٍ لهم يقال له المغيث، فاستبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم، ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا.
فإن قلت: ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ مع إثبات التكذيب بآيات الله؟
قلت: هو تعريض بمن آمن منهم كمرثد ابن سعد، ومن نجا مع هود عليه السلام، كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ولم يكونوا مثل من آمن منهم، ليؤذن أنّ الهلاك خصّ المكذبين، ونجى الله المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ﴾ اسْتَبْعَدُوا اخْتِصاصَ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والإعْراضَ عَمّا أشْرَكَ بِهِ آباؤُهُمُ انْهِماكًا في التَّقْلِيدِ وحُبًّا لِما ألِفُوهُ، ومَعْنى المَجِيءِ في ﴿ أجِئْتَنا ﴾ إمّا المَجِيءُ مِن مَكانٍ اعْتَزَلَ بِهِ عَنْ قَوْمِهِ أوْ مِنَ السَّماءِ عَلى التَّهَكُّمِ، أوِ القَصْدُ عَلى المَجازِ كَقَوْلِهِمْ ذَهَبَ يَسُبُّنِي.
﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ مِنَ العَذابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ .
﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ فِيهِ.
﴿ قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكُمْ ﴾ قَدْ وجَبَ وحَقَّ عَلَيْكم، أوْ نَزَلَ عَلَيْكم عَلى أنَّ المُتَوَقَّعَ كالواقِعِ، ﴿ مِن رَبِّكم رِجْسٌ ﴾ عَذابٌ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ.
﴿ وَغَضَبٌ ﴾ إرادَةُ انْتِقامٍ.
﴿ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ في أشْياءَ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً ولَيْسَ فِيها مَعْنى الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ بِالذّاتِ هو المُوجِدُ لِلْكُلِّ، وأنَّها لَوِ اسْتَحَقَّتْ كانَ اسْتِحْقاقُها بِجَعْلِهِ تَعالى إمّا بِإنْزالِ آيَةٍ أوْ بِنَصْبِ حُجَّةٍ، بَيَّنَ أنَّ مُنْتَهى حُجَّتِهِمْ وسَنَدِهِمْ أنَّ الأصْنامَ تُسَمّى آلِهَةً مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ المُسَمّى، وإسْنادُ الِاطِّلاقِ إلى مَن لا يَؤْبَهُ بِقَوْلِهِ إظْهارًا لِغايَةِ جَهالَتِهِمْ وفَرْطِ غَباوَتِهِمْ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى وأنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ والإبْطالُ بِأنَّها أسْماءٌ مُخْتَرَعَةٌ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِها سُلْطانًا وضَعْفُهُما ظاهِرٌ.
﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ لِما وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ نُزُولَ العَذابِ بِكم.
﴿ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{قال قد وقع} أي قد نزل {عليكم} جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع كقولك لن طلب إليك بعض المطالب قد كان {مّن رّبّكم رجسٌ} عذاب {وغضبٌ} سخط {أتجادلونني في أسمآء سمّيتموهآ} في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات أنكم تسمون الأصنام آلهة
الأعراف ٧٠ ٧٢ وهى خالية عن معنى الألوهية {أنتم وآباؤكم مّا نزّل الله بها من سلطانٍ} حجة {فانتظروآ} نزول العذاب {إنّي معكم مّن المنتظرين} ذلك
﴿ قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ وجَبَ وثَبَتَ وأصْلُ اسْتِعْمالِ الوُقُوعِ في نُزُولِ الأجْسامِ واسْتِعْمالُهُ هُنا فِيما ذُكِرَ مَجازًا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ والمَعْنى قَدْ نَزَلَ عَلَيْكم واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ ( وقَعَ ) بِمَعْنى قَضى وقَدَّرَ لِأنَّ المُقَدَّراتِ تُضافُ إلى السَّماءِ وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ وفي الكَشْفِ أنَّ الوُقُوعَ بِمَعْنى الثُّبُوتِ وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ إمّا لِأنَّهُ ثُبُوتٌ قَوِيٌّ آكَدُ ما يَكُونُ وآجَبُهُ أوْ لِأنَّهُ ثُبُوتٌ حِسِّيٌّ لِأمْرٍ نازِلٍ مِن عُلُوٍّ وعَذابُ اللَّهِ تَعالى مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ فَتَدَبَّرْ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَنْزِيلِ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ مِن قِبَلِ مالِكِ أمْرِكم سُبْحانَهُ وتَعالى والجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدُ والظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ الأوَّلِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ المَبْدَأ مُتَقَدِّمٌ عَلى المُنْتَهى كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ إصابَةِ المَكْرُوهِ لَهم وكَذا تَقْدِيمُها عَلى الفاعِلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِجْسٌ ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ فِيهِ نَوْعُ طُولٍ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وغَضَبٌ ﴾ فَرُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُما بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ والرِّجْسُ العَذابُ وهو بِهَذا المَعْنى في كُلِّ القُرْآنِ عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو والِارْتِجازُ بِمَعْنًى حَتّى قِيلَ: إنَّ أصْلَهُ ذَلِكَ فَأُبْدِلَتِ الزّايُ سِينًا كَما أُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً في قَوْلِهِ.
ألا لَحى اللَّهُ بَنِيَ السَّعَلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعَ شِرارَ النّاتِ لَيْسُوا بِأعْفافٍ ولا أكْياتِ فَإنَّهُ أرادَ النّاسَ وأكْياسَ وأصْلُ مَعْناهُ الِاضْطِرابُ ثُمَّ شاعَ فِيما ذُكِرَ لِاضْطِرابِ مَن حَلَّ بِهِ وعَلَيْهِ فالعَطْفُ في قَوْلِهِ.
إذا سِنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً وكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها لِلتَّفْسِيرِ والغَضَبُ عِنْدَ كَثِيرٍ بِمَعْنى إرادَةِ الِانْتِقامِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ الرِّجْسَ بِاللَّعْنَةِ والغَضَبَ بِالعَذابِ وأنْشَدَ لَهُ البَيْتَ السّابِقَ وفِيهِ خَفاءٌ والذّاهِبُونَ إلى ما تَقَدَّمَ إنَّما يُفَسِّرُوهُ بِالعَذابِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ ما قَبْلَهُ ولا يَبْعُدُ أنْ يُفَسَّرَ الرِّجْسُ بِالعَذابِ والغَضَبُ بِاللَّعْنِ والطَّرْدِ عَلى عَكْسِ ما نُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويَكُونُ في الكَلامِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى حالِهِمْ في الأُولى والأُخْرى ويُمْكِنُ إرْجاعُ ما ذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى هَذا وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهُ لا لَطافَةَ في قَوْلِكَ: وقَعَ عَلَيْهِمْ عَذابٌ وإرادَةُ انْتِقامٍ عَلى ظاهِرِ كَلامِهِمْ وأيًّا ما كانَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإنْكارِهِمْ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ داعِيًا لَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُهم مِنَ الأصْنامِ.
والأسْماءُ عِبارَةٌ عَنْ تِلْكَ الأصْنامِ الباطِلَةِ وهَذا كَما يُقالُ لِما لا يَلِيقُ ما هو إلّا مُجَرَّدُ اسْمٍ والمَعْنى أتُخاصِمُونَنِي في مُسَمَّياتٍ وضَعْتُمْ لَها أسْماءً لا تَلِيقُ بِها فَسَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيها مِن مِصْداقِ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ ما لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا مَن أوْجَدَ الكُلَّ وهي بِمَعْزِلٍ عَنْ إيجادِ ذَرَّةٍ وأنَّها لَوِ اسْتَحَقَّتْ لَكانَ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ تَعالى إمّا بِإنْزالِ آيَةٍ أوْ نَصْبِ حُجَّةٍ وكِلاهُما مُسْتَحِيلٌ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ حُجَّةٍ ودَلِيلٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في حَيِّزٍ الإمْكانِ تَحَقَّقَ بُطْلانُ ما هم عَلَيْهِ والذَّمُّ الَّذِي يُفْهِمُهُ الكَلامُ مُتَوَجِّهٌ إلى التَّسْمِيَةِ الخالِيَةِ عَنِ المَعْنى المَشْحُونَةِ بِمَزِيدِ الضَّلالَةِ والغِوايَةِ والِافْتِراءِ العَظِيمِ وقِيلَ: إنَّهم سَمَّوْها خالِقَةً ورازِقَةً ومُنَزِّلَةً المَطَرَ ونَحْوَ ذَلِكَ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿ سَمَّيْتُمُوها ﴾ راجِعٌ لِأسْماءٍ وهو عَلى ما قِيلَ المَفْعُولُ الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ وقِيلَ: المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ والضَّمِيرُ هو المَفْعُولُ الثّانِي والمُرادُ سَمَّيْتُمْ أصْنامَكم بِها.
وقِيلَ: المُرادُ مِن سَمَّيْتُمُوها وصَفْتُمُوها فَلا حاجَةَ لَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ وحَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا في تَفْسِيرِها هو الَّذِي اخْتارَهُ جَمْعٌ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أتُجادِلُونَنِي في ذَوِي أسْماءٍ.
وادَّعى آخَرُونَ جَوازًا أنْ يَكُونَ فِيهِ صَنْعَةُ الِاسْتِخْدامِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ إنَّ الِاسْمَ عَيْنُ المُسَمّى ومَن قالَ: إنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَتَوَجَّهِ الإنْكارُ والإبْطالُ بِأنَّها أسْماءٌ مُخْتَرَعَةٌ لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ تَعالى بِها سُلْطانًا ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في ذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ نُزُولَ العَذابِ الَّذِي طَلَبْتُمُوهُ بِقَوْلِكم ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ لَمّا وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والجَهالَةِ ﴿ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ (71) لِنُزُولِهِ بِكم والفاءُ في ( فانْتَظِرُوا ) لِلتَّرْتِيبِ عَلى ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً يعني: أرسلنا إلى عاد نبيهم هوداً عطفاً على قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم.
لم يكن هود أخاهم في الدين ولكن كان من نسبهم.
قال السدي: كانت عاد قوماً من أهل اليمن فأتاهم هود، فدعاهم إلى الإيمان، وذكّرهم، ووعظهم فكذبوه.
ويقال: عاد اسم ملك ينسب القوم كلهم إليه.
ويقال: اسم القرية قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وقد ذكرناه أَفَلا تَتَّقُونَ عن الشرك وقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وقد ذكرناه إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أي جهالة وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ بأنك رسول الله قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ جهالة وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ يعني: كنت فيكم قبل اليوم أميناً فكيف تتّهموني اليوم.
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: الرسالة والبيان عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ تعرفون نسبه لِيُنْذِرَكُمْ بالعذاب وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي جعلكم خلفاء في الأرض بعد هلاك قوم نوح وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي: فضيلة في الطول على غيركم.
والخلفاء والخلائف جمع الخليفة.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسْطة بالسين.
وقرأ حمزة بإشمام الزاي.
وقرأ الباقون بالصاد.
قال ابن عباس- ما- كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.
وروى إبراهيم بن يوسف عن المسيب عن الكلبي قال: كان طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعاً وأقصرهم ثمانون ذراعاً.
وقال مقاتل عن قتادة: كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعاً فذلك قوله لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [الفجر: 8] ويقال: كان بين نوح وبين آدم عشرة آباء كلهم على الإسلام.
وكان إدريس جد أبي نوح ولم يكن بين آدم ونوح نبي مرسل، وكان إدريس نبياً ولم يؤمر بدعوة الخلق، ويقال: أنزل عليه عشرون صحيفة، وقد آمن به كثير من الناس، وكان بين نوح وإبراهيم ألف سنة ويقال: ألفان وأربعون سنة وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة.
وكان بين موسى وعيسى ألف سنة.
وبين عيسى ومحمد- - خمسمائة سنة.
وكان هود بين نوح وإبراهيم فلما دعا قومه فكذبوه، أنذرهم بالعذاب، وقال: إن الله تعالى يرسل عليكم الريح فيهلككم بها، فاستهزءوا به وقالوا: أي ريح يقدر علينا، فأمر الله تعالى خازن الريح أن يخرج من الريح العقيم التي هي تحت الأرض مقدار ما يخرج من حلقة الخاتم، كما قال في آية أخرى وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: 41] فجاءتهم وحملت الرجال والدواب كالأوراق في الهواء فأهلكتهم كلهم فلم يبق منهم أحد.
كما قال فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: 25] وذلك بعد ما أنذرهم وأخذ عليهم الحجة وذكرهم نعم الله تعالى، قال لَهُمْ: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي: اشكروا نعمة الله قال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء دفع البلية.
وقال بعضهم على ضد هذا، وقال أكثر المفسرين: الآلاء والنعماء بمعنى واحد لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: لكي تنجوا من البلايا ومن عذابه.
قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ قالوا: يا هود أتأمرنا أن نعبد رباً واحداً وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا أي نترك عبادة آلهتنا التي كان يعبدها آباؤنا.
قال لهم هود : إن لم تفعلوا ما آمركم يأتيكم العذاب.
قالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب أي: بما تخوفنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أنك لرسول الله قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أي: وجب عليكم عذاب وغضب من ربكم أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي: تجعلون قول أنفسكم وقول آبائكم حجة من غير أن يثبت لكم من الله حجة، وقد اتخذتم الأصنام بأيديكم، وسميتموها آلهة مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يقول: ليس لكم علة وعذر وحجة بعبادة الأصنام.
فَانْتَظِرُوا الهلاك إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ يعني: لنزول العذاب بكم، لأنهم أرادوا إهلاكه قبل أن يهلكوا.
قال الله تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني: بنعمة منا عليهم وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي: قطع أصلهم واستأصلهم وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ يعني: أن الذين أهلكهم الله تعالى كلهم كانوا كافرين.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أولادها في حِجَاجِ عَيْنِ رَجُلٍ منهم.
وفي خبرهم: أن اللَّه سبحانه لما أهلكهم بَعَثَ طيراً، فنقلت جِيفَهُمْ حتى طرحتها في البَحْرِ، فذلك قوله سبحانه: فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] وفي بعض ما رُويَ من شأنهم أن الريح لم تُبْعَثْ قط إلا بِمِكْيَالٍ إلا يومئذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنَةِ، فغلبتهم، فذلك قوله سبحانه: فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ [الحاقة: ٦] وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمَنَ معه إلى «مكة» فكانوا بها حتى مَاتُوا، فاللَّه أعلم أي ذلك كَانَ.
وقولهم: أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ...
الآية: ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة للَّه مع إقرارهم بالإله الخَالِقِ المُبْدِعِ، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية اللَّه تعالى من الكَفَرَةِ إلا مَنْ أفرطت غباوته.
وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: تصميم على التكذيب، واستعجال للعقوبة.
وقوله سبحانه: قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ...
الآية: أعلمهم بأن القَضَاءَ قد نَفذ، وحَلَّ عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب.
/ وقوله: أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أي: في مسمّيات سميتموها آلهة، وَقَطَعْنا دابِرَ استعارة تُسْتَعْمَلُ فيمن يُسْتأصَل بالهلاك، والدابر: الذي يَدْبُرُ القوم، ويأتي خَلْفَهُمُ، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد.
وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا دالّ على المعجزة، وإن لم تتعين.
ت: ومن مُعْجِزَاتِهِ قوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود: ٥٥] على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قَدْ وقَعَ ﴾ أيْ: وجَبَ ﴿ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَذابٌ وسُخْطٌ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: الرِّجْزُ؛ بِالزّايِ، والرِّجْسِ؛ بِالسِّينِ: بِمَعْنًى واحِدٍ، قَلَبْنَ السِّينَ زايًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.
وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ لَها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم سَمَّوْها آَلِهَةً.
والثّانِي: أنَّهم سَمَّوْها بِأسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ نُزُولَ العَذابِ ﴿ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ الَّذِي يَأْتِيكم مِنَ العَذابِ في تَكْذِيبِكم إيّايَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللهَ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهَ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أعْلَمَهم بِأنَّ القَضاءَ قَدْ نَفَذَ؛ وحَلَّ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ؛ وهو السُخْطُ؛ والعَذابُ؛ يُقالُ: "رِجْسٌ"؛ و"رِجْزٌ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وقالَ الشاعِرُ: إذا سَنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً ∗∗∗ فَكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها وقَدْ يَأْتِي الرِجْسَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلنَّتَنُ"؛ و"اَلْقَذَرُ"؛ ويُقالُ في "اَلرَّجِيعُ": "رِجْسٌ"؛ و"رِكْزٌ"؛ وهَذا الرِجْسُ هو المُسْتَعارُ لِلْمُحَرَّماتِ؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ كَما يُجْتَنَبُ النَتَنُ؛ وَنَحْوَهُ في المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خَبَرِ جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ؛ وسِنانِ بْنِ وبْرَةَ الأنْصارِيِّ حِينَ دَعَوا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُ أنَّهم يُخاصِمُونَهُ في أنْ تُسَمّى آلِهَةً؛ فالجَدَلُ إنَّما وقَعَ في التَسْمِياتِ؛ لا في المُسَمَّياتِ؛ لَكِنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ: ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ ﴾ ؛ فَهُنا لا يُرِيدُ إلّا ذَواتَ الأصْنامِ؛ فالِاسْمُ إنَّما يُرادُ بِهِ المُسَمّى نَفْسُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن رَأى أنَّ الجَدَلَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في أنْفُسِ الأصْنامِ وعِبادَتِها تَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ؛ والِاسْمُ يَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى التَسْمِيَةِ؛ وهَذا بابُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ النَحْوِيُّونَ؛ وقَدْ يُرادُ بِهِ المُسَمّى؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قارَبَهُ مِنَ القَوْلِ؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى ﴾ ؛ عَلى أنَّ هَذا يُتَأوَّلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ∗∗∗...................
عَلى تَأْوِيلاتٍ في البَيْتِ؛ وقَدْ مَضَتِ المَسْألَةُ في صَدْرِ الكِتابِ؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْبُرْهانُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ؛ وتَهْدِيدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْجَيْناهُ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أيْ: أخْرَجَهُ اللهُ تَعالى سالِمًا ؛ ناجِيًا؛ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وفَضْلِهِ؛ وخَرَجَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ حَتّى نَزَلُوا مَكَّةَ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا.
﴿ وَقَطَعْنا دابِرَ ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُسْتَأْصَلُ بِالهَلاكِ؛ و"اَلدّابِرُ": اَلَّذِي يَدْبُرُ القَوْمُ؛ ويَأْتِي خَلْفَهُمْ؛ فَإذا انْتَهى القَطْعُ والِاسْتِئْصالُ إلى ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ؛ دالٌّ عَلى المُعْجِزَةِ؛ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإلى ثَمُودَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هو ثَمُودُ بْنُ غائِنِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ أخُو جُدَيْسِ بْنِ غائِنٍ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَإلى ثَمُودٍ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَنْوِينِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وصَرْفُهُ عَلى اسْمِ الحَيِّ؛ وتَرْكُ صَرْفِهِ عَلى اسْمِ القَبِيلَةِ؛ قالَهُالزَجّاجُ ؛ وقالَ اللهُ تَعالى ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ ؛ فالمَعْنى: "وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى نُوحٍ؛ والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ القَرابَةِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُخُوَّةَ الآدَمِيَّةِ؛ وسُمِّيَ أخاهم لَمّا بُعِثَ إلَيْهِمْ؛ وهم قَوْمٌ عَرَبٌ؛ وهُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِما السَلامُ - عَرَبِيّانِ؛ وكَذَلِكَ إسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ كَذا قالَ النَقّاشُ ؛ وفي أمْرِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَظَرٌ؛ وصالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عارِمَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ كَذا ذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ وقالَ وهْبٌ: بَعَثَهُ اللهُ تَعالى حِينَ راهَقَ الحُلُمَ؛ ولَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَدْوَةِ؛ والحِجْرِ.
وقَوْلُهُ: "بَيِّنَةٌ"؛ صِفَةٌ؛ حُذِفَ المَوْصُوفُ؛ وأُقِيمَتْ مَقامَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ قَبِيحٌ في النَكِرَةِ؛ أنْ تُحْذَفَ وتُقامَ صِفَتُها مَقامَها؛ لَكِنْ إذا كانَتِ الصِفَةُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمالِ مُشْتَهِرَةً؛ وهي المَقْصُودُ في الأخْبارِ؛ والأُمَمِ؛ زالَ القُبْحُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي عَبْدٌ لِبَنِي فُلانٍ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "جاءَنِي رَجُلٌ عَبْدٌ"؛ لِأنَّ "عَبْدٌ"؛ صِفَةٌ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا "بَيِّنَةٌ"؛ اَلْمَعْنى: آيَةٌ؛ أو حُجَّةٌ؛ أو مَوْعِظَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ بِالناقَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ؛ وهي الجُمْهُورُ: بَلْ كانَتْ مُقْتَرَحَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ بِما ورَدَ في الآثارِ مِن أمْرِهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: يا صالِحُ إنْ كُنْتَ صادِقًا فادْعُ رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الهَضْبَةِ - وفي بَعْضِ الرِواياتِ: مِن هَذِهِ الصَخْرَةِ؛ لِصَخْرَةٍ بِالحِجْرِ؛ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ - ناقَةً عُشَراءَ؛ قالَ: فَدَعا اللهَ تَعالى فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الهَضْبَةُ؛ وتَنَفَّضَتْ؛ وانْشَقَّتْ عن ناقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ حامِلًا؛ فَوَلَدَتْ سَقْبَها المَشْهُورَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها مِنَ الصَخْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ جَمَلًا مِن جِمالِ ثَمُودَ ضَرَبَها فَوَلَدَتْ فَصِيلَها المَشْهُورَ؛ وقِيلَ ﴿ "ناقَةُ اللهِ"؛ ﴾ تَشْرِيفًا لَها؛ وتَخْصِيصًا؛ وهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّها ناقَةٌ مِن سائِرِ النُوقِ؛ وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها شِرْبًا يَوْمًا؛ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ؛ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "هِيَ ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ؛ ولَمْ تَكُنْ تَحْلِبُ"؛ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى؛ وأصَحُّ مِن هَذا؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ حِلْفًا عَظِيمًا؛ تَأْتِي إلى الماءِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَيَزْحَمانِها مِنَ العِظَمِ؛ وقاسَمَتْ ثَمُودَ في الماءِ؛ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فَكانَتْ تَرِدُ يَوْمَها فَتَسْتَوْفِي ماءَ بِئْرِ هَمْشَرِيّا؛ ويَحْلِبُونَها ما شاؤُوا مِن لَبَنٍ؛ ثُمَّ تَمْكُثُ يَوْمًا؛ وتَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ غَبًّا؛ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ما شاءَ اللهُ تَعالى حَتّى أماتَها ثَمُودُ؛ وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَبَنِ؟
اَلْماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ؛ وكانَ سَبَبُ المَلَلِ - فِيما رُوِيَ - أنَّها كانَتْ تُصَيِّفُ في بَطْنِ الوادِي؛ وادِي الحِجْرِ؛ وتَشْتُو في ظاهِرِهِ؛ فَكانَتْ مَواشِيهِمْ تَفِرُّ مِنها؛ فَتُصَيِّفُ في ظَهْرِ الوادِي لِلْقَيْظِ؛ وتَشْتُو في باطِنِهِ لِلزَّمْهَرِيرِ؛ وفَسَدَتْ لِذَلِكَ؛ فَتَمالَؤُوا عَلى قَتْلِ الناقَةِ؛ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّةً: "إنَّ هَذا الشَهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ"؛ فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ أولادٌ فَذَبَحَ التِسْعَةُ أولادَهُمْ؛ وبَقِيَ العاشِرُ؛ وهو سالِفٌ؛ أبُو قِدارٍ؛ فَنَشَأ قِدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ؛ فَكانَ التِسْعَةُ إذا رَأوهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا؛ فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أولادَهم بِكَلامِ صالِحٍ؛ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَخَرَجُوا وكَمَنُوا في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ - عَلَيْهِ السَلامُ -مِنهُ؛ وتَقاسَمُوا ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ﴾ ؛ فَسَقَطَ الغارُ عَلَيْهِمْ؛ فَماتُوا؛ فَهُمُ الرَهْطُ التِسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ.
وهَمَّ قِدارُ بْنُ سالِفٍ؛ ومِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ؛ وضَمّا إلى نَفْسَيْهِما سَبْعَةَ نَفَرٍ؛ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ الناقَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ؛ مِن أعْداءِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - جَعَلَتا لِقِدارٍ ومِصْدَعٍ أنْفُسَهُما؛ وأمْوالَهُما؛ عَلى أنْ يَعْقِرا الناقَةَ؛ وكانَتا مِن أهْلِ الجَمالِ؛ وقِيلَ: إنَّ قِدارًا شَرِبَ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ؛ فَطَلَبُوا ماءً يَمْزُجُونَ بِهِ الخَمْرَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ لِشُرْبِ الناقَةِ؛ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها حِينَئِذٍ؛ فَخَرَجُوا؛ وجَلَسُوا عَلى طَرِيقِها؛ وكَمَنَ لَها قِدارٌ خَلْفَ صَخْرَةٍ؛ فَلَمّا دَنَتْ مِنهُ رَماها بِالحَرْبَةِ؛ ثُمَّ سَقَطَتْ فَنَحَرَها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا الفَصِيلَ؛ فَهَرَبَ مِنهُمْ؛ حَتّى عَلا رَبْوَةً؛ ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ واسْتَغاثَ؛ فَلَحِقُوهُ؛ وعَقَرُوهُ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهم وجَدُوا الفَصِيلَ عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ؛ فَأرادُوهُ فارْتَفَعَتْ بِهِ؛ حَتّى لَحِقَتْ بِهِ في السَماءِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ فَرَغا الفَصِيلُ مُسْتَغِيثًا بِاللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ فَأوحى اللهُ تَعالى إلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ (مُرْهم فَلْيَتَمَتَّعُوا في دارِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ)؛ وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْطَقَ الفَصِيلَ؛ فَنادى: أيْنَ أُمِّي؟
فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "إنَّ العَذابَ واقِعٌ بِكم في الرابِعِ مِن عَقْرِ الناقَةِ"؛ ورُوِيَ أنَّها عُقِرَتْ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ وقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "تَحْمَرُّ وُجُوهُكم غَدًا؛ وتَصْفَرُّ في الثانِي؛ وتَسْوَدُّ في الثالِثِ؛ ويَنْزِلُ العَذابُ في الرابِعِ؛ يَوْمَ الأحَدِ"؛ فَلَمّا ظَهَرَتِ العَلامَةُ الَّتِي قالَ لَهُمْ؛ أيْقَنُوا؛ واسْتَعَدُّوا؛ ولَطَّخُوا أبْدانَهم بِالمَنِّ؛ وحَفَرُوا القُبُورَ؛ وتَحَنَّطُوا؛ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ؛ وخَرَجَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَصَصُ اقْتَضَبْتُهُ مِن كَثِيرٍ أورَدَهُ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - رَغْبَةَ الإيجازِ.
وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ بِلادَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ الناقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِلادُ ثَمُودَ هي بَيْنَ الشامِ والمَدِينَةِ؛ وهي الَّتِي مَرَّ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ "تَبُوكَ"؛ فَقالَ: « "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ"؛» ثُمَّ اعْتَجَرَ بِعِمامَتِهِ؛ وأسْرَعَ السَيْرَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ المَسافَةَ الَّتِي أهْلَكَتِ الصَيْحَةُ أهْلَها هي ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ وهِيَ: بِلادُ الحِجْرِ؛ ومَراتِعُها الجَنابُ؛ وحَسْمِي إلى وادِي القُرى؛ وما حَوْلَهُ؛ وقِيلَ في قِدارٍ: إنَّهُ ولَدُ زِنًا؛ مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: "ظَبْيانُ"؛ ووُلِدَ عَلى فِراشِ سالِفٍ؛ فَنُسِبَ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ؛ فَقالَ: "أتَعْرِفُونَ ما هَذا؟"؛ قالُوا: لا؛ قالَ: "هَذا قَبْرُ أبِي رُغالٍ الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ؛ كانَ مِن ثَمُودَ؛ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ وهو بِالحَرَمِ؛ فَسَلِمَ؛ فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؛ فَدُفِنَ هُنا؛ وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ"؛ قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ؛ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما في السِيَرِ مِن أنَّ أبا رُغالٍ هو دَلِيلُ الفِيلِ؛ وحَبِيسُهُ إلى مَكَّةَ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
جاوبوا هوداً بما أنبأ عن ضياع حجّته في جنب ضلالة عقولهم ومكابرة نفوسهم، ولذلك أعادوا تكذيبه بطريق الاستفهام الإنكاري على دعوته للتّوحيد، وهذا الجواب أقلّ جفوة وغلِظة من جوابهم الأوّل، إذ قالوا: ﴿ إنّا لنراك في سفاهة وإنّا لنظنّك من الكاذبين ﴾ [الأعراف: 66] كأنّهم راموا استنزل نفس هود ومحاولة إرجاعه عمّا دعاهم إليه، فلذلك اقتصروا على الإنكار وذكروه بأنّ الأمر الذي أنكرهُ هوَ دينُ آباء الجميع تعريضاً بأنّه سفّه آباءه، وهذا المقصد هو الذي اقتضى التّعبير عن دينهم بطريق الموصولية في قولهم: ﴿ ما كان يعبد آباؤنا ﴾ إيماء إلى وجه الإنكار عليه وإلى أنه حقيق بمتابعة دين آبائه، كما قال الملأُ من قريش لأبي طالب حين دعاه النّبيء صلى الله عليه وسلم أنْ يقول: " لا إله إلا الله " عند احتضاره فقالوا لأبي طالب: «أترغَبُ عن ملّة عبد المطّلب».
واجتلاب (كانَ) لتدلّ على أن عبادتهم أمر قديم مَضت عليه العصور.
والتّعبير بالفعل وكونه مضارعاً في قوله: ﴿ يَعبد ﴾ ليدلّ على أنّ ذلك متكرّر من آبائهم ومتجدّد وأنّهم لا يَفتُرون عنه.
ومعنى ﴿ أجئتنا ﴾ أقصدتَ واهتممت بنا لنعبد الله وحده فاستعير فعل المجيء لمعنى الاهتمام والتّحفّز والتّصلّب، كقول العرب: ذَهب يفعل، وفي القرآن: ﴿ يأيها المدّثّر قُمْ فأنْذِر ﴾ [المدثر: 1، 2] وقال حكاية عن فرعون: ﴿ ثمّ أدْبَر يَسْعَى فحشر فنادى ﴾ [النازعات: 22، 23] وفرعون لم يفارق مجلس ملكه وإنّما أريد أنّه أعرض واهتمّ ومثله قولهم ذهب يفعل كذا قال النّبهاني: فإن كنتَ سيّدَنّا سُدْتَنا *** وإن كُنْتَ لِلْخَال فاذْهب فَخلْ فقصدوا ممّا دلّ عليه فعل المجيء زيادة الإنكار عليه وتسفيهَه على اهتمامه بأمر مثل ما دعاهم إليه.
و ﴿ وحده ﴾ حال من اسم الجلالة وهو اسم مصدر أوْحَده: إذا اعتقده واحداً، فقياس المصدر الإيجاد، وانتصب هذا المصدر على الحال: إمّا من اسم الجلالة بتأويل المصدر باسم المفعول عند الجمهور أي مُوحَّداً أي محكوماً له بالوحدانيه، وقال يونس: هو بمعنى اسم الفاعل أي موحِّدين له فهو حال من الضّمير في ﴿ لنعبد ﴾ .
وتقدّم معنى: ﴿ ونذر ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ وذر الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ في سورة الأنعام (70).
والفاء في قوله: فأننا بما تعدنا } لتفريع طلب تحقيق ما توعدهم به، وتحدّياً لهود، وإشعاراً له بأنّهم موقنون بأنْ لا صِدْق للوعيد الذي يتوعّدهم فلا يخشون ما وعدهم به من العذاب.
فالأمر في قولهم: ﴿ فأتنا ﴾ للتّعجيز.
والإتيان بالشّيء حقيقته أن يجيء مصاحباً إيَّاه، ويستعمل مجازاً في الإحضار والإثبات كما هنا.
والمعنى فعجل لنا ما تعدنا به من العذاب، أو فحقّق لنا ما زعمتَ من وعيدنا.
ونظيرُه الفعلُ المشتقّ من المجيء مثل ﴿ ما جئتنَا ببيّنة ﴾ [هود: 53] ﴿ الآن جئتَ بالحقّ ﴾ [البقرة: 71].
وأسندوا الفعل إلى ضميره تعريضاً بأن ما توعدهم به هو شيء من مختلقاته وليس من قِبَل الله تعالى، لأنّهم يزعمون أنّ الله لا يحبّ منهم الإقلاع عن عبادة آلهتهم، لأنّه لا تتعلّق إرادته بطلب الضّلال في زعمهم.
والوعد الذي أرادوه وعْد بالشرّ، وهو الوعيد، ولم يتقدّم ما يفيد أنّه توعّدهم بسوء، فيحتمل أن يكون وعيداً ضمنياً تضمّنه قوله: ﴿ أفلا تتّقون ﴾ [الأعراف: 65] لأنّ إنكاره عليهم انتفاء الاتّقاء دليل على أنّ ثمّة ما يُحذر منه، ولأجل ذلك لم يُعَيِّنوا وعيداً في كلامهم بل أبهموه بقولهم ﴿ بما تعدنا ﴾ ، ويحتمل أن يكون الوعيد تعريضاً من قوله: ﴿ إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ [الأعراف: 69] المؤذن بأنّ الله استأصل قوم نوح وأخلفهم بعاد، فيوشك أن يستأصل عادا ويخلفهم بغيرهم.
وعقّبوا كلامهم بالشّرط فقالوا: ﴿ إن كنتَ من الصّادقين ﴾ استقصاء لمقدرته قصداً منهم لإظهار عجزه عن الإتيان بالعذاب فلا يسعه إلاّ الاعتراف بأنّه كاذب، وجواب الشّرط محذوف دلّ عليه ما قبله تقديره: أتيتَ به وإلاّ فلست بصادق.
فأجابهم بأن أخبرهم بأنّ الله قد غضب عليهم، وأنّهم وقع عليهم رجس من الله.
والأظهر أنّ: ﴿ وقع ﴾ معناه حَق وثبت، من قولهم للأمر المحقّق: هذا وَاقع، وقولهم للأمر المكذوب: هذا غير واقع، فالمعنى حَقّ وقُدر عليكم رجس وغضب.
فالرّجس هو الشّيء الخبيث، أطلق هنا مجازاً على خبث الباطن، أي فساد النّفس كما في قوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] وقوله ﴿ كذلك يجعل الله الرّجس على الذين لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 125].
والمعنى أصاب الله نفوسهم بالفساد لكفرهم فلا يقبلون الخير ولا يصيرون إليه، وعن ابن عبّاس أنّه فَسَّر الرّجس هنا باللّعنة، والجمهور فسّروا الرّجس هنا بالعذاب، فيكون فعل: ﴿ وقَعَ ﴾ من استعمال صيغة المضي في معنى الاستقبال، إشعاراً بتحقيق وقوعه؟
ومنهم من فسّر الرّجس بالسّخط، وفسّر الغضب بالعذاب، على أنّه مجاز مرسَل لأنّ العذاب أثر الغضب، وقد أخبَر هود بذلك عن علم بوحي في ذلك الوقت أو من حين أرسله الله، إذْ أعلمه بأنّهم إن لم يرجعوا عن الشّرك بعد أن يُبَلِّغهم الحجّة فإنّ عدم رجوعهم علامة على أنّ خبث قلوبهم متمكّن لا يزول، ولا يرجى منهم إيمان، كما قال الله لنوح: ﴿ لن يُؤمن من قومك إلاّ مَن قد آمن ﴾ [هود: 136].
وغضب الله تقديره: الإبعاد والعقوبة والتّحقير، وهي آثار الغضب في الحوادث، لأنّ حقيقة الغضب: انفعال تنشأ عنه كراهيّة المغضوب عليه وإبعادُه وإضراره.
وتأخير الغضب عن الرّجس لأنّ الرّجس، وهو خبث نفوسهم، قد دلّ على أنّ الله فطرهم على خبث بحيث كان استمرارهم على الضّلال أمراً جِبلّياً، فدلّ ذلك على أنّ الله غضب عليهم.
فوقوع الرجس والغضب عليهم حاصل في الزّمن الماضي بالنّسبة لوقت قول هود.
واقترانُه ب ﴿ قد ﴾ للدّلالة على تقريب زمن الماضي من الحال: مثل قَد قامت الصّلاة.
وتقديم: ﴿ عليكم من ربّكم ﴾ على فاعل الفعل للاهتمام بتعجيل ذكر المغضوب والغاضب، إيقاظاً لبصائرهم لعلّهم يبادرون بالتّوبة، ولأنّ المجرورين متعلّقان بالفعل فناسب إيلاؤهما إياه، ولو ذُكرا بعد الفاعل لتُوهِّم أنّهما صفتان له، وقدم المجرور الذي هو ضميرهم، على الذي هو وصف ربّهم لأنّهم المقصود الأوّل بالفعل.
ولمّا قَدّم إنذارهم بغضب الله عاد إلى الاحتجاج عليهم بفساد معتقدهم فأنكر عليهم أن يجادلوا في شأن أصنامهم.
والمجادلة: المحاجة.
وعبّر عن الأصنام بأنّها أسماء، أي هي مجرّد أسماء ليست لها الحقائق التي اعتقدوها ووضعوا لها الأسماء لأجل استحضارها، فبذلك كانت تلك الأسماء الموضوعة مجرّد ألفاظ، لانتفاء الحقائق التي وضعوا الأسماء لأجلها.
فإنّ الأسماء توضع للمسمّيات المقصودة من التّسمية، وهم إنّما وضعوا لها الأسماء واهتمّوا بها باعتبار كون الإلهيّة جزءاً من المسمَّى الموضوع له الاسم، وهو الدّاعي إلى التّسميّة، فمعاني الإلهية وما يتبعها ملاحظةٌ لمن وَضَع تلك الأسماء، فلمّا كانت المعاني المقصودة من تلك الأسماء منتفية كانت الأسماء لا مسمّياتتٍ لها بذلك الاعتبار، سواء في ذلك ما كان منها له ذوات وأجسام كالتّماثيل والأنصاب، وما لم تكن له ذات، فلعلّ بعص آلهة عاد كان مجرّد اسم يذكرونه بالإلهيّة ولا يجعلون له تمثالاً ولا نُصباً، مثل ما كانت العزى عند العرب، فقد قيل: إنهم جعلوا لها بيتاً ولم يجعلوا لها نصباً وقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿ إن هي إلاّ أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ [النجم: 23].
وذكر أهل الأخبار أنّ عادا اتّخذوا أصناماً ثلاثة وهي (صَمُود) بفتح الصّاد المهملة بوزن زَبُور.
و ﴿ صُداء ﴾ بضمّ الصّاد المهملة مضبوطاً بخط الهَمَذاني محشي «الكشاف» في نسخة من حاشيته المسمّاة «توضيح المشكلات» ومنسوخة بخطّه، وبدال مهملة بعدها ألف ولم أقف على ضبط الدّال بالتّشديد أو بالتّخفيف: وقد رأيت في نسخة من «الكشاف» مخطوطة موضوعاً على الدّال علامة شدّ، ولستُ على تمام الثّقة بصحّة النّسخة، وبعد الألف همزة كما هو في نسخ «الكشاف» و«تفسير البغوي»، وكذلك هو في أبيات موضوعة في قصّة قوم عاد في كتب القَصص.
ووقع في نسخة «تفسير ابن عطيّة» وفي «مروج الذّهب» للمسعودي، وفي نسخه من شرح ابن بدرون على قصيدة ابن عبدون الأندلسِي بدون همزة بعد الألف).
و(الهباء) بالمدّ في آخره مضبوطاً بخطّ الهمذاني في نسخة حاشيته على «الكشاف»، وفي نسخة «الكشاف» المطبوعة، وفي «تفسيري» البغوي والخازن، وفي الأبيات المذكورة آنفاً.
ووقع في نسخة قلمية من «الكشاف» بألف دون مدّ.
ولم أقف على ضبط الهاء، ولم أر ذكر صداء والهباء فيما رأيت من كتب اللّغة.
وعطف على ضمير المخاطبين: ﴿ وآبَاؤكم ﴾ لأنّ من آبائهم من وضع لهم تلك الأسماء، فالواضعون وضعوا وسَمَّوْا، والمقلّدون سمَّوْا ولم يضَعوا، واشترك الفريقان في أنّهم يذكرون أسماء لا مسمّيات لها.
و ﴿ سمّيتموها ﴾ معناه: ذكرتموها بألسنتكم، كما يقال: سمّ الله، أي ذاكر اسمه، فيكون سمّى بمعنى ذكر لفظ الاسم، والألفاظ كلّها أسماء لمدلولاتها، وأصل اللّغة أسماء قال تعالى: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلّها ﴾ [البقرة: 31]، وقال لبيد: إلى الحول ثمّ اسمُ السّلامُ عليكُما *** أي لفظه.
وليس المراد من التّسمية في الآية وضع الاسم للمسمّى، كما يقال: سمّيت ولدي كذا، لأنّ المخاطبين وكثيراً من آبائهم لاحظّ لهم في تسميّة الأصنام، وإنّما ذلك من فعل بعض الآباء وهم الذين انتحلوا الشّرك واتّخذوه ديناً وعلَّموه أبناءهم وقومهم، ولأجل هذا المعنى المقصود من التّسمية لم يُذكر لفعل «سمّيتم» مفعول ثان ولا متعلِّق، بل اقتصر على مفعول واحد.
والسلطانُ: الحجّة التي يصدّق بها المخالفُ، سمّيت سلطاناً لأنّها تتسلّط على نفس المعارض وتقنعه، ونَفَى أن تكون الحجّة منزلة من الله لأنّ شأن الحجّة في مثل هذا أن يكون مخبَراً بها من جانب الله تعالى، لأنّ أمور الغيب ممّا استأثر الله بعلمه.
وأعظم المغيَّبات ثبوت الإلهيّة لأنّها قد يَقصر العمل عن إدراكها فمن شأنها أن تُتلقى من قبل الوحي الإلهي.
والفاء في قوله: ﴿ فانتظروا ﴾ لتفريع هذا الإنذار والتّهديد السّابق، لأنّ وقوع الغضب والرّجس عليهم، ومكابرتهم واحتجاجهم لما لا حجّة له، ينشأ عن ذلك التّهديد بانتظار العذاب.
وصيغة الأمر للتّهديد مثل: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ [فصلت: 40].
والانتظار افتعال من النّظر بمعنى التّرقّب، كأنّ المخاطب أمِر بالتّرقّب فارْتقبَ.
ومفعول: ﴿ انتظروا ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ رجس وغضب ﴾ أي فانتظروا عقاباً.
وقوله: ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ استيناف بياني لأنّ تهديده إياهم يثير سؤالاً في نفوسهم أن يقولوا: إذا كنّا ننتظر العذاب فماذا يكون حالُك، فبيّن أنّه ينتظر معهم، وهذا مقام أدب مع الله تعالى كقوله تعالى تَلْقِيناً لرسوله محمّد صلى الله عليه وسلم «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» فهودٌ يخاف أن يشمله العذاب النّازل بقومه وذلك جائز كما في الحديث: أنّ أمّ سلمة قالت: «أنهلك وفينا الصّالحون» قال: " نعم إذا كثر الخبث ".
وفي الحديث الآخر: " ثمّ يحشرون على نيّاتهم " ويجوز أن ينزّل بهم العذاب ويراه هود ولكنّه لا يصيبه، وقد روي ذلك في قصّته ويجوز أن يبعده الله وقد روي أيضاً في قصته بأن يأمره بمبارحة ديار قومه قبل نزول العذاب: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ ﴾ في الرِّجْسِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: السُّخْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الرِّجْسَ والرِّجْزَ بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّ الزّايَ قُلِبَتْ سِينًا كَما قُلِبَتِ السِّينُ تاءً في قَوْلِ الشّاعِرِ: ألا لَحى اللَّهُ بَنِي السَّعْلاةِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعَ لِئامَ النّاتِ لَيْسُوا بِأعْفافٍ ولا أكْياتِ يُرِيدُ النّاسَ، وأكْياسٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فِي أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، وفي مُرادِهِ بِتَسْمِيَتِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: في تَسْمِيَتِها آلِهَةً يَعْبُدُونَها.
والثّانِي: أنَّهُ تَسْمِيَتُهم لِبَعْضِها أنَّهُ يَسْقِيهِمُ المَطَرَ، والآخَرُ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ، والآخَرُ أنَّهُ يَشْفِي المَرِيضَ، والآخَرُ يَصْحَبُهم في السَّفَرِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ ما أمَرَهم هُودٌ إلّا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ والكَفِّ عَنْ ظُلْمِ النّاسِ فَأبَوْا وقالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً، فَأُهْلِكُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ قال: ليس بأخيهم في الدين ولكنه أخوهم في النسب، فلذلك جعله أخاه لأنه منهم.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الشرفي بن قطامى قال: هود اسمه عابر بن شالخ بن ارفشخد بن سام بن نوح.
وأخرج ابن منذر عن ابن جريج قال: يزعمون أن هوداً من بني عبد الضخم من حضرموت.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: كان هوداً أول من تكلم بالعربيه، وولد لهود أربعة: قحطان، ومقحط، وقاحط، وفالغ، فهو أبو مظر، وقحطان أبو اليمن، والباقون ليس لهم نسل.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ومن طريق إبن اسحق عن رجال سماهم ومن طريق الكلبي قالوا جميعاً: إن عاداً كانوا أصحاب أوثان يعبدونها، اتخذوا أصناماً على مثال ودَّ، وسواع، ويغوث، ونسر، فاتخذوا صنماً يقال له: صمود، وصنماً له: الهتار، فبعث الله إليهم هوداً، وكان هود من قبيلة يقال لها الخلود، وكان أوسطهم نسباً وأصبحهم وجهاً، وكان في مثل أجسادهم أبيض بعد أبادي، العنفقة، طويل اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يوحدوه وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك، ولم يدعهم إلى شريعة ولا إلى صلاة، فأبوا ذلك وكذبوه، وقالوا: من أشد قوّة؟
فذلك قوله تعالى ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ كان من قومهم ولم يكن أخاهم في الدين ﴿ قال يا قوم اعبدوا الله ﴾ يعني وحدوا الله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً ما لكم ﴾ يقول: لكم ﴿ من إله غيره أفلا تتقون ﴾ يعني فكيف لا تتقون ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء ﴾ يعني سكاناً ﴿ في الأرض من بعد قوم نوح ﴾ فكيف لا تعتبرون فتؤمنوا وقد علمتم ما نزل بقوم نوح من النقمة حين صعوه؟!
﴿ واذكروا آلاء الله ﴾ يعني هذه النعم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ أي كي تفلحوا، وكانت منازلهم بالأحقاف، والأحقاف: الرمل.
فيما بين عمان حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم قال: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل الذر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي.
إن عاداً كانوا باليمن بالأحقاف، والأحقاف: هي الرمال.
وفي قوله: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ قال: ذهب بقوم نوح ﴿ واستخلفكم بعدهم وزادكم في الخلق بسطة ﴾ قال: الطول.
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان الرجل من عاد ستين ذراعاً بذراعهم، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل ليفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا أثني عشر ذراعاً طوالاً.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس قال: كان الرجل في خلقه ثمانون باعاً، وكانت البرة فيهم ككلية البقر، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ قال: شدة.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن ينقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ثور بن زيد الديلمي قال: قرأت كتاباً: انا شداد بن عاد، انا الذي رفعت العماد، وانا الذي سددت بدراً عن بطن واد، وانا الذي كنزت كنزاً في البحر على تسع أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن بكار عن ثور بن زيد قال: جئت اليمن فإذا أنا برجل لم أر أطول منه قط فعجبت.
قالوا: تعجب من هذا؟
قلت: والله ما رأيت أطول من ذا قط...
!
قالوا فوالله لقد وجدنا ساقاً أو ذراعاً فذرعناها بذراع هذا، فوجدناها ست عشرة ذراعاً.
وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم قال: كان في الزمن الأول تمضي أربعمائة سنة ولم يسمع فيها بجنازة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ آلاء الله ﴾ قال: نعم الله.
وفي قوله: ﴿ رجس ﴾ قال: سخط.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس ﴾ قال: جاءهم منه عذاب، والرجس: كله عذاب في القرآن.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله رجس وغضب؟
قال: الرجس: اللعنه، والغضب: العذاب.
قال: وهل تعرف ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: إذا سنة كانت بنجد محيطة ** وكان عليهم رجسها وعذابها <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية.
يقال: وَقَعَ القولُ والحكمُ إذا وَجَبَ، ومنه قوله: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ .
معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ﴾ أي: أصابهم ونزل به، وأصله من الوقوع بالأرض، يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت الإبل إذا بركت (١) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: عذابًا وسخطًا) (٢) ﴿ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ﴾ .
قال: (يريد: الأصنام التي كانوا يعبدونها) (٣) قال المفسرون: (كانت لهم أصنام يعبدونها وسموها أسماء مختلفة، فلما دعاهم الرسول إلى التوحيد استنكروا عبادة الله وحده) (٤) وقوله: ﴿ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ أي: من حجة وبرهان لكم في عبادتها، ﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد العذاب) (٥) ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ الذي يأتيكم من الله في تكذيبكم آياتي.
(١) هذا من "تهذيب اللغة" 4/ 3935، وانظر: "العين" 2/ 176، و"الصحاح" 3/ 1301، و"مقاييس اللغة" 6/ 133، و"المفردات" ص 880، و"اللسان" 8/ 4895 (وقع).
(٢) "تنوير المقباس" 2/ 104، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 202، وابن الجوزي 3/ 223، وأخرج الطبري 8/ 223، وابن أبي حاتم 5/ 1511 بسند جيد عن ابن عباس قال: ( ﴿ رِجْسٌ ﴾ سخط)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 179.
(٣) "تنوير المقباس" 2/ 105.
(٤) انظر: الطبري 8/ 223، والسمرقندي 1/ 551، والماوردي 2/ 234، وذكره البغوي 3/ 243 عن أهل التفسير.
(٥) "تنوير المقباس" 2/ 105.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم: أي على لسان رجل منكم ﴿ فِي الفلك ﴾ متعلق بمعه والتقدير: استقروا معه في الفلك، ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه ﴿ عَمِينَ ﴾ جمع أعمى وهو من عمى القلب ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ أي واحد من قبيلتهم، وهو عطف على نوحاً، وهوداً بدل منه أو عطف بيان، وكذلك أخاهم صالحاً وما بعده، وما هو مثله حيث وقع ﴿ الملأ الذين كَفَرُواْ ﴾ قيَّد هنا بالكفر لأن في الملأ من قوم هود من آمن وهو مرثد بن سعيد، بخلاف قوم نوح، فإنهم لم يكن فيهم مؤمن، فأطلق لفظ الملأ ﴿ أَمِينٌ ﴾ يحتمل أن يريد أمانته على الوحي أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق ﴿ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً ﴾ كانوا عظام الأجسام فكان أقصرهم ستون ذراعاً، وأطولهم مائة ذراع ﴿ آلآءَ الله ﴾ نعمة حيث وقع ﴿ قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته، ولذلك قال لهم هود: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي حَقَّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب ﴿ أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ يعنى الأصنام: أي تجادلونني في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف، وأراد بقوله: سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل على أنها آلهة، فقولكم باطل؛ فالجدال على القول الأول في عبادتها، وعلى القول الثاني في تسميتها آلهة، والمراد بالأسماء على القول الأول: المسمى، وعلى القول الثاني: التسمية ﴿ دَابِرَ ﴾ ذكر في [الأنعام: 45].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إله غيره ﴾ بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملاً على محل ﴿ من إله ﴾ ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ أبلغكم ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو.
والباقون: بالتشديد.
عباس: بالاختلاس ﴿ بصطة ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيراً.
الوقوف: ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ عمين ﴾ ه ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ لينذركم ﴾ ط لتناهى الاستفهام ﴿ بسطة ﴾ ج تنبيهاً على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق الجملتين ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ آباؤنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ وغضب ﴾ ط ﴿ من سلطان ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد ﴿ المنتظرين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله .
ومنها بيان سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر قلوب المبطلين.
ومنها التنبيه على أن الله لا يهمل المبطلين وإن كان يمهلهم.
ومنها العظة والاعتبار ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ ومنها الدلالة على نبوّة محمد من حيث إنه إخبار بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة.
فمن القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أوّل السورة.
الثانية قصة نوح وهو نوح بن لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس.
قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك.
قال الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟
وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا تفيد صفة في المسمى.
والصحيح أنه اسم أعجمي.
قال ابن عباس: معنى أرسلنا بعثنا.
وقال آخرون: معناه أنه حمله رسالة يؤدّيها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع لا أنه أصل.
قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول أرسل إلى قوم ليعرّفهم أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من بعثته مجرد تأكيد ما في العقول.
وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلاً على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول النبي بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضاً قد مر دلائل التوحيد والنبوّة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى ههنا غير مرة، فوقع التعويل على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأوّل لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً منه، ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوّزنا التعدد لم يتعين المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في الأزل غير معبود.
ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً.
وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار.
ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب.
وقيل: المراد من الخوف التحذير.
وجملة قوله: ﴿ إني أخاف ﴾ بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام ﴿ فقال الملأ من قومه ﴾ أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح ﴿ إنا لنراك في ضلال ﴾ في ذهاب عن طريق الحق.
والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة.
نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد ﴿ قال يا قوم ليس بي ضلالة ﴾ لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين ﴾ وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز.
ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال ﴿ أبلغكم ﴾ الآية.
والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين، أو صفة لرسول.
وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره ﴿ رسالات ربي ﴾ ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي.
وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا.
ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة ﴿ وأنصح لكم ﴾ قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزاً ولكن تقول نصحت لك.
قال في الكشاف: وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة.
وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر.
ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله وأحب لكم ما أحب لنفسي ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله يعاقبكم في الآخرة عقاباً، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.
﴿ أو عجبتم ﴾ الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم.
قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به.
وقال آخرون: الذكر المعجز كتاباً أو غير كتاب.
وقيل: هو الموعظة ﴿ على رجل ﴾ أي على لسانه قاله ابن قتيبة ونظيره ﴿ آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ وقال الفراء "على" معنى "مع" تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز.
وقيل: أي منزل على رجل.
ومعنى ﴿ منكم ﴾ من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله قادر على تحصيلة بدون واسطة التكليف.
وأيضاً إن العقل كافٍ في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه فإن كان المكلف مضطراً إليه فعل لأنه لا يكلف ما لا يطاق، وإن لم يكن مضطراً إليه ترك حذراً عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان فقيراً خاملاً لا يصلح للنبوّة فأنكر نوح كل هذه الأشياء لأنه خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكاً لأن الجنس إلى الجنس أسكن وقد مر في أوّل "الأنعام".
ثم بين ما لأجله يبعث الرسول فقال ﴿ لينذركم ﴾ الآية.
وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز برحمة الله.
قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً ﴿ فكذبوه ﴾ في ادعاء النبوّة وتبليغ التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا.
والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿ فأنجيناه والذين ﴾ استقروا ﴿ معه في الفلك ﴾ وأنجيناهم في السفينة من الطوفان.
قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة.
وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به.
وإنما قال في سورة يونس ﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ لأن التشديد للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع والذكر والمؤنث بخلاف الذين ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوّة والمعاد.
وقال أهل اللغة: يقال رجل عمٍ في البصيرة وأعمى في البصر.
فالعمى يدل على عمّى ثابت والعامي على عمّى حادث.
القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ والتقدير لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً.
واتفقوا على أن هوداً ما كان أخاهم في الدين.
ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة والجن.
وقيل: أراد واحداً منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد منهم، وقيل: خص واحداً منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته.
وقيل: معناه صاحبهم.
والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم قال "إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن" يريد صاحبهم.
ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﴿ وهوداً ﴾ عطف بيان لأخاهم.
وأما عاد فهم كانوا باليمين بالأحقاف.
قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت.
واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ﴾ وههنا ﴿ قال يا قوم ﴾ والفرق أن نوحاً كان مواظباً على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فما كان جدّه إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود.
ويمكن أن يقال: لما أضمر ﴿ أرسلنا ﴾ أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء ﴿ أرسلنا ﴾ وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف.
ومنها قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وفي قصة هود ﴿ ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾ لأن واقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك العذاب العظيم الذي اشتهر خبره في الدنيا.
ومنها ﴿ قال الملأ من قومه ﴾ وفي قصة هود ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف.
ومنها أن قوم نوح ﴿ قالوا إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ وقوم هود ﴿ قالوا إنا لنراك في سفاهة ﴾ أي متمكناً منها تمكن المظروف من الظرف.
وذلك أن نوحاً كان يخوّفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدّة طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد.
وأما هو فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة وخفة العقل حيث فارق دين قومه.
ثم قالوا ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في ادعاء الرسالة.
قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر.
ومنها قول نوح ﴿ وأنصح لكم ﴾ وقال هود ﴿ وأنا لكم ناصح ﴾ وذلك لأنه كان من عادة نوح العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ﴾ إلى آخر الآيات.
وأما هود فكان ثابتاً على النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح.
ثم إن نوحاً قال ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لأنه كان يعلم من أسرار الله ما لم يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أميناً ثقة أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش.
أو المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.
وفي هذين الجوابين عن مثل ذينك الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا بالكلام المبني على الحلم والإغضاء.
ومنها أن هوداً اقتصر على قوله ﴿ لينذركم ﴾ لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئاً آخر يختص بهم فقال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً قد استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها من المنافع، "وإذا" مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا على الشيء الذي له مقدار وحجمية.
والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان.
قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.
وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر.
ومنهم من حمل اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدّة والجلادة متناصرين متوادّين ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه أني وآناء كعنب وأعناب.
قال الجوهري: واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء.
استدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرية بالآية قالوا: إنه رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر.
وأجيب بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون.
ذكرهم نبيهم نعم الله عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم ﴿ أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ الهمزة لإنكار اختصاص الله وحده بالعبادة.
وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.
ومنها الاستهزاء اعتقاداً منهم أن الله لا يرسل إلا ملكاً فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟
ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله وحده أي منفرداً عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالاً بتأويل.
ولا يمكن أن يكون وحده ههنا اعترافاً كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله وحده لأن الفرض أنهم مشركون.
ثم إن قول هود فيما قبل ﴿ أفلا تتقون ﴾ كان مشعراً بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعماً منهم أنه كاذب وذلك قولهم ﴿ فأتنا بما تعدنا ﴾ فأجابهم هود بقوله ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ ولا بد أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف.
أما الغضب في حقه فإرادة إيقاع السوء كما سبق مراراً، وأما الرجس فقيل: العذاب.
اعترض عليه بلزوم التكرار.
وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة.
وذلك أن الرجس ضد التطهير كما قال في صفة أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ﴾ وقال القفال: الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كما قال ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وهذا التفسير أخص.
أما قوله ﴿ قد وقع ﴾ ولم يقع العذاب بعد ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله حادثة: معناه أنه أحدث إرادة في ذلك الوقت.
وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب.
وقيل: جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك.
تريد أنها ستكون ألبتة.
وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟
فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر.
ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال ﴿ أتجادلونني في أسماء ﴾ تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء ﴿ سميتموها ﴾ أحدثتموها ﴿ أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ أي لا حجة على حقيقتها فتنزل.
والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال.
سموا واحداً بالعزي مشتقاً من العز وما أعطاه الله عزاً أصلاً.
وسموا آخر منها باللات من الإلهية وماله من الإلهية أثر.
وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء ﴿ أنزل ﴾ لأن "نزل" للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم.
ثم إنه ذكرهم وعيداً محدوداً فقال ﴿ فانتظروا ﴾ سوء عاقبة هذه الأصنام ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة ﴾ بسبب رحمة كانوا يستحقونها ﴿ منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام.
وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضاً بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم، أو معنى ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ في علم الله أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا.
قال في الكشاف: وإن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها.
صداء وصمود والهباء فبعث الله هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا.
وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وما يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولاً نغينهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية: ألا ياقيل ويحك قم فهينم *** لعل الله يسقينا غماماً ويسقي أوض عاد إن عاداً *** قد آمسوا ما يبينون الكلاما الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقياً لنا.
وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولاً من ضعفهم وسوء حالهم.
فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.
فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه.
فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء ياقيل اختر لنفسك ولقومك.
فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا.
فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله فيها حتى ماتوا.
التأويل: لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه والتعجب ﴿ فكذبوا ﴾ يعني النفس وصفاتها نوح والروح ﴿ فأنجيناه والذين معه ﴾ في الفلك الشريعة ﴿ وأغرقنا ﴾ النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ عن رؤية الله والوصول إليه ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ كما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني ﴿ قد رفع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه أصابكم سطوات العذاب.
فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ .
أي: وأرسلنا هوداً إلى عاد، وهو على ما ذكر في نوح، وهو قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ ، أي: إلى عاد أرسلنا هوداً.
ثم تحتمل الأخوة وجوهاً أربعة: أخوة النسب، وأخوة الجوهر، ويقال هذا إذا كان من جوهره، ولا يقال ذلك في غير جوهره، وأخوة المودة والمحبة، وأخوة الدين، ثم لم يكن بين هود وقومه أخوة الدين، ولا أخوة المودة، لكن يحتمل أخوة النسب؛ لأن البشر على بعد من آدم كلهم أولاده، فإذا كانوا كذلك فهم فيما بينهم بعضهم أخوة بعض؛ كأولاد رجل واحد، يكون بعضهم أخوة بعض، وأخوة الجوهر على ما ذكرنا، يقال: هذا أخ هذا إذا كان من جنسه وجوهره، فهذين الوجهين يحتملان، والوجهان الآخران لا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
أي: اعبدوا الله الذي يستحق العبادة [و] ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ أي: ليس لكم من معبود سواه، وهو المعبود في الحقيقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ .
عبادة غير الله، أو: أفلا تتقون الله في عبادتكم غيره، وفي تكذيبكم هوداً، أو أن يقول: أفلا تتقون عذاب الله ونقمته عليكم بمخالفتكم إياه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .
قد ذكرنا قول الملأ من قومه، أي: أشراف قومه وسادتهم ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .
[ذكر] هاهنا ظنهم في تكذيبهم الرسول، [و] في موضع آخر قطعوا في التكذيب وهو قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ \[المؤمنون: 38\]، فكان قوله: ﴿ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ في ابتداء ما دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، كانوا على ظن فيه لما كان عندهم صدوقاً أميناً قبل دعائهم إلى ما دعاهم، فلما أن أقام عليهم آيات الرسالة والنبوة وأظهر عندهم عيب ما عبدوا غير الله، وأبطله، وتحقق ذلك عندهم - عند ذلك قالوا: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ \[المؤمنون: 38\]؛ ليعلم أنهم عن عناد، كذبوا الرسل، فقال: ﴿ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ﴾ إن الرسل - عليهم السلام - كانوا أمروا أن يعاملوا الخلق بأحسن معاملة، وهو على ما أمر رسول الله ؛ حيث قال له: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\] ونحوه، فعلى ذلك الرسل الذين كانوا من قبل كانوا مأمورين بذلك؛ لذلك قال لهم هود لما تلقوه بالتكذيب والتسفيه قال: ليس بي ما تقولون وتنسبونني إليه، ﴿ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ ، أي: أدعوكم إلى وحدانية الله، وعبادته، والتمسك بالدين الذي به نجاتكم، وكل من دعا آخر إلى ما به نجاته فهو ناصح له.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ ، أي: كنت ناصحاً لكم قبل هذا أميناً فيكم، فكيف تكذبونني وتنسبونني إلى السفه، وأنا أمين على الرسالة والوحي الذي وضع الله عندي؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي ﴾ : شئتم أو أبيتم.
أو يقول: أبلغكم رسالات ربي خوفتموني أو لم تخوفوني، قبلتم عني أو لم تقبلوا.
أو يقول: أبلغكم رسالات ربي، فكيف تنسبونني إلى السفه والافتراء على الله؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أنه جعلكم خلفاء قوم أهلكهم بتكذيبهم الرسل، ولم يهلككم، فاحذروا أنتم هلاككم بتكذيبكم الرسول كما أهلك أولئك بتكذيبهم الرسل.
أو أن يقال: جعلكم خلفاء قوم صدقوا رسولاً من البشر وهو نوح، فكيف كذبتموني في دعوى الرسالة لأني بشر ودعائي إلى عبادة الله ووحدانيته؟!
هذا تناقض.
والثاني: أن اذكروا نوحاً وهو كان رسولاً من البشر، فكيف تنكرون أن يكون الرسول [بشراً]؟
وكان الرسل جميعاً من البشر.
والثالث: أن اذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم من السعة في المال، والقوة في الأنفس، وحسن الخلقة، والقامة، وكان لعاد ذلك كله؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ...
﴾ الآية [الفجر: 6-7].
هذا في السعة في المال، وأما القوة في الأنفس والقامة ما ذكر في قوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ، أو قوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ ، فيه وصف لهم بالقوة، وطول القامة، وعلى ذلك فسر بعض أهل التأويل.
وقوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ يعني: قوة وقدرة.
وقال غيره: هو الطول والعظم في الجسم، وذكر الله - عز وجل - في عاد أشياء أربعة خصَّهم بها من بين غيرهم.
أحدها: العظم في النفس؛ كقوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ .
والقوة، في قوله: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
والسعة في الأموال بقوله: ﴿ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ﴾ .
وفضل [العلم]، بقوله: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: الآلاء: هي [في] دفع البلايا، والنعماء هي في سوق النعماء إليه، ولكن هما واحد؛ لأنه ما من بلاء يدفع عنه إلا وفي ذلك سوق نعمة أخرى إليه، ولأن الله - - ذكر في سورة الرحمن الآلاء بجميع ما ذكر إنما ذكر على سوق النعم إليه قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ حيث قال: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ ﴾ إلى [آخر] ما ذكر من السورة، وهو ذكر في سوق النعم لا في دفع البلايا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
أي: تفلحون إن ذكرتم نعمه، وشكرتم له عليها، ولم تصرفوا عبادتكم وشكركم إلى غيره، أو يقول: لكي يلزمكم الفلاح، أو حتى تكونوا من أهل الفلاح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ .
هذا يدل أن رسالته التي يبلغها إليهم هي دعاؤه إياهم إلى عبادة الله [وحده]، وتركهم عبادة من دونه، حيث قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ \[ولا شك\] أنه إنما جاءهم ليعبدوا الله وحده، وجاءهم ليذروا ما كان يعبد آباؤهم.
ثم في قولهم تناقض؛ لأنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسول بقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\] لم يرضوا برسالة البشر، ورضوا بألوهية الأحجار والخشب، ثم يقلدون آباءهم في عبادتهم غير الله، وفي آبائهم من يعبد الله لا يعبد غيره، وهم الذين [نجوا] مع نوح، فكيف لم يقلدوا من نجا منهم، ولم يعبدوا غير الله دون أن قلدوا الذين عبدوا غير الله؟
فذلك تناقض، حيث اتبعوا من هلك منهم بتكذيبهم الرسل وعبادتهم غير الله، ولم يتبعوا من نجا منهم.
يذكر - عز وجل - سفههم وتناقضهم في القول في إنكارهم الرسول من البشر، ولكن ذكر سفههم وتناقضهم بالتعريض لا بالتصريح ، وكذلك عامة ما ذكر في كتابه من سفههم إنما ذكر بالتعريض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
إنه كان يعدهم العذاب إن لم يصدقوه فيما يدعوهم إليه، وترك تقليدهم آباءهم في عبادتهم غير الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾ .
قال بعضهم: الرجس: العذاب، أي قد وجب عليكم العذاب بتكذيبكم هوداً، وتقليدكم آباءكم في عبادتكم غير الله، ﴿ وَغَضَبٌ ﴾ : وهو العذاب أيضاً.
وجائز: أن يكون الرجس هاهنا الخذلان، وحرمان التوفيق والمعونة، أي: قد وقع عليكم ووجب الخذلان، وحرمان التوفيق باختياركم ما اخترتم.
وقال بعضهم: الرجس: هو الإثم والخبث؛ كقوله - -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ ، وقوله: ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ وقوله: "اللهم إني أعوذ بك من الرجس" النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .
ومجادلتهم ما قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ ﴾ ويحتمل في ﴿ أَسْمَآءٍ ﴾ أي: بأسماء سميتموها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .
قيل: حجة، أي لم ينزل لهم حجة في عبادتهم غير الله.
وقيل: السلطان هاهنا عذر، أي: لم ينزل لهم عذراً في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ .
أي: انتظروا أنتم وعد الشيطان.
﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ وعد الرحمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ أي: من حجة في تسميتهم الأصنام التي عبدوها دون الله ما سموها آلهة وشفعاء ونحوه، كأنهم إنما جادلوه في تسميتهم آلهة وشفعاء، وأنْ ليس لهم حجة ولا عذر في عبادتهم غير الله، ولا في إشراكهم غيره في العبادة والألوهية.
﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ : قال الحسن: انتظروا أنتم مواعد الشيطان، ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ : لمواعد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ ﴾ يعني هوداً ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ .
إن من حكم الله أنه إذا أهلك قوماً إهلاك تعذيب، استأصلهم وأنجى أولياءه ونصرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ يحتمل قوله [برحمة منا]: برحمته التي هداهم عز وجل، ولولا رحمته ما اهتدوا، لكنه رحمهم فهداهم، فبرحمته اهتدوا، [و] يحتمل أنه [إنما] أنجاهم من العذاب برحمة منه، وإلا كانت لهم ذنوب وخطايا يستحقون بها العذاب، لكنه أنجاهم برحمة منه وفضل، والله أعلم.
وفيه: أن من نجي إنما نجي برحمته وفضله، وإن كان رسولاً لا باستيجاب منه النجاة، وهو ما روي حيث قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ ﴾ [ ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ قيل دابر الذين كذبوا أي: أواخر الذين كذبوا واستأصلهم فلم يبق منهم أحدٌ، وقيل: ﴿ دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ ﴾ ] أي: أصل الذين كذبوا بآياتنا، ولم يبين لنا آياته التي أعطاها هوداً، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما أخبر أن ما حل بهم من العذاب إنما حل بتكذيبهم الرسول، وذلك كان سنة وحكمة في الأمم السالفة.
<div class="verse-tafsir"
فرد عليهم هود قائلًا: لقد استوجبتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، أتجادلونني في أصنام سمَّيتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وليس لها حقيقة؟!
فما نَزَّل الله حجة تحتجون بها على ما تدعون لها من الألوهية، فانتظروا ما طلبتم تعجيله لكم من العذاب، وأنا معكم من المنتظرين، فهو واقع.
<div class="verse-tafsir" id="91.0Eyo0"