الآية ٧٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٧٣ من سورة الأعراف

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًۭا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علماء التفسير والنسب : ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح ، وهو أخو جديس بن عاثر ، وكذلك قبيلة طسم ، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، وكانت ثمود بعد عاد ، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله ، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراهم ومساكنهم ، وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك ، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود ، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور .

فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور ، وعلفوا العجين الإبل ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال : " إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، فلا تدخلوا عليهم " وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا عفان ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا المسعودي ، عن إسماعيل بن أوسط ، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري ، عن أبيه قال : لما كان في غزوة تبوك ، تسارع الناس إلى أهل الحجر ، يدخلون عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس : " الصلاة جامعة " .

قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول : " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " ؟

فناداه رجل منهم : نعجب منهم يا رسول الله .

قال : " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك : رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم ، وبما هو كائن بعدكم ، فاستقيموا وسددوا ، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا ، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه : عمر بن سعد ، ويقال : عامر بن سعد ، والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : " لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج ، وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما ، فعقروها ، فأخذتهم صيحة ، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم ، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " .

فقالوا : من هو يا رسول الله ؟

قال : " أبو رغال .

فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة ، وهو على شرط مسلم .

فقوله تعالى : ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ) أي : ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا ، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال [ تعالى ] ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] .

وقوله : ( قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ) أي : قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به .

وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية ، واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم ، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر ، يقال لها : الكاتبة ، فطلبوا منه أن يخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض ، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه ؟

فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم ، قام صالح ، عليه السلام ، إلى صلاته ودعا الله ، عز وجل ، فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها ، كما سألوا ، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو : " جندع بن عمرو " ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم " ذؤاب بن عمرو بن لبيد " " والحباب " صاحب أوثانهم ، ورباب بن صمعر بن جلهس ، وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له : " شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس " ، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها ، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط ، فأطاعهم ، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود ، يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل ، رحمه الله : وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذئابا فأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة ، تشرب ماء بئرها يوما ، وتدعه لهم يوما ، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها ، يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ) [ القمر : 28 ] وقال تعالى : ( هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) [ الشعراء : 155 ] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها ; لأنها كانت تتضلع من الماء ، وكانت - على ما ذكر - خلقا هائلا ومنظرا رائعا ، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها .

فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي ، عليه السلام ، عزموا على قتلها ، ليستأثروا بالماء كل يوم ، فيقال : إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة : بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم ، أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن ، وعلى الصبيان أيضا قلت : وهذا هو الظاهر ; لأن الله تعالى يقول : ( فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ) [ الشمس : 14 ] وقال : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) [ الإسراء : 59 ] وقال : ( فعقروا الناقة ) فأسند ذلك على مجموع القبيلة ، فدل على رضا جميعهم بذلك ، والله أعلم .

وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله ، وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة : أن امرأة منهم يقال لها : " عنيزة ابنة غنم بن مجلز " وتكنى أم غنم كانت عجوزا كافرة ، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ، عليه السلام ، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل ، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود ، وامرأة أخرى يقال لها : " صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا " ذات حسب ومال وجمال ، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ، ففارقته ، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة ، فدعت " صدوف " رجلا يقال له : " الحباب " وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة ، فأبى عليها .

فدعت ابن عم لها يقال له : " مصدع بن مهرج بن المحيا " ، فأجابها إلى ذلك - ودعت " عنيزة بنت غنم " قدار بن سالف بن جندع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا ، يزعمون أنه كان ولد زنية ، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه ، وهو سالف ، وإنما هو من رجل يقال له : " صهياد " ولكن ولد على فراش " سالف " ، وقالت له : أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة !

فعند ذلك ، انطلق " قدار بن سالف " " ومصدع بن مهرج " ، فاستفزا غواة من ثمود ، فاتبعهما سبعة نفر ، فصاروا تسعة رهط ، وهم الذين قال الله تعالى : ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) [ النمل : 48 ] وكانوا رؤساء في قومهم ، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها ، فطاوعتهم على ذلك ، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء ، وقد كمن لها " قدار " في أصل صخرة على طريقها ، وكمن لها " مصدع " في أصل أخرى ، فمرت على " مصدع " فرماها بسهم ، فانتظم به عضلة ساقها وخرجت " أم غنم عنيزة " ، وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها ، فسفرت عن وجهها لقدار وذمرته فشد على الناقة بالسيف ، فكسف عرقوبها ، فخرت ساقطة إلى الأرض ، ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ، ثم طعن في لبتها فنحرها ، وانطلق سقبها - وهو فصيلها - حتى أتى جبلا منيعا ، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا - فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عمن سمع الحسن البصري أنه قال : يا رب أين أمي ؟

ويقال : إنه رغا ثلاث مرات .

وإنه دخل في صخرة فغاب فيها ، ويقال : بل اتبعوه فعقروه مع أمه ، فالله أعلم فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة ، بلغ الخبر صالحا ، عليه السلام ، فجاءهم وهم مجتمعون ، فلما رأى الناقة بكى وقال : ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) [ هود : 65 ] وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء ، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح عليه السلام وقالوا : إن كان صادقا عجلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته !

( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) الآية .

[ النمل : 49 - 52 ] فلما عزموا على ذلك ، وتواطئوا عليه ، وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله صالح ، أرسل الله ، سبحانه وتعالى ، وله العزة ولرسوله ، عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم ، وأصبح ثمود يوم الخميس ، وهو اليوم الأول من أيام النظرة ، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ، عليه السلام ، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل ، وهو يوم الجمعة ، ووجوههم محمرة ، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ، ووجوههم مسودة ، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه ، عياذا بالله من ذلك ، لا يدرون ماذا يفعل بهم ، ولا كيف يأتيهم العذاب ؟

وقد أشرقت الشمس ، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا.

* * * و " ثمود " ، هو ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جَدِيس بن غاثر ، (82) وكانت مساكنهما الحِجْر ، بين الحجاز والشأم ، إلى وادي القُرَى وما حوله.

* * * ومعنى الكلام: وإلى بني ثمود أخاهم صالحًا.

* * * وإنما منع " ثمود "، لأن " ثمود " قبيلة ، كما " بكر " قبيلة، وكذلك " تميم ".

* * * (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ، يقول: قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوزُ لكم أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حُجَّة وبرهان على صدق ما أقول، (83) وحقيقة ما إليه أدعو ، من إخلاص التوحيد لله ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه ، وتصديقي على أني له رسول.

وبيِّنتي على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه ، هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهَضْبة ، دليلا على نبوّتي وصدق مقالتي ، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحدٌ إلا الله.

* * * وإنما استشهد صالح ، فيما بلغني ، على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة ، لأنهم سألُوه إياها آيةً ودلالة على حقيقةِ قوله.

* ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة: 14810-حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل قال، قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين !

قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هَضْبَةٍ من الأرض!

فخرجوا، فإذا هي تَتَمَخَّض كما تتمخَّض الحامل ، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسَطها الناقة، فقال صالح: ( هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسُّوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم) = لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، [سورة الشعراء:155 ].

فلما ملُّوها عقروها، فقال لهم: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ، [سورة هود:65 ] قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر: أنّ صالحًا قال لهم: إن آية العذاب أن تصبحوا غدًا حُمْرًا، واليوم الثاني صُفْرًا، واليوم الثالث سُودًا.

قال: فصبَّحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنَّطُوا واستعدُّوا.

(84) 14812-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( وإلى ثمود أخاهم صالحًا ) ، قال: إن الله بعث صالحا إلى ثمود، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوه أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة، لها شِرْب ولهم شِرْبُ يومٍ معلوم.

وقال: ( ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ) .

فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قوله: فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ، [سورة فصلت: 17].

وكانوا قد أقرُّوا به على وجه النفاق والتقيَّة، وكانت الناقة لها شِرْبٌ، فيومَ تشرب فيه الماء تمرّ بين جبلين فيرحمانها، (85) ففيهما أثرُها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبُوا اللبنَ ، فيرويهم، إنما تصبُّ صبًّا، (86) ويوم يشربون الماءَ لا تأتيهم.

وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح: إنه يولدُ في شهركم هذا غلامٌ يكون هلاككم على يديه !

فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم وُلد للعاشر فأبَى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء.

فكان ابن العاشر أزْرَق أحمرَ ، فنبت نباتًا سريعًا، فإذا مرَّ بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياءَ كانوا مثل هذا!

فغضب التِّسعة على صالح ، لأنه أمرهم بذبح أبنائهم= تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ، [النمل:49 ].

قالوا: نخرج، فيرى الناس أنّا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد ، أتيناه فقتلناه ، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، ثم رجعنا فقلنا: مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ، يصدقوننا ، يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر!

فانطلقوا ، فلما دخلوا الغارَ أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغارُ فقتلهم، فذلك قوله: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ حتى بلغ ها هنا: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [سورة النمل: 48-51].

=وكبر الغلام ابن العاشر، ونبت نباتًا عجبًا من السرعة، فجلس مع قومٍ يصيبون من الشَّراب، فأرادُوا ماءً يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شِرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقةُ، فاشتدَّ ذلك عليهم ، وقالوا في شأن الناقة: ما نَصْنع نحن باللبن؟

لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة، فنُسْقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيرًا لنا !

فقال الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعْقِرَها لكم؟

قالوا: نعم!

فأظهروا دينَهم، فأتاها الغلام، فلما بَصُرت به شدَّت عليه، فهرب منها ، فلما رأى ذلك، دخل خلف صخرةٍ على طريقها فاستتر بها، فقال: أحِيشوها عليّ !

فأحَاشوها عليه، (87) فلما جازت به نادوه: عليك !

(88) فتناولها فعقرها، فسقطت ، فذلك قوله: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ، [سورة القمر:29 ] .

وأظهروا حينئذٍ أمرهم، وعقروا الناقة، وعَتَوْا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالحُ ائتنا بما تعِدنا .

وفزع ناسٌ منهم إلى صالح ، وأخبروه أن الناقة قد عُقرت، فقال: عليَّ بالفصيل !

فطلبوا الفَصِيل فوجدوه على رَابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلَّقت به في السماء، فلم يقدروا عليه.

ثم رَغَا (89) الفصيلُ إلى الله، فأوحى الله إلى صالح: أنْ مُرْهم فليتمتَّعوا في دارهم ثلاثة أيام!

فقال لهم صالح: تَمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام ، وآية ذلك أن تُصبح وجوهكم أوَّل يوم مصفَرَّة، والثاني محمرّة، واليوم الثالث مسوَدّة، واليومُ الرابعُ فيه العذاب.

فلما رأوا العلامات تكفّنوا وتحنّطوا ولطَّخوا أنفسهم بالمرّ، ولبسوا الأنْطاع، وحفروا الأسراب فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب فهلكوا.

فذلك قوله: دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، لما أهلك الله عادًا وتقضَّى أمرها، عَمِرتْ ثمود بعدَها واستُخْلِفوا في الأرض، (90) فنـزلوا فيها وانتشروا ، ثم عتوا على الله .

فلما ظهر فسادهم وعبدوا غيرَ الله، بعث إليهم صالحًا = وكانوا قومًا عَربًا، وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا = (91) رسولا (92) وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح، (93) وهو وادي القرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشأم!

فبعث الله إليهم غلامًا شابًا، فدعاهم إلى الله، حتى شَمِط وكبر، (94) لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعَفون ، فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة، سألوه أن يُريهم آية تكون مِصداقًا لما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آية تريدون؟

قالوا: تخرج معنا إلى عِيدِنا هذا = وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله ، في يوم معلوم من السنة = فتدعو إلهك وندْعُو آلهتنا، فإن استجيب لك اتَّبعناك!

وإن استجيب لنا اتَّبعتنا!

فقال لهم صالح: نعم!

فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله فدعَوْا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به.

ثم قال له جندع بن عمرو بن جواس بن عمرو بن الدميل، (95) وكان يومئذٍ سيّد ثمود وعظيمَهم: يا صالح ، أخرج لنا من هذه الصخرة = لصخرة منفردة في ناحية الحِجْر ، يقال لها الكاثِبة = ناقةً مخترجة جَوْفاء وَبْرَاء = و " المخترجة " ، ما شاكلت البُخْت من الإبل.

(96) وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو = فإن فعلت آمنَّا بك وصَدَّقناك ، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحقّ !

وأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلتُ وفَعَل الله لتصدِّقُنِّي ولتؤمنُنَّ بي!

قالوا: نعم!

فأعطوه على ذلك عهودَهم.

فدعا صالح ربَّه بأن يخرجَها لهم من تلك الهَضْبة ، كما وصفوا.

= فحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدَّث: أنَّهم نظروا إلى الهضبة ، حين دعا الله صالح بما دعا به ، تتمخَّض بالناقة تمخُّض النَّتُوج بولدها، (97) فتحركت الهضبة ، ثم انتفضت بالناقة، (98) فانصدعت عن ناقة ، كما وصَفوا ، جوفاءَ وَبْرَاء نَتُوج، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظمًا ، فآمن به جندع بن عمرو ومَنْ كان معه على أمره من رهطه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويصدِّقوا، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد ، والحباب صاحبُ أوثانهم ، ورباب بن صمعر بن جلهس، وكانوا من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرَّحمة والنجاة ، (99) وكان لجندع ابن عم يقال له: " شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس "، فأراد أن يسلم ، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يقال له: " مهوس بن عنمة بن الدّميل "، وكان مسلمًا: وَكَــانَتْ عُصْبَــةٌ مِـنْ آلِ عَمْـروٍ إِلَــى دِيــنِ النَّبِـيِّ دَعَـوْا شِـهَابَا (100) عَزِيــزَ ثَمُــودَ كُــلِّهِمُ جَمِيعًــا فَهَــمَّ بِــأَنْ يُجِــيبَ وَلَـوْ أَجَابَـا لأَصْبَــحَ صَــالِحٌ فِينَــا عَزِيـزًا وَمَــا عَدَلــوا بصَــاحِبِهم ذُؤَابَـا وَلكِــنَّ الغُــوَاةَ مِــن َآلِ حُجْـرٍ تَوَلَّـــوْا بَعْــدَ رُشْــدِهِمُ ذُبَابَــا (101) فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبها في أرض ثمودَ ترعى الشجر وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وقال الله لصالح: إن الماء قسمةٌ بينهم، كُلّ شِرْبٍ مُحْتَضَر= أي: إن الماء نصفان ، لهم يوم ، ولها يوم وهي محتضرة، فيومها لا تدع شربها.

(102) وقال: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، [سورة الشعراء:155 ].

فكانت ، فيما بلغني والله أعلم ، إذا وردت ، وكانت تَرِد غِبًّا ، (103) وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها " بئر الناقة "، فيزعمون أنها منها كانت تشرب إذا وردت ، تضع رأسَها فيها، فما ترْفَعه حتى تشرب كل قطرة ماء في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشَّج (104) = يعني تفحَّج لهم (105) = فيحتلبون ما شاؤوا من لبن، فيشربون ويدَّخرون ، حتى يملؤوا كل آنيتهم، ثم تصدر من غير الفجّ الذي منه وردت، لا تقدِرُ على أن تصدر من حيث ترِدُ لضيقِه عنها، فلا ترجع منه .

حتى إذا كان الغدُ ، كان يومهم، فيشربون ما شاؤوا من الماء، ويدّخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة.

وكانت الناقة ، فيما يذكرون ، تَصِيف إذا كان الحرّ ظَهْرَ الوادي، (106) فتهرب منها المواشي ، أغنامُهم وأبْقارهم وإبلُهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبه= وذلك أن المواشي تنفِرُ منها إذا رأتها= وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مَواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدْب، فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاءِ والاختبار.

وكانت مرابعُها ، (107) فيما يزعمون ، الحبابُ وحِسْمَى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجر ، فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عقر الناقة رأيَهم.

= وكانت امرأة من ثمودَ يقال لها: " عنيزة بنت غنم بن مجلز "، تكني بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل ، أخي رُميل بن المهل، (108) وكانت امرأةَ ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزًا مسنة، وكانت ذات بناتٍ حسان، وكانت ذات مال من إبلٍ وبقر وغنم= وامرأة أخرى يقال لها: " صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا "، (109) سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول ، وكان الوادي يقال له: " وادي المحيا "، وهو المحيَّا الأكبر ، جد المحيَّا الأصغر أبي صدوف= وكانت " صدوف " من أحسن الناس، وكانت غنيَّة ، ذات مالٍ من إبل وغنم وبقر= وكانتَا من أشدِّ امرأتين في ثمود عداوةً لصالح ، وأعظمِه به كفرًا، (110) وكانتا تَحْتالان أن تُعْقَر الناقة مع كفرهما به ، (111) لما أضرَّت به من مواشيهما.

وكانت صدوف عند ابن خالٍ لها يقال له: " صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف " ، من بني هليل، فأسلم فحسن إسلامه، وكانت صدوفُ قد فَوَّضت إليه مالها، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح حتى رَقَّ المال.

فاطّلعت على ذلك من إسلامه صدوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه ، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأبت عليه، وبيَّتتْ له، (112) فأخذت بنيه وبناته منه فغيَّبتهم في بني عبيد بطنِها الذي هي منه.

وكان صنتم زوجُها من بني هليل، وكان ابنَ خالها، فقال لها: ردِّي عليَّ ولدي !

فقالت: حتى أنافِرك إلى بني صنعان بن عبيد ، أو إلى بني جندع بن عبيد!

فقال لها صنتم: بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد !

(113) وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام ، وأبطأ عنه الآخرون.

فقالت: لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه !

فقال بنو مرداس: والله لتعطِنَّه ولده طائعةً أو كارهة !

فلما رأت ذلك أعطته إياهم.

=ثم إن صدوف وعُنيزة مَحَلَتا في عقر الناقة ، (114) للشقاء الذي نـزل.

فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له " الحباب " لعقر الناقة.

وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل، فأبَى عليها.

فدعت ابن عم لها يقال له : " مصدع بن مهرج بن المحيَّا "، وجعلت له نفسها ، على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناسِ ، وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك.

=ودعت عنيزة بنت غنم ،" قدارَ بن سالف بن جندع " ، رجلا من أهل قُرْح.

وكان قُدار رجلا أحمرَ أزرقَ قصيرًا ،يزعمون أنه كان لزَنْيَةٍ ، من رجل يقال له : " صهياد "، ولم يكن لأبيه " سالف " الذي يدعى إليه ، ولكنه قد ولد على فراش " سالف "، وكان يدعى له وينسب إليه.

فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئتَ على أن تعقر الناقة !

وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو ، من أشراف رجال ثمود.

وكان قدار عزيزًا منيعًا في قومه.

فانطلق قدار بن سالف ، ومصدع بن مهرج، فاستنفرَا غُواةً من ثمود ، فاتّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحدُ النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له : " هويل بن ميلغ " خال قدار بن سالف ، أخو أمّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حجر= و " دعير بن غنم بن داعر " ، وهو من بني خلاوة بن المهل= و " دأب بن مهرج " ، أخو مصدع بن مهرج، وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم.....

(115) فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قُدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى.

فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظمَ به عضَلَة ساقها.

وخرجت أم غنم عنيزة ، وأمرت ابنتها ، وكانت من أحسن الناس وجهًا ، فأسفرت لقدار وأرته إياه، (116) ثم ذمَّرته، (117) فشدّ على الناقة بالسيف، فخشَفَ عُرْقوبها، (118) فخرَّت ورغت رَغَاةً واحدة تحذّرُ سَقْبها ، (119) ثم طعن في لبَّتها فنحرَها ، وانطلق سقبها حتى أتى جبلا مُنِيفًا، (120) ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعًا ولاذ بها (121) = واسم الجبل فيما يزعمون " صنو " ، (122) = فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت ، (123) ثم قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته !

فاتّبع السقبَ أربعةُ نفر من التّسعة الذين عقرُوا الناقة، وفيهم " مصدع بن مهرج "، فرماه مصدع بسهم، فانتظمَ قلبَه، ثم جرَّ برجله فأنـزله، ثم ألقوا لحمَه مع لحم أمه.

=فلما قال لهم صالح: " أبشروا بعذاب الله ونقمته " ، قالوا له وهم يهزؤون به: ومتى ذلك يا صالح؟

وما آية ذلك؟= وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد " أول " والاثنين " أهون " ، والثلاثاء " دبار " ، والأربعاء " جبار " ، والخميس " مؤنس " ، والجمعة " العروبة " ، والسبت " شيار " ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء= فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مؤنس ، يعني يوم الخميس ، ووجوهكم مصفرّة ، ثم تصبحون يوم العروبة ، يعني يوم الجمعة ، ووجوهكم محمرّة ، ثم تصبحون يوم شيار ، يعني يوم السبت ، ووجوهكم مسودَّة ، ثم يصبحكم العذاب يوم الأول ، يعني يوم الأحد.

فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلمَّ فلنقتل صالحًا ، (124) إن كان صادقًا عجَّلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقتِه !

فأتوه ليلا ليبيِّتوه في أهله، فدمَغَتهم الملائكة بالحجارة.

فلما أبطؤوا على أصحابهم ، أتوا منـزلَ صالح، فوجدوهم مشدَّخين قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم !

ثم همُّوا به، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاحَ، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنَّ العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون!

فانصرفوا عنهم ليلتَهم تلك، والنفر الذين رَضَختهم الملائكة بالحجارة ، التسعةُ الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ إلى قوله: لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، [سورة النمل: 48 - 52] .

=فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح ، وجوههم مصفرَّة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أن صالحًا قد صدَقهم، فطلبوه ليقتلوه.

وخرج صالح هاربًا منهم ، حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم : " بنو غنم "، فنـزل على سيِّدهم رجلٍ منهم يقال له : " نفيل " ، يكنى بأبي هدب، وهو مشرِك، فغيَّبه ، فلم يقدروا عليه.

فغدوا على أصحاب صالح فعذّبوهم ليدلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له : " ميدع بن هرم " : يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلَّهم عليك، أفندلُّهم عليك؟

قال: نعم !

فدلهم عليه " ميدع بن هرم "، فلما علموا بمكان صالح ، أتوا أبا هُدْب فكلموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل!

فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما أنـزل الله بهم من عذابه.

فجعل بعضهم يخبر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرَّة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرَّة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودّة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشأم، فنـزل رملة فلسطين، وتخلّف رجل من أصحابه يقال له : " ميدع بن هرم "، فنـزل قُرْح= وهي وادي القرى، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا= فنـزل على سيِّدِهم رجلٍ يقال له : " عمرو بن غنم "، وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يَشْتَركْ في قتلها، فقال له ميدع بن هرم: يا عمرو بن غنم، أخرج من هذا البلد، فإن صالحًا قال: " من أقام فيه هلك ، ومن خرج منه نجا " ، فقال عمرو: ما شرِكت في عَقْرها، وما رضيت ما صُنع بها!

فلما كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مقعدة يقال لها : " الزُّرَيْعَة "، وهي الكلبة ابنة السِّلق، (125) كانت كافرة شديدَة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذابَ أجمعَ، فخرجت كأسرع ما يُرَى شيءٌ قط، حتى أتت أهل قُرْحٍ فأخبرتهم بما عاينتْ من العذاب وما أصاب ثمود منه، (126) ثم استسقت من الماء فسُقِيت، فلما شربت ماتت.

14812-حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال معمر ، أخبرني من سمع الحسن يقول: لما عقرت ثمود الناقة ، ذهبَ فصيلها حتى صعد تلا فقال: يا رب ، أين أمي؟

ثم رغا رَغوةً، فنـزلت الصيحةُ، فأخمدتهم.

14813-حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن بنحوه= إلا أنه قال: أصعد تلا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقة: تمتَّعوا ثلاثة أيام!

وقال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرَّة، ثم تصبح اليومَ الثاني محمرَّة، ثم تصبح اليوم الثالث مسودَّة ، فأصبحت كذلك.

فلما كان اليوم الثالث وأيقنوا بالهلاك ، تكفَّنوا وتحنَّطوا، ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم= قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين!

فجعلوا يدخلون على المرأة في حِجْرها فيقولون: (127) أترضين؟

فتقول: نعم!

والصبيّ، حتى رضوا أجمعين، فعقرها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال، لما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحِجر قال: لا تسألوا الآيات، فقد سألها قومُ صالح، فكانت ترد من هذا الفجّ ، (128) وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم ، فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يومًا ، ويشربون لبنها يومًا.

فعقروها، فأخذتهم الصيحة: أهمد الله مَنْ تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدًا كان في حَرَم الله ، قيل: من هو؟

قال: أبو رِغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه.

(129) ....

قال عبد الرزاق، قال معمر: وأخبرني إسماعيل بن أمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبر أبي رِغال، فقال: أتدرون ما هذا؟

، قالوا: الله ورسوله أعلم!

قال: هذا قبر أبي رِغال؟

قالوا فمن أبو رِغال؟

قال: رجل من ثمود ، كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذابَ الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب!

فنـزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عليه، فاستخرجوا الغصن.

(130) 14814- .

.

.

قال عبد الرزاق: قال: معمر: قال الزهري: أبو رِغال: أبو ثقيف.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن جابر قال، مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر= ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال في حديثه: قالوا: من هو يا رسول الله؟

قال: أبو رِغال.

(131) 14815-حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة قال، كان يقال إنّ أحمرَ ثمود الذي عقر الناقة، كان ولد زَنْية.

14816-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق قال، قال أبو موسى: أتيت أرض ثمود، فذرعت مَصْدرَ الناقة ، فوجدته ستين ذراعًا.

14817-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، وأخبرني إسماعيل بن أمية بنحو هذا= يعني بنحو حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن جابر = قال: ومرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبر أبي رِغال، قالوا: ومن أبو رِغال؟

قال: أبو ثقيف، كان في الحرم لما أهلك الله قومه، منعه حرم الله من عذاب الله ، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه ، فدفن ها هنا ، ودفن معه غصن من ذهب.

قال: فابتدره القوم يبحثون عنه ، حتى استخرجوا ذلك الغصن.

=وقال الحسن: كان للناقة يوم ولهم يومٌ، فأضرَّ بهم.

(132) حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري قال: لما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، أنْ يصيبكم مثل الذي أصابهم!

ثم قال: هذا وادي النَّفَر!

(133) ثم قَنَّع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي.

(134) * * * وأما قوله: ( ولا تمسوها بسوء ) ، فإنه يقول: ولا تمسوا ناقة الله بعقرٍ ولا نحر (135) =(فيأخذكم عذابٌ أليم ) ، يعني: موجع.

(136) -------------------- الهوامش : (82) في المطبوعة في الموضعين"ثمود بن عابر" ، و"جديس بن عابر" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو كذلك في تاريخ الطبري 1: 103"غاثر" بالغين والثاء ، إلا أنه جاء في التاريخ 1: 115"جاثر" بالجيم والثاء ، وكأن الأول هو الأصل ، وأن الآخر على القلب عن الغين ، هذا إذا لم يكن خطأ.

(83) انظر تفسير"البينة" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

(84) الأثر: 14810 -"عبد العزيز بن رفيع الأسدي" ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة.

روى عن أنس ، وابن الزبير ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبي الطفيل.

مترجم في التهذيب.

و"أبو الطفيل" ، هو: "عامر بن واثلة الليثي" ، مضى برقم: 9196.

وقوله: "تحنطوا" ، أي اتخذوا الحنوط ، كما يفعلون بالميت: و"الحنوط" ، هو ذريرة من مسك أوعنبر أو كافور أو صندل مدقوق ، أو صبر ، يتخذ للميت حتى لا يجيف ولا ينتن ، أو لا تظهر رائحته للحي.

وسقط من الترقيم: "14811": سهوًا مني.

(85) في المطبوعة: "فيرجمونها ، ففيها أثرها..." ، والصواب من المخطوطة.

(86) في المطبوعة: "فكانت تصب اللبن صبًا" ، غير ما في المخطوطة وبدله.

(87) في المطبوعة: "أجيشوها...

فأجاشوها" بالجيم ، والصواب بالحاء."حاش عليه الصيد حوشًا وحياشًا" و"أحاشه عليه" ، إذا نفره نحوه ، وساقه إليه ، وجمعه عليه.

(88) "عليك" ، إغراء ، بمعنى: خذه.

(89) في المطبوعة والمخطوطة: "ثم دعا" ، والصواب ما أثبت.

من"رغاء الناقة" ، وهو صوتها إذا ضجت.

(90) "عمر يعمر" (نحو: فرح يفرح) و"عمر يعمر" (نحو: نصر ينصر): عاش وبقي زمانًا طويلا.

(91) في المطبوعة: "وكانوا قومًا عزبًا" ، وفي المخطوطة: "وكانوا قومًا عربًا وهم من أوسطهم" والصواب ما أثبت .

(92) السياق: "بعث إليهم صالحًا...

رسولا".

(93) "قرح" (بضم فسكون) ، وهو سوق وادي القرى.

(94) "شمط": ابيض شعره.

(95) في المطبوعة"حراش" ، ولعل ما في المخطوطة يقرأ كما أثبته ، وكما سيأتي في نسب آخر بعد قليل.

(96) شرح"المخترجة" ، لم أجده في غير هذا الخب ، وهو بمثله في قصص الأنبياء للثعلبي.

و"البخت" من الإبل ، جمال طوال الأعناق ، وهي الإبل الخراسانية ، تنتج من بين عربية وفالج.

(97) "النتوج" (بفتح النون): الحامل.

(98) في المطبوعة: "ثم أسقطت الناقة" غير ما في المخطوطة ، وفيها: "ثم استفصت الناقة" كل ذلك غير منقوطة ، فرأيت صواب قرأتها ما أثبت.

(99) في المطبوعة: "وردوا أشرافها" بالواو ، والأجود ما في المخطوطة.

(100) الأبيات في البداية والنهاية لابن كثير 1: 134 ، وقصص الأنبياء للثعلبي: 57 ، 58.

(101) في المطبوعة: "ذئابًا" ، وفي البداية والنهاية"ذآبا" ، وكأن الصواب ما في قصص الأنبياء ، وهو ما أثبته.

والمخطوطة غير منقوطة.

(102) هذا تفسير آية"سورة القمر": 28.

(103) "غبا" (بكسر الغين) ، أي: ترد يومًا ، وتدع يومًا ، ثم ترد.

(104) في المطبوعة: "تفسح" ، والصواب ما أثبت ، "تفشجت الناقة" (بالجيم) ، تفاجت ، وذلك أن تباعد بين رجليها ، ومثله"تفشحت" بالحاء المهملة.

(105) "تفحجت" ، باعدت بين رجليها.

(106) في المطبوعة: "بظهر الوادي" ، وأثبت ما في المخطوطة.

و"الظهر" ما غلظ وارتفع من الوادي.

و"البطن" ، ما لان وسهل ورق واطمأن.

(107) في المطبوعة: "مراتعها" ، والصواب ما في المخطوطة.

(108) في المطبوعة: "دميل" ، وفي المخطوطة ما أثبته ظاهر"الراء".

وقد مضى آنفًا في أنساب هذا الخبر"الدميل" ، فلا أدري أهما واحد ، أم هما اسمان مختلفان.

(109) في المطبوعة: "بنت المحيا بن زهير" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي قصص الأنبياء: "مهر".

(110) في المطبوعة: "وأعظمهم به كفرًا" ، كأنه استنكر ما في المخطوطة ، وهو صريح العربية: أن يعاد الضمير بعد أفعل التفضيل بالإفراد والتذكير ، مثل ما جاء في حديث نساء قريش: "خير نساء ركبن الإبل صوالح قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده" ، وكما قال ذو الرمة: وَمَيَّــةُ أَحْسَــنُ الثَّقَلَيْــنِ جــيدًا وَسَـــالِفَةً ، وَأَحْسَـــنُهُ قَـــذَالا وقد مضى ذكر ذلك في الأجزاء السالفة 5: 448 ، تعليق: 2 وص: 557 ، تعليق: 1/ 6: 395 ، تعليق: 1/ 7: 87 ، تعليق: 4.

(111) في المطبوعة: "وكانتا تحبان أن تعقر..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق كما في قصص القرآن للثعلبي.

(112) في المطبوعة: "وسبت ولده" ، وهو عبث محض ، وفي المخطوطة: "وسب له" غير منقوطة ، وكأن صواب قراءتها ما أثبت."بيتت له ، : فكرت في الأمر وخمرته ودبرته ليلا.

(113) في المطبوعة: "بل أن أقول إلى بني مرداس" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لسوء كتابتها ، فأتى بكلام غث.

(114) في المطبوعة: "تحيلا في عقر الناقة" ، وهو كلام هالك ، والصواب ما في المخطوطة ولكن الناشر لم يعرف معناه."محل به": كاده ، واحتال في المكر به حتى يوقعه في الهلكة.

(115) مكان النقط بياض في المخطوطة إلى آخر السطر ، وفي الهامش حرف (ط) ، دلالة على الشك والخطأ.

(116) في المطبوعة: "فأسفرت عنه" بالزيادة وليست في المخطوطة ، ولا ضرورة لها.

(117) "ذمرته": شجعته وحثته وحرضته.

(118) في المطبوعة: "فكشف عرقوبها" ، وأثبت ما في المخطوطة: "خشف رأسه بالحجر" ، شدخه.

وكل ما شدخ ، فقد خشف.

وقيل: "سيف خاشف ، وخشيف ، وخشوف" ، ماض.

و"فحسف" ، هكذا غير منقوطة في المخطوطة.

(119) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "رغاة واحدة" ، ولم تذكره كتب اللغة ، بل قالوا: المرة الواحدة من"الرغاء" ، "رغوة" والذي في الطبري جائز مثله في العربية.

(120) في المطبوعة: "منيعا" ، وأثبت ما في المخطوطة."والمنيف" العالي.

(121) في المطبوعة: "فرغا ولاذ بها" ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وأرجح أن صواب قراءتها هنا ما أثبت.

(122) في المطبوعة: "صور" ، أثبت ما في المخطوطة ، وإن كنت في شك منه.

(123) في المطبوعة ، حذف"ثم" ، وهي ثابتة في المخطوطة.

(124) في المطبوعة: "هلموا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضًا.

(125) في المطبوعة: "الدريعة ، وهي كليبة ابنة السلق" ، وفي المخطوطة"الدريعة وهي الكلبة ابنة السلق" ، وقرأتها كما أثبتها.

و"السلق" ، الذئب ، ويزعمون أن الذئب يستولد الكلبة ، وأن ولدها منها يقال له"الديسم" ، ويقال للكلاب"أولاد زارع" ، فرجحت أن صواب قراءتها"الزريعة" بالتصغير ، وأن الذي بعدها تفسير لها ، كما هو ظاهر.

و"السلق" (بكسر السين ، وسكون اللام).

(126) في المطبوعة: "حتى أتت حيا من الأحياء ، فأخبرتهم" ، غير ما في المخطوطة ، مع أن الصواب هو الذي فيها.

و"قرح" سوق وادي القرى ، كما مر آنفًا.

(127) في المطبوعة: "في خدرها" ، وأثبت ما في المخطوطة.

و"الحجر" (بكسر الحاء وفتحها ، وسكون الجيم): الستر والحفظ ، يعني حيث تستر.

ولو قريء: "في حجرها" جمع"حجرة" ، وهو البيت لكان حسنًا جدًا.

(128) قوله: "وكانت ترد..." ، يعني الناقة.

(129) الأثر: 14817-"عبد الله بن عثمان بن خثيم" القارئ ، تابعي ثقة.

مضى برقم: 4341 ، 5388 ، 7831 ، 9642.

وهذا الخبر رواه أحمد في المسند 3: 296 ، من هذه الطريق نفسها بلفظه.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 505 ، وفي البداية والنهاية 1: 137 ، وقال: "وهذا الحديث على شرط مسلم ، وهو ليس في شيء من الكتب الستة".

وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (6: 270) ، وقال: "وروى أحمد والحاكم بإسناد حسن ، عن جابر" ، وذكر الخب .

وسيأتي بإسناد آخر رقم: 14820.

(130) الأثر: 14818- هذا خبر مرسل.

"إسماعيل بن أمية الأموي" ، ثقة ، مضى برقم: 2615 ، 8458.

وهذا الخبر رواه أبو داود في سننه 3: 245 رقم: 3088 ، موصولا من حديث محمد بن إسحق ، عن إسماعيل بن أمية ، عن بجير بن أبي بجير ، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول ، حين خرجنا إلى الطائف ، فمررنا بقبر".

وذكر ابن كثير في تفسيره 3: 508 ، والبداية 1: 137 ، حديث أبي داود هذا ، ثم قال: "هكذا رواه أبو داود ، عن يحيى بن معين ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، به.

قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز.

قلت: تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا ، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث.

قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية.

قلت [القائل ابن كثير]: وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث ، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين.

قال شيخنا أبو الحجاج ، بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل ، والله أعلم".

وسيأتي بإسناد آخر رقم: 14823.

(131) الأثر: 14820- هذا إسناد آخر للخبر السالف رقم: 14817.

(132) الأثر: 14823- هذا إسناد آخر للأثر رقم: 14818.

وأما كلمة الحسن البصري الأخيرة ، فلا أدري من قائلها.

(133) "وادي النفر" ، كأنه يعني التسعة من ثمود الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، والذين اجتمعوا على قتل صالح عليه السلام ، فدمر الله عليهم.

(134) الأثر: 14823- حديث الزهري هذا ، رواه البخاري في مواضع من صحيحه (الفتح 6: 270) من طريق محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله بن عمر = ثم رواه بعد من طريق يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر.

ثم رواه (الفتح 8: 95) من طريق عبد الرازق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر.

ورواه مسلم في صحيحه 18: 111 ، من طريق يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر.

وليس في روايتهما ذكر"وادي النفر".

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "ثم رفع رأسه" ، وهو تحريف بلا شك ، والصواب ما أثبت من رواية البخاري (الفتح 8: 95).

و"قنع رأسه" ، غطاها بالقناع.

وفي رواية البخاري الأخرى (الفتح 6: 270): "ثم تقنع بردائه وهو على الرحل".

وقوله: "أجاز الوادي" ، أي قطعه وخلفه وراءه.

(135) انظر تفسير"المس" فيما سلف: 11: 370 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك.

(136) انظر تفسير"أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍوهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح .وهو أخو جديس , وكانوا في سعة من معايشهم ; فخالفوا أمر الله وعبدوا غيره , وأفسدوا في الأرض .فبعث الله إليهم صالحا نبيا , وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود .وكانوا قوما عربا .وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون .ولم ينصرف " ثمود " لأنه جعل اسما للقبيلة .وقال أبو حاتم : لم ينصرف , لأنه اسم أعجمي .قال النحاس : وهذا غلط ; لأنه مشتق من الثمد وهو الماء القليل .وقد قرأ القراء ألا إن ثمود كفروا ربهم " [ هود : 68 ] على أنه اسم للحي .وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى .وهم من ولد سام بن نوح .وسميت ثمود لقلة مائها .وسيأتي بيانه في " الحجر " إن شاء الله تعالى .غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْأخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد ; فكان لها يوم تشرب فيه ماء الوادي كله , وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه .وكان بقدر حاجتهم على كثرتهم ; قال الله تعالى : " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم " [ الشعراء : 155 ] .وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى الخالق .وفيه معنى التشريف والتخصيص .آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌأي ليس عليكم رزقها ومئونتها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي { و } أرسلنا { إِلَى ثَمُودَ } القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله، من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل اللّه إليهم { أَخَاهُمْ صَالِحًا } نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، فـ { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة اللّه، وبيان أنه ليس للعباد إله غير اللّه، { قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله: { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } أي: هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها إلى اللّه تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة.

وقد ذكر وجه الآية في قوله: { لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم.

وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ } فلا عليكم من مئونتها شيء، { وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } أي: بعقر أو غيره، { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ) وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ، وأراد هاهنا القبيلة .

قال أبو عمرو بن العلاء : سميت ثمود لقلة مائها ، والثمد : الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ( أخاهم صالحا ) أي : أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب ، لا في الدين صالحا ، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشيح بن عبيد بن خادر بن ثمود ، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ) حجة من ربكم على صدقي ، ( هذه ناقة الله ) أضافها إليه على التفضيل والتخصيص ، كما يقال بيت الله ، ( لكم آية ) نصب على الحال ، ( فذروها تأكل ) العشب ، ( في أرض الله ولا تمسوها بسوء ) لا تصيبوها بعقر ، ( فيأخذكم عذاب أليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» أرسلنا «إلى ثمود» بترك الصرف مرادا به القبيلة «أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بيَّنة» معجزة «من ربكم» على صدقي «هذه ناقة الله لكم آية» حال عاملها معنى الإشارة وكانوا سألوه أن يخرجها لهم صخرة عينوها «فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء» بعقر أو ضرب «فيأخذكم عذاب أليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا لـمَّا عبدوا الأوثان من دون الله تعالى.

فقال صالح لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده؛ ليس لكم من إله يستحق العبادة غيره جل وعلا، فأخلصوا له العبادة، قد جئتكم بالبرهان على صدق ما أدعوكم إليه، إذ دعوتُ الله أمامكم، فأخرج لكم من الصخرة ناقة عظيمة كما سألتم، فاتركوها تأكل في أرض الله من المراعي، ولا تتعرضوا لها بأي أذى، فيصيبكم بسبب ذلك عذاب موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قصت علينا السورة بعد ذلك قصة صالح - عليه السلام - مع قومه فقالت : ( وإلى ثَمُودَ .

.

.

.

) .صالح - كما قال الحافظ البغوى - هو ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ابن حاذر بن ثمود : وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - .وثمود اسم للقبيلة التى منها صالح سميت باسم جدها ثمود ، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مسكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، والحجر مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وموقعه الآن ، تقريباً - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن ، وما زال المكان الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح إلى اليوم ، وقد مر النبى صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة .وقبيلة صالح من قبائل العرب ، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام - بعد أن هلكوا فورثوا أرضهم ، وآتاهم الله نعما وفيرة ، وكانوا يعبدون الأصنام فأرسل إليهم نبيهم صالحا مبشرا ونذيراً .قال - تعالى - : ( وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) .أى : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام - فقال لهم الكلمة التى دعا بها كل نبى قومه : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله سواه ، قد جاءتكم معجزة ظاهرة الدلائل ، شاهدة بنبوتى وصدقى فيما أبلغه عن ربى .وقوله : ( مِّن رَّبِّكُمْ ) متعلق بمحذوف صفة لبينة ، أى هذه البينة كائنة من ربكم وليست من صنعى فعليكم أن تصدقونى لأنى مبلغ عن الله - تعالى - .ثم كشف لهم عن معجزته وحجته فقال : ( هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً ) أى : هذه التى ترونها وأشير إليها ناقة الله ، والتى جعلها - سبحانه - علامة لكم على صدقى .واضاف الناقة إلى الله للتفضيل والتخصيص والتعظيم لشأنها .

وقيل : لأنه - سبحانه - خلقها على خلاف سنته فى خلق الإبل وصفاتها ، وقيل : لأنها لم يكن لها مالك .وقد ذكر المفسرون عنها قصصاً لا تخلو من ضعف ، لذا اكتفينا بما ورد فى شأنها فى القرآن الكريم .ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال : ( فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .أى ارتكوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله لاتى لا يملكها أحد سواه ولا تعتدوا عليها بأى لون من ألوان الاعتداء ، لأنكم لو فعلتم ذلك أصابكم عذاب أليم .والفاء فى قوله : ( فَذَرُوهَا ) للتفريع على كونها آية من آيات الله ، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء .و ( تَأْكُلْ ) مجزوم فى جواب الأمر .وأضيفت الأرض إلى الله - أيضاً - قطعا لعذرهم فى التعرض لها ، فكأنه يقول لهم ، الأرض أرض الله والناقة ناقته ، فذروها تأكل فى أرضه لأنها ليست لكم ، وليس ما فيها من عشب ونبات من صنعكم ، فأى عذر لكم فى التعرض لها؟وفى نهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه بالأدنى على الأعلى ، لأنه إذا كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكراما لها فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلأ والماء من باب أولى .

فالجملة الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء .وقوله : ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الفعل المضارع منصوب فى جواب النهى .وبعد أن بين لهم صالح - عليه السلام - وظيفته ، وكشف لهم عن معجزته ، وأنذرهم بسوء العاقبة إذا ما خالفوا أمره ، أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم .

وبمصائر الماضين قبلهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة، وهو قصة صالح.

أما قوله: ﴿ وإلى ثمود ﴾ فالمعنى ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً  ﴾ ﴿ إلى عاد أخاهم هوداً  ﴾ ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحاً  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثموداً لقلة مائها من الثمد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام وإلى وادي القرى، وقيل سميت ثمود لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ وإلى ثمود ﴾ يمنع التصرف بتأويل القبيلة ﴿ وإلى ثمود ﴾ بالصرف بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر، وقد ورد القرآن بهما صريحاً.

قال تعالى: ﴿ ألا إن ثموداً كفروا ربهم ألا بعداً لثمود  ﴾ .

واعلم أنه تعالى حكى عنه أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله كما ذكره من قبله من الأنبياء.

ثم قال: ﴿ قد جاءتكم بينة من ربكم ﴾ وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة، وهي تدل على أن كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة التوحيد والنبوة، لأن التقليد وحده لو كان كافياً لكانت تلك البينة هاهنا لغواً، ثم بين أن تلك البينة هي الناقة فقال: ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا أنه تعالى لما أهلك عاداً قام ثمود مقامهم، وطال عمرهم وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحاً وكان منهم، فطالبوه بالمعجزة.

فقال: ما تريدون.

فقالوا: تخرج معنا في عيدنا، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك ونسأل أصنامنا، فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا، فخرج معهم فسألوه أن يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة، فأخذ مواثيقهم أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفرجت وخرجت الناقة من وسطها، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها في يوم، وفي اليوم الثاني شرباً لكل القوم قال السدي: وكانت الناقة في اليوم التي تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل، وكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها.

فقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فذبح تسعة نفر منهم أبناءهم، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه، فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجونه به، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء، واشتد ذلك عليهم، فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة؟

فشد عليها، فلما بصرت به شدت عليه، فهرب منها إلى خلف صخرة فأحاشوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت.

فذلك قوله: ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ﴾ وأظهروا حينئذ كفرهم وعتوا من أمر ربهم، فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حمراً، واليوم الثاني صفراً، واليوم الثالث سوداً، فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستعدوا.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف العلماء في وجه كون الناقة آية فقال بعضهم: إنها كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة.

قال القاضي: هذا إن صح فهو معجز من جهات: أحدها: خروجها من الجبل، والثانية: كونها لا من ذكر وأنثى، والثالثة: كمال خلقها من غير تدريج.

والقول الثاني: أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب، وكانت مع ذلك تأتي بما يليق بذلك الماء من الكلأ والحشيش.

والقول الثاني: أن وجه الإعجاز فيها أنهم كانوا في يوم شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم لهم مقام الماء في يوم شربهم.

وقال الحسن: بالعكس من ذلك، فقال إنها لم تحلب قطرة لبن قط، وهذا الكلام مناف لما تقدم.

والقول الرابع: أن وجه الإعجاز فيها أن يوم مجيئها إلى الماء كان جميع الحيوانات تمتنع من الورود على الماء، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات تأتي.

واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية، فأما ذكر أنها كانت آية من أي الوجوه فهو غير مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ فقوله: ﴿ آية ﴾ نصب على الحال أي أشير إليها في حال كونها آية، ولفظة (هذه) تتضمن معنى الإشارة، و ﴿ آية ﴾ في معنى دالة.

فلهذا جاز أن تكون حالاً.

فإن قيل: تلك الناقة كانت آية لكل أحد، فلماذا خص أولئك الأقواك بها؟

فقال: ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ .

قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا عنها، وليس الخبر كالمعاينة.

وثانيها: لعله يثبت سائر المعجزات، إلا أن القوم التمسوا منه هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقتراح، فأظهرها الله تعالى لهم، فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص.

فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص تلك الناقة بأنها ناقة الله؟

قلنا: فيه وجوه: قيل أضافها إلى الله تشريفاً وتخصيصاً كقوله: بيت الله، وقيل: لأنه خلقها بلا واسطة، وقيل: لأنها لا مالك لها غير الله.

وقيل: لأنها حجة الله على القوم.

ثم قال: ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ أي الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، ولا تمسوها بسوء ولا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوا منها شيئاً من أنواع الأذى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا علي أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك».

ثم قال تعالى: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ قيل إنه تعالى لما أهلك عاداً عمر ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعماراً طوالاً.

ثم قال: ﴿ وبوأكم في الأرض ﴾ أنزلكم، والمبوأ: المنزل من الأرض، أي في أرض الحجر بين الحجاز والشام.

ثم قال: ﴿ تتخذون من سهولها قصوراً ﴾ أي تبوؤن القصور من سهولة الأرض، فإن القصور إنما تبنى من الطين واللبن والآجر، وهذه الأشياء إنما تتخذ من سهولة الأرض ﴿ وتنحِتون من الجبال بيوتاً ﴾ يريد تنحِتون بيوتاً من الجبال تسقفونها.

فإن قالوا: علام انتصب بيوتاً؟

قلنا: على الحال كما يقال: خط هذا الثوب قميصاً وأبر هذه القصبة قلما، وهي من الحال المقدرة، لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت، ولا الثوب والقصبة قميصاً، وقلما في حال الخياطة والبري.

وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين.

ثم قال: ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ يعني قد ذكرت لكم بعض أقسام ما آتاكم الله من النعم، وذكر الكل طويل فاذكروا أنتم بعقولكم ما فيها ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ قيل المراد منه: النهي عن عقر الناقة، والأولى أن يحمل على ظاهره وهو المنع عن كل أنواع الفساد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ وإلى ثَمُودَ ﴾ بمنع الصرف بتأويل القبيلة، وإلى ثمود بالصرف بتأويل الحيّ؛ أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح.

وقيل: سميت ثمود لقلة مائها، من الثمد وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الشام والحجاز إلى وادي القرى ﴿ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ ﴾ آية ظاهرة وشاهد على صحة نبوّتي.

وكأنه قيل: ما هذه البينة؟

فقال: ﴿ هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً ﴾ وآية نصب على الحال، والعامل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، كأنه قيل: أشير إليها آية.

ولكم: بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ثمود؛ لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها وليس الخبر كالمعاينة، كأنه قال: لكم خصوصاً، وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها، وأنها جاءت من عنده مكوّنة من غير فحل وطروقة آية من آياته، كما تقول: آية الله.

وروى أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعماراً طوالاً، حتى أن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحاً عليه السلام، وكانوا قوماً عرباً وصالح من أوسطهم نسباً، فدعاهم إلى الله تعالى فلم يتبعه إلاّ قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، فقال: أية آية تريدون؟

قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعوا إلهك، وندعوا آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال صالح: نعم، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم، ثم قال سيدهم- جندع ابن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة- أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء- والمخترجة التي شاكلت البخت- فإن فعلت صدّقناك وأجبناك.

فأخذ صالح عليه السلام عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمننّ ولتصدّقنّ، قالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء.

كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلاّ الله تعالى، وعظماؤهم ينظرون، ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه، ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غباً، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كلّ ماء فيها، ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون ويدخرون.

قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً.

وكانت الناقة إذا وقع الحرّ تصيفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه وإذا وقع البرد تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشقّ ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان: عنيزة أمّ غنم، وصدقة بنت المختار- لما أضرت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي- فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه، فانطلق سقبها حتى رقي جبلاً اسمه قارة فرغى ثلاثاً وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها.

فقال لهم صالح: تصبحون غداً ووجوهكم مصفرَّة، وبعد ذلك غدٍ ووجوهكم محمرّة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة، ثم يصحبكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه.

فأنجاه الله إلى أرض فلسطين.

ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا ﴿ تَأْكُلْ فِي أَرْضِ الله ﴾ أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من أنباتكم ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء ﴾ لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشيء من الأذى إكراماً لآية الله.

ويروى: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرّ بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه؛ «لا يدخلنّ أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائها، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلاّ أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم» وقال صلى الله عليه وسلم: «يا علي، أتدري من أشقى الأوّلين» ؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قال: «عاقر ناقة صالح، أتدري من أشقى الآخرين» ؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قال: «قاتلك» وقرأ أبو جعفر في رواية: ﴿ تأكل في أرض الله ﴾ وهو في موضع الحال بمعنى آكلة ﴿ وَبَوَّأَكُمْ ﴾ وترلكم.

والمباءة: المنزل ﴿ فِى الارض ﴾ في أرض الحجر بين الحجاز والشام ﴿ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا ﴾ أي تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر.

وقرأ الحسن: ﴿ وتنحتون ﴾ بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة، كقوله: يَنْبَاعُ مِنْ ذَفْرَى أَسِيلٍ حُرَّةٍ فإن قلت: علام انتصب ﴿ بُيُوتًا ﴾ ؟

قلت: على الحال، كما تقول: خِطْ هذا الثوب قميصاً وابْرِ هذه القصبة قلما، وهي من الحال المقدّرة، لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصاً وقلماً في حال الخياطة والبري.

وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإلى ثَمُودَ ﴾ قَبِيلَةٌ أُخْرى مِنَ العَرَبِ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودَ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ.

وَقِيلَ سُمُّوا بِهِ لِقِلَّةِ مائِهِمْ مِنَ الثَّمَدِ وهو الماءُ القَلِيلُ.

وقُرِئَ مَصْرُوفًا بِتَأْوِيلِ الحَيِّ أوْ بِاعْتِبارِ الأصْلِ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القِرى.

﴿ أخاهم صالِحًا ﴾ صالِحُ بْنُ عَبِيدِ بْنِ آسَفَ بْنِ ماسِحِ بْنِ عَبِيدِ بْنِ حاذِرِ بْنِ ثَمُودَ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي وقَوْلُهُ: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِها، وآيَةً نُصِبَ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، ولَكم بَيانٌ لِمَن هي لَهُ آيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقَةُ اللَّهِ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ ولَكم خَبَرًا عامِلًا في ﴿ آيَةً ﴾ ، وإضافَةُ النّاقَةِ إلى اللَّهِ لِتَعْظِيمِها ولِأنَّها جاءَتْ مِن عِنْدِهِ بِلا وسائِطَ وأسْبابٍ مَعْهُودَةٍ ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةً.

﴿ فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ﴾ العُشْبَ.

﴿ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ نَهى عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الإصابَةِ بِالسُّوءِ الجامِعِ لِأنْواعِ الأذى مُبالَغَةً في الأمْرِ وإزاحَةً لِلْعُذْرِ.

﴿ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإلى ثمود} وأرسلنا إلى ثمود وقرئ وإلى ثمودٍ بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر ومنع الصرف بتأويل القبلة وقيل سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القيبل وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام {أَخَاهُمْ صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ} آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي فكأنه قيل ما هذه البينة فقال {هذه نَاقَةُ الله} وهذه إضافة تخصيص وتعظيم لأنها بتكوينه تعالى بلا صلب ولا رحم {لَكُمْ آية} حال من الناقة والعامل معنى الإشارة في هذه كأنه قيل أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية وهي ثمود لأنهم عاينوها {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله} أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فذروها تأكل في أرض ربها من نبات ربها فليس عليكم مؤنتها {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء}

ولا تضربوها

الأعراف ٧٢ ٧٥ ولا تعقروها ولا تطردوها إكراماً لآية الله {فَيَأْخُذَكُمْ} جواب النهي {عَذَابٌ أَلِيمٌ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإلى عادٍ أخاهُمْ ﴾ مُوافِقٌ لَهُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ و( ثَمُودُ ) قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ كانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القِرى وسُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودَ بْنِ عامِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وقِيلَ ابْنُ عادِ بْنِ عُوصِ بْنِ إرَمَ ..

إلَخْ.

وهو المَنقُولُ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ.

وقالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِهِمْ فَهو مِن ثَمَدَ الماءُ إذا قَلَّ والثَّمَدُ الماءُ القَلِيلُ ووَرَدَ فِيهِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ أمّا الأوَّلُ فَبِاعْتِبارِ الحَيِّ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِلْجَدِّ أوْ لِلْقَلِيلِ مِنَ الماءِ كانَ مَصْرُوفًا لِأنَّهُ عَلَمٌ مُذَكَّرٌ أوِ اسْمُ جِنْسٍ فَبَعْدَ النَّقْلِ حُكِيَ أصْلُهُ وأمّا الثّانِي فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ فَفِيهِ العِلْمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ.

وصالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ثَمُودَ فالأُخُوَّةُ نَسَبِيَّةٌ وهو عَلى ما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسَفِ بْنِ ماشِحَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ وهو أخُو صَسْمِ وجُدَيْسَ فِيما قِيلَ وقالَ وهْبٌ: هو ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ جابِرِ بْنِ ثَمُودَ بْنِ جابِرِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ حِينَ راهَقَ الحُلُمَ وكانَ رَجُلًا أحْمَرَ إلى البَياضِ سَبْطَ الشَّعَرِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أرْبَعِينَ عامًا وقالَ الشّامِيُّ: إنَّهُ بُعِثَ شابًّا فَدَعا قَوْمَهُ حَتّى شَمِطَ وكَبِرَ ونَقَلَ النَّوَوِيُّ أنَّهُ أقامَ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً وماتَ بِمَكَّةَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

﴿ قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظائِرِهِ ﴿ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ ﴾ أيْ آيَةٌ ومُعْجِزَةٌ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ شاهِدَةٌ بِنُبُوَّتِي وهي مِنَ الألْفاظِ الجارِيَةِ مَجْرى الأبْطَحِ والأبْرَقِ في الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفاتِها حالَةَ الإفْرادِ والجَمْعِ والتَّنْوِينِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أوْ بِجاءَتْكم و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ لِلتَّبْعِيضِ إنْ قُدِّرَ مِن بِيِّناتِ رَبِّكم والمُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ النّاقَةُ ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ ما خاطَبَهم بِهِ أثَرُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ بَلْ إنَّما قالَهُ بَعْدَما نَصَحَهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ وكَذَّبُوهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ما في سُورَةِ هُودٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مَسُوقٌ لِبَيانِ البَيِّنَةِ والمُعْجِزَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيْ هي وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( بَيِّنَةٌ ) بَدَلَ الجُمْلَةِ مِن مُفْرَدٍ لِلتَّفْسِيرِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وإضافَةُ النّاقَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها كَما يُقالُ بَيْتُ اللَّهِ لِلْمَسْجِدِ بَيْدَ أنَّ الإضافَةَ فِيهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ أوْ لِأنَّها لَيْسَتْ بِواسِطَةِ نِتاجٍ مُعْتادٍ وأسْبابٍ مَعْهُودَةٍ كَما سَيَتَّضِحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةً وأيَّ آيَةٍ وقِيلَ لِأنَّها لا يَمْلِكُها أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: لِأنَّها كانَتْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلى قَوْمِ صالِحٍ وانْتِصابُ ( آيَةً ) عَلى الحالِيَّةِ مِن ( ناقَةُ ) والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ وسَمّاهُ النُّحاةُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ و( لَكم ) بَيانٌ لِمَن هي آيَةٌ لَهُ كَما في سُقْيًا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ناقَةٌ ) بَدَلًا مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ أوْ مُبْتَدَأً ثانِيًا و( لَكم ) خَبَرًا فَآيَةٌ حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ والعامِلُ هو أوْ مُتَعَلِّقُهُ ﴿ فَذَرُوها ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِها آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: عَلى كَوْنِها ناقَةً لَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَها أيْ فاتْرُكُوها ﴿ تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ﴾ العُشْبَ وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ والفِعْلُ مَجْزُومٌ لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ( تَأْكُلُ ) بِالرَّفْعِ فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ آكِلَةً والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِالأمْرِ السّابِقِ فَهُما مُتَنازِعانِ وأُضِيفَتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ في التَّعَرُّضِ كَأنَّهُ قِيلَ: الأرْضُ أرْضُ اللَّهِ تَعالى والنّاقَةُ ناقَةُ اللَّهِ تَعالى فَذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ تَأْكُلْ في أرْضِهِ فَلَيْسَتِ الأرْضُ لَكم ولا ما فِيها مِنَ النَّباتِ مِن إنْباتِكم فَأيُّ عُذْرٍ لَكم في مَنعِها وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلشُّرْبِ لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الأكْلِ وقِيلَ لِتَعْمِيمِهِ لَهُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ.

عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبٌ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ ﴿ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ نَهْيٌ عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الإصابَةِ بِالشَّرِّ الشّامِلِ لِأنْواعٍ الأذى مُبالَغَةً في الزَّجْرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ مِمّا يَسُوءُها أصْلًا كالطَّرْدِ والعَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ الفِعْلِ والمَعْنى لا تَمَسُّوها مَعَ قَصْدِ السُّوءِ بِها فَضْلًا عَنِ الإصابَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ .

﴿ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ (73) مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ والمَعْنى لا تَجْمَعُوا بَيْنَ المَسِّ وأخْذِ العَذابِ إيّاكم والأخِيرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صَنِيعِهِمْ حَقِيقَةً لَكِنْ لِتَعاطِيهِمْ أسْبابَهُ كَأنَّهُ مِن صَنِيعِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً يعني: أرسلنا إلى ثمود نبيهم صالحاً قال بعضهم: ثمود اسم القرية.

وقال بعضهم: ثمود اسم القبيلة وأصله في اللغة الماء القليل.

ويقال: كانت بئراً بين الشام والحجاز.

ويقال: هي عين يخرج منها ماء قليل في تلك الأرض ويقال لها أرض الحِجر كما قال في آية أُخرى وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [الحجر: 80] وقال بعضهم: كان في تلك القرية أهل تسعمائة بيت.

وقال بعضهم: ألف وخمسمائة، فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله سنين كثيرة فكذبوه وأرادوا قتله فخرجوا إلى عبد لهم، فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله تعالى.

فقالوا له: إن كنت نبياً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عَشَرَاء حتى نؤمن بك ونصدقك فقام صالح وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فتحركت الصخرة وانصدعت عن ناقة عشراء ذات زغب فلم يؤمنوا به فولدت الناقة ولداً وقال بعضهم خرج ولدها خلفها من الصخرة.

فصارت الناقة بلية ومحنة عليهم، وكانت من أعظم الأشياء فتأتي مراعيهم فتنفر منها دوابهم.

وتأتي العين وتشرب جميع ما فيها من الماء.

فجعل صالح الماء قسمة بينهم يوماً للناقة، ويوماً لأهل القرية، فإذا كان اليوم الذي تشرب الناقة لا يحضر أحد العين وكانوا يحلبونها في ذلك اليوم مقدار ما يكفيهم، وكان في المدينة تسعة رهط يُفْسِدُونَ فِى الارض وَلاَ يصلحون.

فاجتمعوا لقتل الناقة فقال لهم صالح: لا تفعلوا فإنكم إذا قتلتموها يأتيكم العذاب فجاؤوا ووقفوا على طريق الناقة فلما مرت بهم الناقة متوجهة إلى العين رماها واحد منهم يقال له مصدع بن وهر فأصابت السهم رجل الناقة فلما رجعت الناقة من العين خرج قدار بن سالف وهو أشقى القوم كما قال الله تعالى إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها [الشمس: 12] فضربها بالسيف ضربة فقتلها وقسموا لحمها على أهل القرية.

وروي عن الحسن البصري- رحمة الله عليه- أنه قال: لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد جبلاً وقال ثلاث مرات أين أمي أين أمي أين أمي؟

فأخبر بذلك صالح فقال يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام.

فقالوا: وما العلامة في ذلك؟

فقال: أن تصبحوا في اليوم الأول وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني وجوهكم محمرة، وفي اليوم الثالث وجوهكم مسودة.

ثم خرج صالح من بين أظهرهم مع من آمن منهم فأصبحوا في اليوم الأول وجعل يقول بعضهم لبعض: قد اصفر وجهك، وفي اليوم الثاني يقول بعضهم لبعض: قد احمر وجهك، وفي اليوم الثالث يقول بعضهم لبعض: قد اسود وجهك.

فأيقنوا جميعاً الهلاك.

فجاء جبريل-  - وصاح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم، ويقال: قد أتتهم النار فأحرقتهم فذلك قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قد ذكرناه قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول: قد أتيتكم بعلامة نبوتي وهي الناقة كما قال الله تعالى: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي علامة لنبوتي لكي تعتبروا وتوحّدوا الله ربكم فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ يقول: دعوها ترتع في أرض الحجر وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يقول: لا تعقروها فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهو ما عذبوا به.

قوله عز وجل: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ أي: بعد هلاك عاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: أنزلكم في أرض الحجر تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً وذلك أنه كانت لهم قصور يسكنون فيها أيام الصيف، وقد اتخذوا بيوتاً في الجبل لأيام الشتاء، فذكرهم نعمة الله تعالى.

فقال: اذكروا هذه النعم حيث وفقكم الله حتى اتخذتم القصور في سهل الأرض واتخذتم البيوت في الجبال.

فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعم الله عليكم وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي: لا تعملوا في الأرض بالمعاصي.

قوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا قرأ ابن عامر وقَالَ الْمَلأُ بالواو.

وقرأ الباقون بغير واو أي قال الملأ الذين تكبروا عن الإيمان من قومه وهم القادة للذين استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بصالح أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: أتصدقون صالحاً بأنه مرسل من ربه إليكم قالُوا يعني: المؤمنين إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ أي: مصدقون به قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أي: من رسالة صالح فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي: عصوا وتركوا أمر ربهم وأبوا عن طاعته.

ثم التوحيد ويقال: فيه تقديم.

ومعناه عتَوا عن أمر ربهم وعقروا الناقة.

وروي عن ابن عباس-  ما- أنه قال إنهم عقروا الناقة ليلة الأربعاء في عشية الثلاثاء فأهلكهم الله في يوم السبت.

وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا أي: بما تخوفنا به من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: إن كنت رسول رب العالمين فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: الزلزلة ويقال: صيحة جبريل كما قال في آية أُخرى فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [الحجر: 83] ويقال: أخذتهم الزلزلة ثم أخذتهم الصيحة.

ويقال: النار فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي: صاروا في مدينتهم ومنازلهم ميتين، لا يتحركون وأصله من الجثوم.

ويقال: أصابهم العذاب بكرةً يوم الأحد فَتَوَلَّى عَنْهُمْ فيه تقديم وتأخير أي: حين كذبوه خرج من بين أظهرهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي دعوتكم إلى التوبة وحذرتكم العذاب وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ أي: لا تطيعون الداعين.

ويقال: إنما قال ذلك بعد إهلاكهم.

قال على وجه الحزن.

إني قد أبلغتكم الرسالة.

وروي عن ابن عباس-  ما- أنه قال: إن الله تعالى لم يهلك قوماً ما دام الرسول فيهم فإذا خرج من بين ظهرانيهم أتاهم ما أوعد لهم.

وقال في رواية الكلبي: لما هلك قوم صالح رجع صالح ومن معه من المؤمنين، فسكنوا ديارهم.

وقال في رواية الضحاك خرج صالح إلى مكة فكان هناك حتى قبضه الله تعالى.

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قرأ الجمهور: «وإلى ثَمُودَ» بغير صَرْفٍ «١» على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب «٢» والأعمشُ: «وإلى ثَمُودٍ» بالصرف على إرادة الحيِّ والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: ٦٨] ، وأَخاهُمْ عطْفٌ على «نوح» ، والمعنى: وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ.

ت: النظرُ الذي أشار إليه لا يخفى عليك وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم عليه السلام أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة حَسَب ما ذكره أهْل السيرة فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ:

هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ» انتهى، ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله ع: وصالحٌ عليه السلام هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ كذا ذكر «٣» مكِّيٌّ.

قال وهْبٌ «٤» : بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ارتحل بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي: كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.

وقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس: إِن صالحاً جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه.

وقال الجمهور: بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا: يا صالح، إن كنْتَ صادقاً، فادع لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ- لِصَخَّرةٍ بالحِجْر- نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وانشقت عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملاً، فولدَتْ سَقَبَها المشهور.

ورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة.

وقيل لها: ناقَةُ اللَّهِ تشريفاً لها، وتخصيصاً، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْباً يوماً، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها.

قال المفسِّرون: كانت خلقاً عظيماً تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يوماً بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْباً، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يوماً، وترد بعد ذلك غِبًّا، فاستمر ذلك ما شاء اللَّه حتى ملَّتها ثمود، وقالوا: مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي: أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر/ وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا على مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحاً أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا: عِيَاذاً بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال: إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها:

أَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل:

بالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثاً، فقال: يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عسى أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فارتفع الجبلُ في السماء حتى ما تناله الطيرُ وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحاً عليه السلام قال لهم، حين رغا الفَصيلُ: سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، واستعدوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر

كافٍ، وَمِنْ أراد استيفاء هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ «١» .

قال ع «٢» : وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك «٣» فقال: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ اعتجر «٤» بِعمامَةٍ» ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حتى جَازَ الوادي صلّى الله عليه وسلّم.

ت: ولفظُ البخاريِّ: ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السّير ...

الحديث «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى ثَمُودَ ﴾ قالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: سُمِّيَتْ ثَمُودُ لَقِلَّةِ مائِها.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: الثَّمْدُ: الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ ﴾ في إضافَتِها إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ ذَلِكَ لَلتَّخْصِيصِ والتَّفْضِيلِ، كَما يُقالُ: بَيْتُ اللَّهِ.

والثّانِي: لِأنَّها كانَتْ بِتَكْوِينِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم آيَةً ﴾ أيْ: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ؛ اللَّهِ وإنَّما قالَ "لَكُمْ" لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوها، وإنْ كانَتْ آَيَةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ.

وَفِي وجْهِ كَوْنِها آَيَةً قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها خَرَجَتْ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ، فَتَمَخَّضَتْ بِها تَمَخُّضَ الحامِلِ، ثُمَّ انْفَلَقَتْ عَنْها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي طَلَبُوها.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ تَشْرَبُ ماءَ الوادِي كُلَّهُ في يَوْمٍ، وتَسْقِيهِمُ الَّلبَنَ مَكانَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكم مُؤْنَتُها وعَلَفُها.

" وتَأْكُلُ" مَجْزُومٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ، أيْ: إنْ تَذْرُوها تَأْكُلْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ ، أيْ: لا تُصِيبُوها بِعُقْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَوَّأكم في الأرْضِ ﴾ أيْ: أنْزَلَكُمْ؛ يُقالُ: تَبَوَّأ فَلانٌ مَنزِلًا: إذا نَزَلَهُ.

وبَوَّأتْهُ: أنْزَلَتْهُ.

قالَ الشّاعِرُ: وَبُوِّئْتُ في صَمِيمِ مَعْشَرِها.

.

.

فَتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُوها أيْ: أُنْزِلَتْ مِنَ الكَرِيمِ في صَمِيمِ النَّسَبِ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا ﴾ السَّهْلُ: ضِدُّ الحُزْنِ.

والقَصْرُ: ما شُيِّدَ وعَلا مِنَ المَنازِلِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّخِذُوا القُصُورَ في سُهُولِ الأرْضِ لَلصَّيْفِ، وثَقَبُوا في الجِبالِ لَلشِّتاءِ.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَبْنِي البُنْيانَ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ ثُمَّ يُجَدِّدُهُ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ ثُمَّ يُجَدِّدُهُ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ؛ فَأضْجَرَهم ذَلِكَ، فَأخَذُوا مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللهَ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهَ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أعْلَمَهم بِأنَّ القَضاءَ قَدْ نَفَذَ؛ وحَلَّ عَلَيْهِمُ الرِجْزُ؛ وهو السُخْطُ؛ والعَذابُ؛ يُقالُ: "رِجْسٌ"؛ و"رِجْزٌ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ ؛ وقالَ الشاعِرُ: إذا سَنَةٌ كانَتْ بِنَجْدٍ مُحِيطَةً ∗∗∗ فَكانَ عَلَيْهِمْ رِجْسُها وعَذابُها وقَدْ يَأْتِي الرِجْسَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلنَّتَنُ"؛ و"اَلْقَذَرُ"؛ ويُقالُ في "اَلرَّجِيعُ": "رِجْسٌ"؛ و"رِكْزٌ"؛ وهَذا الرِجْسُ هو المُسْتَعارُ لِلْمُحَرَّماتِ؛ أيْ يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ كَما يُجْتَنَبُ النَتَنُ؛ وَنَحْوَهُ في المَعْنى «قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خَبَرِ جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ؛ وسِنانِ بْنِ وبْرَةَ الأنْصارِيِّ حِينَ دَعَوا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ: "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ ؛ إنَّما يُرِيدُ أنَّهم يُخاصِمُونَهُ في أنْ تُسَمّى آلِهَةً؛ فالجَدَلُ إنَّما وقَعَ في التَسْمِياتِ؛ لا في المُسَمَّياتِ؛ لَكِنَّهُ ورَدَ في القُرْآنِ: ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ  ﴾ ؛ فَهُنا لا يُرِيدُ إلّا ذَواتَ الأصْنامِ؛ فالِاسْمُ إنَّما يُرادُ بِهِ المُسَمّى نَفْسُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن رَأى أنَّ الجَدَلَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما وقَعَ في أنْفُسِ الأصْنامِ وعِبادَتِها تَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ؛ والِاسْمُ يَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى التَسْمِيَةِ؛ وهَذا بابُهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ النَحْوِيُّونَ؛ وقَدْ يُرادُ بِهِ المُسَمّى؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قارَبَهُ مِنَ القَوْلِ؛ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى  ﴾ ؛ عَلى أنَّ هَذا يُتَأوَّلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ∗∗∗...................

عَلى تَأْوِيلاتٍ في البَيْتِ؛ وقَدْ مَضَتِ المَسْألَةُ في صَدْرِ الكِتابِ؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْبُرْهانُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ؛ وتَهْدِيدٌ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأنْجَيْناهُ"؛  ﴾ عائِدٌ عَلى هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أيْ: أخْرَجَهُ اللهُ تَعالى سالِمًا ؛ ناجِيًا؛ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وفَضْلِهِ؛ وخَرَجَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ حَتّى نَزَلُوا مَكَّةَ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا.

﴿ وَقَطَعْنا دابِرَ ﴾ ؛ اِسْتِعارَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِيمَن يُسْتَأْصَلُ بِالهَلاكِ؛ و"اَلدّابِرُ": اَلَّذِي يَدْبُرُ القَوْمُ؛ ويَأْتِي خَلْفَهُمْ؛ فَإذا انْتَهى القَطْعُ والِاسْتِئْصالُ إلى ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا  ﴾ ؛ دالٌّ عَلى المُعْجِزَةِ؛ وإنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإلى ثَمُودَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هو ثَمُودُ بْنُ غائِنِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ أخُو جُدَيْسِ بْنِ غائِنٍ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَإلى ثَمُودٍ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وتَنْوِينِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ وصَرْفُهُ عَلى اسْمِ الحَيِّ؛ وتَرْكُ صَرْفِهِ عَلى اسْمِ القَبِيلَةِ؛ قالَهُالزَجّاجُ ؛ وقالَ اللهُ تَعالى ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ  ﴾ ؛ فالمَعْنى: "وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى نُوحٍ؛ والأُخُوَّةُ هُنا أُخُوَّةُ القَرابَةِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُخُوَّةَ الآدَمِيَّةِ؛ وسُمِّيَ أخاهم لَمّا بُعِثَ إلَيْهِمْ؛ وهم قَوْمٌ عَرَبٌ؛ وهُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِما السَلامُ - عَرَبِيّانِ؛ وكَذَلِكَ إسْماعِيلُ وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ كَذا قالَ النَقّاشُ ؛ وفي أمْرِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - نَظَرٌ؛ وصالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عارِمَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ؛ كَذا ذَكَرَ مَكِّيٌّ ؛ وقالَ وهْبٌ: بَعَثَهُ اللهُ تَعالى حِينَ راهَقَ الحُلُمَ؛ ولَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ؛ فَأقامُوا بِها حَتّى ماتُوا؛ فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَدْوَةِ؛ والحِجْرِ.

وقَوْلُهُ: "بَيِّنَةٌ"؛ صِفَةٌ؛ حُذِفَ المَوْصُوفُ؛ وأُقِيمَتْ مَقامَهُ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وذَلِكَ قَبِيحٌ في النَكِرَةِ؛ أنْ تُحْذَفَ وتُقامَ صِفَتُها مَقامَها؛ لَكِنْ إذا كانَتِ الصِفَةُ كَثِيرَةَ الِاسْتِعْمالِ مُشْتَهِرَةً؛ وهي المَقْصُودُ في الأخْبارِ؛ والأُمَمِ؛ زالَ القُبْحُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي عَبْدٌ لِبَنِي فُلانٍ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "جاءَنِي رَجُلٌ عَبْدٌ"؛ لِأنَّ "عَبْدٌ"؛ صِفَةٌ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا "بَيِّنَةٌ"؛ اَلْمَعْنى: آيَةٌ؛ أو حُجَّةٌ؛ أو مَوْعِظَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَلامُ - جاءَ بِالناقَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ؛ وهي الجُمْهُورُ: بَلْ كانَتْ مُقْتَرَحَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ بِما ورَدَ في الآثارِ مِن أمْرِهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: يا صالِحُ إنْ كُنْتَ صادِقًا فادْعُ رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الهَضْبَةِ - وفي بَعْضِ الرِواياتِ: مِن هَذِهِ الصَخْرَةِ؛ لِصَخْرَةٍ بِالحِجْرِ؛ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ - ناقَةً عُشَراءَ؛ قالَ: فَدَعا اللهَ تَعالى فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الهَضْبَةُ؛ وتَنَفَّضَتْ؛ وانْشَقَّتْ عن ناقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ حامِلًا؛ فَوَلَدَتْ سَقْبَها المَشْهُورَ؛ ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها مِنَ الصَخْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ جَمَلًا مِن جِمالِ ثَمُودَ ضَرَبَها فَوَلَدَتْ فَصِيلَها المَشْهُورَ؛ وقِيلَ ﴿ "ناقَةُ اللهِ"؛ ﴾ تَشْرِيفًا لَها؛ وتَخْصِيصًا؛ وهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ؛ وقالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّها ناقَةٌ مِن سائِرِ النُوقِ؛ وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها شِرْبًا يَوْمًا؛ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ؛ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "هِيَ ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ؛ ولَمْ تَكُنْ تَحْلِبُ"؛ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى؛ وأصَحُّ مِن هَذا؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ حِلْفًا عَظِيمًا؛ تَأْتِي إلى الماءِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَيَزْحَمانِها مِنَ العِظَمِ؛ وقاسَمَتْ ثَمُودَ في الماءِ؛ يَوْمًا بِيَوْمٍ؛ فَكانَتْ تَرِدُ يَوْمَها فَتَسْتَوْفِي ماءَ بِئْرِ هَمْشَرِيّا؛ ويَحْلِبُونَها ما شاؤُوا مِن لَبَنٍ؛ ثُمَّ تَمْكُثُ يَوْمًا؛ وتَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ غَبًّا؛ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ما شاءَ اللهُ تَعالى حَتّى أماتَها ثَمُودُ؛ وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَبَنِ؟

اَلْماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ؛ وكانَ سَبَبُ المَلَلِ - فِيما رُوِيَ - أنَّها كانَتْ تُصَيِّفُ في بَطْنِ الوادِي؛ وادِي الحِجْرِ؛ وتَشْتُو في ظاهِرِهِ؛ فَكانَتْ مَواشِيهِمْ تَفِرُّ مِنها؛ فَتُصَيِّفُ في ظَهْرِ الوادِي لِلْقَيْظِ؛ وتَشْتُو في باطِنِهِ لِلزَّمْهَرِيرِ؛ وفَسَدَتْ لِذَلِكَ؛ فَتَمالَؤُوا عَلى قَتْلِ الناقَةِ؛ فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - مَرَّةً: "إنَّ هَذا الشَهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ"؛ فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ أولادٌ فَذَبَحَ التِسْعَةُ أولادَهُمْ؛ وبَقِيَ العاشِرُ؛ وهو سالِفٌ؛ أبُو قِدارٍ؛ فَنَشَأ قِدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ؛ فَكانَ التِسْعَةُ إذا رَأوهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا؛ فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أولادَهم بِكَلامِ صالِحٍ؛ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَخَرَجُوا وكَمَنُوا في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ - عَلَيْهِ السَلامُ -مِنهُ؛ وتَقاسَمُوا ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ  ﴾ ؛ فَسَقَطَ الغارُ عَلَيْهِمْ؛ فَماتُوا؛ فَهُمُ الرَهْطُ التِسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ.

وهَمَّ قِدارُ بْنُ سالِفٍ؛ ومِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ؛ وضَمّا إلى نَفْسَيْهِما سَبْعَةَ نَفَرٍ؛ وعَزَمُوا عَلى عَقْرِ الناقَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ؛ مِن أعْداءِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - جَعَلَتا لِقِدارٍ ومِصْدَعٍ أنْفُسَهُما؛ وأمْوالَهُما؛ عَلى أنْ يَعْقِرا الناقَةَ؛ وكانَتا مِن أهْلِ الجَمالِ؛ وقِيلَ: إنَّ قِدارًا شَرِبَ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ؛ فَطَلَبُوا ماءً يَمْزُجُونَ بِهِ الخَمْرَ؛ فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ لِشُرْبِ الناقَةِ؛ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها حِينَئِذٍ؛ فَخَرَجُوا؛ وجَلَسُوا عَلى طَرِيقِها؛ وكَمَنَ لَها قِدارٌ خَلْفَ صَخْرَةٍ؛ فَلَمّا دَنَتْ مِنهُ رَماها بِالحَرْبَةِ؛ ثُمَّ سَقَطَتْ فَنَحَرَها؛ ثُمَّ اتَّبَعُوا الفَصِيلَ؛ فَهَرَبَ مِنهُمْ؛ حَتّى عَلا رَبْوَةً؛ ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ واسْتَغاثَ؛ فَلَحِقُوهُ؛ وعَقَرُوهُ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهم وجَدُوا الفَصِيلَ عَلى رابِيَةٍ مِنَ الأرْضِ؛ فَأرادُوهُ فارْتَفَعَتْ بِهِ؛ حَتّى لَحِقَتْ بِهِ في السَماءِ؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ؛ فَرَغا الفَصِيلُ مُسْتَغِيثًا بِاللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ فَأوحى اللهُ تَعالى إلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنْ (مُرْهم فَلْيَتَمَتَّعُوا في دارِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ)؛ وحَكى النَقّاشُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْطَقَ الفَصِيلَ؛ فَنادى: أيْنَ أُمِّي؟

فَقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "إنَّ العَذابَ واقِعٌ بِكم في الرابِعِ مِن عَقْرِ الناقَةِ"؛ ورُوِيَ أنَّها عُقِرَتْ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ وقالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ -: "تَحْمَرُّ وُجُوهُكم غَدًا؛ وتَصْفَرُّ في الثانِي؛ وتَسْوَدُّ في الثالِثِ؛ ويَنْزِلُ العَذابُ في الرابِعِ؛ يَوْمَ الأحَدِ"؛ فَلَمّا ظَهَرَتِ العَلامَةُ الَّتِي قالَ لَهُمْ؛ أيْقَنُوا؛ واسْتَعَدُّوا؛ ولَطَّخُوا أبْدانَهم بِالمَنِّ؛ وحَفَرُوا القُبُورَ؛ وتَحَنَّطُوا؛ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ؛ وخَرَجَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - ومَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَصَصُ اقْتَضَبْتُهُ مِن كَثِيرٍ أورَدَهُ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - رَغْبَةَ الإيجازِ.

وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ بِلادَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ الناقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِلادُ ثَمُودَ هي بَيْنَ الشامِ والمَدِينَةِ؛ وهي الَّتِي مَرَّ بِها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ "تَبُوكَ"؛ فَقالَ: « "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ؛ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ"؛» ثُمَّ اعْتَجَرَ بِعِمامَتِهِ؛ وأسْرَعَ السَيْرَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ورُوِيَ أنَّ المَسافَةَ الَّتِي أهْلَكَتِ الصَيْحَةُ أهْلَها هي ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ وهِيَ: بِلادُ الحِجْرِ؛ ومَراتِعُها الجَنابُ؛ وحَسْمِي إلى وادِي القُرى؛ وما حَوْلَهُ؛ وقِيلَ في قِدارٍ: إنَّهُ ولَدُ زِنًا؛ مِن رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: "ظَبْيانُ"؛ ووُلِدَ عَلى فِراشِ سالِفٍ؛ فَنُسِبَ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرٍ؛ فَقالَ: "أتَعْرِفُونَ ما هَذا؟"؛ قالُوا: لا؛ قالَ: "هَذا قَبْرُ أبِي رُغالٍ الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ؛ كانَ مِن ثَمُودَ؛ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ وهو بِالحَرَمِ؛ فَسَلِمَ؛ فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهُمْ؛ فَدُفِنَ هُنا؛ وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ"؛ قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ؛ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ ما في السِيَرِ مِن أنَّ أبا رُغالٍ هو دَلِيلُ الفِيلِ؛ وحَبِيسُهُ إلى مَكَّةَ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو في قوله: ﴿ وإلى ثمود ﴾ مثلها في قوله: ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ [الأعراف: 65]، وكذلك القول في تفسيرها إلى قوله تعالى: ﴿ من إله غيره ﴾ .

وثمود أمّة عظيمة من العرب البائدة وهم أبناء ثمود بن جَاثَر بجيم ومثلّثة كما في «القاموس» ابن إرَم بن سام بن نوح فيلتقون مع عاد في (إرَم) وكانت مساكنهم بالحِجْر بكسر الحاء وسكون الجيم بَين الحجاز والشّام، وهو المكان المسمّى الآن مَدائِن صالح وسُمّي في حديث غزوة تبوك: حِجْرَ ثَمُودَ.

وصالحٌ هو ابن عَبِيل بلام في آخره وبفتح العينْ ابن آسف بن ماشج أو شالخ بن عَبيل بن جاثر ويقال كاثرَ ابن ثمود.

وفي بعض هذه الأسماء اختلاف في حروفها في كتب التاريخ وغيرها أحسبه من التّحريف وهي غير مضبوطة سوى عبيل فإنّه مضبوط في سَميه الذي هو جَد قبيلةٍ، كما في «القاموس».

وثمودَ هنا ممنوع من الصّرف لأنّ المراد به القبيلة لا جدّها.

وأسماء القبائل ممنوعة من الصّرف على اعتبار التّأنيث مع العلميّة وهو الغالب في القرآن، وقد ورد في بعض آيات القرآن مصروفاً كما في قوله تعالى: ﴿ ألاَ إنّ ثموداً كفروا ربّهم ﴾ [هود: 68] على اعتبار الحيّ فينتفي موجب منع الصّرف لأنّ الاسم عربي.

وقوله: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ يدلّ على أنّ ثمود كانوا مشركين، وقد صُرح بذلك في آيات سورة هود وغيرها.

والظّاهر أنّهم عبدوا الأصنام التي عبدتها عاد لأنّ ثمود وعادا أبناء نسب واحد، فيشبه أن تكون عقائدهم متماثلة.

وقد قال المفسّرون: أنّ ثمود قامت بعد عاد فنمَتْ وعظمت واتسعت حضارتها، وكانوا مُوحدين، ولعلّهم اتّعظوا بما حلّ بعاد، ثمّ طالت مدّتهم ونعم عيشهم فَعَتوا ونسُوا نعمة الله وعَبَدوا الأصنام فأرسل الله إليهم صالحاً رسولاً يدعوهم إلى التّوحيد فلم يتَّبعه إلاّ قليل منهم مُستضعفون، وعصاه سادتهم وكبراؤهم، وذكر في آية سورة هود أنّ قومه لم يغلظوا له القول كما أغلظت قوم نوح وقوم هود لرسولهم، فقد: ﴿ قالوا يا صالح قد كنتَ فينا مرجُوّا قبل هذا أتَنْهَانا أن نعبد ما يَعْبُد آباؤُنا لفي شكّ ممَّا تدعُونا إليه مُريب ﴾ [هود: 62].

وتدلّ آيات القرآن وما فُسّرت به من القصص على أنّ صالحاً أجَّلهم مدّة للتّأمّل وجعل النّاقة لهم آية، وأنّهم تَارَكُوها ولم يُهيجوها زمناً طويلاً.

فقد أشعرت مجادلتهم صالحاً في أمر الدّين على أنّ التّعقّل في المجادلة أخذ يدبّ في نفوس البشر، وأنّ غُلواءهم في المكابرة أخذت تقصر، وأنّ قناة بأسهم ابتدأت تلين، للفرق الواضح بين جواب قوم نوح وقوممِ هود، وبين جواب قوم صالح.

ومن أجل ذلك أمهلهم الله ومادّهم لينظروا ويفكّروا فيما يدعوهم إليه نبئهم ولِيَزِنوا أمرهم، وجعل لهم الانكفاف عن مسّ النّاقة بسوء علامة على امتداد الإمهال؛ لأنّ انكفافهم ذلك علامة على أنّ نفوسهم لم تحْنق على رسولهم، فرجاؤه إيمانهم مستمرّ، والإمهال لهم أقطعُ لعذرهم، وأنهض بالحجّه عليهم، فلذلك أخّر الله العذاب عنهم إكراماً لنبيّهم الحريص على إيمانهم بقدر الطّاقة، كما قال تعالى لنوح: ﴿ أنّه لم يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ [هود: 36].

وجملة: ﴿ قد جاءتكم بينة من ربكم ﴾ إلخ، هي من مقوللِ صالححٍ في وقت غير الوقت الذي ابتدأ فيه بالدّعوة، لأنّه قد طوي هنا جواب قومه وسُؤَالُهم إياه آية كما دلّت عليه آيات سورة هود وسورة الشّعراء، ففي سورة هود (61، 62): ﴿ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثمّ تُوبوا إليه إنّ ربّي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنتَ فِينا مرجُوّا قبل هذا ﴾ الآية.

وفي سورة الشّعراء (153 155): ﴿ قالوا إنّما أنت من المسحرين ما أنت إلاّ بشر مثلنا فأتتِ بآية إن كنت من الصّادقين قال هذه ناقة لها شرب ﴾ الآية.

فجملة: قد جاءتكم بينة من ربكم } تعليل لجملة: ﴿ اعبدوا الله ﴾ ، أي اعبدوهُ وحده لأنّه جعل لكم آية على تصديقي فيما بلغتُ لكم، وعلى انفراده بالتّصرف في المخلوقات.

وقوله: ﴿ هذه ناقة الله ﴾ يقتضي أن النّاقة كانت حاضرة عند قوله: ﴿ قد جاءتكم بينة من ربكم ﴾ لأنّها نفس الآية.

والبيّنة: الحجّة على صدق الدّعوى، فهي ترادف الآية، وقد عُبّر بها عن الآية في قوله تعالى: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مُنفكِّينَ حتى تأتيهم البيّنة ﴾ [البينة: 1].

و ﴿ هذه ﴾ إشارة إلى النّاقة التي جعلها الله آية لصدق صالح ولما كانت النّاقة هي البيّنة كانت جملة: ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ منزّلة من التي قبلها منزلة عطف البيان.

وقوله: ﴿ آية ﴾ حال من اسم الإشارة في قوله: ﴿ هذه ناقة الله ﴾ لأنّ اسم الإشارة فيه معنى الفعل، واقترانَه بحرف التّنبيه يقوي شبهه بالفعل، فلذلك يكون عاملاً في الحال بالاتّفاق، وتقدّم عند قوله: ﴿ ذلك نتلوه عليك من الآيات ﴾ في سورة آل عمران (58)، وسنذكر قصّة في هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وهذا بعلي شيخاً ﴾ في سورة هود (72).

وأكّدت جملة: قد جاءتكم بينة } ، وزادت على التّأكيد إفادةُ ما اقتضاه قوله ﴿ لكم ﴾ من التّخصيص وتثبيت أنّها آية، وذلك معنى اللاّم، أي هي آية مقنِعة لكم ومجعولة لأجلكم.

فقوله: ﴿ لكم ﴾ ظرف مستقرّ في موضع الحال من ﴿ آية ﴾ ، وأصله صفة فلمّا قُدم على موصوفه صار حالاً، وتقديمه للاهتمام بأنّها كافية لهم على ما فيهم من عناد.

وإضافة ناقة إلى اسم الله تعالى تشريف لها لأنّ الله أمر بالإحسان إليها وعدم التّعرّض لها بسوء، وعظَّم حرمتها، كما يقال: الكعبة بيت الله، أو لأنّها وُجدت بكيفية خارقة للعادة، فلانتفاء ما الشانُ أن تضاف إليه من أسباب وجود أمثالها أضيفت إلى اسم الجلالة كما قيل: عيسى عليه السّلام كلمةُ الله.

وأمّا إضافة ﴿ أرض ﴾ إلى اسم الجلالة فالمقصود منه أنّ للنّاقة حقّاً في الأكل من نبات الأرض لأنّ الأرض لله وتلك النّاقة من مخلوقاته فلها الحقّ في الانتفاع بما يصلح لانتفاعها.

وقوله: ﴿ هذَا ﴾ مقدمةٌ لقوله: ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ أي بسوء يعوّقها عن الرّعي إمّا بموت أو بجرح، وإمّا لأنّهم لما كذّبوه وكذّبوا معجزته راموا منع النّاقة من الرّعي لتموت جوعا على معنى الإلجاء النّاشئ عن الجهالة.

والأرض هنا مراد بها جنس الأرض كما تقتضيه الإضافة.

وقد جعل الله سلامة تلك النّاقة علامة على سلامتهم من عذاب الاستيصال للحكمة التي قدّمتُها آنفاً، وأن ما أوصى الله به في شأنها شبيه بالحَرَم، وشبيه بحمى الملوك لما فيه من الدّلالة على تعظيم نفوس القوم لمن تُنسب إليه تلك الحُرمة، ولذلك قال لهم صالح: ﴿ فَذروها تأكلْ في أرض الله ولا تمسّوها بسوء ﴾ لأنّهم إذا مسّها أحد بسوء، عن رضى من البَقيّة، فقد دلُّوا على أنّهم خلعوا حرمة الله تعالى وحنقوا على رسوله عليه السّلام.

وجُزم ﴿ تأكل ﴾ على أنّ أصله جواب الأمر بتقدير: إنْ تذروها تأكُل، فالمعنى على الرّفع والاستعمالُ على الجزم، كما في قوله تعالى: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصّلاة ﴾ [إبراهيم: 31] أي يقيمون وهو كثير في الكلام، ويُشبه أن أصل جزم أمثاله في الكلام العربي على التّوهم لوجود فِعل الطّلب قبل فعللٍ صالح للجزم، ولعلّ منه قوله تعالى: ﴿ وأذّنْ في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا ﴾ [الحج: 27] وانتصب قوله: ﴿ فيأخُذكم ﴾ في جواب النّهي لِيُعتبر الجواب للمنهي عنه لأنّ حرف النّهي لا أثر له: أي إن تمسُّوها بسوءٍ يأخذْكم عذاب.

وأنيط النّهي بالمس بالسّوء لأنّ المس يصدق على أقل اتّصال شيء بالجسم، فكلّ ما ينالُها ممّا يراد منه السّوء فهو منهي عنه، وذلك لأنّ الحيوان لا يسوؤه إلاّ ما فيه ألم لذاته، لأنّه لا يفقه المعاني النّفسانيّه.

والباء في قوله: ﴿ بسوء ﴾ للملابسة، وهي في موضع الحال من فاعل تَمسوها أي بقصد سوء.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ في الآيَةِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآيَةَ الفَرْضُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ  ﴾ أيْ فَرْضًا، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ عَلَيْكم فِيها فَرْضٌ أنْ تَذَرُوها ﴿ تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ أيْ لا تَعْقِرُوها.

والثّانِي: أنَّها العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ.

والآيَةُ فِيها آيَتانِ: إحْداهُما: أنَّها خَرَجَتْ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ تَمَخَّضَتْ بِها كَما تَتَمَخَّضُ المَرْأةُ ثُمَّ انْفَلَقَتْ عَنْها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي طَلَبُوها.

والثّانِيَةُ: أنَّهُ كانَ لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ يَخُصُّهم لا تَقْرَبُ فِيهِ ماءَهم، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ والسُّدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبَوَّأكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنْزَلَكم في الأرْضِ وهي أرْضُ الحِجْرِ بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.

والثّانِي: فِيها مِن مَنازِلَ تَأْوُونَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا، إذا أمْكَنْتَهُ مِنهُ لِيَأْوِيَ إلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: وبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها فَتَمَّ في قَوْمِها مَبْوَؤُها أيْ مُكِّنَتْ مِنَ الكَرَمِ في صَمِيمِ النَّسَبِ.

﴿ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا ﴾ والقُصُورُ ما شُيِّدَ وعَلا مِنَ المَنازِلِ اتَّخَذُوها في سُهُولِ الأرْضِ لِيُصَيِّفُوا فِيها.

﴿ وَتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا ﴾ لِتَكُونَ مَساكِنَهم في الشِّتاءِ لِأنَّها أحْصَنُ وأبْقى وأدْفَأُ فَكانُوا طِوالَ الآمالِ طِوالَ الأعْمارِ.

﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ما قَدَّمْنا، أيْ نِعَمَهُ أوْ عُهُودَهُ.

﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَعْمَلُوا فِيها بِالمَعاصِي.

والثّانِي: لا تَدْعُوا إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

وَفي العَبَثِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّعْيُ في الباطِلِ.

والثّانِي: أنَّهُ الفِعْلُ المُؤَدِّي لِضَيْرِ فاعِلِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها حَرَكَةُ الأرْضِ تَضْطَرِبُ مِن تَحْتِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها الصَّيْحَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها زَلْزَلَةٌ أُهْلِكُوا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن ﴿ دارِهِمْ ﴾ فالمُرادُ بِهِ مَدِينَتُهم، وكُلُّ ما فِيهِ مِن ﴿ دِيارِهِمْ ﴾ فالمُرادُ بِهِ مَساكِنُهم، وفي الجاثِمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البارِكُ عَلى رُكْبَتَيْهِ لِأنَّهم أصْبَحُوا مَوْتى عَلى هَذِهِ الحالِ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهم أصْبَحُوا كالرَّمادِ الجاثِمِ لِأنَّ الصّاعِقَةَ أحْرَقَتْهم.

وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بَعْدَ العَصْرِ.

﴿ فَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ أيْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وقِيلَ إنَّ صالِحًا خَرَجَ عَنْهم إلى رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ بِمَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهم مِائَةٌ وعَشْرَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ تَهْلَكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها بَيْنَ أظْهُرِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن مطلب بن زياد قال: سألت عبد الله بن أبي ليلى عن اليهودي والنصراني يقال له أخ؟

قال: الأخ في الدار، الا ترى قول الله: ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحاً ﴾ .

وأخرج سنيد وابن جرير والحاكم من طريق حجاج عن أبي بكر عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت ثمود قوم صالح، اعمرهم الله في الدنيا فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً فنحتوها وجابوها وخرقوها، وكانوا في سعة من معايشهم فقالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله.

فدعا صالح ربه فأخرج لهم الناقة، فكان شربها يوماً وشربهم يوماً معلوماً، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن السماء وحلبوها لبناً ملأوا كل اناء ووعاء وسقاء، حتى إذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء فلم تشرب منه شيئاً فملأوا كلَّ اناء ووعاء وسقاء.

فأوحى الله إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك.

فقال لهم: فقالوا: ما كنا لنفعل...

!

فقال لهم: أن لا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها.

قالوا: فما علامة ذلك المولود، فوالله لا نجده إلا قتلناه؟

قال: فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر.

وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لاحدهما ابن يرغب به عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا، فجمع بينهما مجلس فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوج ابنك؟

قال: لا أجد له كفؤا، قال: فإن ابنتي كفء له فانا أزوجك.

فزوجه، فولد بينهما مولود.

وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولود فيكم.

اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شرطاً كانوا يطوفون في القرية فإذا نظروا المرأة تمخض نظروا ما ولدها؟

إن كان غلاماً قلبنه فنظرن ما هو؟

وإن كانت جارية أعرضن عنها.

فلما وجدوا ذلك المولود صرخت النسوة: هذا الذي يريد صالح رسول الله، فأراد الشرط أن يأخذوه فحال جداه بينهم وقالوا: لو أن صالحاً أراد هذا قتلناه، فكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه فكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية، كان يبيت في مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، وإذا أمسى إلى مسجده فبات فيه.

قال حجاج، وقال ابن جريج: لما قال لهم صالح: إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه قالوا: فكيف تأمرنا؟

قال: آمركم بقتلهم: فقتلوهم إلا واحداً قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل رجل منا مثل هذا، هذا عمل صالح، فأتمروا بينهم بقتله وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن، فاقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضختهم فاصبحوا رضخاً، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله أما رضي صالح إن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم؟!

فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة أجمعين، وأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر.

ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأرادوا أن يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على شرب طريق صالح فاختبأ في ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم، فأمر الله الأرض فاستوت عليهم، فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة وهي على حوضها قائمة، فقال الشقي لأحدهم، ائتها فاعقرها.

فاتاها فتعاظمه ذلك فاضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظمه ذلك، فجعل لا يبعث رجلاً إلا تعاظمه أمرها حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها فوقعت تركض، فرأى رجل منهم صالحاً فقال: ادرك الناقة فقد عقرت.

فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبي الله إنما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا.

قال: فانظروا هل تدركون فصليها؟

فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب.

فخرجوا يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلاً يقال له القارة قصير، فصعد وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، ودخل صالح القرية فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحاً فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثمم رغا أخرى فقال صالح لقومه: لكل رغوة أجل فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، الا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنها قد طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنها خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنها طليت بالقار، فصاحوا جميعاً ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا.

وكان حنوطهم الصبر والمغر وكانت أكفانهم الانطاع، ثم ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلبون أبصارهم فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة فلا يدرون من أين يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء أم من تحت أرجلهم من الأرض خسفاً أو قذفاً، فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فاصبحوا في ديارهم جاثمين» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل قال: قال ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين.

قال: اخرجوا، فخرجوا إلى هضبة من الأرض فإذا هي تمخض كما تمخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت الناقة من وسطها، فقال لهم صالح ﴿ هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ﴾ فلما ملوها عقروها ﴿ فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ﴾ [ هود: 65] .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة.

أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام ثم قال لهم: آية عذابكم أن تصبح وجوهكم غداً مصفرة، وتصبح اليوم الثاني محمرة، ثم تصبح الثالث مسودة.

فأصبحت كذلك...

!

فما كان اليوم الثالث أيقنوا بالهلاك، فتكفنوا وتحنطوا، ثم أخذتهم الصيحة فاهمدتهم.

وقال عاقر الناقة: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين.

فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين...؟

فتقول: نعم والصبي، حتى رضوا أجمعين فعقروها.

وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر قام فخطب الناس فقال: يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم غبها وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعداً من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله.

فقيل: يا رسول الله من هو؟

قال:أبو رغال.

فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث ابن الطفيل مرفوعاً.

مثله.

وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي كبشة الأنماري قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع قوم إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فنودي في الناس، إن الصلاة جامعة؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول «علام يدخلون على قوم غضب الله عليهم؟

فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا انبئكم بأعجب من ذلك، رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم، استقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة.

أن ثمود لما عقروا الناقة تغامزوا وقالوا: عليكم الفصيل.

فصعد الفصيل القارة جبلاً حتى إذا كان يوماً استقبل القبلة وقال: يا رب أمي، يا رب أمي، يا رب أمي، فأرسلت عليهم الصيحة عند ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما عقرت الناقة صعد بكرها فوق جبل فرغا، فما سمعه شيء إلا همد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: لما قتل قوم صالح الناقة قال لهم صالح: ان العذاب آتيكم.

قالوا له: وما علامة ذلك؟

قال: إن تصبح وجوهكم أول يوم محمرة، وفي اليوم الثاني مصفرة، وفي اليوم الثالث مسودة.

فلما أصبحوا أول يوم احمرت وجوههم، فلما كان اليوم الثاني اصفرت وجوههم، فلما كان اليوم الثالث أصبحت وجوههم مسودة، فأيقنوا بالعذاب فتحنطوا وتكفنوا وأقاموا في بيوتهم، فصاح بهم جبريل صيحة فذهبت أرواحهم.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: إن الله بعث صالحاً إلى ثمود فدعاهم فكذبوه، فسألوا أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فاقروا بها جميعاً فكانت الناقة لها شرب فيوم تشرب فيه الماء نهر بين جبلين فيزحمانه ففيها أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحتلبوا اللبن فترويهم ويوم يشربون الماء لا تأتيهم، وكان معها فصيل لها فقال لهم صالح: إنه يولد في شهركم هذا مولود يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر ابن فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبله شيء، وكان أبو العاشر أحمر أزرق، فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان ابناؤنا احياء كانوا مثل هذا: فغضب التسعة على صالح.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ قال: لا تعقروها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وتنحتون الجبال بيوتاً ﴾ قال: كانوا ينقبون في الجبال البيوت.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وعتوا عن أمر ربهم ﴾ قال: غلوا في الباطل.

وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال: الصيحة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ فأصبحوا في دارهم ﴾ يعني العسكر كله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.

وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد تلاً فقال: يا رب أين أمي رغا رغوة فنزلت الصيحة فأهدتهم.

وأخرج أحمد في الزهد عن عمار قال: إن قوم صالح سألوا الناقة فأتوها فعقروها، وان بني إسرائيل سألوا المائدة فنزلت فكفروا بها، وإن فتنتكم في الدينار والدرهم.

وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن صالحاً لما نجا هو والذين معه قال: يا قوم إن هذه دار قد سخط الله عليها وعلى أهلها فأظعنوا وألحقوا بحرم الله وأمنه، فاهلوا من ساعتهم بالحج، وانطلقوا حتى وردوا مكة، فلم يزالوا حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ﴾ الآية.

الكلام في هذا كهو في قوله: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا  ﴾ ، وقد مر، والكلام في (ثمود) وجواز إجرائه يذكر في سورة (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ .

﴿ آيَةً ﴾ (٣) (٤) (٥) (٦) قال ابن عباس: (الآية فيها أنها كانت ترد يومًا وتغب يومًا، فإذا وردت شربت جميع الماء وتسقيهم مثله لبنًا لم يُشرب مثله قط ألذ وأحلى) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ﴾ ، أي: سهل الله أمرها عليكم فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها.

(١) لفظ: (سورة) ساقط من (ب).

(٢) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 35 ب وص 44 أ.

(٣) لفظ: (آية) ساقط من (ب).

(٤) هذا قول الأكثر.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 349، و"الإيضاح العضدي" لأبي علي 1/ 234، والبغوي 3/ 247، و"الكشاف" 2/ 89، والرازي 14/ 163، و"التبيان" 1/ 382، و"الفريد" 2/ 325 - 326، و"البحر" 4/ 328، و"الدر المصون" 5/ 362.

(٥) في (ب): (غيره)، وهو تصحيف.

(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 202، وابن الجوزي 3/ 224، بلا نسبة وهذا هو قول الأكثر والظاهر.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 349، والطبري 8/ 224، و"معاني النحاس" 2/ 551، والسمرقندي 1/ 551، والماوردي 2/ 235، وقال ابن عطية 5/ 559 - 560: (قال الجمهور: كانت الناقة مقترحة وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم) اهـ.

وقال ابن كثير 2/ 254: (وكانوا سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم) اهـ.

(٧) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي آية ظاهرة وهي الناقة، وأضيفت إلى الله تشريفاً لها، أو لأنه خلقها من غير فحل، وكانوا قد اقترحوا على صالح عليه السلام أن يخرجها هلم من صخرة، وعاهدوه أن يؤمنوا به إن فعل ذلك، فانشقت الصخرة وخرجت منها الناقة وهم ينظرون، ثم نتجت ولداً فآمن به قوم منهم وكفر به آخرون ﴿ لَكُمْ آيَةً ﴾ أي معجزة تدل على صحة نبوة صالح، والمجرور في موضع الحال من آية، لأنه لو تأخر لكان صفة ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء ﴾ أي لا تضربوها ولا تطردوها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو: ابن عامر ﴿ إنكم ﴾ بحذف همزة الاسفهام: أبو جعفر ونافع وحفص وسهل.

﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير جفص، وهشام يدخل بينهما مدة، ﴿ آينكم ﴾ بالمد وبالياء: أبو عمرو وزيد.

﴿ أينكم ﴾ بالهمزة والياء: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

الوقوف: ﴿ صالحاً ﴾ ج لئلا يظن أن ﴿ صالحاً ﴾ صفة لا علم فالجملة بعده نعت له وهذا بخلاف اسم شعيب وغيره من الأعلام العربية ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بيوتاً ﴾ ط لما مر في قصة هود ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه ﴿ ناصحين ﴾ ه ﴿ من العالمين ﴾ ه ﴿ من دون النساء ﴾ ط لمكان الإضراب.

﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ من قريتكم ﴾ ج لاحتمال التعليل استهزاء ﴿ إلا امرأته ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والأشبه أنها حال المرأة ﴿ من الغابرين ﴾ ه ﴿ مطراً ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة صالح مع قومه ثمود.

قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل.

وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى.

وإنه لا ينصرف تارة بتأويل القبيلة وينصرف أخرى بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح.

وقيل: إن ثمود أخو جديس وطسم.

وقد ورد القرآن بالصرف وبمنعه جميعاً قال  ﴿ ألا إن ثموداً كفروا ربهم ألا بعداً لثمود  ﴾ ﴿ قد جاءتكم بينة ﴾ آية ظاهرة دالة على صدقي وكأنه قيل: ما تلك البينة فقال ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ وانتصابها على الحال والعامل فيها ما في اسم الإشارة أو حرف التنبيه من معنى الفعل أي أشير إليها أو أنبه عليها آية.

و ﴿ لكم ﴾ بيان لمن هي له آية موجبة للإيمان وهم ثمود.

وسبب تخصيص أولئك الأقوام بها مع أنها آية لكل أحد أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا بها وليس الخبر كالمعاينة.

أو لعله يثبت سائر المعجزات إلا أن القوم التمسوا هذه المعجزة بعينها على سبيل الاقتراح فأظهرها الله  لهم فلهذا حسن التخصيص.

وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها حيث جاءت مكونة من عنده من غير فحل وطروقة آية من آياته كما تقول: آية الله وبيت الله، وبالحقيقة هي آية تشتمل على آيات.

فخروجها من الجبل آية، وكونها لا من ذكر وأنثى آية، وكمال خلقها من غير تدريج ومهل آية، وأن لها شرب يوم ولجميع ثمود شرب يوم آية، وكذا الكلام في قوتها المناسب للماء وفي غزارة لبنها، وأنكر الحسن فقال: إنها لم تحلب قطرة لبن قط.

ويروى أن جميع الحيوانات كانت تمتنع عن الورود في يوم شربها.

وقيل: سميت ناقة الله لأنه لا مالك لها سوى الله  .

وقيل: لأنها حجة الله على القوم ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فدعوها تأكل في أرض ربها ومما أنبت منها ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ من الضرب والطرد وسائر أنواع الأذى إكراماً لآية الله.

﴿ فيأخذكم عذاب أليم ﴾ يعني أخذ الاستفزاز والاستئصال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ تفسيره كما في قصة هود ﴿ وبوأكم في الأرض ﴾ أنزلكم فيها والمباءة المنزل والأرض أرض الحجر ﴿ تتخذون من سهولها ﴾ أي تبنون من سهول الأرض قصوراً بما تعملون من الأراضي السهلة لبناً وآجراً ورهصاً.

واتصاب ﴿ بيوتاً ﴾ على الحال المقدرة كما تقول خط هذا الثوب قميصاً لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة.

ويجوز أن تكون من مقدرة اكتفاء بقوله: ﴿ من سهولها ﴾ كما جاءت في موضع آخر ﴿ تنحتون من الجبال بيوتاً فارهين  ﴾ فيكون منصوباً على أنه مفعول به.

وقيل: المراد أنهم كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ يعني إني قد ذكرت لكم بعض نعم ربكم فاذكروا أنتم تمامها ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ قيل: نهى عن عقر الناقة والأولى حمله علىالعموم.

وإعرابه قد مر في أوائل سورة البقرة.

﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ﴾ أي المساكين الذين استحقرهم رؤساء الكفار.

وقوله ﴿ لمن آمن منهم ﴾ بدل من قوله ﴿ للذين استضعفوا ﴾ بتكرار الجار لشدة الاتصال.

والضمير في ﴿ منهم ﴾ إما ان يرجع إلى الذين استضعفوا فيكون البدل بدل البعض ودل على أن المستضعفين فريقان مؤمنون وكافرون، وإما أن يرجع إلى قومه فيكون البدل بدل الكل ودل على أن الاستضعاف من شأن أهل الإيمان يستحقرهم المستكبرون، ولا يكون صفة ذم في حقهم وإنما الذم يعود إلى المستحقرين.

وفي الآية دلالة على أن الفقر خير من الغنى لأن الإستكبار يتولد من كثرة المال والجاه والتصديق والانقياد ينشأ من قلتهما ﴿ أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ﴾ قالوه على سبيل التهكم والسخرية لا للاستعلام والاسترشاد.

﴿ قالو إنا بما أرسل به مؤمنون ﴾ جعلوا إرساله أمراً بيناً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب وإنما الكلام في وجود الإيمان فنخبركم أنا به مؤمنون ولذلك ﴿ قال الذي استكبروا ﴾ في جوابهم ﴿ إنا بالذي أمنتم به كافرون فعقروا الناقة ﴾ قال الأزهري: العقر عند العرب كشف عرقوب البعير ثم أطلق على النحر إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وأسند العقر إلى جميعهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم لأنه كان برضاهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة أنتم فعلتم كذا ولعله لم يفعله إلا واحد منهم كقوله ﴿ وإذ قتلتم  ﴾ ﴿ وعتوا عن أمر ربهم ﴾ استكبروا عن امتثاله.

قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل وأمر ربهم شأنه أي دينه، أو المراد أمر به صالح من قوله ﴿ فذروها ﴾ ﴿ ولا تمسوها ﴾ والمعنى أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم فإن الإنسان حريص على ما منع.

﴿ وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ﴾ أطلقوا الوعد وأرادوا ما وعدهم من العذاب واستعجالهم العذاب إنما كان لأجل تكذيبهم بكل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد، ولذلك علقوه بما كانوا ينكرونه وهو كونه من المرسلين ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة قال  ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال  ﴾ قال الليث: هي كرجفان البعير تحت الرحل وكما ترجف الشجرة إذا أرجفتها الريح وهذا لا يناقض ما ورد في موضع آخر أنهم أهلكوا بالطاغية وفي آخر أنهم أهلكوا بالصيحة لأن الطغيان مجاوزة الحد.

قال  ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم  ﴾ فالزلزلة هي الحركة الخارجة عن الحد المعتاد، والغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة الهائلة.

﴿ فأصحبوا في دارهم ﴾ أي في بلدهم كقولك: دار الحرب ودار الإسلام.

وقد جمع في آية أخرى فقال: ﴿ في ديارهم  ﴾ لأنه أراد بالدار ما لكل واحد من منزله الخاص إلا أنه حيث ذكر الرجفة وحد وحيث ذكر الصيحة جمع لأن الصحية كأنها من السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة.

ومعنى ﴿ جاثمين ﴾ موتى لا حراك بهم.

قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها وهي البهيمة التي تربط وتجمع قوائمها لترمى ﴿ فتولى عنهم ﴾ الفاء للتعقيب.

فالظاهر أن صالحاً  أدبر عنهم بعدما أبصرهم جاثمين وكأنه تولى وهو مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم ﴿ وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ﴾ وحد الرسالة بخلاف ما مر في قصتي نوح وهود لأن المراد هناك أشياء كانا يأمران بها قومهما بعد الإيمان بالله، وههنا وقع في آخر القصة فأراد بها مجموع ما أدى من الرسالة، أو أراد بذلك أداء حديث الناقة فقط.

﴿ ونصحت لكم ﴾ لم آل جهداً في النصيحة ﴿ ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ حكاية لحال ماضية.

واعترض على هذا التفسير بأنه كيف يصح خطاب الموتى؟

وأجيب بأنه قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه في حياته فلم يصغ إليه يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني حتى ألقيت بنفسك إلى التهلكة.

والفائدة في مثل هذا الكلام أن يسمعه بعض الإحياء فيعتبر به.

ولعل القائل أيضاً يتسلى بذلك وتزول بعض الغصة عن قلبه ويخف عليه ما نزل به، وإن رسول الله  وقف على قليب قتلى بدر وقال: يا فلان ويا فلان قد وجدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟

فقيل له: كيف تتكلم مع هؤلاء الجيف؟

فقال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب.

وتفسير آخر وهو أن يكون تولى عنهم تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.

وجملة قصتهم ما روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض فكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا عن أمر الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً.

وصالح من أوسطهم نسباً.

فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال: أية آية تريدون؟

قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة فندعو آلهتنا وتدعوا إلهك، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا.

فقال صالح: نعم.

فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم.

ثم قال سيدهم جندع بن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، والمخترجة التي شاكلت البخت فإن فعلت صدّقناك وأجبناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدّقن.

قالوا: نعم.

فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا، وكانت في غاية العظم حتى قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة يعني - موضع بروكها - فوجدته ستين ذراعاً.

ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع بقاياهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا فمكثت الناقة وولدها ترعي الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غباً كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم  ﴾ وذلك أن الماء كان عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها يوماً وشرباً للقوم يوماً.

قال السدي: وكانت الناقة في اليوم الذي يشرب فيه الماء تحلب فيكفي الكل فكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء لا تأتيهم وكانت إذا وقع الحر تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطن الوادي، وإذا وقع البرد كان الأمر بالعكس فشق ذلك عليهم وقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فذبحوا تسعة نفر من أبنائهم ثم ولد العاشر فأبى أن يذبح ابنه فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يشربون الشراب فأرادوا ماء يمزجونه به وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء فاشتد ذلك عليهم.

فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة فشدّ عليها لما بصرت به شدّت عليه فهرب منها إلى جانب صخرة فردّوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت فذلك قوله  ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر  ﴾ وأظهروا حينئذ كفرهم وقيل: زينت لهم عقرها امرأتان - عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار - لما أضرت الناقة بمواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق فصيلها حتى رقي جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب.

فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين.

ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.

واستبعد بعضهم أن العاقل مع مشاهدة هذه المعجزات والعلامات كيف يبقى مصراً على كفره؟

وأجيب بأنهم عند مشاهدة العلامات خرجوا عن حدّ التكليف وأن تكون توبتهم مقبولة.

"عن جابر أن رسول الله  لما مر بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذ بهم الصيحة فلم يبق منهم إلا رجل واحد كان في حرم الله.

قالوا: من هو قال  : ذاك أبو رغال" .

فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، وروي أن صالحاً كان بعثه إلى قوم فخالف أمره.

وروي أن نبينا  مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

فذكر قصة أبي رغال وأنه دفن ههنا وأنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن.

وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت.

وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم، ويروى أن رسول الله  حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، وقال  يا علي، أتدري من أشقى الأوّلين؟

قال: الله ورسوله أعلم.

قال: عاقر ناقة صالح أتدري من أشقى الآخرين: قال: الله ورسوله أعلم.

قال قاتلك.

القصة الخامسة قوله  ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه ﴾ تقديره أرسلنا لوطاً وقت قال لقومه، ويجوز أن يكون معناه واذكر لوطاً إذ قال لقومه على أن "إذ" بدل من المفعول به لا ظرف.

وإنما صرف نوح ولوط مع أن فيه سببين: العجمة والعلمية، لأن سكون وسطه قاوم أحد السببين ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ أتفعلون الخصلة المتمادية في القبح ﴿ ما سبقكم بها ﴾ قال في الكشاف: الباء للتعدية من قولك: سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله أي ما عملت قبلكم.

قلت: ومن المحتمل أن تكون الباء فيه مثله في قولك: كتبت بالقلم.

وفي قوله ﴿ تنبت بالدهن ﴾ \[المؤمنون: 20\] أي ما سبقكم ملتبساً بها من أحاد من العالمين "من" الأولى زائدة لتأكيد النفي وإفادة الاستغراق.

والثانية للتبعيض.

وموقع هذه الجملة استئناف لأنه أنكر عليهم أوّلاً بقوله ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ ثم وبخهم عليها فقال: وأنتم أوّل من عملها.

أو هو جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا نأتيها؟

فقال: ﴿ ما سبقكم بها من أحد ﴾ فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به.

ويجوز أن تكون صفة للفاحشة كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وههنا سؤال وهو أنه كيف يجوز دعوى عدم السبق في هذه الخصلة ولم تزل الشهة داعية إليها؟

والجواب لعل متقدميهم كانوا يستقذرونها وينفرون عنها طبعاً كسائر الحيوانات، أو المراد أن الإقبال بالكية على ذلك العمل لم يوجد في الأعصار المتقدمة.

قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء.

وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض ﴿ أئنكم لتأتون الرجال ﴾ بيان لما أجمله في قوله ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وكلا الاستفهامين للإنكار.

وفي الثاني أكثر ولهذا زيد فيه "إن" ومثله في النمل ﴿ أتأتون ﴾ وبعده ﴿ أئنكم لتؤتون  ﴾ وفي العنكبوت ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة  ﴾ ﴿ أئنكم لتؤتون الرجال  ﴾ فجمع بين "إن" "وأئن" القصة ﴿ إنا منجوك ﴾ إنا منزلون.

وانتصب ﴿ شهوة ﴾ على أنها مفعول له أي لا حامل لكم على غشيان الرجال من دون النساء إلا مجرد الشهوة، أو مصدر وقع حالاً يقال: شهى يشهى شهوة ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحالة الموجبة لارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء.

وختم هذه الآية بلفظ الاسم موافقة لرؤوس الآيات التي تقدمت ﴿ العالمين ﴾ ﴿ الناصحين ﴾ ﴿ جاثمين ﴾ ﴿ المرسلين ﴾ وفي النمل ﴿ قال بل أنتم قوم تجهلون  ﴾ أما العدول من الإسراف إلى الجهل فلتغير العبارة، وكل إسراف جهل وكل جهل إسراف.

وأما العدول من الاسم إلى الفعل فلتوافق ما قبلها من الآيات وكلها أفعال ﴿ ينصرون ﴾ ﴿ تتقون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ واعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ووجوه القبح فيه كثيرة منها: أن أكثر الناس يحترزون فيه عن الولد لأن الولد يحمل المرء على طلب المال وإتعاب النفس في وجوه المكاسب إلا أنه  جعل الوقاع سبباً لحصول اللذة العظيمة حتى إن الإنسان يطلب تلك اللذة ويقدم على الوقاع وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ والغرض إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع.

فكل لذة لا تؤدي إلى هذا الغرض وجب الحكم بتحريمها لما فيه من ضياع البذر ولزوم خلاف الحكمة.

ومنها أن الذكورة مظنة الفعل والأنوثة مظنة الانفعال، فانعكاس القضية يكون خروجاً عن مقتضى الطبيعة والحكمة، ومنها أن الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهائم وخروج عن الغريزة الإنسانية.

وهب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل إلا أنه سعى في إلحاق العار العظيم بالمفعول ما دام حياً، والعاقل لا يرضى لأجل لذة زائلة إلحاق منقصة دائمة بغيره.

ومنها أنه يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول إلى حيث يقدم المفعول على قتل الفاعل، أو على إلحاق الضرر به بكل طريق يقدر عليه وذلك لنفور طبعه عن رؤيته.

وأما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة فإنه يوجب زيادة الألفة والمحبة كما قال  ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة  ﴾ ومنها أنه  أودع في الرحم قوّة جاذبة للمني بحيث لا يبقى شيء منه في مجاريه وأوعيته، أما إذا واقع الذكر فإنه يبقى شيء من أواخر المني في المجاري فيعفن ويفسد ويتولد من العلل والأورام في الأسافل كما يشهد به القوانين الطبية قال بعضهم: ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 5، 6\] يقتضي حل وطء المملوك مطلقاً ذكراً كان أو أنثى.

ولا يمكن تخصيص هذا العموم بقوله ﴿ أتأتون الذكران من العالمين  ﴾ لأن كلاً من الآيتين أعم من الأخرى من وجه لأن المملوك قد يكون ذكراً وقد لا يكون، والذكر قد يكون مملوكاً وقد لا يكون، فتخصيص إحداهما بالأخرى ترجيح من غير مرجح بل الترجيح لجانب الحل لمقتضى الأصل وذلك لأن المالك مطلق التصرف، ولأن شرع محمد أولى من شرع لوط.

وأجيب بأن الاعتماد على التواتر الظاهر من دين محمد  أن هذا العمل حرام قال  ﴿ وما كان جواب قومه ﴾ بالواو كيلا يكون التعقيب بالفاء بعد الاسم.

وفي النمل ﴿ تجهلون فما كان  ﴾ وفي العنكبوت ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر فما كان  ﴾ لصحة تعقيب الفعل الفعل ﴿ إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ﴾ وفي النمل ﴿ أخرجوا آل لوط  ﴾ ليكون ما في النمل تفسيراً لهذه الكناية وقيل: إن سورة النمل نزلت قبل الأعراف فيكون قد صرح في الأولى وكنى في الثانية.

قال في الكشاف: يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط  من إنكار الفاحشة.

ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله ولكنهم جاؤا بكلام آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم، وقولهم ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش وافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد.

وقيل: المراد أن ذلك العمل في موضع النجاسة فمن تركه فقد تطهر.

وقيل: ان البعد عن الإثم يسمى طهارة، فالمراد أنهم يتباعدون عن المعاصي والآثم ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ أي أنصاره وأتباعه والذين قبلوا دينه، وعن ابن عباس: أراد المتصلين به في النسب بدليل قوله ﴿ إلا امرأته ﴾ يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته ولا يقال مرء المرأة يعني زوجها لأن المالكية حق الزوج ﴿ كانت من الغابرين ﴾ وفي النمل ﴿ قدرناها من الغابرين  ﴾ أي كانت في علم الله من الغابرين.

﴿ فقدرناها من الغابرين ﴾ وإن قلنا بتأخر نزول الأعراف فالمعنى قدرناها من الغابرين فصارت من الغابرين، والغبور المكث والبقاء أي من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، أو التذكير لتغليب الذكور وكانت كافرة موالية لأهل سدوم.

روي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت.

ثم وصف العذاب فقال ﴿ وأمطرنا عليهم مطراً ﴾ أي أرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً.

قيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن.

وقيل كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة.

فأمطر الله عليهم الكبريت والنار.

وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم.

وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم.

وروي أن تاجراً منهم كان في الحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه ﴿ فانظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر والاعتبار ﴿ كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ وهذه الأمة وإن أمنت من عذاب الاستئصال إلا أن الخوف والاعتبار من شعار المؤمن لا ينبغي أن ينفك عنه على أن عذاب الآخرة أشدّ وأبقى ولم يأمنوه بعده.

مسائل: الأولى مذهب الشافعي أن اللواط يوجب الحدّ لأنه ثبت في شريعة لوط فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ولم يظهر نسخ في شرعنا، ولأن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على علية الوصف للحكم، فالآية دلت على أن هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص.

وقال أبو حنيفة: إن الواجب فيه التعزير لأنه فرج لا يجب المهر بالإيلاج فيه فلا يجب الحدّ كإتيان البهيمة، وعلى الأول ففي عقوبة الفاعل قولان: أحدهما أن عقوبته القتل محصناً كان أو لم يكن لما روي انه  قال "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول" وأصحهما أن حده حد الزنا فيرجم إن كان محصناً ويجلد ويغرب إن لم يكن محصناً لأنه حد يجب بالوطء، ويختلف فيه البكر والثيب كالإتيان في القبل.

وعلى قول القتل فيه وجوه أحدها: يقتل بالسيف كالمرتد، والثاني وبه قال مالك وأحمد يرجم تغليظاً، ويرى عن علي  أيضاً.

والثالث يهدم عليه جدار أو يرمى من شاهق جبل ليموت أخذاً من عذاب قوم لوط.

وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم،وإن كان مكلفاً طائعاً فيقتل بما يقتل به الفاعل إن قلنا إن الفاعل يقتل، وإن قلنا يحد حد الزنا فيجلد ويغرب محصناً كان أو لم يكن، وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط لأنه إتيان في غير المأتي ويجيء في الفاعل والمفعول ما ذكرنا.

وقيل: إنه زنا لأنه وطء أنثى فأشبه الوطء في القبل فعلى هذا حده حد الزنا بلا خلاف.

وترجم المرأة إن كانت محصنة.

وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه بالجملة.

التأويل: ﴿ هذه ناقة الله ﴾ معجزة الخواص أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر عشراء بسقب سر السر وهو الخفي.

وناقة الله هي التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ساكني بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية، ﴿ فذروها ﴾ ترتع في رياض القدس وحياض الإنس ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة ﴿ فيأخذكم عذاب أليم ﴾ بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة.

﴿ إذ جعلكم خلفاء ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ وبوأكم ﴾ في أرض القلوب ﴿ تتخذون من سهولها ﴾ وهي المعاملات بالصدق والإخلاص ﴿ قصوراً ﴾ في الجنان ﴿ وتنحتون ﴾ من جبال أطوار القلب ﴿ بيوتاً ﴾ هي مقامات السائرين إلى الله ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ النعماء والإخلاص.

فالأول يتضمن ترويح الظاهر، والثاني يوجب تلويح السر.

فالترويح بوجود المسار والتلويح بشهود الأسرار ﴿ ولا تعثوا في الأرض ﴾ القلب بالفساد للاستعداد الفطري ﴿ الذين استكبروا ﴾ هم الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ الذين استضعفوا ﴾ من أوصاف القلب والروح.

﴿ أتعلمون ﴾ أن صالح الروح ﴿ مرسل ﴾ بنفخة الحق إلى بلد القلب وساكنيه ليدعوهم من الأوصاف السفلية الظلمانية إلى الأخلاق العلوية النورانية ﴿ فعقروا ﴾ أي النفس وصفاتها ناقة سر القلب بسكاكين مخالفات الحق ﴿ فأخذتهم ﴾ رجفة الموت ﴿ فأصبحوا ﴾ في دار قالبهم ﴿ جاثمين ﴾ والله العزيز.

تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع أوله: ﴿ وإلى مدين أخاها شعيباً ....

﴾ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ .

قد ذكرنا أنه صلة قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ كأنه قال: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ قد ذكرنا أنه تحتمل الأخوة وجوهاً أربعة: أخوة النسب، وأخوة الجوهر والشكل على ما يقال: هذا أخو هذا إذا كان من جوهره وشكله، وأخوة المودة والخلة، وأخوة الدين، ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من أخوة صالح [كان أخوهم] في النسب، أو في الجوهر على ما ذكرنا في هود، ولا يحتمل أن يكون في المودة والدين، وأما أخوة النسب فإنه يحتمل لما ذكرنا أن بني آدم كلهم إخوة، وإن بعدوا؛ لأنهم كلهم من أولاد آدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

قد ذكرنا أن الرسل بأجمعهم إنما بعثوا ليدعوا الخلق إلى وحدانية الله، والعبادة له؛ وأن لا معبود سواه يستحق العبادة من الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ قيل فيه بوجهين.

قيل: ﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، ما ذكر من الناقة التي جعلها الله آية لرسالة صالح، وهي: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ .

وقيل: ﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، آيات ظهرت لهم على لسان صالح، وجرت على يديه ما يدلّ على رسالة صالح ونبوته، لكنهم كابروا تلك الآيات في التكذيب وعاندوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ .

وجه تخصيص إضافة تلك الناقة إلى الله يحتمل وجوهاً، وإن كانت النوق كلها لله في الحقيقة: أحدها: لما خصت تلك بتذكير عبادته  إياهم ووحدانيته تعظيماً لها، على ما خصت المساجد بالإضافة إليه، بقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ؛ لما جعلت تلك البقاع لإقامة عبادة الله، فخصت بالإضافة إليه [تعظيماً لتلك البقاع فعلى ذلك هذه الناقة خصت بالإضافة إليه] لما جعلها الله آية من آياته خارجة من غيرها من النوق مخالفة بنيتها بنية غيرها؛ إما خلقة، وإما في ابتداء إحداثها وإنشائها أو في أي شيء كان، فأضافها إليه لذلك، والله أعلم.

ثم لا يجب أن يتكلف المعنى الذي له جعل الناقة آية؛ لأنه - جلّ وعلا - لم يبين لنا ذلك المعنى، فلو تكلف ذكر ذلك فلعله يخرج على خلاف ما كان في الكتب الماضية، فهذه القصص وأخبار الأمم الماضية إنما ذكرت في القرآن؛ لتكون آية لرسالة محمد - صلوات الله عليه وسلامه - فلو ذكرت على خلاف ما كان [كان] لهم في ذلك مقال.

ويحتمل معنى الإضافة إليه وجهاً آخر، وهو: أنه لم يجعل منافع هذه الناقة لهم، ولا جعل عليهم مؤنتها، بل أخبر أنْ ذروها تأكل في أرض الله، جعل مؤنتها فيما يخرج من الأرض، ليست كسائر النوق التي جعل مؤنتها عليهم، ومنافعها لهم بإزاء ما جعل عليهم من المؤن، فمعنى التخصيص بالإضافة إليه لما لم يشرك فيها أحداً ولا في منافعها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ .

دلالة أن تلك الناقة كان غذاؤها مثل غداء سائر النوق، وإن كانت خارجة عن طباع سائر النوق من جهة الآية،؛ ليعلم أنها وإن كانت آية لرسالته ودلالة لنبوته فتشابهها لسائر النوق في هذه الجهة لا يخرجها عن حكم الآية، فعلى ذلك الرسل وإن كانوا ساووا غيرهم من الناس في المطعم والغذاء لا يمنع ذلك من أن يكونوا رسلاً، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ .

يحتمل: لا تتعرضوا لها قتلاً ولا قطعاً ولا عقراً لما ليست هي لهم، ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، وفي مواضع أخر: ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ  ﴾ ، فهذا يدل على أنه إنما أراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة؛ لأنه قد يأخذهم عذاب الآخرة بكفرهم، فالوعيد بأخذ العذاب لهم عذاب الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ ﴾ قد ذكرنا تأويله في قصة هود.

﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قيل: أنزلكم فيها تتخذون من سهولها قصوراً.

﴿ وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً ﴾ يذكرهم - عز وجل - ما أنعم عليهم من سعة المال، وبسط الرزق لهم، وما خصهم من اتخاذ البيوت من الجبال دون غيرهم من الناس، خص هؤلاء بسعة الرزق وبسط الأموال، وقوم هود بالقوة والبطش، بقوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ  ﴾ ، كان خصهم بفضل القوة والبطش والطول من بين غيرهم، وهؤلاء بسعة الأرزاق لهم وبسط الأموال، ﴿ فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ  ﴾ من السعة في الأموال والبسط، وبما جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبما أقدركم على اتخاذ البيوت من الجبال لم يقدر على مثله أحد؛ لأن غيرهم من الخلائق إنما ينتفعون بالجبال على ما هي عليها، وأما هم فقد مكّن لهم على نحتها واتخاذها بيوتاً.

﴿ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .

أي: اذكروا نعمته، ولا تشركوا في عبادتكم غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .

قد ذكرنا أن الملأ من قومه هم كبراؤهم وسادتهم، استكبروا عليه لما رأوه دون أنفسهم في أمر الدنيا، فلم يتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ﴾ .

فيه دلالة أن من المستضعفين من قومه من لم يكن آمن؛ حيث خص لمن آمن منهم.

وفيه: أن أوّل من اتبع الرسل هم الضعفاء، وكذلك كان الأتباع للرسل جميعاً الضعفاء.

وقولهم: ﴿ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ، قول هؤلاء الذين آمنوا بصالح وصدقوه في رسالته لم يخرج في الظاهر جواب ما سألوا؛ لأنهم قالوا: ﴿ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، إنما سألوهم عن علمهم برسالته، لم يسألوهم عن إيمانهم به، فهم إنما أجابوا عن غير ما سئلوا في الظاهر، لكن يجوز أن يكنى بالعلم عن الإيمان، فكأنهم قالوا لهم: تؤمنون بصالح وتصدقونه؟

لأن العلم بالشيء قد يقع بلا صنع، والإيمان لا يكون إلا بصنع منهم؛ فكأنهم إنما سألوهم عن الإيمان به؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ .

والثاني: كأنهم قالوا: بل علمنا أنه مرسل من ربه، وإنا بما أرسل به مؤمنون.

وفيه: دلالة أن من مكن له من العلم بأسباب جعلت له يصل بها إلى العلم، لم يعذر بجهله في ذلك بعد ما أعطي أسباب العلم؛ حيث قالوا: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه، أي: لا تعلمون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ فيه دلالة [أن] الإيمان: هو التصديق في اللغة، والتكذيب: هو ضد ما يكون به التصديق؛ حيث أجابوا بالتكذيب لإيمانهم به؛ لقولهم: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فهؤلاء لم يعرفوا جميع الطاعات إيماناً على ما عرفه بعض الناس، إنما عرفوه تصديقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ ﴾ .

أضاف ها هنا العقر إليهم جميعاً، وفي موضع آخر أضاف إلى الواحد بقوله: ﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ  ﴾ ، وفي سورة ﴿ وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا  ﴾ كذلك أضاف إلى الواحد: ﴿ إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا  ﴾ لكن فيما كان مضافاً إليهم جميعاً يحتمل أن تولى واحد منهم عقرها بمشورتهم جميعاً، ومعونتهم، وتدبيرهم، وتراضيهم على ذلك، فأضيف إليهم ذلك لاجتماعهم على ذلك، وإلى الواحد فيما تولى جرحها ومنعها عن السير، ففيه دلالة لمذهب أصحابنا أن قطاع الطريق إذا تولى بعضهم القتل، وأخذ الأموال، ولم يتول بعضهم يتشاركون جميعاً: من تولى منهم، ومن لم يتول في حكم قطاع الطريق بعد أن يكون بعضهم عوناً لبعض، وكذلك إذا اجتمع قوم على قتل واحد، فتولى بعضهم القتل ولم يتول بعض بعد أن كانوا في عون أولئك، فإنهم يقتلون جميعاً، وعلى ذلك يخرج قول عمر -  - حث قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم" وأهل صنعاء إذا اجتمعوا لا سبيل للكل أن يتولوا قتله، فدلّ أنه على العون والنصر لبعضهم بعضاً فيتشاركون جميعاً في القصاص على ما تشارك أولئك جميعاً في العذاب: من تولى عقرها ومن لم يتول، بعد أن كان ذلك العقر بمعونتهم، وبتراضيهم على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .

إنما أخذهم العذاب لما استعجلوا منه العذاب، وكذبوه فيما يوعدهم العذاب ويعدهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ .

العتو: هو النهاية في التمرّد، والخلاف لأمره على العلم منهم بالخلاف لا على الغفلة والجهل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .

قيل: الزلزلة.

وقيل: الصيحة، وقال في آية أخرى [فأخذتهم الصيحة] [وقال في آية أخرى]: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ  ﴾ ، والقصة في ذلك كله واحد، فجائز أن يكون ذلك واحداً، وإن اختلفت ألفاظه، وهو عبارة عن العذاب، وجائز أن تكون الصيحة لما صيح بهم صعقوا جميعاً فماتوا، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ .

قيل: ميتين و [قيل] لازقين بالأرض قد ماتوا وذهبوا، ويقال: جثم الطائر: إذا لزق بالأرض، يقال: أجثمته، أي: ألزقته بالأرض، والمجثمة يقال: طائر يشد جناحاه ورجلاه، ثم يوضع بالأرض، ثم يرمي بالنبل حتى يموت، يقال: جثمت الطائر، أي: شددت رجليه وجناحيه.

يقال: جثم يجثم جثماً: إذا فعل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .

أي: أعرض عنهم، وخرج من بينهم حين علم أن العذاب ينزل بهم.

وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، والنصيحة ما ذكرنا أن كل من دلّ آخر على ما به نجاته وسعى على دفع البلاء والهلاك عنه، فهو ناصح له، فعلى ذلك صالح وغيره من الرسل قد دلوا قومهم على ما به نجاتهم، وسعوا على دفع الهلاك عنهم، لكنهم لم يقبلوا النصيحة منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، قال لهم صالح: يا قوم، اعبدوا الله وحده، فليس لكم معبود غيره يستحق العبادة، قد جاءكم آية واضحة من الله على صدق ما جئتكم به، يتمثل في ناقة تخرج من صخرة، لها وقت تشرب فيه، ولكم شِرْب يوم معلوم، فاتركوها تأكل في أرض الله، فليس عليكم من مؤونتها شيء، ولا تصيبوها بأذى، فيصيبكم بسبب إيذائها عذاب موجع.

من فوائد الآيات ينبغي التّحلّي بالصبر في الدعوة إلى الله تاسيًا بالأنبياء عليهم السلام.

من أولويات الدعوة إلى الله الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ورفض الإشراك به ونبذه.

الاغترار بالقوة المادية والجسدية يصرف صاحبها عن الاستجابة لأوامر الله ونواهيه.

النبي يكون من جنس قومه، لكنه من أشرفهم نسبًا، وأفضلهم حسبًا، وأكرمهم مَعْشرًا، وأرفعهم خُلُقًا.

الأنبياء ورثتهم يقابلون السّفهاء بالحِلم، ويغضُّون عن قول السّوء بالصّفح والعفو والمغفرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.lyez5"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله