الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٧٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال علماء التفسير والنسب : ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح ، وهو أخو جديس بن عاثر ، وكذلك قبيلة طسم ، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، وكانت ثمود بعد عاد ، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله ، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراهم ومساكنهم ، وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك ، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود ، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور .
فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور ، وعلفوا العجين الإبل ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال : " إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، فلا تدخلوا عليهم " وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا عفان ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا المسعودي ، عن إسماعيل بن أوسط ، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري ، عن أبيه قال : لما كان في غزوة تبوك ، تسارع الناس إلى أهل الحجر ، يدخلون عليهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس : " الصلاة جامعة " .
قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول : " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " ؟
فناداه رجل منهم : نعجب منهم يا رسول الله .
قال : " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك : رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم ، وبما هو كائن بعدكم ، فاستقيموا وسددوا ، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا ، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه : عمر بن سعد ، ويقال : عامر بن سعد ، والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : " لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج ، وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما ، فعقروها ، فأخذتهم صيحة ، أهمد الله من تحت أديم السماء منهم ، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " .
فقالوا : من هو يا رسول الله ؟
قال : " أبو رغال .
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة ، وهو على شرط مسلم .
فقوله تعالى : ( وإلى ثمود أخاهم صالحا ) أي : ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا ، ( قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال [ تعالى ] ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] .
وقوله : ( قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ) أي : قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به .
وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية ، واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم ، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر ، يقال لها : الكاتبة ، فطلبوا منه أن يخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض ، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه ؟
فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم ، قام صالح ، عليه السلام ، إلى صلاته ودعا الله ، عز وجل ، فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها ، كما سألوا ، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو : " جندع بن عمرو " ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم " ذؤاب بن عمرو بن لبيد " " والحباب " صاحب أوثانهم ، ورباب بن صمعر بن جلهس ، وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له : " شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس " ، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها ، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط ، فأطاعهم ، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود ، يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل ، رحمه الله : وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذئابا فأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة ، تشرب ماء بئرها يوما ، وتدعه لهم يوما ، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها ، يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر ) [ القمر : 28 ] وقال تعالى : ( هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) [ الشعراء : 155 ] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها ; لأنها كانت تتضلع من الماء ، وكانت - على ما ذكر - خلقا هائلا ومنظرا رائعا ، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها .
فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي ، عليه السلام ، عزموا على قتلها ، ليستأثروا بالماء كل يوم ، فيقال : إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة : بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم ، أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن ، وعلى الصبيان أيضا قلت : وهذا هو الظاهر ; لأن الله تعالى يقول : ( فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ) [ الشمس : 14 ] وقال : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) [ الإسراء : 59 ] وقال : ( فعقروا الناقة ) فأسند ذلك على مجموع القبيلة ، فدل على رضا جميعهم بذلك ، والله أعلم .
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله ، وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة : أن امرأة منهم يقال لها : " عنيزة ابنة غنم بن مجلز " وتكنى أم غنم كانت عجوزا كافرة ، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ، عليه السلام ، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل ، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود ، وامرأة أخرى يقال لها : " صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا " ذات حسب ومال وجمال ، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ، ففارقته ، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة ، فدعت " صدوف " رجلا يقال له : " الحباب " وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة ، فأبى عليها .
فدعت ابن عم لها يقال له : " مصدع بن مهرج بن المحيا " ، فأجابها إلى ذلك - ودعت " عنيزة بنت غنم " قدار بن سالف بن جندع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا ، يزعمون أنه كان ولد زنية ، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه ، وهو سالف ، وإنما هو من رجل يقال له : " صهياد " ولكن ولد على فراش " سالف " ، وقالت له : أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة !
فعند ذلك ، انطلق " قدار بن سالف " " ومصدع بن مهرج " ، فاستفزا غواة من ثمود ، فاتبعهما سبعة نفر ، فصاروا تسعة رهط ، وهم الذين قال الله تعالى : ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) [ النمل : 48 ] وكانوا رؤساء في قومهم ، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها ، فطاوعتهم على ذلك ، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء ، وقد كمن لها " قدار " في أصل صخرة على طريقها ، وكمن لها " مصدع " في أصل أخرى ، فمرت على " مصدع " فرماها بسهم ، فانتظم به عضلة ساقها وخرجت " أم غنم عنيزة " ، وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها ، فسفرت عن وجهها لقدار وذمرته فشد على الناقة بالسيف ، فكسف عرقوبها ، فخرت ساقطة إلى الأرض ، ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ، ثم طعن في لبتها فنحرها ، وانطلق سقبها - وهو فصيلها - حتى أتى جبلا منيعا ، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا - فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عمن سمع الحسن البصري أنه قال : يا رب أين أمي ؟
ويقال : إنه رغا ثلاث مرات .
وإنه دخل في صخرة فغاب فيها ، ويقال : بل اتبعوه فعقروه مع أمه ، فالله أعلم فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة ، بلغ الخبر صالحا ، عليه السلام ، فجاءهم وهم مجتمعون ، فلما رأى الناقة بكى وقال : ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) [ هود : 65 ] وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء ، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح عليه السلام وقالوا : إن كان صادقا عجلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته !
( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) الآية .
[ النمل : 49 - 52 ] فلما عزموا على ذلك ، وتواطئوا عليه ، وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله صالح ، أرسل الله ، سبحانه وتعالى ، وله العزة ولرسوله ، عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم ، وأصبح ثمود يوم الخميس ، وهو اليوم الأول من أيام النظرة ، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ، عليه السلام ، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل ، وهو يوم الجمعة ، ووجوههم محمرة ، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ، ووجوههم مسودة ، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه ، عياذا بالله من ذلك ، لا يدرون ماذا يفعل بهم ، ولا كيف يأتيهم العذاب ؟
وقد أشرقت الشمس ، جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة
القول في تأويل قوله : قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) ، قال الجماعة الذين استكبروا من قوم صالح عن اتباع صالح والإيمان بالله وبه (5) =( للذين استضعفوا ) ، يعني: لأهل المسكنة من تبَّاع صالح والمؤمنين به منهم، دون ذوي شرفهم وأهل السُّؤدد منهم=(أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه) ، أرسله الله إلينا وإليكم ، قال الذين آمنوا بصالح من المستضعفين منهم: إنا بما أرسل الله به صالحًا من الحقّ والهدى مؤمنون ، يقول: مصدِّقون مقرّون أنه من عند الله ، وأن الله أمر به ، وعن أمر الله دعانا صالح إليه.
-------------------- الهوامش : (5) انظر تفسير"الملأ" فيما سلف 5: 291/ 12: 499 ، 503.
= وتفسير"الاستكبار" فيما سلف: 11: 540/ 12: 421 ، 467.
قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنونقوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم الثاني بدل من الأول ، لأن المستضعفين هم المؤمنون .
وهو بدل البعض من الكل .
{ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } أي: الرؤساء والأشراف الذين تكبروا عن الحق، { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } ولما كان المستضعفون ليسوا كلهم مؤمنين، قالوا { لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ } أي: أهو صادق أم كاذب؟.
فقال المستضعفون: { إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ } من توحيد اللّه والخبر عنه وأمره ونهيه.
( قال الملأ ) قرأ ابن عامر : ( وقال الملأ ) بالواو ( الذين استكبروا من قومه ) يعني الأشراف والقادة الذين تعظموا عن الإيمان بصالح ، ( للذين استضعفوا ) يعني الأتباع ، ( لمن آمن منهم ) يعني : قال الكفار للمؤمنين ، ( أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ) إليكم ، ( قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ) .
«قال الملأ الذين استكبروا من قومه» تكبروا عن الإيمان به «للذين استُضعفوا لمن آمن منهم» أي من قومه بدل مما قبله بإعادة الجار «أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه» إليكم «قالوا» نعم «إنا بما أرسل به مؤمنون».
قال السادة والكبراء من الذين استعلَوا -من قوم صالح- للمؤمنين الذين استضعفوهم، واستهانوا بهم: أتعلمون حقيقة أن صالحًا قد أرسله الله إلينا؟
قال الذين آمنوا: إنا مصدقون بما أرسله الله به، متَّبعون لشرعه.
لقد كان موقفهم لا يقل فى القبح والتطاول والعناد عن موقف قوم نوح وقوم هود ، وهاك ما حكاه القرآن عنهم :( قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ) ؟أى : قال المترفون المتكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين الذين هداهم الله إلى الحق : أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعبادته وحده لا شريك له؟وهو سؤال قصد المترفون منه تهديد المؤمنين والاستهزاء بهم ، لأنهم يعلمون أن المؤمنين يعرفون ان صالحا مرسل من ربه .ولذا وجدنا المؤمنين لا يردون عليهم بما يقتضيه ظاهر السؤال بأن يقولوا لهم : نعم أنه مرسل من ربه ، وإنما ردوا عليهم بقوله : ( إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) ، مسارعة منهم إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وإظهاراً للإيمان الذى استقر فى قلوبهم ، وتنبيها على أن أمر إرسال صالح - عليه السلام - من الظهور والوضوح حيث لا ينبغى لعاقل أن يسأل عنه ، وإنما الشىء الجدير بالسؤال عنه هو الإيمان بما جاء به هذا الرسول الكريم ، والامتثال لما يقتضيه العقل السليم .وهو رد من المؤمنين المستضعفين يدل على شجاعتهم فى الجهر بالحق وعلى قوة إيمانهم ، وسلامة يقينهم .وقوله : ( لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) بدل من ( لِلَّذِينَ استضعفوا ) بإعادة الجار بدل كل من كل ، والضمير فى ( مِنْهُمْ ) يعود على قوم صالح .
اعلم أنا ذكرنا أن الملأ عبارة عن القوم الذين تمتلئ القلوب من هيبتهم، ومعنى الآية قال الملأ وهم الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا، يريد المساكين الذين آمنوا به، وقوله: ﴿ لمن آمن منهم ﴾ بدل من قوله: ﴿ للذين استضعفوا ﴾ لأنهم المؤمنون.
واعلم أنه وصف أولئك الكفار بكونهم مستكبرين، ووصف أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين، وكونهم مستكبرين فعل استوجبوا به الذم، وكون المؤمنين مستضعفين معناه: أن غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم، وهذا ليس فعلاً صادراً عنهم بل عن غيرهم، فهو لا يكون صفة ذم في حقهم، بل الذم عائد إلى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم.
ثم حكى تعالى أن هؤلاء المستكبرين سألوا المستضعفين عن حال صالح فقال المتضعفون نحن موقنون مصدقون بما جاء به صالح.
وقال المستكبرون: بل نحن كافرون بما جاء به صالح، وهذه الآية من أعظم ما يحتج به في بيان أن الفقر خير من الغنى، وذلك لأن الاستكبار إنما يتولد من كثرة المال والجاه، والاستضعاف إنما يحصل من قلتهما، فبين تعالى أن كثرة المال والجاه حملهم على التمرد، والإباء، والإنكار، والكفر وقلة المال والجاه حملهم على الإيمان، والتصديق والانقياد، وذلك يدل على أن الفقر خير من الغنى.
ثم قال تعالى: ﴿ فعقروا الناقة ﴾ قال الأزهري: العقر عند العرب، كشف عرقوب البعير، ولما كان العقر سبباً للنحر أطلق العقر على النحر إطلاقاً لاسم السبب على المسبب.
واعلم أنه أسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة: أنتم فعلتم كذا مع أنه ما فعله إلا واحد منهم.
ثم قال: ﴿ وعتوا عن أمر ربهم ﴾ يقال: عتا يعتو عتواً، إذا استكبر.
ومنه يقال: جبار عات قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل وفي قوله: ﴿ عن أمر ربهم ﴾ وجهان: الأول: معناه استكبروا عن امتثال أمر ربهم وذلك الأمر هو الذي أوصله الله إليهم على لسان صالح عليه السلام وهو قوله: ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ الثاني: أن يكون المعنى وصدر عتوهم عن أمر ربهم، فكان أمر ربهم بتركها صار سبباً في إقدامهم على ذلك العتو، كما يقال: الممنوع متبوع ﴿ وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ﴾ وإنما قالوا ذلك، لأنهم كانوا مكذبين له في كل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد.
ثم قال تعالى: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة.
قال تعالى: ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً ﴾ قال الليث: يقال رجف الشيء يرجف رجفاً ورجفانا، كرجفان البعير تحت الرحل، وكما يرجف الشجر إذا أرجفته الريح.
ثم قال: ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ يعني في بلدهم ولذلك وحد الدار، كما يقال: دار الحرب ومررت بدار البزازين، وجمع في آية أخرى فقال: ﴿ في ديارهم ﴾ لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به.
وقوله: ﴿ جاثمين ﴾ قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير، بمنزلة البروك للإبل، فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل، والمعنى: أنهم أصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى، يقال: الناس جثم أي قعود لا حراك بهم ولا يحسون بشيء، ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها، وهي البهيمة التي تربط لترمى، فثبت أن الجثوم عبارة عن السكون والخمود، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: لما سمعوا الصيحة العظيمة تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب، وقيل بل سقطوا على وجوههم، وقيل وصلت الصاعقة إليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد.
وقيل: بل عند نزول العذاب عليهم سقط بعضهم على بعض، والكل متقارب.
وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ﴾ قال تعالى: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ والفاء للتعقيب وهذا يدل على أن الرجفة أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك، لأنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ﴾ .
والجواب: أن الذي يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه إنه حصل عقيبه فزال السؤال.
السؤال الثاني: طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بأن ألفاظ القرآن قد اختلفت في حكاية هذه الواقعة، وهي الرجفة والطاغية والصيحة، وزعموا أن ذلك يوجب التناقض.
والجواب: قال أبو مسلم: الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان حيواناً أو غير حيوان وألحق الهاء به للمبالغة، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت.
وقال تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ ويقال: طغى طغياناً وهو طاغ وطاغية.
وقال تعالى: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ وقال في غير الحيوان: ﴿ إنا لما طغا الماء ﴾ أي غلب وتجاوز عن الحد، وأما الرجفة، فهي الزلزلة في الأرض، وهي حركة خارجة عن المعتاد، فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها، وأما الصيحة، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة وأما الصاعقة، فالغالب أنها الزلزلة وكذلك الزجرة قال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ﴾ فبطل ما قاله الطاعن.
السؤال الثالث: أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة قاهرة تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الإلجاء، وأيضاً شاهدوا أن الماء الذي كان شرباً لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين، كان شرباً لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني، وذلك أيضاً معجزة قاهرة، ثم إن القوم لما نحروها، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد إن نحروها، فلما شاهدوا بعد إقدامهم على نحرها آثار العذاب، وهو ما يروى أنهم احمروا في اليوم الأول، ثم اصفروا في اليوم الثاني، ثم اسودوا في اليوم الثالث، فمع مشاهدة تلك المعجزات القاهرة في أول الأمر، ثم شاهدوا نزول العذاب الشديد في آخر الأمر، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصراً على كفره غير تائب منه؟
والجواب الأول أن يقال: إنهم قبل أن شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون صالحاً في نزول العذاب، فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف، وخرجوا عن أن تكون توبتهم مقبولة.
ثم قال تعالى: ﴿ فتولى عنهم ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا، والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم ﴾ والفاء تدل على التعقيب، فدل على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم والثاني: أنه عليه السلام تولى عنهم قبل موتهم، بدليل: أنه خاطب القوم.
وقال: ﴿ يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ وذلك يدل على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال لهم: ﴿ يا قوم ﴾ والأموات لا يوصفون بالقوم، لأن اشتقاق لفظ القوم من الاستقلال بالقيام، وذلك في حق الميت مفقود.
والثاني: أن هذه الكلمات خطاب مع أولئك وخطاب الميت لا يجوز.
والثالث: أنه قال: ﴿ ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ فيجب أن يكونوا بحيث يصح حصول المحبة فيهم، ويمكن أن يجاب عنه فنقول: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه، فلم يقبل تلك النصيحة حتى ألقى نفسه في الهلاك، يا أخي منذ كم نصحتك، فلم تقبل وكم منعتك فلم تمتنع، فكذا هاهنا، والفائدة في ذكر هذا الكلام إما لأن يسمعه بعض الأحياء فيعتبر به وينزجر عن مثل تلك الطريقة.
وإما لأجل أنه احترق قلبه بسبب تلك الواقعة.
فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت تلك القضية عن قلبه.
وقيل: يخف عليه أثر تلك المصيبة، وذكروا جواباً آخر، وهو: أن صالحاً عليه السلام خاطبهم بعد كونهم جاثمين، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام خاطب قتلى بدر.
فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف فقال: ما أنتم بأسمعَ منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا ﴾ للذين استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم، و ﴿ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ ﴾ بدل من الذين استضعفوا.
فإن قلت: الضمير في منهم راجع إلى ماذا؟
قلت: إلى ﴿ قَوْمِهِ ﴾ أو إلى ﴿ الذين استضعفوا ﴾ .
فإن قلت: هل لاختلاف المرجعين أثر في اختلاف المعنى؟
قلت: نعم وذلك أن الراجع إذا رجع إلى قومه فقد جعل ﴿ مَنْ ءامَنَ ﴾ مفسراً لمن استضعف منهم، فدل أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين، وإذا رجع إلى الذين استضعفوا لم يكن الاستضعاف مقصوراً عليهم، ودلّ أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين: ﴿ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن رَّبّهِ ﴾ شيء قالوه على سبيل الطنز والسخرية، كما تقول للمجسمة: أتعلمون أن الله فوق العرش.
فإن قلت: كيف صحّ قولهم: ﴿ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ جواباً عنه؟
قلت: سألوهم عن العلم بإرساله، فجعلوا إرساله أمراً معلوماً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب، كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنا به مؤمنون، ولذلك كان جواب الكفرة: ﴿ إِنَّا بالذى ءَامَنْتُمْ بِهِ كافرون ﴾ فوضعوا ﴿ ءَامَنتُم بِهِ ﴾ موضع ﴿ أُرْسِلَ بِهِ ﴾ رداً لما جعله المؤمنون معلوماً وأخذوه مسلماً ﴿ فَعَقَرُواْ الناقة ﴾ أسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم وإن لم يباشره إلاّ بعضهم، وقد يقال للقبيلة الضخمة: أنتم فعلتم كذا، وما فعله إلاّ واحداً منهم ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ ﴾ وتولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين، وأمر ربهم: ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ الله ﴾ [الأعراف: 73] أو شأن ربهم وهو دينه.
ويجوز أن يكون المعنى: وصدر عتوّهم عن أمر ربهم، كأن أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوّهم.
ونحو عن هذه ما في قوله: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ﴾ [الكهف: 82] ، ﴿ ائتنا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ أرادوا من العذاب.
وإنما جاز الإطلاق لأنه كان معلوماً.
واستعجالهم له لتكذيبهم به، ولذلك علقوه بما هم به كافرون، وهو كونه من المرسلين ﴿ الرجفة ﴾ الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها ﴿ فِي دَارِهِمْ ﴾ في بلادهم أو في مساكنهم ﴿ جاثمين ﴾ هامدين لا يتحركون موتى.
يقال: الناس جثم، أي قعود لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة.
ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها، وهي البهيمة تربط وتجمع قوائمها لترمى.
وعن جابر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مرّ بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم إلاّ رجل واحد كان في حرم الله.
قالوا من هو؟
قال: ذاك أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» ، وروى: أنّ صالحاً كان بعثه إلى قوم فخالف أمره.
وروى: أنه عليه السلام مرّ بقبر أبي رغال فقال: «أتدرون من هذا» ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
فذكر قصة أبي رغال، وأنه دفن هاهنا ودفن معه غصن من ذهب، فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن.
﴿ فتولى عَنْهُمْ ﴾ الظاهر أنه كان مشاهداً لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم بعدما أبصرهم جاثمين، تولى مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم يتحزن لهم ويقول يا قوم لقد بذلت فيكم وسعي ولم آل جهداً في إبلاغكم والنصيحة لكم ولكنكم ﴿ لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين ﴾ ويجوز أن يتولى عنهم تولي ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وروى: أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت.
وروى أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفاً وخمسمائة دار.
وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم.
فإن قلت: كيف صحّ خطاب الموتى وقوله: ﴿ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين ﴾ ؟
قلت: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه حياً فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة: يا أخي، كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني؟
وقوله: ﴿ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين ﴾ حكاية حال ماضية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ ﴾ أرْضِ الحِجْرِ.
﴿ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا ﴾ أيْ تَبْنُونَ في سُهُولِها، أوْ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ بِما تَعْمَلُونَ مِنها كاللَّبِنِ والآجَرِ.
﴿ وَتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا ﴾ وقُرِئَ « تَنْحَتُونَ» بِالفَتْحِ وتَنْحاتُونَ بِالإشْباعِ، وانْتِصابُ ﴿ بُيُوتًا ﴾ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ أوِ المَفْعُولِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ، أوْ تَنْحِتُونَ بِمَعْنى تَتَّخِذُونَ ﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .
﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ.
﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ أيْ لِلَّذِينِ اسْتَضْعَفُوهم واسْتَذَلُّوهم.
﴿ لِمَن آمَنَ مِنهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بَدَلَ الكُلِّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِقَوْمِهِ وبَدَلَ البَعْضِ إنْ كانَ لِلَّذِينِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وقالَ المَلَأُ بِالواوِ.
﴿ أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ ﴾ قالُوهُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ.
﴿ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ عَدَلُوا بِهِ عَنِ الجَوابِ السَّوِيِّ الَّذِي هو نَعَمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إرْسالَهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَشُكَّ فِيهِ عاقِلٌ ويَخْفى عَلى ذَوِي رَأْيٍ، وإنَّما الكَلامُ فِيمَن آمَنَ بِهِ ومَن كَفَرَ فَلِذَلِكَ قالَ: <div class="verse-tafsir"
{قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ} وَقَالَ شامي {لِلَّذِينَ استضعفوا} للذين استضعفهم رؤساء الكفار {لمن آمن مِنْهُمْ} بدل من الذين استضعفوا بإعادة الجار وفيه دليل على أن البدل حيث جاء طان في تقدير إعادة العامل والضمير في مِنْهُمْ راجع إلى قومه وهو يدل على أن استضعافهم كلن مصقور على المؤمينن أو إلى الذين استضعفوا وهو يدل على أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مُّرْسَلٌ مّن
رَّبّهِ} قالوه على سبيل السخرية {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} وإنما صار هذا جوابا لهم لأنهم سألهم عن العلم بارساله فجعلوا ارساله أمراً معلوماً مسلماً كأنهم قالوا العلم بإرساله وبما أرسل به لا شبهة فيه وإنما الكلام فى وجوب الإيمان به فنخبركمم انا به مؤمنون
﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ عَتَوْا وتَكَبَّرُوا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وقالَ بِالواوِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ يا قَوْمِ ﴾ ..
إلَخْ.
واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ أيْ عُدُّوا ضُعَفاءَ أذِلّاءَ لِلتَّبْلِيغِ كَما في ( ألَمْ أقُلْ لَكم ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن آمَنَ مِنهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى قَوْمِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَيَكُونُ المُسْتَضْعَفُونَ قِسْمَيْنِ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ ﴾ لِلِاسْتِهْزاءِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهم عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ كَما حَكى سُبْحانَهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ (75) فَإنَّ الجَوابَ المُوافِقَ لِسُؤالِهِمْ نَعَمْ أوْ نَعْلَمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ تَعالى ومِن هُنا قالَ غَيْرُ واحِدٍ إنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَكَأنَّهم قالُوا العِلْمُ بِإرْسالِهِ وبِما أُرْسِلَ بِهِ ما لا كَلامَ فِيهِ ولا شُبْهَةَ تَدْخُلُهُ لِوُضُوحِهِ وإنارَتِهِ وإنَّما الكَلامُ في وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ فَنُخْبِرُكُمُ أنّا بِهِ مُؤْمِنُونَ.
واخْتارَ في الِانْتِصافِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إخْبارًا عَنْ وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ بَلْ عَنِ امْتِثالِ الواجِبِ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: العِلْمُ بِإرْسالِهِ وبِوُجُوبِ الإيمانِ بِهِ لا نُسْألُ عَنْهُ وإنَّما الشَّأْنُ في امْتِثالِ الواجِبِ والعَمَلِ بِهِ ونَحْنُ قَدِ امْتَثَلْنا.
<div class="verse-tafsir"
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً يعني: أرسلنا إلى ثمود نبيهم صالحاً قال بعضهم: ثمود اسم القرية.
وقال بعضهم: ثمود اسم القبيلة وأصله في اللغة الماء القليل.
ويقال: كانت بئراً بين الشام والحجاز.
ويقال: هي عين يخرج منها ماء قليل في تلك الأرض ويقال لها أرض الحِجر كما قال في آية أُخرى وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [الحجر: 80] وقال بعضهم: كان في تلك القرية أهل تسعمائة بيت.
وقال بعضهم: ألف وخمسمائة، فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله سنين كثيرة فكذبوه وأرادوا قتله فخرجوا إلى عبد لهم، فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله تعالى.
فقالوا له: إن كنت نبياً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عَشَرَاء حتى نؤمن بك ونصدقك فقام صالح وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فتحركت الصخرة وانصدعت عن ناقة عشراء ذات زغب فلم يؤمنوا به فولدت الناقة ولداً وقال بعضهم خرج ولدها خلفها من الصخرة.
فصارت الناقة بلية ومحنة عليهم، وكانت من أعظم الأشياء فتأتي مراعيهم فتنفر منها دوابهم.
وتأتي العين وتشرب جميع ما فيها من الماء.
فجعل صالح الماء قسمة بينهم يوماً للناقة، ويوماً لأهل القرية، فإذا كان اليوم الذي تشرب الناقة لا يحضر أحد العين وكانوا يحلبونها في ذلك اليوم مقدار ما يكفيهم، وكان في المدينة تسعة رهط يُفْسِدُونَ فِى الارض وَلاَ يصلحون.
فاجتمعوا لقتل الناقة فقال لهم صالح: لا تفعلوا فإنكم إذا قتلتموها يأتيكم العذاب فجاؤوا ووقفوا على طريق الناقة فلما مرت بهم الناقة متوجهة إلى العين رماها واحد منهم يقال له مصدع بن وهر فأصابت السهم رجل الناقة فلما رجعت الناقة من العين خرج قدار بن سالف وهو أشقى القوم كما قال الله تعالى إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها [الشمس: 12] فضربها بالسيف ضربة فقتلها وقسموا لحمها على أهل القرية.
وروي عن الحسن البصري- رحمة الله عليه- أنه قال: لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد جبلاً وقال ثلاث مرات أين أمي أين أمي أين أمي؟
فأخبر بذلك صالح فقال يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام.
فقالوا: وما العلامة في ذلك؟
فقال: أن تصبحوا في اليوم الأول وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني وجوهكم محمرة، وفي اليوم الثالث وجوهكم مسودة.
ثم خرج صالح من بين أظهرهم مع من آمن منهم فأصبحوا في اليوم الأول وجعل يقول بعضهم لبعض: قد اصفر وجهك، وفي اليوم الثاني يقول بعضهم لبعض: قد احمر وجهك، وفي اليوم الثالث يقول بعضهم لبعض: قد اسود وجهك.
فأيقنوا جميعاً الهلاك.
فجاء جبريل- - وصاح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم، ويقال: قد أتتهم النار فأحرقتهم فذلك قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قد ذكرناه قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يقول: قد أتيتكم بعلامة نبوتي وهي الناقة كما قال الله تعالى: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي علامة لنبوتي لكي تعتبروا وتوحّدوا الله ربكم فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ يقول: دعوها ترتع في أرض الحجر وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يقول: لا تعقروها فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهو ما عذبوا به.
قوله عز وجل: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ أي: بعد هلاك عاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ يعني: أنزلكم في أرض الحجر تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً وذلك أنه كانت لهم قصور يسكنون فيها أيام الصيف، وقد اتخذوا بيوتاً في الجبل لأيام الشتاء، فذكرهم نعمة الله تعالى.
فقال: اذكروا هذه النعم حيث وفقكم الله حتى اتخذتم القصور في سهل الأرض واتخذتم البيوت في الجبال.
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعم الله عليكم وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي: لا تعملوا في الأرض بالمعاصي.
قوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا قرأ ابن عامر وقَالَ الْمَلأُ بالواو.
وقرأ الباقون بغير واو أي قال الملأ الذين تكبروا عن الإيمان من قومه وهم القادة للذين استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بصالح أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: أتصدقون صالحاً بأنه مرسل من ربه إليكم قالُوا يعني: المؤمنين إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ أي: مصدقون به قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أي: من رسالة صالح فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي: عصوا وتركوا أمر ربهم وأبوا عن طاعته.
ثم التوحيد ويقال: فيه تقديم.
ومعناه عتَوا عن أمر ربهم وعقروا الناقة.
وروي عن ابن عباس- ما- أنه قال إنهم عقروا الناقة ليلة الأربعاء في عشية الثلاثاء فأهلكهم الله في يوم السبت.
وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا أي: بما تخوفنا به من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني: إن كنت رسول رب العالمين فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: الزلزلة ويقال: صيحة جبريل كما قال في آية أُخرى فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [الحجر: 83] ويقال: أخذتهم الزلزلة ثم أخذتهم الصيحة.
ويقال: النار فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ أي: صاروا في مدينتهم ومنازلهم ميتين، لا يتحركون وأصله من الجثوم.
ويقال: أصابهم العذاب بكرةً يوم الأحد فَتَوَلَّى عَنْهُمْ فيه تقديم وتأخير أي: حين كذبوه خرج من بين أظهرهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي دعوتكم إلى التوبة وحذرتكم العذاب وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ أي: لا تطيعون الداعين.
ويقال: إنما قال ذلك بعد إهلاكهم.
قال على وجه الحزن.
إني قد أبلغتكم الرسالة.
وروي عن ابن عباس- ما- أنه قال: إن الله تعالى لم يهلك قوماً ما دام الرسول فيهم فإذا خرج من بين ظهرانيهم أتاهم ما أوعد لهم.
وقال في رواية الكلبي: لما هلك قوم صالح رجع صالح ومن معه من المؤمنين، فسكنوا ديارهم.
وقال في رواية الضحاك خرج صالح إلى مكة فكان هناك حتى قبضه الله تعالى.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ...
الآية: بَوَّأَكُمْ: معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و «القُصُور» : جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصةٍ بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصراً تامًّا، و «النحْتُ» : النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، وَ (تَعْثَوْا) معناه تُفْسِدُوا.
قال أبو حيان «١» : ومُفْسِدِينَ: حال موكّدة.
انتهى.
والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و «الَّذِينَ استضعفوا» : هم العامة والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم: أَتَعْلَمُونَ: استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، واستمروا على كُفْرِهم.
وقوله سبحانه: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَاراً لم يعقرها حتّى كان يستشير، وعَتَوْا: معناه: خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، واستعجلوا النِّقْمة بقولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا، فحلّ بهم العذاب، والرَّجْفَةُ: ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب/، ويرتَعِدَ ومنه:
«فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ» وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقّت قلوبهم، فجثموا على صدورهم، والجاثم اللّاطئ «٢» بالأرض
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وَقالَ المَلَأُ) بِزِيادَةِ واوٍ؛ وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ.
ومَعْنى الآَيَةِ: تَكَّبَرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ.
﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ يُرِيدُ: المَساكِينَ.
﴿ لِمَن آمَنَ مِنهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ لِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿ أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ "وَبَوَّأكُمْ"؛ مَعْناهُ: مَكَّنَكُمْ؛ وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكانِ؛ وظُرُوفِهِ؛ تَقُولُ: "تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلًا حَسَنًا"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ ؛ وقالَ الأعْشى: فَما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ وَ"اَلْقُصُورُ": جَمْعُ "قَصْرٌ"؛ وهي الدُورُ الَّتِي قُصِرَتْ عَلى بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ مَخْصُوصَةٍ؛ بِخِلافِ بُيُوتِ العَمُودِ؛ وقُصِرَتْ عَنِ الناسِ قَصْرًا تامًّا.
و"اَلنَّحْتُ": اَلنَّجْرُ؛ والقَشْرُ في الشَيْءِ الصُلْبِ؛ كالحَجَرِ؛ والعُودِ؛ ونَحْوِهِما.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَنْحَتُونَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِها؛ وبِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وكَسْرِ الحاءِ؛ وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالياءِ مِن أسْفَلُ؛ وفَتْحِ الحاءِ؛ وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ.
و"تَعْثَوْا"؛ مَعْناهُ: تُفْسِدُوا؛ يُقالُ: "عَثا؛ يَعْثِي"؛ و"عَثا؛ يَعْثُو"؛ وعَثِيَ؛ يَعْثى"؛ كَـ "نَسِيَ؛ يَنْسى"؛ وعَلَيْها لَفْظُ الآيَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "تِعْثَوْا"؛ بِكَسْرِ التاءِ؛ و"مُفْسِدِينَ"؛ حالٌ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "اَلْمَلَأُ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ؛ في هَذا المَوْضِعِ: "وَقالَ المَلَأُ"؛ بِواوِ عَطْفٍ؛ وهي مَحْذُوفَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ.
والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ؛ هُمُ الأشْرافُ والعُظَماءُ الكَفَرَةُ؛ و"اِسْتَكْبَرُوا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: طَلَبُوا هَيْئَةً لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الكِبَرِ؛ أو يَكُونَ بِمَعْنى "كَبِرُوا"؛ كَبَّرَهُمُ المالُ والجاهُ وأعْظَمَهُمْ؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - "كَبِرَ"؛ و"اِسْتَكْبَرَ"؛ بِمَعْنًى؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ والأوَّلُ هو بابُ "اِسْتَفْعَلَ"؛ كَـ "اِسْتَوْقَدَ"؛ و"اِسْتَرْفَدَ"؛ والَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هُمُ العامَّةُ والأغْفالُ في الدُنْيا؛ وهم أتْباعُ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أتَعْلَمُونَ"؛ ﴾ اِسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ؛ والِاسْتِخْفافِ؛ فَأجابَ المُؤْمِنُونَ بِالتَصْدِيقِ؛ والصَرامَةِ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ فَحَمَلَتِ الأنَفَةُ الأشْرافَ عَلى مُناقَضَةِ المُؤْمِنِينَ في مَقالَتِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
عَدَل الملأُ الّذين استكبروا عن مجادلة صالح عليه السّلام إلى اختبار تصلّب الذين آمنوا به في إيمانهم، ومحاولة إلقاء الشكّ في نفوسهم، ولما كان خطابهم للمؤمنين مقصوداً به إفساد دعوة صالح عليه السلام كان خطابهم بمنزلة المحاورة مع صالح عليه السّلام، فلذلك فصلت جملة حكاية قولهم على طريقة فصْل جُمل حكاية المحاورات، كما قدّمناه غير مرّة آنفاً وفيما مضى.
وتقدّم تفسير الملأ قريباً.
ووَصْفُهم بالذين استكبروا هنا لتفظيع كبرهم وتعاظمهم على عامة قومهم واستذلالهم إياهم.
وللتّنبيه على أنّ الذين آمنوا بما جاءهم به صالح عليه السلام هم ضعفاء قومه.
واختيار طريق الموصولية في وصفهم ووصففِ الآخرين بالذين استضعفوا لما تُومئ إليه الصّلة من وجه صدور هذا الكلام منهم، أي أن اسكبارهم هو صارفهم عن طاعة نبيئهم، وأنّ احتقارهم المؤمنين هو الذي لم يُسغ عندهم سبقَهم إياهم إلى الخير والهدى، كما حكى عن قوم نوح قولهم: ﴿ وما نراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا باديَ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ [هود: 27] وكما حكى عن كفّار قريش بقوله: ﴿ وقال الذين كفروا للّذين آمنوا لو كان خيراً مَا سبقونا إليه وإذْ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ﴾ [الأحقاف: 11]، ولهذا لم يوصفوا بالكفر كما وصف به قوم هود.
والذين استُضعفوا هم عامّة النّاس الذين أذلّهم عظماؤهم واستعبدوهم لأنّ زعامة الذين استكبروا كانت قائمة على السّيادة الدّنيوية الخلية عن خلال الفضيلة، من العَدل والرأفة وحبّ الإصلاح، فلذلك وصف الملأُ بالّذين استكبروا، وأطلق على العامة وصف الذين استُضعفوا.
واللاّم في قوله: ﴿ للذين استضعفوا ﴾ لتعدية فعل القول.
وقوله: ﴿ لمن آمن منهم ﴾ بدل من ﴿ للذين استضعفوا ﴾ بإعادة حرف الجرّ الذي جرّ بمثله المبدل منه.
والاستفهام في ﴿ أتعلمون ﴾ للتشكيك والإنكار، أي: ما نظنّكم آمنتم بصالححٍ عليه السّلام عن علم بصدقه، ولكنّكم اتَّبعتموه عن عمى وضلال غير موقنين، كما قال قوم نوح عليه السّلام: ﴿ وما نَراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ [هود: 27] وفي ذلك شَوب من الاستهزاء.
وقد جيء في جواب ﴿ الذين استضعفوا ﴾ بالجملة الاسميّة للدّلالة على أنّ الإيمان متمكّن منهم بمَزيد الثّبات، فلم يتركوا للذين استكبروا مطمعاً في تشكيكهم، بلْه صرفهم عن الإيمان برسولهم.
وأكّد الخبر بحرف (إنّ) لإزالة ما توهّموه من شكّ الذين استكبروا في صحّة إيمانهم، والعدول في حكاية جواب الذين استضعفوا عن أن يكون بنعم إلى أن يكون بالموصول صلته لأن الصلة تتضمن إدماجاً بتصديقهم بما جاء به صالح من نحو التوحيد وإثبات البعث، والدلالة على تمكنهم من الإيمان بذلك كله بما تفيده الجملة الاسمية من الثبات والدوام وهذا من بليغ الايجاز المناسب لكون نسج هذه الجملة من حكاية القرآن لا من المحكي من كلامهم إذ لا يظن أن كلامهم بلغ من البلاغة هذا المبلغ، وليس هو من الأسلوب الحكيم كما فهمه بعض المتأخرين.
ومراجعة الذين استكبروا بقولهم: ﴿ إنا بالذي آمنتم به كافرون ﴾ تدلّ على تصلّبهم في كفرهم وثباتهم فيه، إذ صيغ كلامهم بالجملة الاسميّة المؤكَّدة.
والموصول في قولهم: ﴿ بالذي آمنتم به ﴾ هو ما أرسل به صالح عليه السّلام.
وهذا كلام جامع لرد ما جَمعه كلام المستضعفين حين ﴿ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ﴾ فهو من بلاغة القرآن في حكاية كلامهم وليس من بلاغة كلامهم.
ثمّ إنّ تقديم المجرورين في قوله: ﴿ بما أرسل به ﴾ و ﴿ بالذي آمنتم به ﴾ على عامليهما يجوز أن يكون من نظم حكاية كلامهم وليس له معادل في كلامهم المحكي، وإنّما هو لتتقوّم الفاصلتان، ويجوز أن يكون من المحكي: بأن يكون في كلامهم ما دلّ على الاهتمام بمدلول الموصولين، فجاء في نظم الآية مدلولاً عليه بتقديم المعمولين.
وقرأ الجمهور: ﴿ قال الملأ ﴾ بدون عطف جرياً على طريقة أمثاله في حكاية المحاورات.
وقرأه ابن عامر: ﴿ وقال ﴾ بحرف العطف وثبتت الواو في المصحف المبعوث إلى الشام خلافاً لطريقة نظائرها، وهو عطف على كلام مقدّر دلّ عليه قوله: ﴿ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ﴾ والتّقدير: فآمن به بعض قومه، وقال الملأ من قومه إلخ، أو هو عطف على: ﴿ قال يا قوم اعبدوا الله ﴾ [الأعراف: 73] الآية، ومخالفةُ نظائره تفنّن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ في الآيَةِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآيَةَ الفَرْضُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا فِيها آياتٍ ﴾ أيْ فَرْضًا، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ عَلَيْكم فِيها فَرْضٌ أنْ تَذَرُوها ﴿ تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ﴾ أيْ لا تَعْقِرُوها.
والثّانِي: أنَّها العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى قُدْرَتِهِ.
والآيَةُ فِيها آيَتانِ: إحْداهُما: أنَّها خَرَجَتْ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ تَمَخَّضَتْ بِها كَما تَتَمَخَّضُ المَرْأةُ ثُمَّ انْفَلَقَتْ عَنْها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي طَلَبُوها.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ كانَ لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ يَخُصُّهم لا تَقْرَبُ فِيهِ ماءَهم، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ والسُّدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبَوَّأكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنْزَلَكم في الأرْضِ وهي أرْضُ الحِجْرِ بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
والثّانِي: فِيها مِن مَنازِلَ تَأْوُونَ إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا، إذا أمْكَنْتَهُ مِنهُ لِيَأْوِيَ إلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: وبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها فَتَمَّ في قَوْمِها مَبْوَؤُها أيْ مُكِّنَتْ مِنَ الكَرَمِ في صَمِيمِ النَّسَبِ.
﴿ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا ﴾ والقُصُورُ ما شُيِّدَ وعَلا مِنَ المَنازِلِ اتَّخَذُوها في سُهُولِ الأرْضِ لِيُصَيِّفُوا فِيها.
﴿ وَتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا ﴾ لِتَكُونَ مَساكِنَهم في الشِّتاءِ لِأنَّها أحْصَنُ وأبْقى وأدْفَأُ فَكانُوا طِوالَ الآمالِ طِوالَ الأعْمارِ.
﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ما قَدَّمْنا، أيْ نِعَمَهُ أوْ عُهُودَهُ.
﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَعْمَلُوا فِيها بِالمَعاصِي.
والثّانِي: لا تَدْعُوا إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
وَفي العَبَثِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّعْيُ في الباطِلِ.
والثّانِي: أنَّهُ الفِعْلُ المُؤَدِّي لِضَيْرِ فاعِلِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها حَرَكَةُ الأرْضِ تَضْطَرِبُ مِن تَحْتِهِمْ.
والثّانِي: أنَّها الصَّيْحَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها زَلْزَلَةٌ أُهْلِكُوا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن ﴿ دارِهِمْ ﴾ فالمُرادُ بِهِ مَدِينَتُهم، وكُلُّ ما فِيهِ مِن ﴿ دِيارِهِمْ ﴾ فالمُرادُ بِهِ مَساكِنُهم، وفي الجاثِمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البارِكُ عَلى رُكْبَتَيْهِ لِأنَّهم أصْبَحُوا مَوْتى عَلى هَذِهِ الحالِ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهم أصْبَحُوا كالرَّمادِ الجاثِمِ لِأنَّ الصّاعِقَةَ أحْرَقَتْهم.
وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بَعْدَ العَصْرِ.
﴿ فَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ أيْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وقِيلَ إنَّ صالِحًا خَرَجَ عَنْهم إلى رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ بِمَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهم مِائَةٌ وعَشْرَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ تَهْلَكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها بَيْنَ أظْهُرِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن مطلب بن زياد قال: سألت عبد الله بن أبي ليلى عن اليهودي والنصراني يقال له أخ؟
قال: الأخ في الدار، الا ترى قول الله: ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحاً ﴾ .
وأخرج سنيد وابن جرير والحاكم من طريق حجاج عن أبي بكر عن عبد الله عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت ثمود قوم صالح، اعمرهم الله في الدنيا فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً فنحتوها وجابوها وخرقوها، وكانوا في سعة من معايشهم فقالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله.
فدعا صالح ربه فأخرج لهم الناقة، فكان شربها يوماً وشربهم يوماً معلوماً، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن السماء وحلبوها لبناً ملأوا كل اناء ووعاء وسقاء، حتى إذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء فلم تشرب منه شيئاً فملأوا كلَّ اناء ووعاء وسقاء.
فأوحى الله إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك.
فقال لهم: فقالوا: ما كنا لنفعل...
!
فقال لهم: أن لا تعقروها أنتم يوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها.
قالوا: فما علامة ذلك المولود، فوالله لا نجده إلا قتلناه؟
قال: فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر.
وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لاحدهما ابن يرغب به عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا، فجمع بينهما مجلس فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوج ابنك؟
قال: لا أجد له كفؤا، قال: فإن ابنتي كفء له فانا أزوجك.
فزوجه، فولد بينهما مولود.
وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولود فيكم.
اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شرطاً كانوا يطوفون في القرية فإذا نظروا المرأة تمخض نظروا ما ولدها؟
إن كان غلاماً قلبنه فنظرن ما هو؟
وإن كانت جارية أعرضن عنها.
فلما وجدوا ذلك المولود صرخت النسوة: هذا الذي يريد صالح رسول الله، فأراد الشرط أن يأخذوه فحال جداه بينهم وقالوا: لو أن صالحاً أراد هذا قتلناه، فكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه فكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية، كان يبيت في مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، وإذا أمسى إلى مسجده فبات فيه.
قال حجاج، وقال ابن جريج: لما قال لهم صالح: إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه قالوا: فكيف تأمرنا؟
قال: آمركم بقتلهم: فقتلوهم إلا واحداً قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل رجل منا مثل هذا، هذا عمل صالح، فأتمروا بينهم بقتله وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن، فاقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضختهم فاصبحوا رضخاً، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله أما رضي صالح إن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم؟!
فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة أجمعين، وأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر.
ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأرادوا أن يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على شرب طريق صالح فاختبأ في ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم، فأمر الله الأرض فاستوت عليهم، فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة وهي على حوضها قائمة، فقال الشقي لأحدهم، ائتها فاعقرها.
فاتاها فتعاظمه ذلك فاضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظمه ذلك، فجعل لا يبعث رجلاً إلا تعاظمه أمرها حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها فوقعت تركض، فرأى رجل منهم صالحاً فقال: ادرك الناقة فقد عقرت.
فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبي الله إنما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا.
قال: فانظروا هل تدركون فصليها؟
فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب.
فخرجوا يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلاً يقال له القارة قصير، فصعد وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، ودخل صالح القرية فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحاً فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثمم رغا أخرى فقال صالح لقومه: لكل رغوة أجل فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، الا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنها قد طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنها خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنها طليت بالقار، فصاحوا جميعاً ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا.
وكان حنوطهم الصبر والمغر وكانت أكفانهم الانطاع، ثم ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلبون أبصارهم فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة فلا يدرون من أين يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء أم من تحت أرجلهم من الأرض خسفاً أو قذفاً، فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فاصبحوا في ديارهم جاثمين» .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل قال: قال ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين.
قال: اخرجوا، فخرجوا إلى هضبة من الأرض فإذا هي تمخض كما تمخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت الناقة من وسطها، فقال لهم صالح ﴿ هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ﴾ فلما ملوها عقروها ﴿ فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ﴾ [ هود: 65] .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة.
أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام ثم قال لهم: آية عذابكم أن تصبح وجوهكم غداً مصفرة، وتصبح اليوم الثاني محمرة، ثم تصبح الثالث مسودة.
فأصبحت كذلك...
!
فما كان اليوم الثالث أيقنوا بالهلاك، فتكفنوا وتحنطوا، ثم أخذتهم الصيحة فاهمدتهم.
وقال عاقر الناقة: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين.
فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين...؟
فتقول: نعم والصبي، حتى رضوا أجمعين فعقروها.
وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر قام فخطب الناس فقال: يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم غبها وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعداً من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله.
فقيل: يا رسول الله من هو؟
قال:أبو رغال.
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث ابن الطفيل مرفوعاً.
مثله.
وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي كبشة الأنماري قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع قوم إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فنودي في الناس، إن الصلاة جامعة؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول «علام يدخلون على قوم غضب الله عليهم؟
فقال رجل: نعجب منهم يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا انبئكم بأعجب من ذلك، رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم، استقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة.
أن ثمود لما عقروا الناقة تغامزوا وقالوا: عليكم الفصيل.
فصعد الفصيل القارة جبلاً حتى إذا كان يوماً استقبل القبلة وقال: يا رب أمي، يا رب أمي، يا رب أمي، فأرسلت عليهم الصيحة عند ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما عقرت الناقة صعد بكرها فوق جبل فرغا، فما سمعه شيء إلا همد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: لما قتل قوم صالح الناقة قال لهم صالح: ان العذاب آتيكم.
قالوا له: وما علامة ذلك؟
قال: إن تصبح وجوهكم أول يوم محمرة، وفي اليوم الثاني مصفرة، وفي اليوم الثالث مسودة.
فلما أصبحوا أول يوم احمرت وجوههم، فلما كان اليوم الثاني اصفرت وجوههم، فلما كان اليوم الثالث أصبحت وجوههم مسودة، فأيقنوا بالعذاب فتحنطوا وتكفنوا وأقاموا في بيوتهم، فصاح بهم جبريل صيحة فذهبت أرواحهم.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: إن الله بعث صالحاً إلى ثمود فدعاهم فكذبوه، فسألوا أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فاقروا بها جميعاً فكانت الناقة لها شرب فيوم تشرب فيه الماء نهر بين جبلين فيزحمانه ففيها أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحتلبوا اللبن فترويهم ويوم يشربون الماء لا تأتيهم، وكان معها فصيل لها فقال لهم صالح: إنه يولد في شهركم هذا مولود يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر ابن فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبله شيء، وكان أبو العاشر أحمر أزرق، فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان ابناؤنا احياء كانوا مثل هذا: فغضب التسعة على صالح.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ قال: لا تعقروها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وتنحتون الجبال بيوتاً ﴾ قال: كانوا ينقبون في الجبال البيوت.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وعتوا عن أمر ربهم ﴾ قال: غلوا في الباطل.
وفي قوله: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال: الصيحة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ فأصبحوا في دارهم ﴾ يعني العسكر كله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد تلاً فقال: يا رب أين أمي رغا رغوة فنزلت الصيحة فأهدتهم.
وأخرج أحمد في الزهد عن عمار قال: إن قوم صالح سألوا الناقة فأتوها فعقروها، وان بني إسرائيل سألوا المائدة فنزلت فكفروا بها، وإن فتنتكم في الدينار والدرهم.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن صالحاً لما نجا هو والذين معه قال: يا قوم إن هذه دار قد سخط الله عليها وعلى أهلها فأظعنوا وألحقوا بحرم الله وأمنه، فاهلوا من ساعتهم بالحج، وانطلقوا حتى وردوا مكة، فلم يزالوا حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: (يريد الأشراف) (١) (٢) (٣) وقال الفراء: (الملأ القوم من الرجال ليس فيهم امرأة) (٤) (٥) ﴿ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: (يريد عن عبادة الله) (٦) ﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ (يريد المساكين) (٧) ﴿ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ﴾ بدل من قوله: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ (٨) (١) "تنوير المقباس" 2/ 106، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203، وهو قول الأكثر.
انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 46، و"معاني الزجاج" 2/ 346، والنحاس 3/ 46، و"تفسير السمرقندي" 1/ 552، والبغوي 3/ 247.
(٢) المَلأُ، بالفتح مهموز غير ممدود: الجماعة يجتمعون على رأي، ووجوه القوم: ورؤساؤهم وأشرافهم الذي يرجع إلى قولهم، سموا بذلك لأنهم ملاء بما يحتاج إليه أو لأنهم يملئون الصدور هيبة.
انظر: "العين" 8/ 346، و"تهذيب اللغة" 4/ 3437، و"الصحاح" 1/ 73، و"مقاييس اللغة" 5/ 346، و"المفردات" ص 776، و"اللسان" 7/ 4252 (ملأ).
(٣) لم أقف على سنده، وهو في "تهذيب اللغة" 4/ 3437، و"إعراب القراءات" 1/ 193، و"النهاية" 4/ 351، و"اللسان" 7/ 4252 (ملأ) قالوا: (روي عن النبي أنه سمع رجلاً من الأنصار مرجعه من غزوة بدر يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعًا، فقال النبي : "أولئك الملأ من قريش لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك".
أي: أشراف قريش) اهـ.
(٤) "معاني الفراء" 1/ 383، ومثله قال الطبري في "تفسيره" 8/ 213.
(٥) لفظ: (وقوله تعالى) ساقط من (أ).
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 203 بلا نسبة وهو قول أهل التفسير.
انظر: الطبري 8/ 232، والسمرقندي 1/ 552، والبغوي 3/ 247، وابن الجوزي 3/ 225، وفي "تنوير المقباس" 2/ 106 قال: (استكبروا عن الإيمان) اهـ.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 204 بلا نسبة، وهو قول الأكثر.
انظر: "المراجع السابقة"، وفي "تنوير المقباس" 2/ 107، قال: (استضعفوا قهروا) اهـ.
(٨) انظر: "المسائل البصريات" لأبي علي 2/ 831، و"غرائب الكرماني" 1/ 413، و"الكشاف" 2/ 90، و"البيان" 1/ 367، و"زاد المسير" 3/ 225، و"التبيان" 1/ 382، و"الفريد" 2/ 327، و"الدر المصون" 5/ 365.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ﴾ بدل من الذين استضعفوا ﴿ إِنَّا بالذي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ إنما لم يقولوا إنا بما أرسل به كما قال الآخرون؛ لئلا يكون اعترافاً برسالته ﴿ فَعَقَرُواْ الناقة ﴾ نسب العقر إلى جميعهم؛ لأنهم رضوا به، وإن لم يفعله إلا واحد منهم وهو الأحيمر ﴿ الرجفة ﴾ الصيحة حيث وقعت، وذلك أن الله أمر جبريل فصاح صيحة بين السماء والأرض فماتوا منها ﴿ جاثمين ﴾ حيث وقع أي قاعدين لا يتحركون ﴿ فتولى عَنْهُمْ ﴾ الآية: يحتمل أن يكون تولية عنهم وقوله لهم حين عقروا الناقة قبل نزول العذاب بهم، لأنه روي أنه خرج حينئذ من بين أظهرهم، أو أن يكون ذلك بعد أن هلكوا، وهو ظاهر الآية، وعلى هذا خاطبهم بعد موتهم على وجه التفجع عليهم، وقوله: لا تحبون الناصحين: حكاية حال ماضية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو: ابن عامر ﴿ إنكم ﴾ بحذف همزة الاسفهام: أبو جعفر ونافع وحفص وسهل.
﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير جفص، وهشام يدخل بينهما مدة، ﴿ آينكم ﴾ بالمد وبالياء: أبو عمرو وزيد.
﴿ أينكم ﴾ بالهمزة والياء: ابن كثير ويعقوب غير زيد.
الوقوف: ﴿ صالحاً ﴾ ج لئلا يظن أن ﴿ صالحاً ﴾ صفة لا علم فالجملة بعده نعت له وهذا بخلاف اسم شعيب وغيره من الأعلام العربية ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بيوتاً ﴾ ط لما مر في قصة هود ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه ﴿ ناصحين ﴾ ه ﴿ من العالمين ﴾ ه ﴿ من دون النساء ﴾ ط لمكان الإضراب.
﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ من قريتكم ﴾ ج لاحتمال التعليل استهزاء ﴿ إلا امرأته ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والأشبه أنها حال المرأة ﴿ من الغابرين ﴾ ه ﴿ مطراً ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة صالح مع قومه ثمود.
قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل.
وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى.
وإنه لا ينصرف تارة بتأويل القبيلة وينصرف أخرى بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح.
وقيل: إن ثمود أخو جديس وطسم.
وقد ورد القرآن بالصرف وبمنعه جميعاً قال ﴿ ألا إن ثموداً كفروا ربهم ألا بعداً لثمود ﴾ ﴿ قد جاءتكم بينة ﴾ آية ظاهرة دالة على صدقي وكأنه قيل: ما تلك البينة فقال ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ وانتصابها على الحال والعامل فيها ما في اسم الإشارة أو حرف التنبيه من معنى الفعل أي أشير إليها أو أنبه عليها آية.
و ﴿ لكم ﴾ بيان لمن هي له آية موجبة للإيمان وهم ثمود.
وسبب تخصيص أولئك الأقوام بها مع أنها آية لكل أحد أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا بها وليس الخبر كالمعاينة.
أو لعله يثبت سائر المعجزات إلا أن القوم التمسوا هذه المعجزة بعينها على سبيل الاقتراح فأظهرها الله لهم فلهذا حسن التخصيص.
وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها حيث جاءت مكونة من عنده من غير فحل وطروقة آية من آياته كما تقول: آية الله وبيت الله، وبالحقيقة هي آية تشتمل على آيات.
فخروجها من الجبل آية، وكونها لا من ذكر وأنثى آية، وكمال خلقها من غير تدريج ومهل آية، وأن لها شرب يوم ولجميع ثمود شرب يوم آية، وكذا الكلام في قوتها المناسب للماء وفي غزارة لبنها، وأنكر الحسن فقال: إنها لم تحلب قطرة لبن قط.
ويروى أن جميع الحيوانات كانت تمتنع عن الورود في يوم شربها.
وقيل: سميت ناقة الله لأنه لا مالك لها سوى الله .
وقيل: لأنها حجة الله على القوم ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فدعوها تأكل في أرض ربها ومما أنبت منها ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ من الضرب والطرد وسائر أنواع الأذى إكراماً لآية الله.
﴿ فيأخذكم عذاب أليم ﴾ يعني أخذ الاستفزاز والاستئصال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ تفسيره كما في قصة هود ﴿ وبوأكم في الأرض ﴾ أنزلكم فيها والمباءة المنزل والأرض أرض الحجر ﴿ تتخذون من سهولها ﴾ أي تبنون من سهول الأرض قصوراً بما تعملون من الأراضي السهلة لبناً وآجراً ورهصاً.
واتصاب ﴿ بيوتاً ﴾ على الحال المقدرة كما تقول خط هذا الثوب قميصاً لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة.
ويجوز أن تكون من مقدرة اكتفاء بقوله: ﴿ من سهولها ﴾ كما جاءت في موضع آخر ﴿ تنحتون من الجبال بيوتاً فارهين ﴾ فيكون منصوباً على أنه مفعول به.
وقيل: المراد أنهم كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ يعني إني قد ذكرت لكم بعض نعم ربكم فاذكروا أنتم تمامها ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ قيل: نهى عن عقر الناقة والأولى حمله علىالعموم.
وإعرابه قد مر في أوائل سورة البقرة.
﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ﴾ أي المساكين الذين استحقرهم رؤساء الكفار.
وقوله ﴿ لمن آمن منهم ﴾ بدل من قوله ﴿ للذين استضعفوا ﴾ بتكرار الجار لشدة الاتصال.
والضمير في ﴿ منهم ﴾ إما ان يرجع إلى الذين استضعفوا فيكون البدل بدل البعض ودل على أن المستضعفين فريقان مؤمنون وكافرون، وإما أن يرجع إلى قومه فيكون البدل بدل الكل ودل على أن الاستضعاف من شأن أهل الإيمان يستحقرهم المستكبرون، ولا يكون صفة ذم في حقهم وإنما الذم يعود إلى المستحقرين.
وفي الآية دلالة على أن الفقر خير من الغنى لأن الإستكبار يتولد من كثرة المال والجاه والتصديق والانقياد ينشأ من قلتهما ﴿ أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ﴾ قالوه على سبيل التهكم والسخرية لا للاستعلام والاسترشاد.
﴿ قالو إنا بما أرسل به مؤمنون ﴾ جعلوا إرساله أمراً بيناً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب وإنما الكلام في وجود الإيمان فنخبركم أنا به مؤمنون ولذلك ﴿ قال الذي استكبروا ﴾ في جوابهم ﴿ إنا بالذي أمنتم به كافرون فعقروا الناقة ﴾ قال الأزهري: العقر عند العرب كشف عرقوب البعير ثم أطلق على النحر إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وأسند العقر إلى جميعهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم لأنه كان برضاهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة أنتم فعلتم كذا ولعله لم يفعله إلا واحد منهم كقوله ﴿ وإذ قتلتم ﴾ ﴿ وعتوا عن أمر ربهم ﴾ استكبروا عن امتثاله.
قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل وأمر ربهم شأنه أي دينه، أو المراد أمر به صالح من قوله ﴿ فذروها ﴾ ﴿ ولا تمسوها ﴾ والمعنى أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم فإن الإنسان حريص على ما منع.
﴿ وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ﴾ أطلقوا الوعد وأرادوا ما وعدهم من العذاب واستعجالهم العذاب إنما كان لأجل تكذيبهم بكل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد، ولذلك علقوه بما كانوا ينكرونه وهو كونه من المرسلين ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة قال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ قال الليث: هي كرجفان البعير تحت الرحل وكما ترجف الشجرة إذا أرجفتها الريح وهذا لا يناقض ما ورد في موضع آخر أنهم أهلكوا بالطاغية وفي آخر أنهم أهلكوا بالصيحة لأن الطغيان مجاوزة الحد.
قال ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم ﴾ فالزلزلة هي الحركة الخارجة عن الحد المعتاد، والغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة الهائلة.
﴿ فأصحبوا في دارهم ﴾ أي في بلدهم كقولك: دار الحرب ودار الإسلام.
وقد جمع في آية أخرى فقال: ﴿ في ديارهم ﴾ لأنه أراد بالدار ما لكل واحد من منزله الخاص إلا أنه حيث ذكر الرجفة وحد وحيث ذكر الصيحة جمع لأن الصحية كأنها من السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة.
ومعنى ﴿ جاثمين ﴾ موتى لا حراك بهم.
قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها وهي البهيمة التي تربط وتجمع قوائمها لترمى ﴿ فتولى عنهم ﴾ الفاء للتعقيب.
فالظاهر أن صالحاً أدبر عنهم بعدما أبصرهم جاثمين وكأنه تولى وهو مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم ﴿ وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ﴾ وحد الرسالة بخلاف ما مر في قصتي نوح وهود لأن المراد هناك أشياء كانا يأمران بها قومهما بعد الإيمان بالله، وههنا وقع في آخر القصة فأراد بها مجموع ما أدى من الرسالة، أو أراد بذلك أداء حديث الناقة فقط.
﴿ ونصحت لكم ﴾ لم آل جهداً في النصيحة ﴿ ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ حكاية لحال ماضية.
واعترض على هذا التفسير بأنه كيف يصح خطاب الموتى؟
وأجيب بأنه قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه في حياته فلم يصغ إليه يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني حتى ألقيت بنفسك إلى التهلكة.
والفائدة في مثل هذا الكلام أن يسمعه بعض الإحياء فيعتبر به.
ولعل القائل أيضاً يتسلى بذلك وتزول بعض الغصة عن قلبه ويخف عليه ما نزل به، وإن رسول الله وقف على قليب قتلى بدر وقال: يا فلان ويا فلان قد وجدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟
فقيل له: كيف تتكلم مع هؤلاء الجيف؟
فقال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب.
وتفسير آخر وهو أن يكون تولى عنهم تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وجملة قصتهم ما روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض فكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا عن أمر الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً.
وصالح من أوسطهم نسباً.
فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال: أية آية تريدون؟
قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة فندعو آلهتنا وتدعوا إلهك، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا.
فقال صالح: نعم.
فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم.
ثم قال سيدهم جندع بن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، والمخترجة التي شاكلت البخت فإن فعلت صدّقناك وأجبناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدّقن.
قالوا: نعم.
فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا، وكانت في غاية العظم حتى قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة يعني - موضع بروكها - فوجدته ستين ذراعاً.
ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع بقاياهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا فمكثت الناقة وولدها ترعي الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غباً كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾ وذلك أن الماء كان عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها يوماً وشرباً للقوم يوماً.
قال السدي: وكانت الناقة في اليوم الذي يشرب فيه الماء تحلب فيكفي الكل فكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء لا تأتيهم وكانت إذا وقع الحر تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطن الوادي، وإذا وقع البرد كان الأمر بالعكس فشق ذلك عليهم وقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فذبحوا تسعة نفر من أبنائهم ثم ولد العاشر فأبى أن يذبح ابنه فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يشربون الشراب فأرادوا ماء يمزجونه به وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء فاشتد ذلك عليهم.
فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة فشدّ عليها لما بصرت به شدّت عليه فهرب منها إلى جانب صخرة فردّوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت فذلك قوله ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ﴾ وأظهروا حينئذ كفرهم وقيل: زينت لهم عقرها امرأتان - عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار - لما أضرت الناقة بمواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق فصيلها حتى رقي جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب.
فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين.
ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
واستبعد بعضهم أن العاقل مع مشاهدة هذه المعجزات والعلامات كيف يبقى مصراً على كفره؟
وأجيب بأنهم عند مشاهدة العلامات خرجوا عن حدّ التكليف وأن تكون توبتهم مقبولة.
"عن جابر أن رسول الله لما مر بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذ بهم الصيحة فلم يبق منهم إلا رجل واحد كان في حرم الله.
قالوا: من هو قال : ذاك أبو رغال" .
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، وروي أن صالحاً كان بعثه إلى قوم فخالف أمره.
وروي أن نبينا مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
فذكر قصة أبي رغال وأنه دفن ههنا وأنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن.
وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت.
وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم، ويروى أن رسول الله حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، وقال يا علي، أتدري من أشقى الأوّلين؟
قال: الله ورسوله أعلم.
قال: عاقر ناقة صالح أتدري من أشقى الآخرين: قال: الله ورسوله أعلم.
قال قاتلك.
القصة الخامسة قوله ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه ﴾ تقديره أرسلنا لوطاً وقت قال لقومه، ويجوز أن يكون معناه واذكر لوطاً إذ قال لقومه على أن "إذ" بدل من المفعول به لا ظرف.
وإنما صرف نوح ولوط مع أن فيه سببين: العجمة والعلمية، لأن سكون وسطه قاوم أحد السببين ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ أتفعلون الخصلة المتمادية في القبح ﴿ ما سبقكم بها ﴾ قال في الكشاف: الباء للتعدية من قولك: سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله أي ما عملت قبلكم.
قلت: ومن المحتمل أن تكون الباء فيه مثله في قولك: كتبت بالقلم.
وفي قوله ﴿ تنبت بالدهن ﴾ \[المؤمنون: 20\] أي ما سبقكم ملتبساً بها من أحاد من العالمين "من" الأولى زائدة لتأكيد النفي وإفادة الاستغراق.
والثانية للتبعيض.
وموقع هذه الجملة استئناف لأنه أنكر عليهم أوّلاً بقوله ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ ثم وبخهم عليها فقال: وأنتم أوّل من عملها.
أو هو جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا نأتيها؟
فقال: ﴿ ما سبقكم بها من أحد ﴾ فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به.
ويجوز أن تكون صفة للفاحشة كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وههنا سؤال وهو أنه كيف يجوز دعوى عدم السبق في هذه الخصلة ولم تزل الشهة داعية إليها؟
والجواب لعل متقدميهم كانوا يستقذرونها وينفرون عنها طبعاً كسائر الحيوانات، أو المراد أن الإقبال بالكية على ذلك العمل لم يوجد في الأعصار المتقدمة.
قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء.
وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض ﴿ أئنكم لتأتون الرجال ﴾ بيان لما أجمله في قوله ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وكلا الاستفهامين للإنكار.
وفي الثاني أكثر ولهذا زيد فيه "إن" ومثله في النمل ﴿ أتأتون ﴾ وبعده ﴿ أئنكم لتؤتون ﴾ وفي العنكبوت ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ﴿ أئنكم لتؤتون الرجال ﴾ فجمع بين "إن" "وأئن" القصة ﴿ إنا منجوك ﴾ إنا منزلون.
وانتصب ﴿ شهوة ﴾ على أنها مفعول له أي لا حامل لكم على غشيان الرجال من دون النساء إلا مجرد الشهوة، أو مصدر وقع حالاً يقال: شهى يشهى شهوة ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحالة الموجبة لارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء.
وختم هذه الآية بلفظ الاسم موافقة لرؤوس الآيات التي تقدمت ﴿ العالمين ﴾ ﴿ الناصحين ﴾ ﴿ جاثمين ﴾ ﴿ المرسلين ﴾ وفي النمل ﴿ قال بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أما العدول من الإسراف إلى الجهل فلتغير العبارة، وكل إسراف جهل وكل جهل إسراف.
وأما العدول من الاسم إلى الفعل فلتوافق ما قبلها من الآيات وكلها أفعال ﴿ ينصرون ﴾ ﴿ تتقون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ واعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ووجوه القبح فيه كثيرة منها: أن أكثر الناس يحترزون فيه عن الولد لأن الولد يحمل المرء على طلب المال وإتعاب النفس في وجوه المكاسب إلا أنه جعل الوقاع سبباً لحصول اللذة العظيمة حتى إن الإنسان يطلب تلك اللذة ويقدم على الوقاع وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ والغرض إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع.
فكل لذة لا تؤدي إلى هذا الغرض وجب الحكم بتحريمها لما فيه من ضياع البذر ولزوم خلاف الحكمة.
ومنها أن الذكورة مظنة الفعل والأنوثة مظنة الانفعال، فانعكاس القضية يكون خروجاً عن مقتضى الطبيعة والحكمة، ومنها أن الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهائم وخروج عن الغريزة الإنسانية.
وهب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل إلا أنه سعى في إلحاق العار العظيم بالمفعول ما دام حياً، والعاقل لا يرضى لأجل لذة زائلة إلحاق منقصة دائمة بغيره.
ومنها أنه يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول إلى حيث يقدم المفعول على قتل الفاعل، أو على إلحاق الضرر به بكل طريق يقدر عليه وذلك لنفور طبعه عن رؤيته.
وأما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة فإنه يوجب زيادة الألفة والمحبة كما قال ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ ومنها أنه أودع في الرحم قوّة جاذبة للمني بحيث لا يبقى شيء منه في مجاريه وأوعيته، أما إذا واقع الذكر فإنه يبقى شيء من أواخر المني في المجاري فيعفن ويفسد ويتولد من العلل والأورام في الأسافل كما يشهد به القوانين الطبية قال بعضهم: ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 5، 6\] يقتضي حل وطء المملوك مطلقاً ذكراً كان أو أنثى.
ولا يمكن تخصيص هذا العموم بقوله ﴿ أتأتون الذكران من العالمين ﴾ لأن كلاً من الآيتين أعم من الأخرى من وجه لأن المملوك قد يكون ذكراً وقد لا يكون، والذكر قد يكون مملوكاً وقد لا يكون، فتخصيص إحداهما بالأخرى ترجيح من غير مرجح بل الترجيح لجانب الحل لمقتضى الأصل وذلك لأن المالك مطلق التصرف، ولأن شرع محمد أولى من شرع لوط.
وأجيب بأن الاعتماد على التواتر الظاهر من دين محمد أن هذا العمل حرام قال ﴿ وما كان جواب قومه ﴾ بالواو كيلا يكون التعقيب بالفاء بعد الاسم.
وفي النمل ﴿ تجهلون فما كان ﴾ وفي العنكبوت ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ﴾ لصحة تعقيب الفعل الفعل ﴿ إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ﴾ وفي النمل ﴿ أخرجوا آل لوط ﴾ ليكون ما في النمل تفسيراً لهذه الكناية وقيل: إن سورة النمل نزلت قبل الأعراف فيكون قد صرح في الأولى وكنى في الثانية.
قال في الكشاف: يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة.
ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله ولكنهم جاؤا بكلام آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم، وقولهم ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش وافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد.
وقيل: المراد أن ذلك العمل في موضع النجاسة فمن تركه فقد تطهر.
وقيل: ان البعد عن الإثم يسمى طهارة، فالمراد أنهم يتباعدون عن المعاصي والآثم ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ أي أنصاره وأتباعه والذين قبلوا دينه، وعن ابن عباس: أراد المتصلين به في النسب بدليل قوله ﴿ إلا امرأته ﴾ يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته ولا يقال مرء المرأة يعني زوجها لأن المالكية حق الزوج ﴿ كانت من الغابرين ﴾ وفي النمل ﴿ قدرناها من الغابرين ﴾ أي كانت في علم الله من الغابرين.
﴿ فقدرناها من الغابرين ﴾ وإن قلنا بتأخر نزول الأعراف فالمعنى قدرناها من الغابرين فصارت من الغابرين، والغبور المكث والبقاء أي من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، أو التذكير لتغليب الذكور وكانت كافرة موالية لأهل سدوم.
روي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت.
ثم وصف العذاب فقال ﴿ وأمطرنا عليهم مطراً ﴾ أي أرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً.
قيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن.
وقيل كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة.
فأمطر الله عليهم الكبريت والنار.
وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم.
وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم.
وروي أن تاجراً منهم كان في الحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه ﴿ فانظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر والاعتبار ﴿ كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ وهذه الأمة وإن أمنت من عذاب الاستئصال إلا أن الخوف والاعتبار من شعار المؤمن لا ينبغي أن ينفك عنه على أن عذاب الآخرة أشدّ وأبقى ولم يأمنوه بعده.
مسائل: الأولى مذهب الشافعي أن اللواط يوجب الحدّ لأنه ثبت في شريعة لوط فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ولم يظهر نسخ في شرعنا، ولأن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على علية الوصف للحكم، فالآية دلت على أن هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص.
وقال أبو حنيفة: إن الواجب فيه التعزير لأنه فرج لا يجب المهر بالإيلاج فيه فلا يجب الحدّ كإتيان البهيمة، وعلى الأول ففي عقوبة الفاعل قولان: أحدهما أن عقوبته القتل محصناً كان أو لم يكن لما روي انه قال "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول" وأصحهما أن حده حد الزنا فيرجم إن كان محصناً ويجلد ويغرب إن لم يكن محصناً لأنه حد يجب بالوطء، ويختلف فيه البكر والثيب كالإتيان في القبل.
وعلى قول القتل فيه وجوه أحدها: يقتل بالسيف كالمرتد، والثاني وبه قال مالك وأحمد يرجم تغليظاً، ويرى عن علي أيضاً.
والثالث يهدم عليه جدار أو يرمى من شاهق جبل ليموت أخذاً من عذاب قوم لوط.
وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم،وإن كان مكلفاً طائعاً فيقتل بما يقتل به الفاعل إن قلنا إن الفاعل يقتل، وإن قلنا يحد حد الزنا فيجلد ويغرب محصناً كان أو لم يكن، وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط لأنه إتيان في غير المأتي ويجيء في الفاعل والمفعول ما ذكرنا.
وقيل: إنه زنا لأنه وطء أنثى فأشبه الوطء في القبل فعلى هذا حده حد الزنا بلا خلاف.
وترجم المرأة إن كانت محصنة.
وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه بالجملة.
التأويل: ﴿ هذه ناقة الله ﴾ معجزة الخواص أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر عشراء بسقب سر السر وهو الخفي.
وناقة الله هي التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ساكني بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية، ﴿ فذروها ﴾ ترتع في رياض القدس وحياض الإنس ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة ﴿ فيأخذكم عذاب أليم ﴾ بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة.
﴿ إذ جعلكم خلفاء ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ وبوأكم ﴾ في أرض القلوب ﴿ تتخذون من سهولها ﴾ وهي المعاملات بالصدق والإخلاص ﴿ قصوراً ﴾ في الجنان ﴿ وتنحتون ﴾ من جبال أطوار القلب ﴿ بيوتاً ﴾ هي مقامات السائرين إلى الله ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ النعماء والإخلاص.
فالأول يتضمن ترويح الظاهر، والثاني يوجب تلويح السر.
فالترويح بوجود المسار والتلويح بشهود الأسرار ﴿ ولا تعثوا في الأرض ﴾ القلب بالفساد للاستعداد الفطري ﴿ الذين استكبروا ﴾ هم الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ الذين استضعفوا ﴾ من أوصاف القلب والروح.
﴿ أتعلمون ﴾ أن صالح الروح ﴿ مرسل ﴾ بنفخة الحق إلى بلد القلب وساكنيه ليدعوهم من الأوصاف السفلية الظلمانية إلى الأخلاق العلوية النورانية ﴿ فعقروا ﴾ أي النفس وصفاتها ناقة سر القلب بسكاكين مخالفات الحق ﴿ فأخذتهم ﴾ رجفة الموت ﴿ فأصبحوا ﴾ في دار قالبهم ﴿ جاثمين ﴾ والله العزيز.
تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع أوله: ﴿ وإلى مدين أخاها شعيباً ....
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ .
قد ذكرنا أنه صلة قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ كأنه قال: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ قد ذكرنا أنه تحتمل الأخوة وجوهاً أربعة: أخوة النسب، وأخوة الجوهر والشكل على ما يقال: هذا أخو هذا إذا كان من جوهره وشكله، وأخوة المودة والخلة، وأخوة الدين، ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من أخوة صالح [كان أخوهم] في النسب، أو في الجوهر على ما ذكرنا في هود، ولا يحتمل أن يكون في المودة والدين، وأما أخوة النسب فإنه يحتمل لما ذكرنا أن بني آدم كلهم إخوة، وإن بعدوا؛ لأنهم كلهم من أولاد آدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
قد ذكرنا أن الرسل بأجمعهم إنما بعثوا ليدعوا الخلق إلى وحدانية الله، والعبادة له؛ وأن لا معبود سواه يستحق العبادة من الخلق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ قيل فيه بوجهين.
قيل: ﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، ما ذكر من الناقة التي جعلها الله آية لرسالة صالح، وهي: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ .
وقيل: ﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، آيات ظهرت لهم على لسان صالح، وجرت على يديه ما يدلّ على رسالة صالح ونبوته، لكنهم كابروا تلك الآيات في التكذيب وعاندوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ .
وجه تخصيص إضافة تلك الناقة إلى الله يحتمل وجوهاً، وإن كانت النوق كلها لله في الحقيقة: أحدها: لما خصت تلك بتذكير عبادته إياهم ووحدانيته تعظيماً لها، على ما خصت المساجد بالإضافة إليه، بقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ ؛ لما جعلت تلك البقاع لإقامة عبادة الله، فخصت بالإضافة إليه [تعظيماً لتلك البقاع فعلى ذلك هذه الناقة خصت بالإضافة إليه] لما جعلها الله آية من آياته خارجة من غيرها من النوق مخالفة بنيتها بنية غيرها؛ إما خلقة، وإما في ابتداء إحداثها وإنشائها أو في أي شيء كان، فأضافها إليه لذلك، والله أعلم.
ثم لا يجب أن يتكلف المعنى الذي له جعل الناقة آية؛ لأنه - جلّ وعلا - لم يبين لنا ذلك المعنى، فلو تكلف ذكر ذلك فلعله يخرج على خلاف ما كان في الكتب الماضية، فهذه القصص وأخبار الأمم الماضية إنما ذكرت في القرآن؛ لتكون آية لرسالة محمد - صلوات الله عليه وسلامه - فلو ذكرت على خلاف ما كان [كان] لهم في ذلك مقال.
ويحتمل معنى الإضافة إليه وجهاً آخر، وهو: أنه لم يجعل منافع هذه الناقة لهم، ولا جعل عليهم مؤنتها، بل أخبر أنْ ذروها تأكل في أرض الله، جعل مؤنتها فيما يخرج من الأرض، ليست كسائر النوق التي جعل مؤنتها عليهم، ومنافعها لهم بإزاء ما جعل عليهم من المؤن، فمعنى التخصيص بالإضافة إليه لما لم يشرك فيها أحداً ولا في منافعها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ .
دلالة أن تلك الناقة كان غذاؤها مثل غداء سائر النوق، وإن كانت خارجة عن طباع سائر النوق من جهة الآية،؛ ليعلم أنها وإن كانت آية لرسالته ودلالة لنبوته فتشابهها لسائر النوق في هذه الجهة لا يخرجها عن حكم الآية، فعلى ذلك الرسل وإن كانوا ساووا غيرهم من الناس في المطعم والغذاء لا يمنع ذلك من أن يكونوا رسلاً، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ .
يحتمل: لا تتعرضوا لها قتلاً ولا قطعاً ولا عقراً لما ليست هي لهم، ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، وفي مواضع أخر: ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ ، فهذا يدل على أنه إنما أراد بالعذاب الأليم عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة؛ لأنه قد يأخذهم عذاب الآخرة بكفرهم، فالوعيد بأخذ العذاب لهم عذاب الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ ﴾ قد ذكرنا تأويله في قصة هود.
﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قيل: أنزلكم فيها تتخذون من سهولها قصوراً.
﴿ وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً ﴾ يذكرهم - عز وجل - ما أنعم عليهم من سعة المال، وبسط الرزق لهم، وما خصهم من اتخاذ البيوت من الجبال دون غيرهم من الناس، خص هؤلاء بسعة الرزق وبسط الأموال، وقوم هود بالقوة والبطش، بقوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ ، كان خصهم بفضل القوة والبطش والطول من بين غيرهم، وهؤلاء بسعة الأرزاق لهم وبسط الأموال، ﴿ فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ ﴾ من السعة في الأموال والبسط، وبما جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبما أقدركم على اتخاذ البيوت من الجبال لم يقدر على مثله أحد؛ لأن غيرهم من الخلائق إنما ينتفعون بالجبال على ما هي عليها، وأما هم فقد مكّن لهم على نحتها واتخاذها بيوتاً.
﴿ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .
أي: اذكروا نعمته، ولا تشركوا في عبادتكم غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .
قد ذكرنا أن الملأ من قومه هم كبراؤهم وسادتهم، استكبروا عليه لما رأوه دون أنفسهم في أمر الدنيا، فلم يتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ﴾ .
فيه دلالة أن من المستضعفين من قومه من لم يكن آمن؛ حيث خص لمن آمن منهم.
وفيه: أن أوّل من اتبع الرسل هم الضعفاء، وكذلك كان الأتباع للرسل جميعاً الضعفاء.
وقولهم: ﴿ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ، قول هؤلاء الذين آمنوا بصالح وصدقوه في رسالته لم يخرج في الظاهر جواب ما سألوا؛ لأنهم قالوا: ﴿ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، إنما سألوهم عن علمهم برسالته، لم يسألوهم عن إيمانهم به، فهم إنما أجابوا عن غير ما سئلوا في الظاهر، لكن يجوز أن يكنى بالعلم عن الإيمان، فكأنهم قالوا لهم: تؤمنون بصالح وتصدقونه؟
لأن العلم بالشيء قد يقع بلا صنع، والإيمان لا يكون إلا بصنع منهم؛ فكأنهم إنما سألوهم عن الإيمان به؛ لذلك قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ .
والثاني: كأنهم قالوا: بل علمنا أنه مرسل من ربه، وإنا بما أرسل به مؤمنون.
وفيه: دلالة أن من مكن له من العلم بأسباب جعلت له يصل بها إلى العلم، لم يعذر بجهله في ذلك بعد ما أعطي أسباب العلم؛ حيث قالوا: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه، أي: لا تعلمون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ فيه دلالة [أن] الإيمان: هو التصديق في اللغة، والتكذيب: هو ضد ما يكون به التصديق؛ حيث أجابوا بالتكذيب لإيمانهم به؛ لقولهم: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فهؤلاء لم يعرفوا جميع الطاعات إيماناً على ما عرفه بعض الناس، إنما عرفوه تصديقاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ ﴾ .
أضاف ها هنا العقر إليهم جميعاً، وفي موضع آخر أضاف إلى الواحد بقوله: ﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ﴾ ، وفي سورة ﴿ وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ كذلك أضاف إلى الواحد: ﴿ إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ لكن فيما كان مضافاً إليهم جميعاً يحتمل أن تولى واحد منهم عقرها بمشورتهم جميعاً، ومعونتهم، وتدبيرهم، وتراضيهم على ذلك، فأضيف إليهم ذلك لاجتماعهم على ذلك، وإلى الواحد فيما تولى جرحها ومنعها عن السير، ففيه دلالة لمذهب أصحابنا أن قطاع الطريق إذا تولى بعضهم القتل، وأخذ الأموال، ولم يتول بعضهم يتشاركون جميعاً: من تولى منهم، ومن لم يتول في حكم قطاع الطريق بعد أن يكون بعضهم عوناً لبعض، وكذلك إذا اجتمع قوم على قتل واحد، فتولى بعضهم القتل ولم يتول بعض بعد أن كانوا في عون أولئك، فإنهم يقتلون جميعاً، وعلى ذلك يخرج قول عمر - - حث قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم" وأهل صنعاء إذا اجتمعوا لا سبيل للكل أن يتولوا قتله، فدلّ أنه على العون والنصر لبعضهم بعضاً فيتشاركون جميعاً في القصاص على ما تشارك أولئك جميعاً في العذاب: من تولى عقرها ومن لم يتول، بعد أن كان ذلك العقر بمعونتهم، وبتراضيهم على ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .
إنما أخذهم العذاب لما استعجلوا منه العذاب، وكذبوه فيما يوعدهم العذاب ويعدهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ .
العتو: هو النهاية في التمرّد، والخلاف لأمره على العلم منهم بالخلاف لا على الغفلة والجهل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .
قيل: الزلزلة.
وقيل: الصيحة، وقال في آية أخرى [فأخذتهم الصيحة] [وقال في آية أخرى]: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ ﴾ ، والقصة في ذلك كله واحد، فجائز أن يكون ذلك واحداً، وإن اختلفت ألفاظه، وهو عبارة عن العذاب، وجائز أن تكون الصيحة لما صيح بهم صعقوا جميعاً فماتوا، وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ .
قيل: ميتين و [قيل] لازقين بالأرض قد ماتوا وذهبوا، ويقال: جثم الطائر: إذا لزق بالأرض، يقال: أجثمته، أي: ألزقته بالأرض، والمجثمة يقال: طائر يشد جناحاه ورجلاه، ثم يوضع بالأرض، ثم يرمي بالنبل حتى يموت، يقال: جثمت الطائر، أي: شددت رجليه وجناحيه.
يقال: جثم يجثم جثماً: إذا فعل ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .
أي: أعرض عنهم، وخرج من بينهم حين علم أن العذاب ينزل بهم.
وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، والنصيحة ما ذكرنا أن كل من دلّ آخر على ما به نجاته وسعى على دفع البلاء والهلاك عنه، فهو ناصح له، فعلى ذلك صالح وغيره من الرسل قد دلوا قومهم على ما به نجاتهم، وسعوا على دفع الهلاك عنهم، لكنهم لم يقبلوا النصيحة منهم.
<div class="verse-tafsir"
قال السادة والرؤساء ممن استكبروا من قومه للمؤمنين من قومه الذين يستضعفونهم: أتعلمون -أيها المؤمنون- أن صالحًا رسول من الله حقًّا؟
فأجابهم المؤمنون المستضعفون: إنا بالذي أرسل به صالح إلينا مصدقون ومقرّون ومنقادون، وبشرعه عاملون.
<div class="verse-tafsir" id="91.aMVwW"