الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٨٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( و ) قد أرسلنا ) لوطا ) أو تقديره : ( و ) اذكر ( لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) ولوط هو ابن هاران بن آزر ، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ، عليهما السلام ، وكان قد آمن مع إبراهيم ، عليه السلام ، وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله تعالى إلى أهل " سدوم " وما حولها من القرى ، يدعوهم إلى الله ، عز وجل ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها ، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم ، وهو إتيان الذكور .
وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ، ولا يخطر ببالهم ، حتى صنع ذلك أهل " سدوم " عليهم لعائن الله .
قال عمرو بن دينار : قوله : ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) قال : ما نزا ذكر على ذكر ، حتى كان قوم لوط .
وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي ، باني جامع دمشق : لولا أن الله ، عز وجل ، قص علينا خبر لوط ، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا .
ولهذا قال لهم لوط ، عليه السلام : ( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين)
القول في تأويل قوله : وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا لوطًا.
* * * ولو قيل: معناه: واذكر لوطًا ، يا محمد ، (إذ قال لقومه) = إذ لم يكن في الكلام صلة " الرسالة " كما كان في ذكر عاد وثمود = كان مذهبًا.
* * * وقوله: ( إذ قال لقومه ) ، يقول: حين قال لقومه من سَدُوم، وإليهم كان أرسل لوط=( أتأتون الفاحشة ) ، وكانت فاحشتهم التي كانوا يأتونها ، التي عاقبهم الله عليها ، إتيان الذكور (13) =(ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) ، يقول: ما سبقكم بفعل هذه الفاحشة أحد من العالمين ، وذلك كالذي:- 14833-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار قوله: ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) ، قال: ما رُئي ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
------------------ الهوامش : (13) انظر تفسير"الفاحشة" فيما سلف: ص: 402 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمينفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى ولوطا إذ قال لقومه قال الفراء : لوط مشتق من قولهم : هذا أليط بقلبي ، أي ألصق .
وقال النحاس : قال الزجاج زعم بعض النحويين - يعني الفراء - أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين .
قال : وهذا غلط ; لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق ، فلا يقال : إنه من السحق وهو البعد .
وإنما صرف لوط لخفته لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط .
قال النقاش : لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية .
فأما لطت الحوض ، وهذا أليط بقلبي من هذا ، فصحيح .
ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق .
قال سيبويه : نوح ولوط أسماء أعجمية ، إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت .بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم ، وكان ابن أخي إبراهيم .
ونصبه إما ب أرسلنا المتقدمة فيكون معطوفا .
ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى واذكر .[ ص: 219 ] الثانية قوله تعالى أتأتون الفاحشة يعني إتيان الذكور .
ذكرها الله باسم الفاحشة ليبين أنها زنى ; كما قال الله تعالى : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة .واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه ; فقال مالك : يرجم ; أحصن أو لم يحصن .
وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلما .
وروي عنه أيضا : يرجم إن كان محصنا ، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن .
وهو مذهب عطاء والنخعي وابن المسيب وغيرهم .
وقال أبو حنيفة : يعذر المحصن وغيره ; وروي عن مالك .
وقال الشافعي : يحد حد الزنى قياسا عليه .
احتج مالك بقوله تعالى : وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل .
فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم .
فإن قيل : لا حجة فيها لوجهين ; أحدهما : أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم .
الثاني : أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها ; فدل على خروجها من باب الحدود .
قيل : أما الأول فغلط ; فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاص فأخذهم بها ; منها هذه .
وأما الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راض ، فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه .
وهي حكمة الله وسنته في عباده .
وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا .
والله أعلم .
وقد روى أبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي والدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به .
لفظ أبي داود وابن ماجه .
وعند الترمذي أحصنا أو لم يحصنا .
وروى أبو داود والدارقطني عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية قال : يرجم .
وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة حين [ ص: 220 ] عمل عمل قوم لوط بالنار .
وهو رأي علي بن أبي طالب ; فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه ; فقال علي : إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما علمتم ، أرى أن يحرق بالنار .
فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار .
فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه .
ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه .
ثم أحرقهم هشام بن الوليد .
ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق .
وروي أن سبعة أخذوا في زمن ابن الزبير في لواط ; فسأل عنهم فوجد أربعة قد أحصنوا فأمر بهم فخرجوا بهم من الحرم فرجموا بالحجارة حتى ماتوا ، وحد الثلاثة ; وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ينكرا عليه .
وإلى هذا ذهب الشافعي .
قال ابن العربي : والذي صار إليه مالك أحق ، فهو أصح سندا وأقوى معتمدا .
وتعلق الحنفيون بأن قالوا : عقوبة الزنى معلومة ; فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألا يشاركها في حدها .
ويأثرون في هذا حديثا : من وضع حدا في غير حد فقد تعدى وظلم .
وأيضا فإنه وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان ، ولا وجوب مهر ولا ثبوت نسب ; فلم يتعلق به حد .الثالثة : فإن أتى بهيمة فقد قيل : لا يقتل هو ولا البهيمة .
وقيل : يقتلان ; حكاه ابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن .
وفي الباب حديث رواه أبو داود والدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه .
فقلنا لابن [ ص: 221 ] عباس : ما شأن البهيمة ؟
قال : ما أراه قال ذلك ، إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل .
قال ابن المنذر : إن يك الحديث ثابتا فالقول به يجب ، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيرا ، وإن عزره الحاكم كان حسنا .
والله أعلم .
وقد قيل : إن قتل البهيمة لئلا تلقي خلقا مشوها ; فيكون قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من السنة .
والله أعلم .
وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال : ليس على الذي زنى بالبهيمة حد .
قال أبو داود : وكذا قال عطاء .
وقال الحكم : أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد .
وقال الحسن : هو بمنزلة الزاني .
وقال الزهري : يجلد مائة أحصن أو لم يحصن .
وقال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي يعزر .
وروي عن عطاء والنخعي والحكم .
واختلفت الرواية عن الشافعي ، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب .
وقال جابر بن زيد : يقام عليه الحد ، إلا أن تكون البهيمة له .الرابعة قوله تعالى ما سبقكم بها من أحد من العالمين من لاستغراق الجنس ، أي لم يكن اللواط في أمة قبل قوم لوط .
والملحدون يزعمون أن ذلك كان قبلهم .
والصدق ما ورد به القرآن .
وحكى النقاش أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه لعنه الله ، فكان ينكح بعضهم بعضا .
قال الحسن : كانوا يفعلون ذلك بالغرباء ، ولم يكن يفعله بعضهم ببعض .
وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط .
وقال محمد بن سيرين : ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار .
أي: { و ْ} اذكر عبدنا { لُوطًا ْ} عليه الصلاة والسلام، إذ أرسلناه إلى قومه يأمرهم بعبادة اللّه وحده، وينهاهم عن الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فقال: { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ْ} أي: الخصلة التي بلغت - في العظم والشناعة - إلى أن استغرقت أنواع الفحش، { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ْ} فكونها فاحشة من أشنع الأشياء، وكونهم ابتدعوها وابتكروها، وسنوها لمن بعدهم، من أشنع ما يكون أيضا.
قوله تعالى : ( ولوطا ) أي : وأرسلنا لوطا .
وقيل : معناه واذكر لوطا .
وهو لوط بن هاران بن تارخ ، ابن أخي إبراهيم ، ( إذ قال لقومه ) وهم أهل سدوم وذلك أن لوطا شخص من أرض بابل سافر مع عمه إبراهيم عليه السلام مؤمنا به مهاجرا معه إلى الشام ، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل لوطا الأردن ، فأرسله الله - عز وجل - إلى أهل سدوم فقال لهم ، ( أتأتون الفاحشة ) يعني : إتيان الذكران ، ( ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) قال عمرو بن دينار ما يرى ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط .
«و» اذكر «لوطا» ويبدل منه «إذا قال لقومه أتأتون الفاحشة» أي أدبار الرجال «ما سبقكم بها من أحد من العالمين» الإنس والجن.
واذكر -أيها الرسول- لوطًا عليه السلام حين قال لقومه: أتفعلون الفعلة المنكرة التي بلغت نهاية القبح؟
ما فعلها مِن أحد قبلكم من المخلوقين.
ثم حكت لنا السورة بعد ذلك جانبا مما دار بين لوط وقومه فقالت : ( وَلُوطاً إِذْ قَالَ .
.
.
.
) .قال ابن كثير : لوط .
هو ابن هاران بن آزر وهو ابن أخى إبراهيم ، وكان قد آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى يدعوهم إلى الله - تعالى - ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها لم يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم ، وهو إتيان الذكور دون الإناث ، وهذا شىء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم " حتى صنع ذلك أهل سدوم - وهى قرية بوادى الأردن - عليهم لعائن الله " .وقوله - تعالى - : ( وَلُوطاً ) منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق أى : وأرسلنا لوطا و ( إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ) ظرف لأرسلنا ، وجوز أن يكون ( لُوطاً ) منصوبا باذكر محذوفا فيكون من عطف القصة على القصة ، و ( إِذْ ) بدل من اشتمال بناء على أنها لا تلزم الظرفية .وقوله : ( أَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين ) .أى : أتفعلون تلك الفعلة التى بلغت نهاية القبح والفحش ، والتى ما فعلها أحد قبلكم فى زمن من الأزمان فأنتم أول من ابتدعها فعليكم وزرها ووزر من عملها إلى يوم القيامة ، والاستفهام ، للانكار والتوبيخ قال عمر بن دينار : " ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط " .وقال الوليد بن عبد الملك : " لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكراً يعلوا ذكرا " والباء فى ( بِهَا ) كما قال الزمخشرى - للتعدية ، من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ومن قوله صلى الله عليه وسلم : " سبقك بها عكاشة " و ( مِنْ ) فى قوله : ( مِنْ أَحَدٍ ) لتأكيد النفى وعمومه المستغرق لكل البشر .والجملة - كما قال أبو السعود - مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ والتقريع ، فإن مباشرة القبح قبيح واختراعه أقبح ، فأنكر عليهم أولا إتيان الفاحشة ، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها " .
اعلم أن هذا هو القصة الرابعة.
قال النحويون: إنما صرف لوط ونوح لخفته، فإنه مركب من ثلاثة أحرف، وهو ساكن الوسط ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ أتفعلون السيئة المتمادية في القبح؟
وفي قوله: ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال صاحب الكشاف: ﴿ من ﴾ الأولى زائدة لتوكيد النفي، وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ مع أن الشهوة داعية إلى ذلك العمل أبداً؟
والجواب: أنا نرى كثيراً من الناس يستقذر ذلك العمل، فإذا جاز في الكثير منهم استقذاره لم يبعد أيضاً انقضاء كثير من الإعصار بحيث لا يقدم أحد من أهل تلك الأعصارعليه، وفيه وجه آخر، وهو أن يقال: لعلهم بكليتهم أقبلوا على ذلك العمل، والإقبال بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الأعصار السابقة.
قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء.
وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض.
البحث الثاني: قوله: ﴿ ما سبقكم ﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً في التوبيخ لهم، ويجوز أن يكون صفة الفاحشة، كقوله تعالى: ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ وقال الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني...
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلُوطًا ﴾ وأرسلنا لوطاً.
و ﴿ إِذْ ﴾ ظرف لأرسلنا.
واذكر لوطاً، وإذ بدل منه، بمعنى: واذكر وقت: ﴿ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة ﴾ أتفعلون السيئة المتمادية في القبح ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا ﴾ ما عملها قبلكم، والباء للتعدية من قولك: سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله.
ومنه قوله عليه الصلاة و السلام: «سبقك بها عكاشة» ﴿ مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين ﴾ (من) الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟
قلت: هي جملة مستأنفة، أنكر عليهم أوّلاً بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ الفاحشة ﴾ ثم وبخهم عليها فقال: أنتم أوّل من عملها.
أو على أنه جواب لسؤال مقدّر، كأنهم قالوا: لما لانأتيها؟
فقال: ما سبقكم بها أحد، فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال ﴾ بيان لقوله: أتأتون الفاحشة.
والهمزة مثلها في ﴿ أَتَأْتُونَ ﴾ للإنكار والتعظيم.
وقرئ: ﴿ إنكم ﴾ على الإخبار المستأنف لتأتون الرجال، من أتى المرأة إذا غشيها ﴿ شَهْوَةً ﴾ مفعول له، أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلاّ مجرّد الشهوة من غير داع آخر، ولا ذمّ أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، و أنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه أو حال بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماجة ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم أسرفوا في بعض قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد.
ونحوه ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴾ [الشعراء: 166] .
﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ ﴾ يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط عليه السلام، من إنكار الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشرّ كله، لكنهم جاؤا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته، من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم، ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم.
وقولهم: ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخاراً بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذالمتزهد ﴿ وَأَهْلَهُ ﴾ ومن يختصّ به من ذويه أو من المؤمنين ﴿ مِنَ الغابرين ﴾ من الذين غبروا في ديارهم، أي بقوا فهلكوا.
والتذكير لتغليب الذكور على الإناث.
وكانت كافرة موالية لأهل سدوم.
وروي: أنها التفتت فأصابها حجر فماتت.
وقيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن.
وقيل: كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة، فأمطر الله عليهم الكبريت والنار.
وقيل: خسف بالمقيمين منهم، وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم.
وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم.
وروي: أن تاجراً منهم كان في الحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه.
فإن قلت: أي فرق بين مطر وأمطر؟
قلت: يقال مطرتهم السماء وواد ممطور.
وفي نوابغ الكلم: حرى غير ممطور.
وحرى أن يكون غير ممطور ومعنى مطرتهم: أصابتهم المطر، كقولهم: غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم.
ويقال: أمطرت عليهم كذا، بمعنى أرسلته عليهم إرسال المطر ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء ﴾ [الأنفال: 32] ، ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ ﴾ [هود: 82] .
ومعنى ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا ﴾ وأرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً يعني الحجارة.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَسَاء مَطَرُ المنذرين ﴾ [الأعراف: 84] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلُوطًا ﴾ أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا.
﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ﴾ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم أوْ واذْكُرْ لُوطًا وإذْ بَدَلٌ مِنهُ.
﴿ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ عَلى تِلْكَ الفِعْلَةِ المُتَمادِيَةِ في القُبْحِ.
﴿ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ ﴾ ما فَعَلَها قَبْلَكم أحَدٌ قَطُّ.
والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ ومِنَ الأُولى لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والِاسْتِغْراقِ، والثّانِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِلْإنْكارِ كَأنَّهُ وبَّخَهم أوَّلًا بِإتْيانِ الفاحِشَةِ ثُمَّ بِاخْتِراعِها فَإنَّهُ أسْوَأُ.
﴿ إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ﴾ وهو أبْلَغُ في الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ « إنَّكم» عَلى الإخْبارِ المُسْتَأْنَفِ، وشَهْوَةٌ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ وفي التَّقْيِيدِ بِها وصْفُهم بِالبَهِيمِيَّةِ الصِّرْفَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى المُباشَرَةِ طَلَبَ الوَلَدِ وبَقاءَ النَّوْعِ، لا قَضاءَ الوَطَرِ.
﴿ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ إلى الإخْبارِ عَنْ حالِهِمُ الَّتِي أدَّتْ بِهِمْ إلى ارْتِكابِ أمْثالِها وهي اعْتِيادُ الإسْرافِ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْها إلى الذَّمِّ عَلى جَمِيعِ مَعايِبِهِمْ، أوْ عَنْ مَحْذُوفٍ مِثْلَ لا عُذْرَ لَكم فِيهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ.
<div class="verse-tafsir"
{ولوطا إذ قال لقومه} أى واذكروا لوطاء إذ بدل منه {أتأتون الفاحشة} أتفعلون السشئة المتمادية في القبح {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا} ما عملها قبلكم والباء للتعدية ومنه قوله عليه السلام سبقك بها عكاشة {مّنْ أَحَدٍ} من زائدة لتأكيد النى ف وافادة معنى الاستغارق {مّن العالمين} من للتبعيض وهذه جملة مستأنفة انكر عليهم أو لا بقوله أتأتون الفاشحة ثم وبخهم علهيا فقال أنتم أول من عملها
﴿ ولُوطًا ﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ أرْسَلْنا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ أوْ بِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرٍ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ عَلى طُرُزِ ما سَبَقَ وما لَحِقَ لِأنَّ قَوْمَهُ عَلى ما قِيلَ لَمْ يُعْهَدُوا باسِمٍ مَعْرُوفٍ يَقْتَضِي الحالُ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُضافًا إلَيْهِمْ كَما في القِصَصِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ وهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَخَ وابْنُ إسْحاقَ ذَكَرَ بَدَلَ تارَخَ مازَرَ وأكْثَرُ النَّسّابِينَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ورَواهُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ أنَّ أبا لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمُّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ لُوطًا كانَ ابْنَ خالَةِ إبْراهِيمَ وكانَتْ سارَةُ زَوْجَتُهُ أُخْتَ لُوطٍ وكانَ في أرْضِ بابِلَ مِنَ العِراقِ مَعَ إبْراهِيمَ فَهاجَرَ إلى الشّامِ ونَزَلَ فِلَسْطِينَ وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَ وهو كُرَةٌ بِالشّامِ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ وهي بَلْدَةٌ بِحِمْصٍ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُرْسِلَ لُوطٌ إلى المُؤْتَفِكاتِ وكانَتْ قُرى لُوطٍ أرْبَعَ مَدائِنَ سَدُومَ وأُمُورا وعامُورا وصَبُوِيرَ وكانَ في كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ وكانَتْ أعْظَمَ مَدائِنِهِمْ سَدُومُ وكانَ لُوطٌ يَسْكُنُها وهي مِن بِلادِ الشّامِ ومِن فِلَسْطِينَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وهَذا اللَّفْظُ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن لِطْتُ الحَوْضَ إذا ألْزَقْتُ عَلَيْهِ الطِّينَ ويُقالُ: هَذا ألْوَطُ بِقَلْبِي مِن ذَلِكَ أيْ ألْصَقُ بِهِ ولاطَ الشَّيْءَ أخْفاهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ﴾ ظَرْفٌ لِأرْسَلْنا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ واعْتُرِضَ بِأنَّ الإرْسالَ قَبْلَ وقْتِ القَوْلِ لا فِيهِ كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ ودُفِعَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ الظَّرْفُ مُمْتَدًّا كَما يُقالُ زَيْدٌ في أرْضِ الرُّومِ فَهو ظَرْفٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ يُعْتَبَرُ وُقُوعُ المَظْرُوفِ في بَعْضٍ أجْزائِهِ كَما قَرَّرَهُ القُطْبُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لُوطًا ) مَنصُوبًا بِاذْكُرْ مَحْذُوفًا فَيَكُونُ في عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ و ﴿ إذْ ﴾ بَدَلٌ مِن لُوطٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ بِناءً عَلى أنَّها تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ ظَرْفُ الرِّسالَةِ مَحْذُوفًا أيْ واذْكُرْ رِسالَةَ لُوطٍ إذْ قالَ ﴿ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ أيْ أتَفْعَلُونَ تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي بَلَغَتْ أقْصى القُبْحِ وغايَتَهُ ﴿ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ ﴾ (80) أيْ ما عَمِلَها أحَدٌ قَبْلَكم في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما في الكَشّافِ مِن قَوْلِكَ: سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ إذا ضَرَبْتَها قَبْلَهُ ومِنهُ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ «سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ» وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ مَعْنى التَّعْدِيَةِ هُنا قَلِقٌ جِدًّا لِأنَّ الباءَ المُعَدِّيَةَ في الفِعْلِ المُعَدّى إلى واحِدٍ تَجْعَلُ المَفْعُولَ الأوَّلَ يَفْعَلُ ذَلِكَ الفِعْلَ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ فَهي كالهَمْزَةِ فَإذا قُلْتَ صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ كانَ مَعْناهُ أصْكَكْتُ الحَجَرَ الحَجَرَ أيْ جَعَلْتُ الحَجَرَ يَصُكُّ الحَجَرَ وكَذَلِكَ دَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو عَنْ خالِدٍ مَعْناهُ أدْفَعْتُ زَيْدًا عَمْرًا عَنْ خالِدٍ أيْ جَعَلْتُ زَيْدًا يَدْفَعُ عَمْرًا عَنْ خالِدٍ فَلِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ تَأْثِيرٌ عَلى الثّانِي ولا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيما ذُكِرَ إلّا بِتَكَلُّفٍ فالظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ ما سَبَقَكم أحَدٌ مُصاحِبًا ومُلْتَبِسًا بِها ودُفِعَ أنَّ المَعْنى عَلى التَّعْدِيَةِ ومَعْنى سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ أسْبَقْتُ كُرَتِي كُرَتَهُ لِأنَّ السَّبْقَ بَيْنَهُما لا بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ أوِ الضَّرْبَتَيْنِ وكَذا في الآيَةِ ومِثْلُهُ يُفْهَمُ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: إنَّ المَعْنى سَبَقْتُ ضَرْبَهُ الكَرَّةَ بِضَرْبِي الكَرَّةَ أيْ جَعَلْتُ ضَرْبِيَ الكَرَّةَ سابِقًا عَلى ضَرْبِهِ الكَرَّةَ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ جَعْلَ الباءِ لِلظَّرْفِيَّةِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى ما يَحْتاجُهُ جَعْلُها لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما سَبَقَكم في فِعْلِ الفاحِشَةِ أحَدٌ ولَعَلَّ الأمْرَ كَما قالَ و( مِنَ ) الأُولى صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا نَأْتِيها فَقالَ: ما سَبَقَكم بِها أحَدٌ فَلا تَفْعَلُوا ما لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْهِ مِنَ المُنْكَراتِ لِأنَّهُ أشَدُّ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ سَبَبَ إنْكارِ الفاحِشَةِ كَوْنُها مُخْتَرَعَةً ولَوْلاهُ لَما أُنْكِرَتْ إذْ لا مَجالَ لَهُ بَعْدَ كَوْنِها فاحِشَةً ووَجْهُ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدَةً لِلنَّكِيرِ أنَّها مُؤْذِنَةٌ بِاخْتِراعِ السُّوءِ ولا شَكَّ أنَّ اخْتِراعَهُ أسْوَأُ إذْ لا مَجالَ لِلِاعْتِذارِ عَنْهُ كَما اعْتَذَرُوا عَنْ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ مَثَلًا بِقَوْلِهِمْ: ( إنّا وجَدْنا آباءَنا ) .
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ والنَّيْسابُورِيُّ جَوَّزَ كَوْنَها صِفَةً لِلْفاحِشَةِ عَلى حَدِّ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ورُدَّ بِأنَّ الفاحِشَةَ هُنا مُتَعَيَّنَةٌ دُونَ اللَّئِيمِ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ مِن نَفْيِ سَبْقِ أحَدٍ بِها إيّاهم كَوْنُهم سابِقِينَ بِها كُلَّ أحَدٍ مِمّا عَداهم مِنَ العالَمِينَ لا مُساواتُهُمُ الغَيْرَ بِها فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ والَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانَتْ لَهم ثِمارٌ في مَنازِلِهِمْ وحَوائِطِهِمْ وثِمارٌ خارِجَةٌ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ وأنَّهم أصابَهم قَحْطٌ وقِلَّةٌ مِنَ الثِّمارِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّكم إنْ مُنِعْتُمْ ثِمارَكم هَذِهِ الظّاهِرَةَ مِن أبْناءِ السَّبِيلِ كانَ لَكم فِيها عَيْشٌ قالُوا: بِأيِّ شَيْءٍ نَمْنَعُها قالُوا: اجْعَلُوا سُنَّتَكم أنْ تَنْكِحُوا مَن وجَدْتُمْ في بِلادِكم غَرِيبًا وتُغَرِّمُوهُ أرْبَعَةَ دَراهِمَ فَإنَّ النّاسَ لا يَظْهَرُونَ بِبِلادِكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ واسْتَحْكَمَ فِيهِمْ وفي بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جاءَهم عِنْدَ ذِكْرِهِمْ ما ذَكَرُوا في هَيْئَةِ صَبِيٍّ أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَرُؤُوا عَلى ذَلِكَ وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنْ طاوُسٍ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ إنَّما أتَوُا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ ثُمَّ أتَوُا الرِّجالَ وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ العالَمِينَ ﴾ دُونَ مِنَ النّاسِ مُبالَغَةً لا تَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يعني: وأرسلنا لوطاً إلى قومه.
ويقال: معناه واذكروا لوطا إذ قال لقومه أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني: اللواطة مَا سَبَقَكُمْ بِها يعني: لم يعمل بمثل عملكم مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ قبلكم إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ أي: تجامعون الرجال من دون النساء يعني: إن إتيان الرجال أشهى إليكم من إتيان النساء وقرأ أبو عمرو آيِنَّكُمْ بالمد بغير همز وقرأ ابن كثير ونافع إنَّكُمْ بهمزة واحدة بغير مد.
وقرأ الباقون بهمزتين بغير مد ومعنى ذلك كله واحد وهو الاستفهام.
ثم قال: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أي: متعدون من الحلال إلى الحرام وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا وإنما صار جواب نصباً لأنه خبر كان والاسم هو ما بعده إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يعني: يتقذرون منا ويتنزهون عن فعلنا فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ يعني: ابنتيه زعوراء وريثا إِلَّا امْرَأَتَهُ وهي واعلة كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ يعني: من الباقين في الهلاك فيمن أهلكوا وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً يعني: الحجارة ويقال: أمطر بالعذاب ومطر بالرحمة.
ويقال: أمطر ومطر بمعنى واحد فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي: كيف كان آخر أمرهم، وقد بيّن قصته في سورة هود.
وقال مجاهد: لو أن الذي يعمل عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء، وبكل قطرة في الأرض، ما زال نجساً إلى يوم القيامة وقد اختلف الناس في حَدِّه.
قال بعضهم: هو كالزاني فإن كان محصناً يرجم وإن كان غير محصن يجلد.
وروي عن الشعبي أنه قال: يرجم في الأحوال كلها محصناً كان أو غير محصن.
وروي عن علي بن أبي طالب- - أنه أتي برجل قد عمل بذلك العمل، فأمر بأن يلقى من أشرف البناء منكوساً ثم يتبع بالحجارة، لأن الله تعالى ذكر قتلهم بالحجارة.
وهو قوله تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً أي: حجارة وقال بعضهم: يعزر ويحبس حتى تظهر توبته ولا يحد وهو قول أبي حنيفة- رحمة الله-.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
على صَدْره، ف جاثِمِينَ: معناه: باركين قَدْ صُعِقَ بهم، وهو تشبيه بجُثُوم الطير، وجُثُوم الرماد، وقال بعض المفسرين: معناه: حميماً محترقين كالرماد الجاثم، وذهب صاحبُ هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعقُ مُحْرِقَةٌ، وروي أن الصيحةَ أصابَتْ كلَّ مَنْ كان منهم في شَرْق الأرض وغَرْبِهَا إِلاَّ رَجُلاً كان في الحَرَم، فمنعه الحرمُ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ خروجه من الحَرَم ففي «مُصَنَّف أبي داود» ، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟
قال: أبو رغال «١» ، وذكره الطبريّ أيضا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الخبر يردُّ ما في السير من أَنَّ أَبا رُغَالٍ هو دليلُ الفِيل، وقوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ، أي: تولَّى عنهم وقت عَقْر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب وكذلك رُوِيَ أنه عليه السلام خَرَجَ مِنْ بين أظهرهم قبل نزول العذاب، وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابُهُ لهم وهُمْ موتى على جهة التفجُّع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك كما خاطب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهْل قليب بَدْر.
قال الطبريُّ وقيل: إنه لم تَهْلِكْ أُمَّة، ونبيُّها «٢» معها، ورُوِيَ أنه ارتحلَ بمَنْ معه حتَّى جاء مكَّة، فأقام بها حتى مات، ولفظ التولِّي يقتضي اليأْس مِنْ خَيْرهم، واليقينَ في إِهلاكهم، وقوله:
وَلكِنْ لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ: عبارةٌ عن تغليبهم الشهواتَ عَلَى الرأْي السديد إذ كلامُ الناصح صَعْبٌ مُضادٌّ لشهوة الذي يُنصحُ، ولذلك تقول العرب: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.
وقوله سبحانه: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.
لوطٌ عليه عليه السلام بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسّمى «سدوم» وروي أنه ابن أخي
إِبراهيمَ عليه السلام ونَصْبُه: إما ب «أرسلنا» المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره: واذكر لوطا، والْفاحِشَةَ: إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة عند مالك وغيره: الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن «١» ، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ رضي الله عنه رجلا عمل عَمِلَ قومِ لوط «٢» ، وقرأ نافع وغيره: «أَنَّكُمْ» على الخبر كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ: الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان، ويَتَطَهَّرُونَ: معناه: يتنزَّهون عن حالنا وعادَتِنا.
قال قتادة: عَابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذَمٍّ «٣» واستثنى اللَّه سبحانه امرأة لوطٍ عليه السلام من الناجينَ، وأخبر أنها هَلَكَتْ، والغابِرُ: هو الباقي هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء الغَابِرُ بمعنى الماضِي، وكذلك حَكَى أهل اللغةُ «غَبَرَ» بمعنى بَقِيَ، وبمعنى «مضى» ، وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ...
الآية، أي: بحجارةٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى بعث جبريل، فاقتلعها بجناحِهِ، وهي ستُّ مدن.
/ وقيل خمسٌ، وقيل: أربع، فرفعها حتَّى سمع أَهْلُ السماء الدنيا صُرَاخَ الدِّيَكَة، وَنُبَاحَ الكِلاَبِ، ثم عكَسَها، وَرَدَّ أعلاها أَسْفَلَهَا، وأرسلها إِلى الأرض، وتبعتهم الحِجَارَةُ مع هذا، فأهلكَتْ مَنْ كان منهم، مَنْ كان في سَفَر، أو خارجاً من البقع المرفوعةِ، وقالت امرأة لوط، حين سمعت الوجبة: وا قوماه، والتفتت، فأصابتها صخرة فقتلتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ يَقُولُ: انْصَرَفَ صالِحٌ عَنْهم بَعْدَ عَقْرِ النّاقَةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنِ اخْرُجْ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَإنِّي مُهْلِكُهم.
وقالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ لَنا أنَّ صالِحًا أسْمَعَ قَوْمَهُ كَما أسْمَعَ نَبِيُّكم قَوْمَهُ، يَعْنِي: بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ﴾ يَعْنِي إتْيانَ الرِّجالِ.
﴿ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ ﴾ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذِكْرَ عَلى ذِكْرٍ في الدُّنْيا حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ.
وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: لُوطٌ: مُشْتَقٌّ مِن لَطَّتِ الحَوْضُ: إذا مَلَّسْتَهُ بِالطِّينِ.
قالَ الزَّجّاجُ وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَإسْحاقَ، ولا يُقالُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّحْقِ وهو البُعْدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.
والمُسْرِفُ: المُجاوِزُ ما أمَرَ بِهِ.
و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ ﴾ يَعْنِي: لُوطًا وأتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ ﴿ إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ وأدْبارِ النِّساءِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ ﴾ ﴿ إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ ﴿ وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ﴾ "لُوطٌ" - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَعَثَهُ اللهُ تَعالى إلى أُمَّةٍ تُسَمّى "سَدُومَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصْبُهُ إمّا بِـ "أرْسَلْنا"؛ اَلْمُتَقَدِّمِ في الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ لُوطًا"؛ واسْتِفْهامُهُ لَهم هو عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَوْبِيخِ والتَشْنِيعِ.
و"اَلْفاحِشَةَ"؛ هُنا: إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ في أُمَمٍ قَبْلَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنْ كانَ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي هَذا؛ فَقَدَ كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها: "ما سَبَقَكم أحَدٌ إلى لُزُومِها؛ وتَشْهِيرِها؛ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا؛ ورُوِيَ أنَّهم إنَّما كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ؛ قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ؛ قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَكى النَقّاشُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ أصْلَ عَمَلِهِمْ؛ إذْ دَعاهم إلى نَفْسِهِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عامِلُ اللِواطِ كالزانِي؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: يُرْجَمُ؛ أُحْصِنَ أو لَمْ يُحْصَنْ؛ وحَرَقَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - رَجُلًا يُسَمّى "اَلْفَجْأةُ"؛ حِينَ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إنَّكُمْ"؛ عَلى الخَبَرِ؛ كَأنَّهُ فَسَّرَ الفاحِشَةَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ: "أئِنَّكُمْ"؛ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ وهَذا لِأنَّ الأوَّلَ اسْتِفْهامٌ عن أمْرٍ مُجْمَلٍ؛ والثانِي عن مُفَسَّرٍ؛ إلّا أنَّ حَمْزَةَ ؛ وعاصِمًا؛ قَرَآ بِهَمْزَتَيْنِ؛ ولَمْ يَهْمِزْ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ إلّا واحِدَةً.
و"شَهْوَةً": نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ مِن قَوْلِكَ: "شَهِيتُ الشَيْءَ؛ شَهاةً"؛ والمَعْنى: تَدَعُونَ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِالوَطْءِ؛ وهو ابْتِغاءُ ما كَتَبَ اللهُ تَعالى مِنَ الوَلَدِ؛ وتَنْفَرِدُونَ بِالشَهْوَةِ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بَلْ أنْتُمْ"؛ ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإخْبارِ عنهُمْ؛ أو تَقْرِيرِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ؛ وتَرْكٌ لِذَلِكَ؛ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ قَدْ تَجاوَزُوا الحَدَّ وارْتَكَبُوا الحَظْرَ؛ و"اَلْإسْرافُ": اَلزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "جَوابَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "جَوابُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ولَمْ تَكُنْ مُراجَعَةُ قَوْمِهِ بِاحْتِجاجٍ مِنهُمْ؛ ولا بِمُدافَعَةٍ عَقْلِيَّةٍ؛ وإنَّما كانَتْ بِكُفْرٍ؛ وصَرامَةٍ؛ وخِذْلانٍ بَحْتٍ؛ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "أخْرِجُوهُمْ"؛ ﴾ وتَعْلِيلُهُمُ الإخْراجَ بِتَطْهِيرِ المُخْرِجِينَ؛ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأهْلِهِ؛ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ؛ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ؛ ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ ابْنَتَيْهِ؛ وعَلى هَذا عُنِيَ في الضَمِيرِ هو وابْنَتاهُ؛ و ﴿ "يَتَطَهَّرُونَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: يَتَنَزَّهُونَ عن حالِنا؛ وعادَتِنا؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يَتَطَهَّرُونَ عن أدْبارِ الرِجالِ؛ والنِساءِ؛ قالَ قَتادَةُ: عابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ؛ وذَمُّوهم بِغَيْرِ ذَمٍّ؛ والخِلافُ في أهْلِهِ حَسْبَما تَقَدَّمَ.
واسْتَثْنى اللهُ تَعالى امْرَأةَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ الناجِينَ؛ وأخْبَرَ أنَّها هَلَكَتْ؛ و"اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ هَذا المَشْهُورُ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ غُبَّرُ الحَيْضِ؛ كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ: ومُبَرَّإٍ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغْيِلِ و"غُبَّرُ اللَبَنِ في الضَرْعِ": بَقِيَّتُهُ؛ فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ؛ والعِقابِ؛ أيْ: "مَعَ الباقِينَ؛ مِمَّنْ لَمْ يَنْجُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ مُعَمَّرٌ: ذَكَرَها اللهُ تَعالى بِأنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ؛ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ؛ فَكانَتْ غابِرَةً إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "إلا امْرَأتَهُ"؛ ﴾ اِكْتَفى تَعالى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَجاةُ؛ ولا الهَلَكَةُ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وقَدْ يَجِيءُ "اَلْغابِرُ"؛ بِمَعْنى الماضِي؛ وكَذَلِكَ حَكى أهْلُ اللُغَةِ: "غَبَرَ"؛ بِمَعْنى: "بَقِيَ"؛ وبِمَعْنى: "مَضى"؛ وأمّا قَوْلُ الأعْشى: عَضَّ بِما أبْقى المَواسِي لَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَمَنِ الغابِرِ فالظاهِرُ أنَّهُ أرادَ الماضِي؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى وقْتِ الهِجاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الزَمَنِ الباقِي"؛ وذَلِكَ بِالنِسْبَةِ إلى الحِينِ هو غابِرٌ بَعْدَ الإبْقاءِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَلَّقَ "فِي الزَمَنِ"؛ بِـ "عَضَّ"؛ فَيَكُونَ "اَلْغابِرُ": اَلْباقِي؛ عَلى الإطْلاقِ؛ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَصٌّ عَلى إمْطارٍ؛ وتَظاهَرَتِ الآياتُ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ أنَّهُ بِحِجارَةٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فاقْتَلَعَها بِجَناحِهِ؛ وهي سِتُّ مُدُنٍ؛ - وقِيلَ: خَمْسٌ؛ وقِيلَ: أرْبَعٌ - فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ نُهاقَ الحَمِيرِ؛ وصُراخَ الدِيَكَةِ؛ ثُمَّ عَكَسَها ورَدَّ أعْلاها أسْفَلَها؛ وأرْسَلَها إلى الأرْضِ؛ وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا؛ فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ؛ أو خارِجًا عَنِ البُقَعِ المَرْفُوعَةِ؛ وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ سَمِعَتِ الرَجَّةَ: واقَوْماهُ؛ والتَفَتَتْ؛ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ؛ فَقَتَلَتْها.
<div class="verse-tafsir"
عُطف ﴿ ولوطاً ﴾ على ﴿ نوحاً ﴾ في قوله: ﴿ لقد أرسلنا نوحاً ﴾ [الأعراف: 59] فالتّقدير: وأرسلنا لوطاً، وتغيير الأسلوب في ابتداء قصّة لوط وقومه إذ ابتُدئت بذكر (لوطاً) كما ابتدئت قصّة بذكر نوح لأنه لم يكن لقوم لوط اسم يعرفون به كما لم يكن لقوم نوح اسم يعرفون به.
و(إذ) ظرف متعلّق ب (أرسلنا) المقدر يعني أرسلناه وقت قال لقومه وجعل وقت القول ظرفاً للإرسال لإفادة مبادرته بدعوة قومه إلى ما أرسله الله به، والمقارنة التي تقتضيها الظّرفية بين وقت الإرسال ووقت قوله، مقارنةٌ عرفية بمعنى شدّة القرب بأقصى ما يستطاع من مبادرة التّبليغ.
وقوم لوط كانوا خليطاً من الكنعانيين وممّن نزل حولهم.
ولذلك لم يوصف بأنّه أخوهم إذ لم يكن من قبائلهم، وإنّما نزل فيهم واستوطن ديارهم.
ولوط عليه السّلام هو ابن أخِي إبراهيم عليه السّلام كما تقدّم في سورة الأنعام، وكان لوط عليه السّلام قد نزل ببلاد (سَدوم) ولم يكن بينهم وبينه قرَابة.
والقوم الذين أرسل إليهم لوط عليه السّلام هم أهل قرية (سدوم) و(عمُّورة) من أرض كنعان، وربّما أطلق اسم سدوم وعمُّورة على سكّانهما.
وهو أسلاف الفنيقيين وكانتا على شاطئ السديم، وهو بحر الملح، كما جاء في التّوراة وهو البحر الميّت المدعو (بحيرة لوط) بقرب أرشليم.
وكانت قرب سدوم ومن معهم أحدثوا فاحشة استمتاع الرّجال بالرّجال، فأمر الله لوطاً عليه السّلام لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمّه إبراهيم عليه السّلام أن ينهاهم ويغلظ عليهم.
فالاستفهام في ﴿ أتأتون ﴾ إنكاري توبيخي، والإتيان المستفهم عنه مجاز في التّلبّس والعمل، أي أتعملون الفاحشة، وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي كناية مشهورة.
والفاحشه: الفعل الدّنيء الذّميم، وقد تقدّم الكلام عليها عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ [الأعراف: 28]: والمراد هنا فاحشة معروفة، فالتّعريف للعهد.
وجملة: ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ مستأنفة استينافاً ابتدائياً، فإنّه بعد أن أنكر عليهم إتيان الفاحشة، وعبّر عنها بالفاحشة، وبّخهم بأنّهم أحدثوها، ولم تكن معروفة في البشر فقد سَنُّوا سنة سيّئة للفاحشين في ذلك.
ويجوز أن تكون جملة: ﴿ ما سبقكم بها من أحد ﴾ صفة للفاحشة، ويجوز أن تكون حالا من ضمير: ﴿ تأتون ﴾ أو من: ﴿ الفاحشة ﴾ .
والسبق حقيقته: وصول الماشي إلى مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره، ويستعمل مجازاً في التّقدّم في الزّمان، أي الأوّلية والابتداءِ، وهو المراد هنا، والمقصود أنّهم سبقوا النّاس بهذه الفاحشة إذ لا يقصد بمثل هذا التّركيب أنّهم ابتدأوا مع غيرهم في وقت واحد.
والباء لتعدية فعل (سبق) لاستعماله بمعنى (ابتدا) فالباء ترشيح للتّبعيّة.
و(مِنْ) الدّاخلة على (أحدٍ) لتوكيد النّفي للدّلالة على معنى الاستغراق في النّفي.
و(مِن) الداخلة على ﴿ العالمين ﴾ للتبعيض.
وجملة: ﴿ إنكم لتأتون الرجال ﴾ مبيّنة لجملة ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ ، والتّأكيد بإنّ واللاّم كناية عن التّوبيخ لأنّه مبني على تنزيلهم منزلة من ينكر ذلك لكونهم مسترسلون عليه غير سامعين لنهي النّاهي.
والإتيان كناية عن عمل الفاحشة.
وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: ﴿ إنكم ﴾ بهمزة واحدة مكسورة بصيغة الخبر، فالبيان راجع إلى الشيء المنكَر بهمزة الإنكار في ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ ، وبه يعرف بيان الإنكار، ويجوز اعتباره خبراً مستعملاً في التّوبيخ، ويجوز تقدير همزة استفهام حذفت للتّخفيف ولدلالة ما قبلها عليها.
وقرأه البقيّة: ﴿ أإنّكم ﴾ بهمزتين على صِيغة الاستفهام فالبيان للإنكار، وبه يعرف بيان المنكرَ، فالقراءتان مستويتان.
والشّهوة: الرّغبة في تحصيل شيء مرغوب، وهي مصدر شَهِي كرضى، جاء على صيغة الفَعْلة وليس مراداً به المرة.
وانتصب ﴿ شهوة ﴾ على المفعول لأجله.
والمقصود من هذا المفعول تفظيع الفاحشة وفاعِليها بأنّهم يشتهون ما هو حقيق بأن يُكره ويستفظع.
وقوله: ﴿ من دون النساء ﴾ زيادة في التّفظيع وقطععِ للعذر في فعل هذه الفاحشة، وليس قيداً للإنكار، فليس إتيان الرّجال مع إتيان النّساء بأقلّ من الآخر فظاعة، ولكن المراد أنّ إتيان الرّجال كلّه واقع في حالة من حقّها إتيان النّساء، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وتذَرون ما خلق لكم ربّكم من أزواجكم ﴾ [الشعراء: 166].
و ﴿ بل ﴾ للاضراب الانتقالي، للانتقال من غرض الإنكار إلى غرض الذمّ والتّحقير والتّنبيه إلى حقيقة حالهم.
والإسراف مجاوزة العمل مقدار أمثاله في نوعه، أي المُسرفون في الباطل والجرم، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ في سورة النّساء (6) وعند قوله تعالى: ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحبّ المسرفين ﴾ في سورة الأنعام (141).
ووصفُهم بالإسراف بطريق الجملة الاسميّة الدّالة على الثّبات، أي أنتم قوم تمكَّن منهم الإسراف في الشّهوات فلذلك اشتهوا شهوة غريبة لما سئموا الشهوات المعتادة.
وهذه شنشنة الاسترسال في الشّهوات حتّى يصبح المرء لا يشفي شهوته شيء، ونحوه قوله عنهم في آية أخرى: ﴿ بل أنتم قوم عادون ﴾ [الشعراء: 166].
ووجه تسمية هذا الفعل الشّنيع فاحشة وإسرافاً أنّه يشتمل على مفاسد كثيرة: منها استعمال الشّهوة الحيوانية المغروزة في غير ما غرزت عليه، لأنّ الله خلق في الإنسان الشّهوة الحيوانيّة لإرادة بقاء النّوع بقانون التّناسل، حتّى يكون الدّاعي إليه قهري ينسَاق إليه الإنسان بطبعه، فقضاء تلك الشّهوة في غير الغرض الذي وضعها الله لأجله اعتداء على الفطرة وعلى النّوع، ولأنّه يغير خصوصية الرُجلة بالنّسبة إلى المفعول به إذ يصير في غير المنزلة التي وضعه الله فيها بخلقته، ولأنّ فيه امتهاناً محضاً للمفعول به إذ يُجعل آلة لقضاء شهوة غيره على خلاف ما وضع الله في نظام الذّكورة والأنوثة من قضاء الشّهوتين معاً، ولأنّه مفض إلى قطع النّسل أو تقليله، ولأنّ ذلك الفعل يجلب أضراراً للفاعل والمفعول بسبب استعمال محليّن في غير ما خلقا له.
وحدثت هذه الفاحشة بين المسلمين في خلافة أبي بكر من رجل يسمّى الفجَاءة، كتب فيه خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصّدّيق أنّه عمل عمل قوم لوط وإذ لم يُحفظ عن النّبيء صلى الله عليه وسلم فيها حدّ معروف جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه، فقال عليّ: أرى أن يحرق بالنّار، فاجتمع رأي الصّحابة على ذلك فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه فأحرقه، وكذلك قضى ابن الزّبير في جماعة عملوا الفاحشة في زمانه، وهشام بن الوليد، وخالد القَسري بالعراق، ولعلّه قيَاس على أنّ الله أمْطر عليهم ناراً كما سيأتي.
وقال مالك: يرجم الفاعل والمفعولُ به، إذا أطاع الفاعلَ وكانا بالغين، رَجْمَ الزّاني المحصن.
سواء أُحصنا أم لم يُحصنا، وقاس عقوبتهم على عقوبة الله لقوم لوط إذ أمطر عليهم حجارة، والذي يؤخذ من مذهب مالك أنّه يجوز القياس على ما فعله الله تعالى في الدّنيا.
وروي أنّه أخذ في زمان ابن الزّبير أربعةٌ عمِلوا عمل قوم لوط، وقد أُحصنوا.
فأمر بهم فأخرجوا من الحرم فرجموا بالحجارة حتّى ماتوا، وعنده ابنُ عمر وابنُ عبّاس فلم ينكرا عليه.
وقال أبو حنيفة: يعزّر فاعله ولا يبلغ التّعزير حدّ الزّنى، كذا عزا إليه القرطبي، والذي في كتب الحنفيّة أنّ أبا حنيفة يرى فيه التّعزير إلاّ إذا تكرّر منه فيقتل، وقال أبو يوسف ومحمّد: فيه حدّ الزّنى، فإذا اعتاد ذلك ففيه التّعزير بالإحراق، أو يهدم عليه جدار، أو ينكس من مكان مرتفع ويتبع بالأحجار، أو يسجن حتّى يموت أو يتوب.
وذكر الغزنوي في «الحاوي» أنّ الأصح عن أبي يوسف ومحمّد التّعزير بالجلد (أي دون تفصيل بين الاعتياد وغيره) وسياق كلامهم التّسوية في العقوبة بين الفاعل والمفعول به.
وقال الشّافعي: يحدّ حدّ الزّاني: فإن كان محصناً فحدّ المحصن، وإن كان غير محصن فحدّ غير المحصن.
كذا حكاه القرطبي.
وقال ابن هبيرة الحنبلي، في كتاب «اختلاف الأيمّة»: إنّ للشّافعي قولين: أحدهما هذا، والآخر أنّه يرجم بكلّ حال، ولم يذكر له ترجيحاً، وقال الغزالي، في «الوجيز»: «للواط يوجب قتل الفاعل والمفعول على قول، والرّجمَ بكلّ حال على قول، والتّعزيرَ على قول، وهو كالزّني على قول» وهذا كلام غير محرّر.
وفي كتاب «اختلاف الأيمّة» لابن هبيرة الحنبلي: أن أظهر الرّوايتين عن أحمد أنّ في اللّواط الرّجم بكلّ حال، أي محصناً كان أو غير محصن، وفي رواية عنه أنّه كالزّنى، وقال ابن حزم، في «المحلى»: إنّ مذهب داود وجميعَ أصحابه أنّ اللّوطي يجلد دون الحد، ولم يصرّح، فيما نقلوا عن أبي حنيفة وصاحبيْه، ولا عن أحد، ولا الشّافعي بمساواة الفاعل والمفعول به في الحكم إلاّ عند مالك، ويؤخذ من حكاية ابن حزم في «المحلّى»: أنّ أصحاب المذاهب المختلفة في تعزير هذه الفاحشة لم يفرّقوا بين الفاعل والمفعول إلاّ قولاً شاذا لأحَدِ فقهاء الشّافعيّة رأى أنّ المفعول أغلظ عقوبة من الفاعل.
وروى أبو داود والتّرمذي، عن عكرمة عن ابن عبّاس، والتّرمذيُّ عن أبي هريرة، وقال في إسناده، مَقال عن النّبيء صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " وهو حديث غريب (لم يرو عن غير عكرمة عن ابن عبّاس) وقد علمت استشارة أبي بكر في هذه الجريمة، ولو كان فيها سند صحيح لظهر يومئذ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن إتْيانِ الأدْبارِ.
والثّانِي: يَتَطَهَّرُونَ بِإتْيانِ النِّساءِ في الأطْهارِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ قَوْمٌ إذا حارَبُوا سَدُّوا مَآزِرَهم دُونَ النِّساءِ ولَوْ بانَتْ بِأطْهارِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن عساكر عن سليمان بن صرد قال: أبو لوط هو عم إبراهيم.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: أرسل لوط إلى المؤتفكات، وكانت قوى لوط أربع مدائن: سدوم، وأمورا، وعامورا، وصبوير.
وكان في كل قرية مائة ألف مقاتل، وكانت أعظم مدائنهم سدوم، وكان لوط يسكنها، وهي من بلاد الشام ومن فلسطين مسيرة وليلة، وكان إبراهيم خليل الرحمن عم لوط بن هاران بن تارح، وكان إبراهيم ينصح قوم لوط، وكان الله قد أمهل قوم لوط فخرقوا حجاب الإِسلام، وانتهكوا المحارم، وأتوا الفاحشة الكبرى، فكان إبراهيم يركب على حماره حتى يأتي مدائن قوم لوط فينصحهم فيأبون أن يقبلوا، فكان بعد ذلك يجيء على حماره فينظر إلى سدوم.
فيقول: يا سدوم أي يوم لك من الله سدوم، إنما أنهاكم أن لا تتعرضوا لعقوبة الله، حتى بلغ الكتاب أجله، فبعث الله جبريل في نفر من الملائكة فهبطوا في صورة الرجال حتى انتهوا إلى إبراهيم وهو في زرع له يثير الأرض، فلما بلغ الماء إلى سكته من الأرض ركز مساحته في الأرض فصلى خلفها ركعتين، فنظرت الملائكة إلى إبراهيم فقالوا: لو كان الله يبتغي أن يتخذ خليلاً لاتخذ هذا العبد خليلاً، ولا يعلمون أن الله قد اتخذه خليلاً.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في ذم الملاهي والشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أَتأتون الفاحشة ﴾ قال: أدبار الرجال.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن عمرو بن دينار في قوله: ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي وابن عساكر عن أبي صخرة جامع بن شداد رفعه قال: «كان اللواط في قوم لوط، في النساء قبل أن يكون في الرجال بأربعين سنة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن طاوس.
أنه سئل عن الرجل يأتي المرأة في عجيزتها؟
قال: إنما بدء قوم لوط ذاك، صنعته الرجال بالنساء ثم صنعته الرجال بالرجال.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي.
أنه قال على المنبر: سلوني فقال ابن الكواء: تؤتي النساء في أعجازهن؟
فقال علي: سفلت سفل الله بك، ألم تسمع إلى قوله: ﴿ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان الذي حملهم على إتيان الرجال دون النساء أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم وثمار خارجة على ظهر الطريق، وإنهم أصابهم قحط وقلة من الثمار، فقال بعضهم لبعض: إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش.
قالوا: بأي شيء نمنعها؟
قالوا: اجعلوا سنتكم من أخذتم في بلادكم غريباً سننتم فيه أن تنكحوه واغرموه أربعة دراهم فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك، فذلك الذي حملهم على ما ارتبكوا من الأمر العظيم الذي لم يسبقهم إليه أحد من العالمين.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس قال: إنما كان بدء عمل قوط لوط أن إبليس جاءهم عند ذكرهم ما ذكروا في هيئة صبي أجمل صبي رآه الناس، فدعاهم إلى نفسه فنكحوه، ثم جروا على ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن حذيفة قال: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي وابن عساكر عن أبي حمزة قال: قلت لمحمد بن علي: عذب الله نساء قوم لوط بعمل رجالهم؟
قال: الله أعدل من ذلك، استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ قال: عابوهم بغير عيب، وذموهم بغير ذم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ قال: من الباقين في عذاب الله ﴿ وأمطرنا عليهم مطراً ﴾ قال: أمطر الله على بقايا قوم لوط حجارة من السماء فأهلكتهم.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الزهري إن لوطاً لما عذب الله قومه لحق بإبراهيم، فلم يزل معه حتى قبضه الله إليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب في قوله: ﴿ وأمطرنا عليهم مطراً ﴾ قال: على أهل بواديهم وعلى رعاتهم وعلى مسافريهم، فلم ينفلت منهم أحد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب في قوله: ﴿ وأمطرنا عليهم مطراً ﴾ قال: الكبريت والنار.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من غير تخوم الأرض، ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من وقع على بهيمة، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاث مرات» .
وأخرج احمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتى عمل قوم لوط» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله.
قيل من هم يا رسول الله؟
قال: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الرجل» .
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي نضرة.
أن ابن عباس سئل ما حدُّ اللوطي؟
قال: ينظر أعلى بناء في القرية فيلقي منه منكساً، ثم يتبع بالحجارة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن قبس: إن علياً رجم لوطياً.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن شهاب قال: اللوطي يرجم أحصن أم لم يحصن، سنة ماضية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن إبراهيم قال: لو كان أحد ينبغي له أن يرجم مرتين لرجم اللوطي.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن معمر قال: علة الرجم قتلة قوم لوط.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن وإبراهيم قالا: حدُّ اللوطي حد الزاني، إن كان قد أحصن فالرجم وإلا فالحد.
وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول من اتهم بالأمر القبيح يعني عمل قوم لوط اتهم به رجل على عهد عمر رضي الله عنه، فأمر عمر بعض شباب قريش أن لا يجالسوه.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال: كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى وجه الغلام الجميل.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن بقية قال بعض التابعين: ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن بن ذكوان قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن النجيب بن السدي قال: كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد.
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال: دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح فقال: أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل غلام بضعة عشر شيطاناً.
وأخرج ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي والبيهقي عن ابن سيرين قال: ليس شيء من الدواب يعمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن سهل قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن مجاهد قال: لو أن الذي يعمل ذلك العمل يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجساً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن جابر بن زيد قال: حرمة الدبر أشد من حرمة الفرج.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عي النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله سبعة من خلقه فوق سبع سموات، فردد لعنته على واحدة منها ثلاثاً ولعن بعد كل واحدة لعنة لعنة.
قال: ملعون ملعون ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من أتى شيئاً من البهائم، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من عقَّ والديه، معلون من ذبح لغير الله، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من تولى غير مواليه» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عمل قوم لوط فارجموا الفاعل والمفعول به» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف وأبو داود عن ابن عباس.
في البكر يوجد على اللوطية؟
قال: يرجم.
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة «أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً فقالت: يا رسول الله وما الذي يحزنك؟
قال: شيء تخوّفته على أمتي أن يعملوا بعدي بعمل قوم لوط» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حصين.
أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار فقال: أما علمتم أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا أربعة: رجل قتل فقتل، أو رجل زنى بعدما أحصن، أو رجل ارتد بعد إسلامه، أو رجل عمل عمل قوم لوط.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلُوطًا ﴾ ، ذكر الفراء في كتاب المصادر (١) (٢) وقال النحويون: (إنما صرف لوط لخفته بأنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط) (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾ ، يعني: إتيان الذكران، في قول جميع المفسرين (٤) ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ ، قالوا: (ما نزا (٥) (٦) (١) "كتاب المصادر" للفراء مفقود.
انظر: "مقدمة المذكر والمؤنث" للفراء ص 23، قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 624: (زعم الفراء أن لوطأ مشتقًا من لُطْتُ الحوض) اهـ.
وقال الراغب في "المفردات" ص 750: (لوط اسم علم واشتقاقه من لاَط الشيء بقلبي يَلُوط لَوْطا وليطا أي: لصق) اهـ.
وأكثرهم على أنه أعجمي معرب.
انظر: "المعرب" للجواليقي ص 563، وقال السمين في "عمدة الحفاظ" ص 528: (لوط علم للنبي المشهور، والظاهر أنه لا اشتقاق له لعجمته إلا أنهم قالوا: يجوز أن يكون مشتقاً من لاط الشيء بقلبي يلوط لوطًا أي: لصق) اهـ.
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 351 - 352.
(٣) انظر: "العين" 7/ 452، و"تهذيب اللغة" 4/ 3219، و"اللسان" 7/ 4099 (لوط).
وفي "الكتاب" 3/ 235.
قال سيبويه: (وأما لوط فينصرف على كل حال لخفته) اهـ، وقال الجوهري في "الصحاح" 3/ 1158 لوط: (لوط: اسم ينصرف من المعجمة والتعريف، وإنما لزم الصرف، لأن الاسم على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن وهو على غاية الخفة فقاومت خفته أحد السببين) اهـ.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" 8/ 234، و"معاني النحاس" 3/ 50، و"تفسير السمرقندي" 1/ 553، والبغوي 3/ 255، وابن عطية 5/ 569.
(٥) في (ب): (ما يرى).
(٦) "معاني الزجاج" 2/ 352.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ العامل في إذ أرسلنا المضمر، أو يكون بدلاً من لوط ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين ﴾ أي لم يفعلها أحد من العالمين قبلكم، ومن الأولى زائدة، والثانية: للتبعيض أو للجنس ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ [النمل: 56] الآية: أي أنهم عدلوا عن جوابه على كلامه إلى الأمر بإخراجه وإخراج أهله ﴿ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ أي يتنزهون عن الفاحشة ﴿ مِنَ الغابرين ﴾ أي من الهالكين، وقيل: من الذين غبروا في ديارهم فهلكوا، أو من الباقين من أترابها يقال غبر من الهالكين، بمعنى مضى، وبمعنى بقي، وإنما قال: من الغابرين بجمع المذكر تغليباً للرجال الغابرين ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً ﴾ يعني الحجارة اصيب بها من كان منهم خارجاً عن بلادهم، وقلبت البلاد بمن كان فيها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو: ابن عامر ﴿ إنكم ﴾ بحذف همزة الاسفهام: أبو جعفر ونافع وحفص وسهل.
﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير جفص، وهشام يدخل بينهما مدة، ﴿ آينكم ﴾ بالمد وبالياء: أبو عمرو وزيد.
﴿ أينكم ﴾ بالهمزة والياء: ابن كثير ويعقوب غير زيد.
الوقوف: ﴿ صالحاً ﴾ ج لئلا يظن أن ﴿ صالحاً ﴾ صفة لا علم فالجملة بعده نعت له وهذا بخلاف اسم شعيب وغيره من الأعلام العربية ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بيوتاً ﴾ ط لما مر في قصة هود ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه ﴿ ناصحين ﴾ ه ﴿ من العالمين ﴾ ه ﴿ من دون النساء ﴾ ط لمكان الإضراب.
﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ من قريتكم ﴾ ج لاحتمال التعليل استهزاء ﴿ إلا امرأته ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والأشبه أنها حال المرأة ﴿ من الغابرين ﴾ ه ﴿ مطراً ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة صالح مع قومه ثمود.
قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل.
وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى.
وإنه لا ينصرف تارة بتأويل القبيلة وينصرف أخرى بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح.
وقيل: إن ثمود أخو جديس وطسم.
وقد ورد القرآن بالصرف وبمنعه جميعاً قال ﴿ ألا إن ثموداً كفروا ربهم ألا بعداً لثمود ﴾ ﴿ قد جاءتكم بينة ﴾ آية ظاهرة دالة على صدقي وكأنه قيل: ما تلك البينة فقال ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ وانتصابها على الحال والعامل فيها ما في اسم الإشارة أو حرف التنبيه من معنى الفعل أي أشير إليها أو أنبه عليها آية.
و ﴿ لكم ﴾ بيان لمن هي له آية موجبة للإيمان وهم ثمود.
وسبب تخصيص أولئك الأقوام بها مع أنها آية لكل أحد أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا بها وليس الخبر كالمعاينة.
أو لعله يثبت سائر المعجزات إلا أن القوم التمسوا هذه المعجزة بعينها على سبيل الاقتراح فأظهرها الله لهم فلهذا حسن التخصيص.
وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها حيث جاءت مكونة من عنده من غير فحل وطروقة آية من آياته كما تقول: آية الله وبيت الله، وبالحقيقة هي آية تشتمل على آيات.
فخروجها من الجبل آية، وكونها لا من ذكر وأنثى آية، وكمال خلقها من غير تدريج ومهل آية، وأن لها شرب يوم ولجميع ثمود شرب يوم آية، وكذا الكلام في قوتها المناسب للماء وفي غزارة لبنها، وأنكر الحسن فقال: إنها لم تحلب قطرة لبن قط.
ويروى أن جميع الحيوانات كانت تمتنع عن الورود في يوم شربها.
وقيل: سميت ناقة الله لأنه لا مالك لها سوى الله .
وقيل: لأنها حجة الله على القوم ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فدعوها تأكل في أرض ربها ومما أنبت منها ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ من الضرب والطرد وسائر أنواع الأذى إكراماً لآية الله.
﴿ فيأخذكم عذاب أليم ﴾ يعني أخذ الاستفزاز والاستئصال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ تفسيره كما في قصة هود ﴿ وبوأكم في الأرض ﴾ أنزلكم فيها والمباءة المنزل والأرض أرض الحجر ﴿ تتخذون من سهولها ﴾ أي تبنون من سهول الأرض قصوراً بما تعملون من الأراضي السهلة لبناً وآجراً ورهصاً.
واتصاب ﴿ بيوتاً ﴾ على الحال المقدرة كما تقول خط هذا الثوب قميصاً لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت ولا الثوب قميصاً في حال الخياطة.
ويجوز أن تكون من مقدرة اكتفاء بقوله: ﴿ من سهولها ﴾ كما جاءت في موضع آخر ﴿ تنحتون من الجبال بيوتاً فارهين ﴾ فيكون منصوباً على أنه مفعول به.
وقيل: المراد أنهم كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ يعني إني قد ذكرت لكم بعض نعم ربكم فاذكروا أنتم تمامها ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ قيل: نهى عن عقر الناقة والأولى حمله علىالعموم.
وإعرابه قد مر في أوائل سورة البقرة.
﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ﴾ أي المساكين الذين استحقرهم رؤساء الكفار.
وقوله ﴿ لمن آمن منهم ﴾ بدل من قوله ﴿ للذين استضعفوا ﴾ بتكرار الجار لشدة الاتصال.
والضمير في ﴿ منهم ﴾ إما ان يرجع إلى الذين استضعفوا فيكون البدل بدل البعض ودل على أن المستضعفين فريقان مؤمنون وكافرون، وإما أن يرجع إلى قومه فيكون البدل بدل الكل ودل على أن الاستضعاف من شأن أهل الإيمان يستحقرهم المستكبرون، ولا يكون صفة ذم في حقهم وإنما الذم يعود إلى المستحقرين.
وفي الآية دلالة على أن الفقر خير من الغنى لأن الإستكبار يتولد من كثرة المال والجاه والتصديق والانقياد ينشأ من قلتهما ﴿ أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ﴾ قالوه على سبيل التهكم والسخرية لا للاستعلام والاسترشاد.
﴿ قالو إنا بما أرسل به مؤمنون ﴾ جعلوا إرساله أمراً بيناً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب وإنما الكلام في وجود الإيمان فنخبركم أنا به مؤمنون ولذلك ﴿ قال الذي استكبروا ﴾ في جوابهم ﴿ إنا بالذي أمنتم به كافرون فعقروا الناقة ﴾ قال الأزهري: العقر عند العرب كشف عرقوب البعير ثم أطلق على النحر إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وأسند العقر إلى جميعهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم لأنه كان برضاهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة أنتم فعلتم كذا ولعله لم يفعله إلا واحد منهم كقوله ﴿ وإذ قتلتم ﴾ ﴿ وعتوا عن أمر ربهم ﴾ استكبروا عن امتثاله.
قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل وأمر ربهم شأنه أي دينه، أو المراد أمر به صالح من قوله ﴿ فذروها ﴾ ﴿ ولا تمسوها ﴾ والمعنى أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم فإن الإنسان حريص على ما منع.
﴿ وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ﴾ أطلقوا الوعد وأرادوا ما وعدهم من العذاب واستعجالهم العذاب إنما كان لأجل تكذيبهم بكل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد، ولذلك علقوه بما كانوا ينكرونه وهو كونه من المرسلين ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة قال ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ قال الليث: هي كرجفان البعير تحت الرحل وكما ترجف الشجرة إذا أرجفتها الريح وهذا لا يناقض ما ورد في موضع آخر أنهم أهلكوا بالطاغية وفي آخر أنهم أهلكوا بالصيحة لأن الطغيان مجاوزة الحد.
قال ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم ﴾ فالزلزلة هي الحركة الخارجة عن الحد المعتاد، والغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة الهائلة.
﴿ فأصحبوا في دارهم ﴾ أي في بلدهم كقولك: دار الحرب ودار الإسلام.
وقد جمع في آية أخرى فقال: ﴿ في ديارهم ﴾ لأنه أراد بالدار ما لكل واحد من منزله الخاص إلا أنه حيث ذكر الرجفة وحد وحيث ذكر الصيحة جمع لأن الصحية كأنها من السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة.
ومعنى ﴿ جاثمين ﴾ موتى لا حراك بهم.
قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال سكونه بالليل ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها وهي البهيمة التي تربط وتجمع قوائمها لترمى ﴿ فتولى عنهم ﴾ الفاء للتعقيب.
فالظاهر أن صالحاً أدبر عنهم بعدما أبصرهم جاثمين وكأنه تولى وهو مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم ﴿ وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ﴾ وحد الرسالة بخلاف ما مر في قصتي نوح وهود لأن المراد هناك أشياء كانا يأمران بها قومهما بعد الإيمان بالله، وههنا وقع في آخر القصة فأراد بها مجموع ما أدى من الرسالة، أو أراد بذلك أداء حديث الناقة فقط.
﴿ ونصحت لكم ﴾ لم آل جهداً في النصيحة ﴿ ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ حكاية لحال ماضية.
واعترض على هذا التفسير بأنه كيف يصح خطاب الموتى؟
وأجيب بأنه قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه في حياته فلم يصغ إليه يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني حتى ألقيت بنفسك إلى التهلكة.
والفائدة في مثل هذا الكلام أن يسمعه بعض الإحياء فيعتبر به.
ولعل القائل أيضاً يتسلى بذلك وتزول بعض الغصة عن قلبه ويخف عليه ما نزل به، وإن رسول الله وقف على قليب قتلى بدر وقال: يا فلان ويا فلان قد وجدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟
فقيل له: كيف تتكلم مع هؤلاء الجيف؟
فقال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب.
وتفسير آخر وهو أن يكون تولى عنهم تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وجملة قصتهم ما روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض فكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا عن أمر الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً.
وصالح من أوسطهم نسباً.
فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال: أية آية تريدون؟
قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة فندعو آلهتنا وتدعوا إلهك، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا.
فقال صالح: نعم.
فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم.
ثم قال سيدهم جندع بن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، والمخترجة التي شاكلت البخت فإن فعلت صدّقناك وأجبناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدّقن.
قالوا: نعم.
فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا، وكانت في غاية العظم حتى قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة يعني - موضع بروكها - فوجدته ستين ذراعاً.
ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع بقاياهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا فمكثت الناقة وولدها ترعي الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غباً كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾ وذلك أن الماء كان عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها يوماً وشرباً للقوم يوماً.
قال السدي: وكانت الناقة في اليوم الذي يشرب فيه الماء تحلب فيكفي الكل فكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء لا تأتيهم وكانت إذا وقع الحر تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطن الوادي، وإذا وقع البرد كان الأمر بالعكس فشق ذلك عليهم وقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فذبحوا تسعة نفر من أبنائهم ثم ولد العاشر فأبى أن يذبح ابنه فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يشربون الشراب فأرادوا ماء يمزجونه به وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء فاشتد ذلك عليهم.
فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة فشدّ عليها لما بصرت به شدّت عليه فهرب منها إلى جانب صخرة فردّوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت فذلك قوله ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ﴾ وأظهروا حينئذ كفرهم وقيل: زينت لهم عقرها امرأتان - عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار - لما أضرت الناقة بمواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق فصيلها حتى رقي جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب.
فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين.
ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
واستبعد بعضهم أن العاقل مع مشاهدة هذه المعجزات والعلامات كيف يبقى مصراً على كفره؟
وأجيب بأنهم عند مشاهدة العلامات خرجوا عن حدّ التكليف وأن تكون توبتهم مقبولة.
"عن جابر أن رسول الله لما مر بالحجر قال: لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذ بهم الصيحة فلم يبق منهم إلا رجل واحد كان في حرم الله.
قالوا: من هو قال : ذاك أبو رغال" .
فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، وروي أن صالحاً كان بعثه إلى قوم فخالف أمره.
وروي أن نبينا مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
فذكر قصة أبي رغال وأنه دفن ههنا وأنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن.
وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت.
وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم، ويروى أن رسول الله حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، وقال يا علي، أتدري من أشقى الأوّلين؟
قال: الله ورسوله أعلم.
قال: عاقر ناقة صالح أتدري من أشقى الآخرين: قال: الله ورسوله أعلم.
قال قاتلك.
القصة الخامسة قوله ﴿ ولوطاً إذ قال لقومه ﴾ تقديره أرسلنا لوطاً وقت قال لقومه، ويجوز أن يكون معناه واذكر لوطاً إذ قال لقومه على أن "إذ" بدل من المفعول به لا ظرف.
وإنما صرف نوح ولوط مع أن فيه سببين: العجمة والعلمية، لأن سكون وسطه قاوم أحد السببين ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ أتفعلون الخصلة المتمادية في القبح ﴿ ما سبقكم بها ﴾ قال في الكشاف: الباء للتعدية من قولك: سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله أي ما عملت قبلكم.
قلت: ومن المحتمل أن تكون الباء فيه مثله في قولك: كتبت بالقلم.
وفي قوله ﴿ تنبت بالدهن ﴾ \[المؤمنون: 20\] أي ما سبقكم ملتبساً بها من أحاد من العالمين "من" الأولى زائدة لتأكيد النفي وإفادة الاستغراق.
والثانية للتبعيض.
وموقع هذه الجملة استئناف لأنه أنكر عليهم أوّلاً بقوله ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ ثم وبخهم عليها فقال: وأنتم أوّل من عملها.
أو هو جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا نأتيها؟
فقال: ﴿ ما سبقكم بها من أحد ﴾ فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به.
ويجوز أن تكون صفة للفاحشة كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وههنا سؤال وهو أنه كيف يجوز دعوى عدم السبق في هذه الخصلة ولم تزل الشهة داعية إليها؟
والجواب لعل متقدميهم كانوا يستقذرونها وينفرون عنها طبعاً كسائر الحيوانات، أو المراد أن الإقبال بالكية على ذلك العمل لم يوجد في الأعصار المتقدمة.
قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء.
وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض ﴿ أئنكم لتأتون الرجال ﴾ بيان لما أجمله في قوله ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وكلا الاستفهامين للإنكار.
وفي الثاني أكثر ولهذا زيد فيه "إن" ومثله في النمل ﴿ أتأتون ﴾ وبعده ﴿ أئنكم لتؤتون ﴾ وفي العنكبوت ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ﴿ أئنكم لتؤتون الرجال ﴾ فجمع بين "إن" "وأئن" القصة ﴿ إنا منجوك ﴾ إنا منزلون.
وانتصب ﴿ شهوة ﴾ على أنها مفعول له أي لا حامل لكم على غشيان الرجال من دون النساء إلا مجرد الشهوة، أو مصدر وقع حالاً يقال: شهى يشهى شهوة ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحالة الموجبة لارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء.
وختم هذه الآية بلفظ الاسم موافقة لرؤوس الآيات التي تقدمت ﴿ العالمين ﴾ ﴿ الناصحين ﴾ ﴿ جاثمين ﴾ ﴿ المرسلين ﴾ وفي النمل ﴿ قال بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أما العدول من الإسراف إلى الجهل فلتغير العبارة، وكل إسراف جهل وكل جهل إسراف.
وأما العدول من الاسم إلى الفعل فلتوافق ما قبلها من الآيات وكلها أفعال ﴿ ينصرون ﴾ ﴿ تتقون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ واعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ووجوه القبح فيه كثيرة منها: أن أكثر الناس يحترزون فيه عن الولد لأن الولد يحمل المرء على طلب المال وإتعاب النفس في وجوه المكاسب إلا أنه جعل الوقاع سبباً لحصول اللذة العظيمة حتى إن الإنسان يطلب تلك اللذة ويقدم على الوقاع وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ والغرض إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع.
فكل لذة لا تؤدي إلى هذا الغرض وجب الحكم بتحريمها لما فيه من ضياع البذر ولزوم خلاف الحكمة.
ومنها أن الذكورة مظنة الفعل والأنوثة مظنة الانفعال، فانعكاس القضية يكون خروجاً عن مقتضى الطبيعة والحكمة، ومنها أن الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهائم وخروج عن الغريزة الإنسانية.
وهب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل إلا أنه سعى في إلحاق العار العظيم بالمفعول ما دام حياً، والعاقل لا يرضى لأجل لذة زائلة إلحاق منقصة دائمة بغيره.
ومنها أنه يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول إلى حيث يقدم المفعول على قتل الفاعل، أو على إلحاق الضرر به بكل طريق يقدر عليه وذلك لنفور طبعه عن رؤيته.
وأما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة فإنه يوجب زيادة الألفة والمحبة كما قال ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ ومنها أنه أودع في الرحم قوّة جاذبة للمني بحيث لا يبقى شيء منه في مجاريه وأوعيته، أما إذا واقع الذكر فإنه يبقى شيء من أواخر المني في المجاري فيعفن ويفسد ويتولد من العلل والأورام في الأسافل كما يشهد به القوانين الطبية قال بعضهم: ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 5، 6\] يقتضي حل وطء المملوك مطلقاً ذكراً كان أو أنثى.
ولا يمكن تخصيص هذا العموم بقوله ﴿ أتأتون الذكران من العالمين ﴾ لأن كلاً من الآيتين أعم من الأخرى من وجه لأن المملوك قد يكون ذكراً وقد لا يكون، والذكر قد يكون مملوكاً وقد لا يكون، فتخصيص إحداهما بالأخرى ترجيح من غير مرجح بل الترجيح لجانب الحل لمقتضى الأصل وذلك لأن المالك مطلق التصرف، ولأن شرع محمد أولى من شرع لوط.
وأجيب بأن الاعتماد على التواتر الظاهر من دين محمد أن هذا العمل حرام قال ﴿ وما كان جواب قومه ﴾ بالواو كيلا يكون التعقيب بالفاء بعد الاسم.
وفي النمل ﴿ تجهلون فما كان ﴾ وفي العنكبوت ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ﴾ لصحة تعقيب الفعل الفعل ﴿ إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ﴾ وفي النمل ﴿ أخرجوا آل لوط ﴾ ليكون ما في النمل تفسيراً لهذه الكناية وقيل: إن سورة النمل نزلت قبل الأعراف فيكون قد صرح في الأولى وكنى في الثانية.
قال في الكشاف: يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط من إنكار الفاحشة.
ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله ولكنهم جاؤا بكلام آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم، وقولهم ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش وافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد.
وقيل: المراد أن ذلك العمل في موضع النجاسة فمن تركه فقد تطهر.
وقيل: ان البعد عن الإثم يسمى طهارة، فالمراد أنهم يتباعدون عن المعاصي والآثم ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ أي أنصاره وأتباعه والذين قبلوا دينه، وعن ابن عباس: أراد المتصلين به في النسب بدليل قوله ﴿ إلا امرأته ﴾ يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته ولا يقال مرء المرأة يعني زوجها لأن المالكية حق الزوج ﴿ كانت من الغابرين ﴾ وفي النمل ﴿ قدرناها من الغابرين ﴾ أي كانت في علم الله من الغابرين.
﴿ فقدرناها من الغابرين ﴾ وإن قلنا بتأخر نزول الأعراف فالمعنى قدرناها من الغابرين فصارت من الغابرين، والغبور المكث والبقاء أي من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، أو التذكير لتغليب الذكور وكانت كافرة موالية لأهل سدوم.
روي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت.
ثم وصف العذاب فقال ﴿ وأمطرنا عليهم مطراً ﴾ أي أرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً.
قيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن.
وقيل كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة.
فأمطر الله عليهم الكبريت والنار.
وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم.
وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم.
وروي أن تاجراً منهم كان في الحرم فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه ﴿ فانظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر والاعتبار ﴿ كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ وهذه الأمة وإن أمنت من عذاب الاستئصال إلا أن الخوف والاعتبار من شعار المؤمن لا ينبغي أن ينفك عنه على أن عذاب الآخرة أشدّ وأبقى ولم يأمنوه بعده.
مسائل: الأولى مذهب الشافعي أن اللواط يوجب الحدّ لأنه ثبت في شريعة لوط فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ولم يظهر نسخ في شرعنا، ولأن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على علية الوصف للحكم، فالآية دلت على أن هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص.
وقال أبو حنيفة: إن الواجب فيه التعزير لأنه فرج لا يجب المهر بالإيلاج فيه فلا يجب الحدّ كإتيان البهيمة، وعلى الأول ففي عقوبة الفاعل قولان: أحدهما أن عقوبته القتل محصناً كان أو لم يكن لما روي انه قال "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول" وأصحهما أن حده حد الزنا فيرجم إن كان محصناً ويجلد ويغرب إن لم يكن محصناً لأنه حد يجب بالوطء، ويختلف فيه البكر والثيب كالإتيان في القبل.
وعلى قول القتل فيه وجوه أحدها: يقتل بالسيف كالمرتد، والثاني وبه قال مالك وأحمد يرجم تغليظاً، ويرى عن علي أيضاً.
والثالث يهدم عليه جدار أو يرمى من شاهق جبل ليموت أخذاً من عذاب قوم لوط.
وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم،وإن كان مكلفاً طائعاً فيقتل بما يقتل به الفاعل إن قلنا إن الفاعل يقتل، وإن قلنا يحد حد الزنا فيجلد ويغرب محصناً كان أو لم يكن، وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط لأنه إتيان في غير المأتي ويجيء في الفاعل والمفعول ما ذكرنا.
وقيل: إنه زنا لأنه وطء أنثى فأشبه الوطء في القبل فعلى هذا حده حد الزنا بلا خلاف.
وترجم المرأة إن كانت محصنة.
وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه بالجملة.
التأويل: ﴿ هذه ناقة الله ﴾ معجزة الخواص أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر عشراء بسقب سر السر وهو الخفي.
وناقة الله هي التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ساكني بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية، ﴿ فذروها ﴾ ترتع في رياض القدس وحياض الإنس ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة ﴿ فيأخذكم عذاب أليم ﴾ بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة.
﴿ إذ جعلكم خلفاء ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ وبوأكم ﴾ في أرض القلوب ﴿ تتخذون من سهولها ﴾ وهي المعاملات بالصدق والإخلاص ﴿ قصوراً ﴾ في الجنان ﴿ وتنحتون ﴾ من جبال أطوار القلب ﴿ بيوتاً ﴾ هي مقامات السائرين إلى الله ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ النعماء والإخلاص.
فالأول يتضمن ترويح الظاهر، والثاني يوجب تلويح السر.
فالترويح بوجود المسار والتلويح بشهود الأسرار ﴿ ولا تعثوا في الأرض ﴾ القلب بالفساد للاستعداد الفطري ﴿ الذين استكبروا ﴾ هم الأوصاف البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ الذين استضعفوا ﴾ من أوصاف القلب والروح.
﴿ أتعلمون ﴾ أن صالح الروح ﴿ مرسل ﴾ بنفخة الحق إلى بلد القلب وساكنيه ليدعوهم من الأوصاف السفلية الظلمانية إلى الأخلاق العلوية النورانية ﴿ فعقروا ﴾ أي النفس وصفاتها ناقة سر القلب بسكاكين مخالفات الحق ﴿ فأخذتهم ﴾ رجفة الموت ﴿ فأصبحوا ﴾ في دار قالبهم ﴿ جاثمين ﴾ والله العزيز.
تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع أوله: ﴿ وإلى مدين أخاها شعيباً ....
﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ ﴾ .
ذكر في غيره من الأنبياء دعاءهم قومهم إلى عبادة الله ووحدانيته، على ما قال نوح: ﴿ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الأنبياء، ولم يذكر في لوط ذلك هاهنا، ولا يحتمل أن لم يكن منه الدعاء إلى ما كان من غيره من الأنبياء إلى توحيد الله وعبادته قبل النهي عن الفواحش، والتعبير عليها، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ...
﴾ لأنه كان من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - دعاء قومهم إلى عبادة الله، ووحدانيته أولاً، ثم النهي عما ارتكبوا من الفواحش والمعاصي، والتعيير عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قوله: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ ﴾ يحتمل أن يكون منهم ما كان من سائر الأقوام تقليد الآباء في العبادة لغير الله؛ كقولهم: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ وقولهم: ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾ و ﴿ مُّقْتَدُونَ ﴾ وقوله: ﴿ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ ونحو ما قالوا؛ فعلى ذلك من قوم لوط للوط لما دعاهم إلى عبادة الله، ووحدانيته، فأجابوه بما أجاب الأقوام لأنبيائهم من التقليد لآبائهم؛ فقال: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، أي: تعملون أنتم أعمالاً لم يعملها آباؤكم، ولا تقلدون آباءكم في تركها من نحو ما ذكر من إتيان الفاحشة، فقال: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ ﴾ يعيرهم، ويسفه أحلامهم في إتيان ما يأتون من الفاحشة التي لم يسبقهم أحد من العالمين، على علم منهم أن ذلك فاحشة.
ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ دل هذا القول على أن ما يأتون من الفواحش يأتون على علم منهم أنها فواحش؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ ٱلْفَاحِشَةَ ﴾ لما في العقل والشرع؛ لأن ما حرم من المحرمات على الخلق، وأحل المحللات [محنة] منه لهم على ذلك، ثم جعل فيما أحل لهم من الأطعمة والأشربة والاستمتاع بالنساء والجواري دواماً لهذا العالم؛ لأنهم لو تركوا التناول من ذلك لهلكوا، فإذا هلكوا انقطع هذا العالم لما ينقطع نسلهم، ثم ركب فيهم الشهوات والحاجات التي تبعثهم على التناول مما أحل لهم ليدوم هذا العالم؛ لأنه [ما] أحل لهم للشهوة خاصة، ولكن لما ذكرنا فأخبر أن ما يأتون هم هو فاحشة؛ لما ليس إتيانهم إياها إلا لنفس قضاء الشهوة، إذ ليس في ذلك دوام العالم وبقاؤه، فهو في العقل فاحش محرم، وإنْ لم يرد في النهي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ الإسراف: هو الإكثار من الشيء، والمجاوزة عن الحدّ؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ القتر: هو التضييق، والإسراف: هو الإكثار، حيث قال: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ فإذا كان الإسراف هو الإكثار من الشيء، فكأن لوطاً سماهم مسرفين لما أكثروا من ذلك النوع من الفواحش، وجاوزوا الحد، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: ما ذكرنا من إكثار الفعل.
والثاني: مسرفون؛ لما ضيعوا ما أنعم الله عليهم؛ حيث أعطى لهم الأزواج فضلاً منه ونعمة، حيث أخبر: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ وكقوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ونحوه [منَّ جلّ وعلا بما] جعل لهم من الأزواج، ثم هم لم يشكروه على ما أنعم عليهم، بل ضيعوها، وجعلوها في غير ما جعل هو لهم، فذلك إسراف منهم.
والثالث: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم، فهم قد جاوزوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ ﴾ .
كذا كان من قومه أجوبة ليس على أنه لم يكن منهم من أول الأمر إلى آخره هذا، ولكن لم يكن من جواب قومه وقت ما نهاهم عما ارتكبوا من الفواحش وعيَّرَهم عليها إلا ما ذكر: ﴿ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ لما ينهاهم ويعيرهم على ذلك، ويحتمل ما قال أهل التأويل: ﴿ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ : من أدبار الرجال.
وقيل: يتحرجون عن ذلك، ويعيبون عليهم، في ذلك.
والثاني: ما كان جواب قومه لبعضهم إلا أن قالوا أخرجوهم وأما للوط كان منهم له أجوبة؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ ﴾ كذا، وقال في آية أخرى: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ ، هذا فيما بينهم وبين لوط؛ [و] الأول فيما بينهم قال بعضهم لبعض: ﴿ أَخْرِجُوهُمْ ﴾ ، أو لاختلاف المشاهد والمجالس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ .
الغابر: الغائب، يقال: غبرت، أي: غبت، أي: كانت من الغائبين عن لوط وأهله وقت العذاب.
وقيل: من الغابرين، أي: من الباقين في العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: قلبت قرية لوط، وجعل عاليها سافلها على ما ذكر في الآية ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ ، ثم أمطر على من كان غاب منهم الحجارة.
وقال بعضهم: قلبت القرية فأمطرت على أهلها كالمطر.
وقال آخرون: قلبت الأرض وأمطر عليها حجارة من سجيل تسوى الأرض، أو كلام نحو هذا.
ثم العذاب في الأمم لم يأتهم في الدنيا بنفس الكفر، ولكن لما كان منهم من استحلال أشياء حرمت عليهم، ومن قتل الأنبياء، وأذاهم، والمكابرات التي كانت منهم بعد علمهم أنهم على باطل وعناد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ .
هذا الخطاب جائز أنه ليس لرسول الله خاصّة، ولكن لكل أحد أمر بالنظر فيما حل بالأمم السالفة؛ بتكذيبهم الرسل، وعنادهم؛ ليكونوا على حذر من صنيعهم، لئلا يحل بهم ما حل بأولئك.
وجائز أن يكون الخطاب لرسوله خاصّة، فإنْ كان له فكأنه أمره أن ينظر في عاقبة المجرمين ليرحمهم، ولا يدعو عليهم بالهلاك والعذاب.
<div class="verse-tafsir"
واذكر لوطًا حين قال مستنكرًا على قومه: أتأتون الفعلة المنكرة المُسْتَقبحة وهي إتيان الذكور؟!
هذه الفعلة التي ابتدعتموها، فلم يسبقكم إلى ارتكابها أحد!
<div class="verse-tafsir" id="91.1o7Kz"