الآية ٨٦ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٨٦ من سورة الأعراف

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينهاهم شعيب ، عليه السلام ، عن قطع الطريق الحسي والمعنوي ، بقوله : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) أي : توعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم .

قال السدي وغيره : كانوا عشارين .

وعن ابن عباس [ رضي الله عنه ] ومجاهد وغير واحد : ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) أي : تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه .

والأول أظهر ; لأنه قال : ( بكل صراط ) وهي الطرق ، وهذا الثاني هو قوله : ( وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ) أي : وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة .

( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) أي : كنتم مستضعفين لقلتكم فصرتم أعزة لكثرة عددكم ، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ، ( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) أي : من الأمم الخالية والقرون الماضية ، ما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله .

وقوله : ( وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ) أي : قد اختلفتم علي ) فاصبروا ) أي : انتظروا ( حتى يحكم الله بيننا ) أي : يفصل ، ( وهو خير الحاكمين ) فإنه سيجعل العاقبة للمتقين ، والدمار على الكافرين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) قال أبو جعفر : يعني بقوله: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، ولا تجلسوا بكل طريق = وهو " الصراط" = توعدون المؤمنين بالقتل.

(18) * * * وكانوا ، فيما ذكر ، يقعدون على طريق من قصد شعيبًا وأراده ليؤمن به، فيتوعَّدونه ويخوِّفونه ، ويقولون: إنه كذاب!

* ذكر من قال ذلك: 14843-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ( بكل صراط توعدون ) ، قال: كانوا يوعدون مَنْ أتى شعيبًا وغشِيَه فأراد الإسلام.

14844-حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، و " الصراط" ، الطريق، يخوِّفون الناس أن يأتوا شعيبًا.

14845-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله ) ، قال: كانوا يجلسون في الطريق ، فيخبرون مَنْ أتى عليهم: أن شعيبًا عليه السلام كذاب، فلا يفتنكم عن دينكم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ( بكل صراط ) ، قال:طريق=(توعدون) ، بكل سبيل حق.

(19) 14846-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

14847-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، كانوا يقعدون على كل طريق يوعدون المؤمنين.

14848-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن السدي: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، قال: العشَّارُون.

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره= شك أبو جعفر الرازي = قال: أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْرِي به على خشبة على الطريق ، لا يمرُّ بها ثوبٌ إلا شقته ، ولا شيء إلا خرقته ، قال: ما هذا يا جبريل ؟

، قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه!

ثم تلا( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون).

(20) * * * وهذا الخبر الذي ذكرناه عن أبي هريرة ، يدلّ على أن معناه كان عند أبي هريرة: أن نبي الله شعيبًا إنما نهى قومه بقوله: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، عن قطع الطريق، وأنهم كانوا قُطَّاع الطريق.

* * * وقيل: ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ) ، ولو قيل في غير القرآن: " لا تقعدوا في كلّ صراط" ، كان جائزًا فصيحًا في الكلام ، وإنما جاز ذلك لأن الطريق ليس بالمكان المعلوم، فجاز ذلك كما جاز أن يقال: " قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا ".

* * * وقال: ( توعدون ) ، ولم يقل: " تَعِدُون "، لأن العرب كذلك تفعل فيما أبهمت ولم تفصح به من الوعيد.

تقول: " أوعدته " بالألف ،" وتقدَّم مني إليه وعيد "، فإذا بينت عما أوعدت وأفصحت به، (21) قالت: " وعدته خيرًا "، و " وعدته شرًّا " ، بغير ألف، كما قال جل ثناؤه: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، [سورة الحج: 72].

* * * وأما قوله: ( وتصدون عن سبيل الله من آمن به ) ، فإنه يقول: وتردُّون عن طريق الله ، وهو الردُّ عن الإيمان بالله والعمل بطاعته (22) =(من آمن به)، يقول: تردُّون عن طريق الله مَنْ صدق بالله ووحّده=( وتبغونها عوجًا ) ، يقول: وتلتمسون لمن سلك سبيل الله وآمن به وعمل بطاعته (23) =(عوجًا) ، عن القصد والحق ، إلى الزيغ والضلال ، (24) كما:- 14849-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وتصدون عن سبيل الله ) ، قال: أهلها=( وتبغونها عوجًا ) ، تلتمسون لها الزيغ.

14850-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

14851-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( وتبغونها عوجًا ) ، قال: تبغون السبيل عن الحق عوجًا.

14852-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( وتصدون عن سبيل الله ) ، عن الإسلام= تبغون السبيل=( عوجًا ) ، هلاكًا.

* * * وقوله: ( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) ، يذكرهم شعيب نعمة الله عندهم بأن كثّرَ جماعتهم بعد أن كانوا قليلا عددهم، وأنْ رَفعهم من الذلة والخساسة ، يقول لهم: فاشكروا الله الذي أنعم عليكم بذلك ، وأخلصوا له العبادة، واتقوا عقوبته بالطاعة، واحذروا نقمته بترك المعصية ،=(وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) ، يقول: وانظروا ما نـزل بمن كان قبلكم من الأمم حين عتوا على ربهم وعصوا رسله، من المَثُلات والنقمات، وكيف وجدوا عقبى عصيانهم إياه؟

(25) ألم يُهلك بعضهم غرقًا بالطوفان ، وبعضهم رجمًا بالحجارة ، وبعضهم بالصيحة؟

* * * و " الإفساد " ، في هذا الموضع ، معناه: معصية الله.

(26) ------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير"الصراط" فيما سلف 1: 170- 177 ، ثم فهارس اللغة (سرط).

(19) في المطبوعة: حذف"قال: طريق" ، وغير سائر العبارة فكتب: "توعدون كل سبيل حق" ، فأفسد الكلام إفسادًا!!

والصواب من المخطوطة.

(20) الأثر: 14853- هذا مختصر من أثر طويل ، سيرويه أبو جعفر بهذا الإسناد في تفسير"سورة الإسراء" 15: 6 (بولاق) ، وسيأتي تخريجه هناك.

و"أبو جعفر الرازي" و"الربيع بن أنس" ، و"أبو العالية" ، ثقات جميعًا ، ومضوا في مواضع مختلفة.

وهذا الخبر ذكره الهيثمي مطولا في مجمع الزوائد 1: 67- 72 وقال: "رواه البزار ورجاله موثقون ، إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره ، فتابعيه مجهول".

ولكن نص أبي جعفر هنا وهناك ، يدل على أن أبا جعفر الرازي شك في أنه عن أبي هريرة أو غيره من الصحابة ، فلعل ما في رواية البزار مخالف لما في رواية أبي جعفر الطبري.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4: 144 مطولا ، ونسبه إلى البزار ، وأبي يعلي ، وابن جرير ، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ، وابن أبي حاتم ، وابن عدي ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل.

(21) في المخطوطة: (( فإذا نصب عما أوعدت" غير منقوطة ، ولم أحسن توجيه قراءتها ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، إذ كان صوابًا واضحًا.

1 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1: 385.

(22) انظر تفسير"الصد" فيما سلف ص: 448 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(23) انظر تفسير"بغى" فيما سلف ص: 448 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(24) انظر تفسير"العوج" فيما سلف 7: 54/ 12: 448.

(25) انظر تفسير"العاقبة" فيما سلف 11: 272 ، 273/ 12: 129.

(26) انظر تفسير"الإفساد" فيما سلف ص: 556 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولا تقعدوا بكل صراط نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله ، وكانوا يوعدون العذاب من آمن .

واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان ; قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي : كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون : إنه كذاب فلا تذهب إليه ; كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم .

وهذا ظاهر الآية .

وقال أبو هريرة : هذا نهي عن قطع الطريق ، وأخذ السلب ; وكان ذلك من فعلهم .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا ولا تقعدوا بكل صراط توعدون الآية .

وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين ، والحمد لله .وقال السدي أيضا : كانوا عشارين متقبلين .

ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر ; فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي .

والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد .

وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها ; فإنه غصب [ ص: 225 ] وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له ، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون !

لم يبق من الإسلام إلا رسمه ، ولا من الدين إلا اسمه .يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس .قوله تعالى من آمن به الضمير في به يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى ، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد ، وأن يعود على السبيل .

عوجا قال أبو عبيدة والزجاج : كسر العين في المعاني .

وفتحها في الأجرام .قوله تعالى واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم أي كثر عددكم ، أو كثركم بالغنى بعد الفقر .

أي كنتم فقراء فأغناكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَا تَقْعُدُوا ْ} للناس { بِكُلِّ صِرَاطٍ ْ} أي: طريق من الطرق التي يكثر سلوكها، تحذرون الناس منها { و ْ} { تُوعَدُونَ ْ} من سلكها { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ْ} من أراد الاهتداء به { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ْ} أي: تبغون سبيل اللّه تكون معوجة، وتميلونها اتباعا لأهوائكم، وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها اللّه لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ودار كرامته، ورحمهم بها أعظم رحمة، وتصدون لنصرتها والدعوة إليها والذب عنها، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها، الصادين الناس عنها، فإن هذا كفر لنعمة اللّه ومحادة للّه، وجعل أقوم الطرق وأعدلها مائلة، وتشنعون على من سلكها.

{ وَاذْكُرُوا ْ} نعمة اللّه عليكم { إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ْ} أي: نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات والنسل، والصحة، وأنه ما ابتلاكم بوباء أو أمراض من الأمراض المقللة لكم، ولا سلط عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض، بل أنعم عليكم باجتماعكم، وإدرار الأرزاق وكثرة النسل.

{ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ْ} فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات، ولا في ربوعهم إلا الوحشة والانبتات ولم يورثوا ذكرا حسنا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة أشد خزيا وفضيحة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تقعدوا بكل صراط ) أي : على كل طريق ، ( توعدون ) تهددون ، ( وتصدون عن سبيل الله ) دين الله ، ( من آمن به وتبغونها عوجا ) زيغا ، وقيل : تطلبون الاعوجاج في الدين والعدول عن القصد ، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب ، إن شعيبا كذاب فلا يفتننك عن دينك ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم ، وقال السدي : كانوا عشارين .

( واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ) فكثر عددهم ، ( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) أي : آخر أمر قوم لوط .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تقعدوا بكل صراط» طريق «تُوعدون» تخوفون الناس بأخذ ثيابهم أو المكس منهم «وتصدون» تصرفون «عن سبيل الله» دينه «من آمن به» بتوعدكم إياه بالقتل «وتبغونها» تطلبون الطريق «عوجا» معوجة «واذكروا إذ كنتم قليلا فكثَّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين» قبلكم بتكذيب رسلهم أي آخر أمرهم من الهلاك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تقعدوا بكل طريق تتوعدون الناس بالقتل، إن لم يعطوكم أموالهم، وتصدُّون عن سبيل الله القويم من صدَّق به عز وجل، وعمل صالحًا، وتبغون سبيل الله أن تكون معوجة، وتميلونها اتباعًا لأهوائكم، وتنفِّرون الناس عن اتباعها.

واذكروا نعمة الله تعالى عليكم إذ كان عددكم قليلا فكثَّركم، فأصبحتم أقوياء عزيزين، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين في الأرض، وما حلَّ بهم من الهلاك والدمار؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقل شعيب إلى نهيهم عن رذائل أخرى كانوا متلبسين بها فقال : ( وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ) توعدون : من التوعد بمعنى التخويف والتهديد .

أى : ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بى بالقتل ، وتخيفونه بأنواع الأذى ، وتلصقون بى وأنا نبيكم التهم التى أنا برىء منها ، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتى : إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن دينكم .وقوله : ( وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ) أى : وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن به ، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه أو بوصفها بما ينقصها ، مع أنها هى الطريق المستقيم الذى هو أبعد ما يكون من شائبه الاعوجاج .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : صراط الحق واحد ( وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) فكيف قيل : بكل صراط؟

قلت : صراط الحق واحد ، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع فى شىء منها أوعدوه وصدوه فإن قلت : إلام يرجع الضمير فى ( آمَنَ بِهِ ) ؟

قلا : إلى كل صراط ، والتقدير : توعدون من آمن به وتصدون عنه .

فوضع الظاهر الذى هو سبيل الله موضع الضمير زيادة فى تقبيح أمرهم ، ودلالة على عظم ما يصدون عنه .وقوله : توعدون .

وتصدون ، وتبغون هذه الجمل أحوال ، أى : لا تقعدوا موعدين وصادين ، وباغين ، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ثم ذكرهم شعيب بنعم الله عليهم فقال : ( واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ) أى : اذكروا ذلك الزمن الذى كنتم فيه قليلى العدد فكثركم الله بأن جعلكم موفورى العدد ، وكنتم فى قلة من الأموال فأفاضها الله بين أيديكم ، فمن الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم ، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الافساد فقال : ( وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين ) أى : انظروا نظر تأمل واعتبار كيف كانت عاقبة المفسدين من الأمم الخالية ، والقرون الماضية ، كقوم لوط وقوم صالح ، فسترون أنهم قد دمروا تدميراً بسبب إفسادهم فى الأرض ، وتكذيبهم لرسلهم ( فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَلاَ تطيعوا أَمْرَ المسرفين ) لأن سيركم على طريقهم سيؤدى بكم إلى الدمار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن شعيباً عليه السلام ضم إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة أشياء.

الأول: أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق، لأجل أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط ﴾ قولان: الأول: يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس.

روي أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام.

والثاني: أن يحمل الصراط على مناهج الدين، قال صاحب الكشاف: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط ﴾ أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: ﴿ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  ﴾ قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين، والدليل على أن المراد بالصراط ذلك قوله: ﴿ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ وقوله: ﴿ بِكُلِّ صراط ﴾ يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتعاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها، فإنك إذا قلت قعد بمكان كذا، فالباء للإلصاق، وهو قد التصق بذلك المكان.

وأما قوله: ﴿ تُوعِدُونَ ﴾ فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال، والتقدير: ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجاً في سبيل الله، والحاصل: أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأمور الثلاثة.

واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على البعض.

وجب حصول المغايرة بينها فقوله: ﴿ تُوعِدُونَ ﴾ يحصل بذلك إنزال المضار بهم وأما الصد، فقد يكون بالإيعاد بالمضار، وقد يكون بالوعد بالمنافع بما لو تركه، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه.

أما قوله: ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من الآية أن شعيباً منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاثة.

وإذا تأملت علمت أن أحداً لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة.

ثم قال: ﴿ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ والمقصود منه أنهم إذا تذكروا كثرة إنعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية، قال الزجاج: وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه، كثر عددكم بعد القلة، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة.

فأما تكثير عددهم بعد القلة؛ فهو أن مدين بن إبراهيم تزوج رئيا بنت لوط، فولدت حتى كثر عددهم.

ثم قال بعده: ﴿ وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين ﴾ والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال، ليصير ذلك زاجراً لكم عن العصيان والفساد، فقوله: ﴿ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ المقصود منه أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا، وقوله: ﴿ وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين ﴾ المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا، فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولاً والترهيب ثانياً.

ثم قال: ﴿ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا ﴾ والمقصود منه تسلية قلوب المؤمنين وزجر من لم يؤمن، لأن قوله: ﴿ فاصبروا ﴾ تهديد، وكذلك قوله: ﴿ حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا ﴾ والمراد إعلاء درجات المؤمنين، وإظهار هوان الكافرين، وهذه الحالة قد تظهر في الدنيا فإن لم تظهر في الدنيا فلابد من ظهورها في الآخرة.

ثم قال: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ﴾ يعني أنه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف، فلابد وأن يخص المؤمن التقي بالدرجات العالية، والكافر الشقي بأنواع العقوبات، ونظيره قوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان يقال لشعيب عليه السلام خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين ﴿ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ معجزة شاهدة بصحة نبوّتي أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه، فأوفوا ولا تبخسوا.

فإن قلت: ما كانت معجزته؟

قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة، لقوله: ﴿ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ ولأنّه لابد لمدعي النبوّة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلاّ لم تصحّ دعواه، وكان متنبئاً لا نبياً غير أنّ معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه.

ومن معجزات شعيب عليه السلام: ما روي من محاربة عصى موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه غنمه.

وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن تكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصى آدم عليه السلام على يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات؛ لأنّ هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام، فكانت معجزات لشعيب.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ الكيل والميزان ﴾ وهلا قيل: المكيال والميزان، كما في سورة هود عليه السلام؟

قلت: أريد بالكيل: آلة الكيل وهو المكيال، أو سمي ما يكال به الكيل، كما قيل: العيش، لما يعاش به.

أو أريد: فأوفوا الكيل ووزن الميزان.

ويجوز أن يكون الميزان كالميعاد والميلاد بمعنى المصدر، ويقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه.

ومنه، قيل للمكس: البخس، وفي أمثالهم: تحسبها حمقاء وهي باخس.

وقيل: ﴿ أَشْيَاءهُمْ ﴾ لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلاّ مكسوه كما يفعل أمراء الحرمين.

وروى: أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطاعاً، ثم أخذوها بنقصان ظاهر أو أعطوه بدلها زيوفاً ﴿ بَعْدَ إصلاحها ﴾ بعد الإصلاح فيها، أي لا تفسدوا فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم.

وإضافته كإضافة قوله: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار ﴾ [سبأ: 33] بمعنى بل مكركم في الليل والنهار، أو بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض، أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه.

ومعنى: ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ يعني في الإنسانية وحسن الأحدوثة، وما تطلبونه من التكسب والتربح، لأن الناس أرغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والسوية ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن كنتم مصدقين لي في قولي ذلكم خير لكم ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط ﴾ ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: ﴿ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16] فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين.

والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: ﴿ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ ومحل ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ وما عطف عليه: النصب على الحال أي: ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله، وباغيها عوجاً.

فإن قلت: صراط الحق واحد، ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153] فكيف قيل: بكل صراط؟

قلت: صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها أوعدوه وصدّوه.

فإن قلت؛ إلام يرجع الضمير في ﴿ ءَامَنَ بِهِ ﴾ ؟

قلت: إلى كل صراط.

تقديره: توعدون من آمن به وتصدّون عنه، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير، زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه.

وقيل: كانوا يجلسون على الطرق والمراصد فيقولون لمن مر بهم إنَّ شعيباً كذاب فلا يفتنكم عن دينكم كما كان يفعل قريش بمكة.

وقيل: كانوا يقطعون الطرق.

وقيل: كانوا عَشَّارين ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ وتطلبون لسبيل الله عوجاً، أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها: أو يكون تهكماً بهم، وأنهم يطلبون لها ما هو محال، لأن طريق الحق لا يعوج ﴿ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً ﴾ إذ مفعول به غير ظرف.

أي: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم ﴿ فَكَثَّرَكُمْ ﴾ الله ووفر عددكم.

قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا.

ويجوز إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم: فجعلكم مكثرين موسرين.

أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة ﴿ فاصبروا ﴾ فتربصوا وانتظروا ﴿ حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا ﴾ أي بين الفريقين، بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم.

وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم، كقوله: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ﴾ [التوبة: 52] أو هو عظة للمؤمنين وحثّ على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم.

ويجوز أن يكون خطاباً للفريقين، أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما يسوءهم من إيمان من آمن منهم، حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ﴾ لأنّ حكمه حق وعدل، لا يخاف فيه الحيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ ﴾ بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ، وصِراطُ الحَقِّ وإنْ كانَ واحِدًا لَكِنَّهُ يَتَشَعَّبُ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ، وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَسْعى فى شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ.

وقِيلَ كانُوا يَجْلِسُونَ عَلى المَراصِدِ فَيَقُولُونَ لِمَن يُرِيدُ شُعَيْبًا إنَّهُ كَذّابٌ فَلا يَفْتِنُكَ عَنْ دِينِكَ ويُوعِدُونَ لِمَن آمَنَ بِهِ.

وقِيلَ كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ.

﴿ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ، ودَلالَةً عَلى عِظَمِ ما يَصُدُّونَ عَنْهُ وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ أوِ الإيمانِ بِاللَّهِ.

﴿ مَن آمَنَ بِهِ ﴾ أيْ بِاللَّهِ، أوْ بِكُلِّ صِراطٍ عَلى الأوَّلِ، ومَن مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ ولَوْ كانَ مَفْعُولَ تُوعِدُونَ لَقالَ وتَصُدُّونَهم وتُوعِدُونَ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ في مَوْقِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في تَقْعُدُوا.

﴿ وَتَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، أوْ وصْفِها لِلنّاسِ بِأنَّها مُعْوَجَّةٌ.

﴿ واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا ﴾ عَدَدَكم أوْ عُدَدَكم.

﴿ فَكَثَّرَكُمْ ﴾ بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ أوِ المالِ.

﴿ وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكم فاعْتَبَرُوا بِهِمْ.

﴿ وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا ﴾ فَتَرَبَّصُوا.

﴿ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط} بكل طريق {تُوعَدُونَ} من آمن بشعيب بالعذاب {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} عن العبادة {من آمن به} بالله وقيل كانوا يقطعون الطريق وقيل كانوا عشارين {وَتَبْغُونَهَا} وتطلبون لسبيل الله {عِوَجَا} أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتمنعوهم عن سلوكها ومحل تُوعَدُونَ وما عطف عليه النصب على الحال أي لا تقعدوا موعدين

الأعراف ٨١ ٨٤ وصادين عن سبيل الله وباغين عوجاً {واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً} إذ مفعول به غير ظرف أى واذكروا على جهتة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم {فَكَثَّرَكُمْ} الله ووفر عددكم وقيل إن مدين ابن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا {وانظروا كَيْفَ كان عاقبة المفسدين} آخر أم عن أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود وصالح ولوط عليهم السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ﴾ أيْ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الحِسِّيَّةِ ﴿ تُوعِدُونَ ﴾ أيْ تُخَوِّفُونَ مَن آمَنُ بِالقَتْلِ كَما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بِلادَهم كانَتْ يَسِيرَةً وكانَ النّاسُ يَمْتارُونَ مِنهم فَكانُوا يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ ويُخَوِّفُونَ النّاسَ أنْ يَأْتُوا شُعَيْبًا ويَقُولُونَ لَهم إنَّهُ كَذّابٌ فَلا يَفْتِنُكم عَنْ دِينِكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُعُودُ عَلى الصِّراطِ خارِجًا مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ كَما فِيما حُكِيَ عَنْ قَوْلِ الشَّيْطانِ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ أيْ ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ وإلَيْهِ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا والكُلِّيَّةُ مَعَ أنَّ دِينَ اللَّهِ الحَقَّ واحِدٌ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِهِ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ مِنَ الحِيَلِ وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَرْجِعُ إلى أحَدِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وإلّا فَفِيهِ خَفاءٌ وإنْ قِيلَ: إنَّ في الآيَةِ عَلَيْهِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ وتَغْلِيظَ ما كانُوا يَرُومُونَهُ مِن قَطْعِ السَّبِيلِ.

﴿ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي الإيمانُ أوِ السَّبِيلِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ دَلالَةً عَلى عِظَمِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن آمَنَ بِهِ ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ لا ﴿ تُوعِدُونَ ﴾ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إذْ يَجِبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ في مِثْلِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إظْهارُ ضَمِيرِ الثّانِي ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: تَصُدُّونَهم وإذا جُعِلَ تَصُدُّونَ بِمَعْنى تُعْرِضُونَ يَصِيرُ لازِمًا ولا يَكُونُ مِمّا نَحْنُ فِيهِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى أوْ لِكُلِّ صِراطٍ أوْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما قِيلَ وجُمْلَةُ ﴿ تُوعِدُونَ ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَقْعُدُوا ﴾ أيْ مُوعِدِينَ وصادِّينَ وقِيلَ: هي عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والأظْهَرُ ما ذَكَرْنا ﴿ وتَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ أيْ وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِوَصْفِها لِلنّاسِ بِما يَنْقُصُها وهي أبْعَدُ مِن شائِبَةِ الِاعْوِجاجِ: وهَذا إخْبارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ وقَدْ يَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ حَيْثُ طَلَبُوا ما هو مُحالٌ إذْ طَرِيقُ الحَقِّ لا يَعْوَجُّ وفي الكَلامِ تَرَقٍّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كَفاكم أنَّكم تُوعِدُونَ النّاسَ عَلى مُتابَعَةِ الحَقِّ وتَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِفُونَهُ بِالِاعْوِجاجِ لِيَكُونَ الصَّدُّ بِالبُرْهانِ والدَّلِيلِ وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ زَيْدٍ جازَ أنْ يُرادَ بِتَبْغُونَها عِوَجًا عَيْشُهم في الأرْضِ واعْوِجاجُ الطَّرِيقِ عِبارَةٌ عَنْ فَواتِ أمْنِها.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ مَعْنى هَذا الطَّلَبِ حِينَئِذٍ مَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ وعَلى سائِرِ الأوْجُهِ في الكَلامِ الحَذْفُ والإيصالُ.

﴿ واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا ﴾ عَدَدَكم ﴿ فَكَثَّرَكُمْ ﴾ فَوَفَّرَ عَدَدَكم بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُكِيَ أنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهِيمَ تَزَوَّجَ بِنْتَ لُوطٍ فَوَلَدَتْ فَرَمى اللَّهُ تَعالى في نَسْلِها البَرَكَةَ والنَّماءَ فَكَثُرُوا وفَشَوْا.

وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إذْ كُنْتُمْ مُقِلِّينَ فُقَراءَ فَجَعَلَكم مُكْثِرِينَ مُوسِرِينَ أوْ كُنْتُمْ أقِلَّةً أذِلَّةً فَأعَزَّكم بِكَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ و ﴿ إذْ ﴾ مَفْعُولُ ( اذْكُرُوا ) أوْ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ كالحادِثِ أوِ النِّعَمِ أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ أوْ ما فِيهِ ﴿ وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ (86) أيْ آخِرُ أمْرِ مَن أفْسَدَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ واعْتَبِرُوا بِهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً يعني: أرسلنا إلى مدين نبيّهم شعيباً ومدين هو آل مدين وكان مدين بن إبراهيم خليل الرحمن، تزوج ريثاء ابنة لوط، فولدت آل مدين، فتوالدوا وكثروا، ثم صار هو اسماً للمدينة، فسميت المدينة مدين، وسمي أولئك القوم مدين.

فكفروا بالله تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع، وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى إليهم شعيباً.

وقال الضحاك كان شعيب أفضلهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأحسنهم وجهاً، ويقال: إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى الله تعالى وقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه وأطيعوه مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال بعضهم: مجيء شعيب النبي-  - إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد.

وقال بعضهم: كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته، ألا إن الله تعالى لم يبيّن لنا علامته، وقد بيّن علامة بعض الأنبياء، ولم يبيّن علامة الجميع.

ثم قال: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بالقسط أي أتموا الكيل والميزان بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها يعني: لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بيّن الله تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم.

قوله تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ أي لا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول: تمنعون الناس عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً يقول: تريدون بملة الإسلام زيغاً وغيراً.

وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قال: بكل سبيل حتى تصدوا أهلها عنها وَتَبْغُونَها عِوَجاً قال وتلتمسون بها الزيغ.

ويقال معناه: لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس وتخوفون أهل الإيمان بشعيب-  -.

ثم قال: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي كنتم قليلاً في العدد فكثَّر عددكم.

ويقال: كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل، يعني: الذين قبلهم قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح.

ثم قال: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: إن كان جماعة منكم صدقوا بي وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بي أي لم يصدقوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين.

فذلك قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي أعدل العادلين.

قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان من قومه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي لتدخلنا في ديننا الذي نحن عليه.

ويقال: هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا لترجعن إلى ديننا كما كنتم قالَ لهم شعيب أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ يعني: أتجبروننا على ذلك؟

قالوا: نعم قال لهم شعيب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ يقول: قد اختلقنا عَلَى الله كَذِبًا أن دخلنا في دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يقول: إن الله تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملّتكم.

يقال: معناه كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله منها.

ويقال: أكرمنا الله تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم.

وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشآء الله رَبُّنا دخولنا فيها وأن ينزع المعرفة من قلوبنا.

ويقال: معناه وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها.

ويقال: معناه إلا أن يشآء الله يعني: لا يشاء الله الكفر مثل قولك.

لا أكلمك حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب، وهذا طريق المعتزلة.

ثم قال: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني: علم ما يكون منا ومن الخلق عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي فوضنا أمرنا إلى الله لقولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي اقض بيننا وبين قومنا بالعدل.

وروى قتادة عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما معنى قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني: أخاصمك.

وقال القتبي: الفتح أن تفتح شيئاً مغلقا كقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73] وسمي القضاء فتحاً لأن القضاء فصل للأمور وفتح لما أشكل منها وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ يعني: خير الفاصلين.

قوله تعالى: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً أي لأن أطعتم شعيباً في دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ يعني: جاهلون.

فلما وعظهم شعيب، ولم يتعظوا أخبرهم أن العذاب نازل بهم.

فلم يصدقوه.

فخرج شعيب ومن آمن معه من بين أظهرهم فأصابهم يعني: أهل القرية حر شديد، فخرجوا من القرية، ودخلوا غيضة كانت عند قريتهم وهي الأيكة كما قال الله تعالى في آية أخرى كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 176] فأرسل الله تعالى ناراً فأحرقت الأشجار ومن فيها من الناس.

ويقال: أصابتهم زلزلة فخرجوا، فأتتهم نار فأحرقتهم، وذلك قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني: الزلزلة والحر الشديد فهلكوا واحترقوا فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يعني: صاروا ميتين.

قوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني: كأن لم يكونوا فيها قط وقال قتادة: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني: كأن لم يتنعموا فيها.

ويقال: معناه من كان رآهم بعد إهلاكنا إياهم ظن أنه لم يكن هناك أحد يعني: لم يعيشوا.

ويقال: كأن لم يعمروا.

ثم قال: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ يعني: المغبونين في العقوبة، يعني: إنهم كانوا يقولون لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون.

فصار الذين كذبوا هم الخاسرون لا الذين آمنوا منهم.

قوله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم حين خرج من بين أظهرهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي في نزول العذاب وَنَصَحْتُ لَكُمْ وقد ذكرناه فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ أي كيف أحزن بعد النصيحة على قوم إن عذبوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)

وقوله سبحانه: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ...

الآية: قيل في مَدْيَنَ إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه.

وقال مكِّيّ: كان زوج بنت لوط، وأَخاهُمْ: منصوبٌ ب «أرسلنا» في أول القصص، و «البيِّنة» : إشارة إِلى معجزته، وَلا تَبْخَسُوا معناه ولا تظلموا ومنْه قولهم:

تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود» : البَخْس:

النَّقْصَ.

ت: ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه.

قال أبو حَيانَ: ولا تَبْخَسُوا: متعدٍّ إلى مفعولين، تقول: بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي:

نقصته إياه.

انتهى.

وأَشْياءَهُمْ: يريد أمتعتهم وأموالهم، وَلا تُفْسِدُوا: لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله وكذلك الإصلاح عامٌّ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، أيْ: عند اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،

أي: بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ...

الآية: قال السديُّ: هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل «١» ، و «الصِّرَاطُ» : الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه: هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ «٢» ، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره: قوله: وَلا تَقْعُدُوا نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب «٣» وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداوديّ: وعن مجاهد تَبْغُونَها عِوَجاً:

يلتمسون «٤» لها الزيْغَ.

انتهى.

ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ.

وقيل: أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا ...

الاية: قوله:

فَاصْبِرُوا تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معناه: أو لتَصِيرُنّ، و «عَادَ» في كلام العرب على/ وجهين:

أحدُهُمَا: عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف ومنه قول الشاعر: [الطويل]

أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ ...

وعمرا تولّى يا بثين يعود «٥»

ومنْه قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .

والوجه الثاني: أنْ تكون بمعنى «صَارَ» ، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة ومنه قول الشاعر: [البسيط]

تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ...

شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ «١»

ومنه قول الآخر:

وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ ...

«٢»

ومنه قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] ، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية: أَوْ لَتَعُودُنَّ، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى «صار» ، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً.

قال ص: قَدِ افْتَرَيْنا: هو بمعنى المستقبل لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو: إِنْ عُدْنا أو هو جوابه، على قول.

انتهى.

وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ.

قال ع «٣» : والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ من القربات.

وقيل: إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً:

معناه: وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء كما تقول: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ: تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط» ، وقوله: افْتَحْ معناه: احكم، وقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا:

استسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا.

وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ...

الآية: أي: قال الملأ لتباعهم ومقلّديهم، والرَّجْفَةُ: الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ.

ت: والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...

الآية [هود: ٩٤] ، وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا:

معناه: يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل]

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ...

أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ «١»

قال ع «٢» : فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنة بتنعّم وعيش مرضيّ، وقوله: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ: كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً لَمَّا رأى هلاكَ قومه إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ﴾ أيْ: بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ مَن آَمَنَ بِشُعَيْبٍ بِالشَّرِّ، وتُخَوِّفُونَهم بِالعَذابِ والقَتْلِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أفْرَدَ الفِعْلَ، وأخْلاهُ مِنَ المَفْعُولِ؛ فَهَلّا قالَ: تُوعِدُونَ بِكَذا؟

فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ إذا أخْلَتْ هَذا الفِعْلَ مِنَ المَفْعُولِ، لَمْ يَدُلَّ إلّا عَلى شَرٍّ؛ يَقُولُونَ: أوْعَدْتُ فُلانًا.

وكَذَلِكَ إذا أفْرَدُوا: وعُدْتُ مِن مَفْعُولٍ، لَمْ يَدُلَّ إلّا عَلى الخَبَرِ.

قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُونَ: وعَدْتُهُ خَيْرًا، وأوْعَدْتُهُ شَرًّا؛ فَإذا أسْقَطُوا الخَيْرَ والشَّرَّ، قالُوا: وعَدْتُهُ: في الخَيْرِ، وأوْعَدْتُهُ: في الشَّرِّ؛ فَإذا جاؤُوا بِالباءِ، قالُوا: وعَدْتُهُ والشَّرَّ.

وقالَ الرّاجِزُ: أوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ والأداهِمِ قالَ المُصَنِّفُ: وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: إذا أرادُوا أنْ يَذْكُرُوا ما تَهَدَّدُوا بِهِ مَعَ أوُعِدَتْ، جاؤُوا بِالباءِ، فَقالُوا: أوْعَدَتْهُ بِالضَّرْبِ، ولا يَقُولُونَ: أوْعَدْتُهُ الضَّرْبَ.

قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا عَشّارِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ مَن آَمَنَ بِهِ.

﴿ وَتَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ مُفَسَّرٌ في (آَلِ عِمْرانَ:٩٩) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَعَلَكم أغْنِياءَ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ فُقَراءَ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كَثُرَ عَدَدُكم بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ قَلِيلًا وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ ذَوِي مَقْدِرَةٍ وأقْدارٍ فَكَثَّرَهُمْ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ قِيلَ في "مَدْيَنَ"؛ إنَّهُ اسْمُ بَلَدٍ؛ وقُطْرٍ؛ وقِيلَ: اسْمُ قَبِيلَةٍ؛ وقِيلَ: هم مِن ولَدِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورُوِيَ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَلامُ - هو جَدُّ شُعَيْبٍ لِأُمِّهِ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: كانَ زَوْجَ بِنْتِ لُوطٍ؛ ومَن رَأى "مَدْيَنَ"؛ اِسْمَ رَجُلٍ؛ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّهُ مَعْرِفَةُ أعْجَمِيٌّ؛ ومَن رَآهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ؛ أوِ الأرْضِ؛ فَهو أحْرى ألّا يُصْرَفَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "أخاهُمْ"؛ ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "أرْسَلْنا"؛  ﴾ في أوَّلِ القَصَصِ؛ وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "لُوطًا"؛ بِهِ انْتَصَبَ؛ وأنَّ اللَفْظَ مُسْتَمِرٌّ؛ وهَذِهِ الأُخُوَّةُ في القَرابَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "غَيْرُهُ"؛ و"غَيْرَهُ"؛ والبَيِّنَةُ إشارَةٌ إلى مُعْجِزَتِهِ؛ وإنْ كُنّا نَحْنُ لَمْ يُنَصَّ لَنا عَلَيْها.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "قَدْ جاءَتْكم آيَةٌ مِن رَبِّكُمْ"؛ مَكانَ "بَيِّنَةٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَأوفُوا الكَيْلَ ﴾ ؛ أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِقامَةِ في الإعْطاءِ؛ وهو - بِالمَعْنى - في الأخْذِ والإعْطاءِ؛ وكانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ في ذَلِكَ الزَمَنِ؛ وفَحُشَتْ مَعَ كُفْرِهِمُ الَّذِي نالَتْهُمُ الرَجْفَةُ بِسَبَبِهِ؛ و ﴿ "تَبْخَسُوا"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَظْلِمُوا؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهي باخِسٌ"؛ أيْ: ظالِمَةٌ خادِعَةٌ؛ و"أشْياءَهُمْ"؛ يُرِيدُ أمْوالَهُمْ؛ وأمْتِعَتَهُمْ؛ مِمّا يُكالُ؛ أو يُوزَنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تُفْسِدُوا"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِدَقِيقِ الفَسادِ وجَلِيلِهِ؛ وكَذَلِكَ الإصْلاحُ عامٌّ؛ والمُفَسِّرُونَ نَصُّوا عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الكُفْرِ بِالفَسادِ؛ وإلى النُبُوّاتِ والشَرائِعِ بِالإصْلاحِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ؛ أيْ: نافِعٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ مُكْسِبٌ فَوْزَهُ ورِضْوانَهُ تَعالى ؛ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَوْحِيدِ؛ وإلّا فَلا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَ إيمانٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذا نَهْيٌ عَنِ العَشّارِينَ؛ والمُتَقَبِّلِينَ؛ ونَحْوِهِ؛ مِن أخْذِ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ وَذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُكْثِرُونَ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ: بَخْسِهِمْ؛ ونَقْصِهِمُ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هو نَهْيٌ عَنِ السَلْبِ؛ وقَطْعِ الطَرِيقِ؛ وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ؛ ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ النَهْيِ في شَأْنِ المالِ في المَوازِينِ؛ والأكْيالِ؛ والبَخْسُ يُؤَيِّدُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ ويُشْبِهُهُما؛ وفي هَذا كُلِّهِ تَوَعُّدٌ لِلنّاسِ إنْ لَمْ يَتْرُكُوا أمْوالَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ أيْضًا: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَلا تَقْعُدُوا"؛ ﴾ نَهْيٌ لَهم عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن رَدِّ الناسِ عن شُعَيْبٍ؛ فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ؛ ويَصُدُّونَهُ؛ ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ؛ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ؛ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وما بَعْدَ هَذا مِن ألْفاظِ الآيَةِ يُشْبِهُ هَذا القَوْلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: وتَفْتِنُونَ مَن آمَنَ؛ وتَصُدُّونَهُ عن طَرِيقِ الهُدى؛ وسَبِيلِ اللهِ تَعالى المُفْضِيَةِ إلى رَحْمَتِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى شُعَيْبٍ؛ في قَوْلِ مَن رَأى القُعُودَ عَلى الطُرُقِ؛ لِلرَّدِّ عن شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأنْ يَعُودَ عَلى السَبِيلِ في لُغَةِ مَن يُذَكِّرُ "اَلسَّبِيلُ".

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَتَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ ؛ في صَدْرِ السُورَةِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ؛ والزَجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي؛ وفَتْحُها في الأجْرامِ.

ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وأنَّهُ كَثَّرَهم بَعْدَ قِلَّةِ عَدَدٍ؛ وقِيلَ: أغْناهم بَعْدَ فَقْرٍ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا -: "إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا قَدْرُكُمْ"؛ ثُمَّ حَذَّرَهم ومَثَّلَ لَهم بِمَنِ امْتُحِنَ مِنَ الأُمَمِ السابِقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفسير صدر هذه الآية هو كتفسير نظيرها في قصّة ثمود، سوى أنّ تجريد فعل ﴿ قال يا قوم ﴾ من الفاء هنا يترجّح أنّه للدّلالة على أنّ كلامه هذا ليس هو الذي فاتحهم به في ابتداء رسالته بل هو مِمّا خاطبهم به بعدَ أن دعاهم مِراراً، وبعدَ أن آمنَ به مَن آمن منهم كما يأتي.

ومَدْيَن أمّة سُمّيت باسم جَدّها مَدْيَنَ بننِ إبراهيم الخليللِ عليه السّلام، من زوجه الثّالثة التي تزوّجها في آخر عُمره وهي سرية اسمُها قَطُورَا.

وتزوّج مَدْيَنُ ابنةَ لوط عليه السّلام وولد له أبناء: هم (عيفة) و(عفر) و(حنوك) و(أبيداع) و(ألْدَعة) وقد أسكنهم إبراهيم عليه السّلام في ديارهم، وسطاً بين مسكن ابنه إسماعيل عليه السّلام ومسكن ابنه إسحاق عليه السّلام، ومن ذرّيتهم تفرّعت بطون مَدْين، وكانوا يعدّون نحو خمسة وعشرين ألفاً، ومواطنهم بين الحجاز وخليج العقبة بقرب ساحل البحر الأحمر، وقاعدة بلادهم (وَجّ) على البحر الأحمر وتنتهي أرضهم من الشّمال إلى حدود مَعان من بلاد الشّام، وإلى نحو تبوك من الحجاز، وتسمّى بلادهم (الأيْكَة).

ويقال: إنّ الأيكة هي (تبوك) فعلى هذا هي من بلاد مَدين، وكانت بلادهم قرى وبوادي، وكان شعيب عليه السّلام من القرية وهي (الأيْكَة)، وقد تَعرّبوا بمجاورة الأمم العربيّة وكانوا في مدّة شعيب عليه السّلام تحت ملوك مصر، وقد اكتسبوا بمجاورة قبائل العرب ومخالطتهم لكونهم في طريق مصر، عربيّة فأصبحوا في عداد العرب المستعربة، مثل بني إسماعيل عليه السّلام، وقد كان شاعر في الجاهلية يعرف بأبي الهَمَيْسَع هو من شعراء مَدْيَن وهو القائل: إن تَمْنَعِي صَوْبَككِ صوب المدمع *** يجْري على الخدّ كضئب الثَّغْثَع من طَمْحَةٍ صبيرُها جَحْلَنْجَعِ *** ويقال: إنّ الخطّ العربي أوّل ما ظهر في مدْين.

وشعيب عليه السّلام هو رسولٌ لأهل مدين، وهو من أنفسهم، اسمُه في العربيّه شُعيب عليه السّلام واسمه في التّوراة: (يَثْرُون) ويسمّى أيضاً (رَعْوَئِيلَ) وهو ابن (نويلى أو نويب) بن (رَعْويل) بن (عيفا) بن (مدين).

وكان موسى عليه السّلام لمّا خرج من مصر نزل بلاد مديَن وزوّجَه شعيبٌ ابنتَه المسمّاة (صَفورَه) وأقام موسى عليه السّلام عنده عشر سنين أجيراً.

وقد خبط في نسب مدين ونسب شُعيب عليه السّلام جمع عظيم من المفسّرين والمؤرّخين، فما وجدتَ ممّا يخالف هذا فانبذه.

وعَدّ الصفدي شعيباً في العِميان، ولم أقف على ذلك في الكتب المعتمدة.

وقد ابتدأ الدّعوة بالإيمان لأنّ به صلاح الاعتقاد والقلب، وإزالة الزّيف من العقل.

وبيِّنة شعيب عليه السّلام التي جاءت في كلامه: يجوز أن تكون أطلقت على الآية لمعجزة أظهرها لقومه عَرفوها ولم يذكرها القرآن، كما قال ذلك المفسّرون، والأظهر عندي أن يكون المراد بالبيّنة حجّة أقامها على بطلان ما هم عليه من الشّرك وسوء الفعل، وعجزوا عن مجادلته فيها، فقامت عليهم الحجّة مثل المجادلة التي حكيت في سورة هود فتكون البيّنة أطلقت على ما يُبيّن صدق الدّعوى، لا على خصوص خارق العادة، أو أن يكون أراد بالبيّنة ما أشار إليه بقوله: ﴿ فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ﴾ أي يكون أنذرهم بعذاب يحلّ بهم إن لم يؤمنوا، كما قال في الآية الأخرى ﴿ فأسقط علينا كِسْفا من السّماء إن كنت من الصّادقين ﴾ [الشعراء: 187] فيكون التّعبير بالماضي في قوله: ﴿ قد جاءتكم ﴾ مراداً به المستقبل القريب، تنبيهاً على تحقيق وقوعه، أو أن يكون عَرض عليهم أن يظهر لهم آية، أي معجزة ليؤمنوا، فلم يسألوها وبادروا بالتّكذيب، فيكون المعنى مثلَ ما حكاه الله تعالى عن موسى عليه السّلام: ﴿ قد جئتكم ببينة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنتَ جئتَ بآية فأتتِ بها ﴾ [الأعراف: 105، 106] الآية، فيكون معنى: ﴿ قد جاءتكم ﴾ قد أعِدّت لأنّ تجيئكم إذا كنتم تؤمنون عند مجيئها.

والفاء في قوله: ﴿ فأوفوا الكيل والميزان ﴾ للتّفريع على مضمون معنى ﴿ بينة ﴾ لأنّ البيّنة تدلّ على صدقه، فلمّا قام الدّليل على صدقه وكان قد أمرهم بالتّوحيد بادئ بدء، لما فيه من صلاح القلب، شرع يأمرهم بالشّرائع من الأعمال بعد الإيمان، كما دلّ عليه قوله الآتي: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ فتلك دعوة لمن آمن من قومه بأن يكملوا إيمانهم بالتزام الشّرائع الفرعيّة، وإبلاغٌ لمن لم يؤمن بما يلزمهم بعد الإيمان بالله وحده.

وفي دعوة شعيب عليه السّلام قومه إلى الأعمال الفرعيّة بعد أن استقرت الدّعوة إلى التّوحيد ما يؤذن بأنّ البشر في ذلك العصر قد تطوّرت نفوسهم تطوّراً هيّأهم لقبول الشّرائع الفرعيّة، فإنّ دعوة شعيب عليه السّلام كانت أوسع من دعوة الرّسل من قبله هودٍ وصالححٍ عليهم السّلام إذ كان فيها تشريع أحكام فرعيّة وقد كان عصر شعيب عليه السّلام قد أظَلّ عَصْرَ موسى عليه السّلام الذي جاء بشريعة عظيمة ماسّةٍ نواحيَ الحياة كُلَّها.

والبخس فسّروه بالنّقص، وزاد الرّاغب في «المفردات» قيداً، فقال: نقص الشّيء على سبيل الظلم، وأحسن ما رأيت في تفسيره قول أبي بكر بن العربي في «أحكام القرآن»: «البخس في لسان العرب هو النّقص بالتعييب والتّزهيد أو المخادعة عن القيمة أو الاحتيال في التزيد في الكيل والنّقصان منه» فلنبن على أساس كلامه فنقول: البخس هو إنقاص شيء من صفة أو مقدار هو حقيق بكماللٍ في نوعه.

ففيه معنى الظلم والتّحيّل، وقد ذكر ابن سيدة في «المخصص» البَخس في باب الذهاب بحقّ الإنسان، ولكنّه عندما ذكره وقع فيما وقع فيه غيره من مدوّني اللّغة، فالبَخس حدث يتّصف به فاعل وليس صفة للشّيء المبْخوس في ذاته، إلاّ بمعنى الوصف بالمصدر، كما قال تعالى: ﴿ وشَرَوه بثمنٍ بَخس ﴾ [يوسف: 20] أي دون قيمة أمثاله، (أي تساهل بائعوه في ثمنه لأنّهم حصّلوه بغير عوض ولا كلفة).

وأعلم أنّه قد يكون البَخس متعلّقاً بالكمّية كما يقول المشتري: هذا النِّحْي لا يزن أكثر من عشرة أرطال، وهو يعلم أنّ مثله يزن اثني عشر رطلاً، أوْ يقولُ: ليس على هذا النّخل أكثر من عشرة قناطير تمراً في حين أنّه يعلم أنّه يبلغ عشرين قنطاراً، وقد يكون متعلّقاً بالصّفة كما يقول: هذا البعير شَرود وهو من الرّواحل، ويكون طريق البَخس قولاً، كما مثَّلنا، وفعلاً كما يكون من بذل ثمننٍ رخيصصٍ في شيء من شأنه أن يباع غالياً، والمقصود من البَخس أن ينتفع البَاخس الرّاغب في السّلعة المبْخوسة بأنْ يصرف النَّاس عن الرّغبة فيها فتبقى كَلاَّ على جالبها فيضطرّ إلى بيعها بثمن زهيد، وقد يقصد منه إلقاء الشكّ في نفس جالب السّلعة بأنّ سلعته هي دون ما هو رائج بين النّاس، فيدخله اليأس من فوائد نتاجه فتكسل الهِمَم.

وما وقع في «اللّسان» من معاني البَخس: أنّه الخسيس فلعلّ ذلك على ضرب من المجاز أو التّوسّع، وبهذا تعلم أنّ البَخس هو بمعنى النّقص الذي هو فعل الفاعل بالمفعول، لا النّقص الذي هو صفة الشّيء النّاقص، فهو أخص من النّقص في الاستعمال، وهو أخص منه في المعنى أيضاً.

ثمّ إنّ حقّ فعله أن يتعدّى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿ ولا يبْخس منه شيئاً ﴾ [البقرة: 282] فإذا عُدّي إلى مفعولين كما في قوله هنا: ﴿ ولا تبْخسوا النّاس أشياءهم ﴾ فذلك على معنى التّحويل لتحصيل الإجمال ثمّ التّفصيل، وأصل الكلام: «ولا تبْخسوا أشياءَ النّاس» فيكون قوله: ﴿ أشياءهم ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿ الناس ﴾ وعلى هذا فلو بني فعل ﴿ بخس ﴾ للمجهول لقلت بُخِس فلان شيئُه برفع فلان ورفع شيئه.

وقد جعله أبو البقاء مفعولاً ثانياً، فعلى إعرابه لو بني الفعل للمجهول لبَقي (أشياءهم) منصوباً.

وعلى إعرابنا لو بني الفعل للمجهول لصار أشياؤُهم مرفوعاً على البدليّة من النّاس، وبهذا تَعلم أنّ بيْن البَخس والتَّطفيف فرقاً قد خفي على كثير.

وحاصل ما أمر به شعيب عليه السّلام قومَه، بعد الأمر بالتّوحيد ينحصر في ثلاثة أصول: هي حفظ حقوق المعاملة الماليّة، وحفظ نظام الأمّة ومصالحها، وحفظُ حقوق حرّية الاستهداء.

فالأوّل قوله: ﴿ فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ فإيفاء الكيل والميزان يرجع إلى حفظ حقوق المشترين، لأنّ الكائل أو الوازن هو البائع، وهو الذي يحمله حبّ الاستفضال على تطْفيف الكيل أو الوزن، ليكون باع الشّيءَ النّاقص بثمن الشّيء الوافي، كما يحسبه المشتري.

وأمّا النَّهي عن بخس النّاس أشياءهم فيرجع إلى حفظ حقوق البائع لأنّ المشتري هو الذي يبْخس شيء البائع ليهيّئه لقبول الغبن في ثمن شيئه، وكلا هذين الأمرين حيلة وخداع لتحصيل ربح من المال.

والكيل مصدر، ويطلق على ما يكال به، وهو المِكيال كقوله تعالى: ﴿ ونزداد كيل بعير ﴾ [يوسف: 65] وهو المراد هنا: لمقابلته بالميزان، ولقوله في الآية الأخرى: ﴿ ولا تنقصوا المكيال والميزان ﴾ [هود: 84] ومعنى.

إيفاء المكيال والميزان أن تكون آلة الكيل وآلة الوزن بمقدار ما يقدّر بها من الأشياء المقدّرة.

وإنَّما خَصّ هذين التحيلين بالأمر والنّهي المذكورين: لأنَّهما كانا شائعين عند مَدْيَن، ولأنّ التّحيلات في المعاملة الماليّة تنحصر فيهما إذ كان التّعامل بين أهل البوادي منحصراً في المبادلات بأعيان الأشياءِ: عرْضاً وطَلَباً.

وبهذا يَظهر أنّ النّهي في قوله: ﴿ ولا تبخسوا النّاس أشياءَهم ﴾ أفاد معنى غير الذي أفاده الأمر في قوله: ﴿ فأوفوا الكيل والميزان ﴾ .

وليس ذلك النّهي جارياً مجرى العلّة للأمر، أو التّأكيد لمضمونه، كما فسّر به بعض المفسّرين.

وما جاء في هذا التّشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمّة لأنّ المعاملات تعتمد الثّقة المتبادَلة بين الأمّة، وإنَّما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط النّاس للتّعامل فالمُنتج يزداد إنتاجاً وعَرْضاً في الأسواق، والطَّالبُ من تاجر أو مُستهلك يُقبِل على الأسواق آمِناً لا يخشى غبناً ولا خديعة ولا خِلابة، فتتوفّر السّلع في الأمّة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نَماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويَعيش النّاس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختلّ حال الأمّة بمقدار تفشي ضدّ ذلك.

وقوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ هذا الأصل الثّاني من أصول دعوة شعيب عليه السّلام للنّهي عن كلّ ما يفضي إلى إفساد ما هو على حالة الصّلاح في الأرض.

وقد تقدّم القول في نظير هذا التّركيب عند قوله تعالى: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً ﴾ في أوائل هذه السّورة (56).

والإشارة ﴿ بذلكم ﴾ إلى مجموع ما تضمّنه كلامه، أي ذلك المذكورُ، ولذا أفرد اسم الإشارة.

والمذكور: هو عبادة الله وحده، وإيفاءُ الكيل والميزان، وتجنب بخس أشياء النّاس، وتجنبُ الفساد في الأرض.

وقد أخبر عنه بأنّه خير لَهم، أي نفع وصلاح تنتظم به أمورهم كقوله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ﴾ [الحج: 36].

وإنّما كان ما ذُكر خيراً: لأنّه يوجب هناء العيش واستقرار الأمن وصفاءَ الودّ بين الأمّة وزوال الإحَن المفضية إلى الخصومات والمقاتلات، فإذا تمّ ذلك كثرت الأمّة وعزّت وهابها أعداؤُها وحسنت أحدوثتها وكثر مالها بسبب رغبة النّاس في التّجارة والزّراعة لأمْن صاحب المال من ابتزاز ماله.

وفيه خير الآخرة لأنّ ذلك إنْ فعلوه امتثالاً لأمر الله تعالى بواسطة رسوله أكسبهم رضى الله، فنجَوْا من العذاب، وسكنوا دار الثّواب، فالتّنكير في قوله: ﴿ خير ﴾ للتعظيم والكمال لأنّه جامعُ خيري الدّنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ شرط مُقَيِّد لقوله: ﴿ ذلكم خير لكم ﴾ والمؤمنون لقب للمتّصفين بالإيمان بالله وحده، كما هو مصطلح الشّرائع وحملُ المؤمنين على المصدّقين لقوله، ونصحه، وأمانته: حملٌ على ما يأبَاه السّياق، بل المعنى، أنّه يكون خيراً إن كنتم مؤمنين بالله وحدَه، فهو رجوع إلى الدّعوة للتّوحيد بمنزلة ردّ العجز على الصّدر في كلامه، ومعناه أنّ حصول الخير من الأشياء المشارِ إليها لا يكون إلاّ مع الإيمان، لأنّهم إذا فعلوها وهم مشركون لم يحصل منها الخير لأنّ مفاسد الشّرك تُفسد ما في الأفعال من الخَير، أمّا في الآخرة فظاهر، وأمَّا في الدّنيا فإنّ الشّرك يدعو إلى أضداد تلك الفضائل كما قال الله تعالى: ﴿ وما زَادوهم غَيْر تَتَبيب ﴾ [هود: 101] أو يدعو إلى مفاسد لا يَظهر معها نفع تلك المصالح.

والحاصل أنّ المراد بالتّقييد نفي الخير الكامل عن تلك الأعمال الصّالحة إن لم يكن فاعلوها مؤمنين بالله حقّ الإيمان، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَكّ رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مَقْرَبة أو مسكيناً ذا مَتْرَبة ثمّ كَان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 13 17] وتأويل الآية بغير هذا عدول بها عَن مهيع الوضوح.

وقوله: ﴿ ولا تقعدوا بكلّ صراط توعدون ﴾ هذا الأصل الثّالث من دعوته وهو النّهي عن التّعرّض للنّاس دون الإيمان، فإنّه بعد أن أمرهم بالإيمان بالله وما يتطلّبه من الأعمال الصّالحة، وفي ذلك صلاح أنفسهم، أي أصلحوا أنفسكم ولا تمنعوا من يَرغب في إصلاح نفسه ذلك أنّهم كانوا يصدّون وفودَ النّاس عن الدّخول إلى المدينة التي كان بها شعيب عليه السّلام لئلا يؤمنوا به.

فالمراد بالصّراط الطريق الموصلة إلى لقاء شعيب عليه السّلام.

والقعود مستعمل كناية عن لازمه وهو الملازمة والاستقرار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لأقْعُدَنّ لهم صراطك المستقيم ﴾ في هذه السّورة (16).

و (كُلّ) للعموم وهو عموم عُرفي، أي كلّ صراط مبلغ إلى القرية أو إلى منزل شعيب عليه السّلام، ويجوز أن تكون كلمة (كلّ) مستعملة في الكثرة كما تقدّم.

والباء للإلصاق، أو هي بمعنى (في) كشأنها إذا دخلت على أسماء المنازل.

كقول امرئ القيس: بسِقْط اللِّوَى *** البيت.

وجملة: ﴿ توعدون ﴾ حال من ضمير ﴿ تقعدوا ﴾ والإيعاد: الوعد بالشرّ.

والمقصود من الإيعاد الصدّ، فيكون عطف جملة ﴿ وتصدون ﴾ عطفَ علّة على معلول، أو أريد توعدون المصمّمين على اتِّباع الإيمان، وتصدّون الذين لم يصمّموا فهو عطف عام على خاص.

و ﴿ من آمن ﴾ يتنازعه كلٌ من ﴿ توعدون ﴾ وتصدّون.

والتّعبير بالماضي في قوله: ﴿ مَن آمن به ﴾ عوضاً عن المضارع، حيث المراد بمن آمن قاصدُ الإيمان، فالتعبير عنه بالماضي لتحقيق عزم القاصد على الإيمان فهو لولا أنّهم يصدّونه لكان قد آمن.

و ﴿ سبيل الله ﴾ الدّين لأنّه مِثل الطريق الموصل إلى الله، أي إلى القرب من مرضاته.

ومعنى ﴿ تبغونها عوجا ﴾ تبغون لسبيل الله عوجاً إذ كانوا يزعمون أن ما يدعو إليه شعيب باطل، يقال: بغاه بمعنى طلب له، فأصله بغى له فحذفوا حرف الجر لكثرة الاستعمال أو لتضمين بغى معنى أعطى.

والعِوَج بكسر العين عدم الاستقامة في المعاني، وبفتح العين: عدم استقامة الذات، والمعنى: تحاولون أن تصفوا دعوة شعيب المستقيمة بأنها باطل وضلال، كمن يحاول اعوجاج عود مستقيم.

وتقدم نظير هذا في هذه السورة في ذكر نداء أصحاب الجنة أصحاب النار.

وإنما أَخَّر النهي عن الصد عن سبيل الله، بعد جملة ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ ولم يجعله في نسق الأوامر والنواهي الماضية ثم يعقبه بقوله: ﴿ ذلكم خير لكم ﴾ لأنه رتّب الكلام على الابتداء بالدعوة إلى التوحيد، ثم إلى الأعمال الصالحة لمناسبة أن الجميع فيه صلاح المخاطبين، فاعقبها ببيان أنها خير لهم إن كانوا مؤمنين فاعاد تنبيههم إلى الإيمان وإلى أنه شرط في صلاح الأعمال، وبمناسبة ذكر الإيمان عاد إلى النهي عن صد الراغبين فيه، فهذا مثل الترتيب في قول امرئ القيس: كأنّيَ لم اركَبْ جواداً للذّةٍ *** ولم أتبطّنْ كاعباً ذات خلْخالٍ ولم أسْبَأ الراحَ الكُميتَ ولم أقل *** لخَيْلِي كُري كَرّةً بعد إجفال روى الواحدي في «شرح ديوان المتنبي» أن المتنبي لما أنشد سيف الدولة قوله فيه: وقَفْتَ وما في الموْت شكّ لوَاقِفٍ *** كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم تَمُر بك الأبطال كَلْمَي حزينة *** ووجهك وضَّاح وثَغْرُك باسم أنكر عليه سيف الدولة تطبيق عَجُزي البيتين على صدريهما، وقال له كان ينبغي أن تجعل العجز الثاني عَجُزاً اللأول والعكس وأنت في هذا مِثْل امرئ القيس في قوله: كأنّي لم أركب جواداً للذة *** البيتين، ووجه الكلام على ما قاله العلماء بالشّعر: أن يكون عجز البيت الأوّل للثّاني وعجز البيت الثّاني للأوّل؛ ليكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكَر، ويكون سباء الخمر مع تبطّن الكاعب، فقال أبو الطّيّب: «إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلَمُ منه بالشّعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأتُ أنا، ومولانا الأميرُ يعلم أنّ الثّوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك، لأنّ البزّاز لا يعرف إلاّ جملته، والحائكَ يعرف جملتَه وتفصيله، لأنّه أخرجه من الغَزْليَّة إلى الثَّوْبيَّة، وإنَّما قَرن امرؤ القيس لذة النّساء بلذّة الرّكوب للصّيد وقرن السّماحة في شراء الخمر للأضياف بالشّجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لمّا ذكرت الموت في أوّل البيت أتبعتُه بذكر الردَى لتجانسه، ولمّا كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينُه من أن تكون باكية قلتُ: «ووجهك وضّاح وثَغرك باسم» لأجمع بين الأضداد في المعنى.

وهو يعني بهذا أن وجوه المناسبة في نظم الكلام تختلف وتتعدّد، وإنّ بعضاً يكون أرجح من بعض.

وذَكَّرَهُم شُعيبٌ عليه السّلام عقب ذلك بتكثير الله إياهم بعد أن كانوا قليلاً، وهي نعمة عليهم، إذ صاروا أمّة بعد أن كانوا معشراً.

ومعنى تكثير الله إياهم تيسيره أسباب الكثرة لهم بأن قوّى فيهم قوّة التّناسل، وحفظهم من أسباب المَوتَان، ويَسَّر لنسلهم اليفاعة حتّى كثُرت مواليدهم وقلّت وفياتُهم، فصاروا عدداً كثيراً في زمن لا يعهد في مثله مصير أمّة إلى عددهم، فيُعد منعهم النّاس من الدّخول في دين الله سعياً في تقليل حزب الله، وذلك كفران لنعمة الله عليهم بأنّ كثَّرهم، وليقابلوا اعتبار هذه النّعمة باعتبار نقمته تعالى من الذين غضب عليهم، إذْ استأصلهم بعد أن كانوا كثيراً فذلك من تمايز الأشياء بأضدادها.

فلذلك أعقبه بقوله: ﴿ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ .

وفي هذا الكلام جمع بين طريقي التّرغيب والتّرهيب.

وقليل وصْف يلزم الإفرادَ والتّذكير، مثل كثير، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وكأيِّن من نبيء قتل معه ربّيون كثير ﴾ في سورة آل عمران (146).

والمراد بالمفسدين } الذين أفسدوا أنفسهم بعقيدة الشّرك وبأعمال الضّلال، وأفسدوا المجتمع بخالفة الشّرائع، وأفسدوا النّاس بإمدادهم بالضّلال وصدّهم عن الهدى، ولذلك لم يؤت: ل ﴿ المفسدين ﴾ بمتعلِّق لأنّه اعتبر صفة، وقطع عن مشابهة الفعل، أي الذين عرفوا بالإفساد.

وهذا الخطاب مقصود منه الكافرون من قومه ابتداء، وفيه تذكير للمؤمنين منهم بنعمة الله، فإنّها تشملهم وبالاعتبار بمن مضَوا فإنّه ينفعهم، وفي هذا الكلام تعريض بالوعد للمسلمين وبالتّسلية لهم على ما يلاقونه من مفسدي أهل الشّرك لانطباق حال الفريقين على حال الفريقين من قوم شُعيب عليه السّلام.

و (إذ) في قوله: ﴿ إذْ كنتم قليلاً ﴾ اسم زمان، غيرُ ظرف فهو في محل المفعول به أي اذكروا زمانَ كنتم قليلاً فأعقبه بأن كثّركم في مدّة قريبة.

و ﴿ الطائفة ﴾ الجماعة ذاتُ العدد الكثير وتقدّمت عند قوله تعالى: ﴿ فلتقُم طائفة منهم معك ﴾ في سورة النّساء (102).

والشّرط في قوله: ﴿ وإن كان طائفة ﴾ أفاد تعليق حصول مضمون الجزاء في المستقبل، أعني ما تضمّنه الوعيد للكافرين به والوعدُ للمؤمنين، على تحقّق حصول مضمون فعل الشّرط، لا على ترقّب حصول مضمونه، لأنّه معلوم الحصول، فالماضي الواقع فعلاً للشّرط هنا ماض حقيقي وليس مؤولاً بالمستقبل، كما هو الغالب في وقوع الماضي في سياق الشّرط بقرينة كونه معلوم الحصول، وبقرينة النّفي بلم المعطوف على الشّرط فإنّ (لَمْ) صَريحة في المضيّ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ إنْ كنتُ قلتُه فقد علمتَهُ ﴾ [المائدة: 116] بقرينة.

(قد) إذ الماضي المدخول لقد لا يقلب إلى معنى المستقبل.

فالمعنى: إن تبيَّن أن طائفة آمنوا وطائفة كفروا فسيحكم الله بيننا فاصبروا حتّى يحكم ويَؤول المعنى: إن اختلفتم في تصديقي فسيظهر الحكم بأنّي صادق.

وليست (إنْ) بمفيدة الشكّ في وقوع الشّرط كما هو الشان، بل اجْتلبت هنا لأنّها أصل أدوات الشّرط، وإنَّما يفيد معنى الشكّ أو ما يَقرب منه إذا وقع العدول عن اجتلاب (إذَا) حين يصحّ اجتلابها، فأمّا إذا لم يصحّ اجتلاب (إذا) فلا تدلّ (إنْ) على شكّ وكيفَ تفيد الشكّ مع تحقّق المضي، ونظيره قول النّابغة: لَئِنْ كنتَ قد بُلِّغْتَ عنّي وشَايَةً *** لَمُبْلغكَ الواشي أغَشّ وأكذب والصّبر: حبس النّفس في حال التّرقب، سواء كان ترقب محبوب أم ترقب مكروه، وأشهر استعماله أن يطلق على حبس النّفس في حال فِقدان الأمر المحبوب، وقد جاء في هذه الآية مستعملاً في القدْر المشترك لأنّه خوطب به الفريقان: المؤمنون والكافرون، وصبر كلّ بما يناسبه، ولعلّه رجح فيه حال المؤمنين، ففيه إيذان بأنّ الحكم المترقّب هو في منفعة المؤمنين، وقد قال بعض المفسّرين: إنّه خطاب للمؤمنين خاصة.

و ﴿ حتّى ﴾ تفيد غاية للصّبر، وهي مؤذنة بأن التّقدير: وإن كان طائفة منكم آمنوا وطائفة لم يؤمنوا فسيحكم الله بيْننا فاصبروا حتّى يحكم.

وحكم الله أريد به حكم في الدّنيا بإظهار أثر غضبه على أحد الفريقين ورضاه على الذين خالفوهم، فيظهر المحقّ من المبطل، وهذا صدر عن ثقة شّعيب عليه السّلام بأنّ الله سيحكم بينه وبين قومه استناداً لوعد الله إياه بالنَّصْر على قومه، أو لعلمه بسنّة الله في رسله ومَن كذّبهم بإخبار الله تعالى إياه بذلك، ولولا ذلك لجاز أن يتأخر الحكم بين الفريقين إلى يوم الحساب، وليس هو المراد من كلامه لأنّه لا يناسب قوله: ﴿ فاصبروا ﴾ إذا كان خطاباً للفريقين، فإن كان خطابا للمؤمنين خاصة صحّ إرادة الحُكمين جميعاً.

وأدْخَل نفسه في المحكوم بينهم بضمير المشاركة لأنّ الحكم المتعلّق بالفريق الذين آمنوا به يعتبر شاملاً له لأنّه مؤمن برسالة نفسه.

وجملة: ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ تذييل بالثّناء على الله بأنّ حكمه عَدْل محض لا يحتمل الظلم عَمداً ولا خطأ، وغيره من الحاكمين يقع منه أحد الأمرين أو كلاهما.

و ﴿ خير ﴾ : اسم تفضيل أصله أخْيَر فخفّفوه لكثرة الاستعمال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ، قالَ الشّاعِرُ: شَحَنّا أرْضَهم بِالخَيْلِ حَتّى تَرَكْناهم أذَلَّ مِنَ الصِّراطِ وَفِي المُرادِ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ إلى شُعَيْبٍ يُؤْذُونَ مَن قَصَدَهُ لِلْإيمانِ بِهِ ويُخَوِّفُونَهُ بِالقَتْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَهاهم عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ العَشّارُونَ نَهاهم عَنْ تَعْشِيرِ أمْوالِ النّاسِ.

﴿ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ.

والثّانِي: تَصُدُّونَ مَن أرادَ الإيمانَ بِإغْوائِهِ ومُخادَعَتِهِ.

﴿ وَتَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي تَبْغُونَ السَّبِيلَ عِوَجًا عَنِ الحَقِّ.

والفَرْقُ بَيْنَ العِوَجِ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ أنَّ العِوَجَ بِكَسْرِ العَيْنِ ما كانَ في الدِّينِ، ولا يُرى، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في العُودِ، وما يُرى.

﴿ واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ حَكى الزَّجّاجُ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَثُرَ عَدَدُكم بَعْدَ القِلَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ أنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهِيمَ تَزَوَّجَ زِينا بِنْتَ لُوطٍ ووَلَدُ آلِ مَدْيَنَ مِنها.

والثّانِي: كَثَّرَكم بِالغِنى بَعْدَ الفَقْرِ.

والثّالِثُ: كَثَّرَكم بِالقُوَّةِ بَعْدَ الضَّعْفِ.

وَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وجْهًا رابِعًا: أنَّهُ كَثَّرَهم بِطُولِ الأعْمارِ بَعْدَ قَصْرِها مِن قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر قال: أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال: إن أهل التوراة يزعمون أن شعيباً اسمه في التوراة ميكائيل، واسمه بالسريانية جزى بن بشخر، وبالعبرانية شعيب بن بشخر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام.

وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي ابن القطامي وكان نسابة عالماً بالأنساب قال: هو ثيروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

يوبب بوزن جعفر أوله مثناة تحتية وبعد الواو موحدتان.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان شعيب نبياً ورسولاً من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ فكانوا مع ما كان فيهم من الشرك أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أوّل من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشرونها منه بالبخس يعني بالنقصان، فذلك قوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب يقولون: لا تسمعوا منه فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ الناس أن اتبعتم شعيباً فتنكم، ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ﴾ [ هود: 88] وهو الذي يعصمني ﴿ وإليه أنيب ﴾ [ هود: 88] يقول: إليه ارجع.

ثم قال: ﴿ أولو كنا كارهين ﴾ يقول: إلى الرجعة إلى دينكم إن رجعنا إلى دينكم ﴿ فقد افترينا على الله كذباً...

وما يكون لنا ﴾ يقول: وما ينبغي لنا أن نعود فيها بعد إذ نجانا الله منها ﴿ إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ فخاف العاقبة فرد المشيئة إلى الله تعالى فقال: ﴿ إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما ﴾ ما ندري ما سبق لنا ﴿ عليه توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴾ يعني الفاصلين قال ابن عباس: كان حليماً صادقاً وقوراً، وكان رسول الله صلى عليه وسلم إذا ذكر شعيباً يقول: «ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم إليه، وفيما ردوا عليه وكذبوه وتواعدوه بالرجم والنفي من بلادهم» وتواعد كبراؤهم ضعفاءهم قالوا ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ فلم ينته شعيب أن دعاهم، فلما عتوا على الله ﴿ أخذتهم الرجفة ﴾ وذلك أن جبريل نزل فوقف عليهم، فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قياماً وفزعوا لها، فرجفت بهم الأرض فرمتهم ميتين.

وأخرج إسحاق وابن عساكر عن عكرمة والسدي قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً.

مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ قال: لا تظلموا الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ قال: لا تظلموهم ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: كانوا يوعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإِسلام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً كذاب، فلا يفتننَّكم عن دينكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ قال: طريق ﴿ توعدون ﴾ قال: تخوّفون الناس أن يأتوا شعيباً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: بكل سبيل حق ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ قال: تصدون أهلها ﴿ وتبغونها عوجا ﴾ قال: تلتمسون لها الزيغ.

وأخرج ابن جرير وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: العاشر ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ قال: تصدون عن الإِسلام ﴿ وتبغونها عوجاً ﴾ قال: هلاكاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وتبغونها ﴾ قال: تبغون السبيل عوجا قال: عن الحق.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: هم العشار.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره شك أبو عالية قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته.

قال «ما هذا يا جبريل؟

قال: هذا مثل أقوام من أمتك يعقدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها ﴾ قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم ﴿ بعد إذ نجانا الله إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ والله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئاً فإنه قد وسع كل شيء علماً.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم: أنه قال في القدرية والله ما قالوا كما قال الله ولا كما قال النبيون ولا كما قال أصحاب الجنة ولا كما قال أصحاب النار ولا كما قال أخوهم إبليس.

قال الله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء ﴾ [ الإِنسان: 30] وقال شعيب ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ﴾ وقال أصحاب الجنة ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ [ الأعراف: 43] وقال أصحاب النار ﴿ ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ﴾ [ الزمر: 71] وقال إبليس ﴿ رب بما أغويتني ﴾ [ الحجر: 39] .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزي تقول: تعال أفاتحك: يعني أقاضيك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربنا افتح ﴾ يقول: اقض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الفتح: القضاء.

لغة يمانية إذا قال أحدهم: تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعمروا فيها.

وأخرج ابي جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعيشوا فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ يقول: كأن لم يعيشوا فيها.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله شعيباً أسمع قومه، وأن نبي الله صالحاً أسمع قومه كما أسمع والله نبيكم محمد قومه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكيف آسى ﴾ قال: أحزن.

وأخرج ابن عساكر عن مبلة بن عبد الله قال: بعث الله جبريل إلى أهل مدين شطر الليل ليأفكهم بمغانيهم، فألفى رجلاَ قائماً يتلو كتاب الله، فهاله أن يهلكه فيمن يهلك، فرجع إلى المعراج فقال: اللهمَّ أنت سبوح قدوس بعثتني إلى مدين لإِفك مدائنهم فأصبت رجلاً قائماً يتلو كتاب الله، فأوحى الله: ما أعرفني به هو فلان بن فلان، فابدأ به فإنه لم يدفع عن محارمي إلا موادعاً.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس.

أن شعيباً كان يقرأ من الكتب التي كان الله أنزلها على إبراهيم عليه السلام.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وشعيب.

فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود.

وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه.

أن شعيباً مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة، بين دار الندوة وبين باب بني سهم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس قال: كان شعيب خطيب الأنبياء.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيباً قال: ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة، فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن حلها فما رآها قال: يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا ** عنكم سميراً وعمران بن شداد إني أرى عينة يا قوم قد طلعت ** تدعو بصوت على ضمانة الواد وإنه لا يروي فيه ضحى غد ** إلا الرقيم يحشى بين أنجاد وسمير وعمران كاهناهم، والرقيم كلبهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ ، قال الكلبي: (ولا تقعدوا على طريق الناس تخوفون أهل الإيمان بشعيب بالقتل) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ بِكُلِّ صِرَاطٍ ﴾ .

يقال: قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتعاقب (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ (٧) (٨) (٩) وقال مقاتل: (وتصدون عن دين الله من آمن به) (١٠) وقال الكلبي: (وتصرفون عن دين الله الإِسلام من آمن بشعيب) (١١) ﴿ بِهِ ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ لأن المراد به دين الله على قول مقاتل، وعلى قول الكلبي الكناية تعود إلى شعيب، وقال عكرمة: ( ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ .

قال مجاهد: (يلتمسون لها الزيغ) (١٤) وقال قتادة (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال أبو إسحاق: (أي: وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد) (١٩) ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ في سورة آل عمران [: 99].

وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ .

قال الزجاج: (يحتمل ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالمقدرة بعد الضعف) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ .

قال الكلبي: (يعني: آخر أمر قوم لوط) (٢٢) ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ ، (فكثر عددكم، وذلك أنه كان مدين بن إبراهيم وزوجه ريثاء (٢٣) (٢٤) (٢٥) (١) "تنوير المقباس" 2/ 110، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 208 عن السدي وقتادة والكلبي.

(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 238 بسند جيد عن السدي وقتادة ومجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1521، عن السدي ومجاهد.

(٣) "تفسير مقاتل" 2/ 48، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 238، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة، وذكره القرطبي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي.

وقال: (وهو ظاهر الآية) اهـ، وهو قول عامة أهل التفسير.

انظر: "معاني الفراء" 1/ 385، والزجاج 2/ 354، والنحاس 3/ 53، و"تفسير الطبري" 8/ 238، والسمرقندي 1/ 555.

(٤) في (ب): (وأراد به الإيمان به).

(٥) قال أهل اللغة: الوَعْد يستعمل في الخير والشر، ويقال في الخير: الوَعدُ والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا أدخلوا الباء في الشر جاءوا بالألف أوعدته بالشر.

انظر: "العين" 2/ 222، و"الجمهرة" 2/ 668، و"الزاهر" 2/ 129 ، و"تهذيب اللغة" 4/ 3915، و"الصحاح" 2/ 551، و"مقاييس اللغة" 6/ 125، و"المجمل" 3/ 931، و"المفردات" ص 875، و"اللسان" 8/ 4871 (وعد).

(٦) انظر: "حروف المعاني" ص 47، و"معاني الحروف" للرماني ص 36، والصاحبي ص 132، و"مغني اللبيب" 1/ 101.

وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 13/ 342: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ.

وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 306، و"تفسير الطبري" 8/ 239، و"إعراب النحاس" 1/ 625، و"الدر المصون" 5/ 376.

(٧) في (ب): (ويصدون) بالياء، وهو تصحيف.

(٨) في (أ): (من آمن باللهِ)، وهو تحريف.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 238، وابن أبي حاتم 5/ 1521 بسند جيد.

(١٠) "تفسيرمقاتل" 2/ 48.

(١١) "تنوير المقباس" 2/ 110.

(١٢) في (ب): (من آمن بي).

(١٣) لم أقف عليه.

وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 576.

وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 339: (والظاهر أن الضمير عائد على ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وذكره لأن السبيل تذكر وتؤنث وقيل: عائد إلى الله.

وأجاز ابن عطية أن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للرد عن شعيب وهو بعيد لأن القائل ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا ﴾ هو شعيب، ولا يسوغ أن يكون من باب الالتفات إذ لا يحسن أن يقال: يا هذا أنا أقول لك، لا تُهِن من أكرمه أي: من أكرمني) اهـ.

بتصرف، وانظر: "الدر المصون" 5/ 377 - 378.

(١٤) أخرجه الطبري 8/ 239، وابن أبي حاتم 5/ 1522 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وقتادة والسدي.

(١٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 233 بسند جيد.

(١٦) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).

(١٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 208، وانظر: "الخازن" 2/ 262.

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 354، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 219 - 220، و"إعراب النحاس" 1/ 626.

(٢٠) "معاني الزجاج" 2/ 355، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 54.

(٢١) "تنوير المقباس" 2/ 110، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 239، -وهذا هو قول الأكثر- قال أبو حيان في "البحر" 4/ 340: (والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص، أو إلى الفقر والغنى، أو إلى قصر الأعمار وطولها، أقوال ثلاثة أظهرها الأول، وقيل: المراد مجموع الأقوال فإنه تعالى كثر عددهم وأرزاقهم وطول أعمارهم وأعزهم ..) اهـ.

وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 239، والسمرقندي 1/ 555، والبغوي 3/ 257، والزمخشري 2/ 94، وابن عطية 5/ 576.

(٢٢) "تنوير المقباس" 2/ 110، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 109.

(٢٣) في (ب): (ربتاء) بالباء والتاء، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال (بعضهم: كان زوج بنت لوط، وذهب البعض إلى أنه ابن بنت لوط).

انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 247.

(٢٤) في (ب): (حين)، وهو تحريف.

(٢٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 209، وهو قول السمرقندي 1/ 554 - 555، والرازي 14/ 176، وذكره الماوردي 2/ 239، وعنده (زينا بنت لوط) وعند الرازي (رئيا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي آية ظاهرة، ولم تعين في القرآن آية شعيب ﴿ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان ﴾ كانوا ينقصون في الكيل والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يكال به مناسبة للميزان، كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل والميزان مصدرين ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط تُوعِدُونَ ﴾ قيل هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على الطريق يردّون الناس عن اتباع شعيب ويوعدونهم إن اتبعوه ﴿ وَتَصُدُّونَ ﴾ أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ذكر في [آل عمران: 99] ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أي ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عوجهم إلى ملة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي قولهم: لتعودن في ملتنا أن شعيباً ومن كان معه كانوا أولاً على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك محال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها فالجواب بمن وجهين: أحدهما: قاله ابن عطية وهو إن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذكل الحال الذي صار إليه، والثاني: قاله الزمخشري وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم ويكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ أي إن عندنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ﴾ هذا استسلام لقضاء الله على وجه التأدب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لما تبرأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه فإن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر؟

فالجواب: أنه قال ذلك تواضعاً وتأدباً مع الله تعالى، واستسلاماً لأمره كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» مع أنه قد علم أنه يثبته ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ أي احكم ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ﴿ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ أي كيف أحزن عليهم وقد استحقوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم ﴿ بالبأسآء والضرآء ﴾ قد تقدم ﴿ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم اختباراً لهم في الحالتين ﴿ حتى عَفَوْاْ ﴾ أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ﴾ أي قد جرى ذلك لآبائنا ولم يضرهم فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءة كما مر.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إصلاحها ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج ه لعطف المتفقتين أو وقوع العارض أو رأس الآية ﴿ عوجاً ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع طول الكلام ﴿ فكثركم ﴾ ج لعطف المتفقتين ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بيننا ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ ملتنا ﴾ ط ﴿ كارهين ﴾ ه وقيل لا وقف لأن الابتداء بقوله ﴿ وقد افترينا ﴾ قبيح قلنا إذا كان محكياً عن شعيب كان أقبح ولكن الكلام معلق بشرط يعقبه.

﴿ منها ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ط ﴿ توكلنا ﴾ وللعدول ﴿ الفاتحين ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه ج إن وصل وقف على ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ على جعل ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ أصبحوا ﴾ و ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ حال لمعنى في الجاثمين.

وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ وقف على ﴿ جاثمين ﴾ وعلى ﴿ فيها ﴾ ومن لم يقف على ﴿ فيها ﴾ وجعل ﴿ الذين ﴾ بدلاً من ﴿ الذين ﴾ الأول وقف على ﴿ شعيب ﴾ ويستأنف بـ ﴿ كانوا ﴾ ولا يخلو من تعسف.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ ونصحت لكم ﴾ ط لأن ﴿ كيف ﴾ للتعجب فيصلح للابتداء مع أنه فيه فاء التعقيب.

﴿ كافرين ﴾ ه والله أعلم.

التفسير: القصة السادسة قصة شعيب ومدين اسم البلد.

وقيل: اسم القبيلة لأنه شعيب بن توبب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وذلك أنه أمرهم بأشياء: الأوّل: عبادة الله، أمرهم بها ونهاهم عن عبادة غير الله وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء.

الثاني: تصديق ما ادعاه من النبوّة وأشار إليه بقوله ﴿ قد جاءتكم بينة ﴾ أي معجزة دالة على نبوّتي.

ففي الآية دلالة مجملة على أن لشعيب معجزة ظاهرة كما ينبغي لكل مدعي نبوّة وإلا كان متنبئاً، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم يذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وآله فيه.

يحكى أنه دفع إلى موسى عصاه وتلك العصا ربت التنين وأيضاً قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولاداً عنقها أسود وسائرها أبيض وقد وهبتها منك وكان الأمر كما أخبر.

وكل ذلك قبل أن يستنبأ موسى.

فقال أهل السنة: إن هذه الأمور علامات نبوّة موسى ويسمى إرهاصاً.

وقالت المعتزلة: إنها معجزات شعيب بناء على أن الإرهاص عندهم غير جائز.

الثالث قوله ﴿ فأوفوا الكيل ﴾ الآية.

واعلم أن للأنبياء عليهم السلام أن يبدأوا في الموعظة بما يكون قومهم مقبلين عليه.

وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف فكأنه يقول: البخس عبارة عن الخيانة بالشيء القليل وهو أمر مستقبح في العقول ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة الموجبة لتحريمه فلم يبق لكم فيه عذر فأوفوا الكيل والميزان.

قال في الكشاف: لم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود لأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو سمى ما يكال به بالكيل كما قيل العيش لما يعاش به، أو أريد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو الميزان مصدر كالميعاد والميلاد.

الرابع ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ يقال: بخسته حقه إذا نقصته إياه ومنه قيل للمكس البخس.

وفي المثل تحسبها حمقاء وهي باخس.

قال ثعلب: وإن شئت قلت باخسة وذلك بتأويل الإنسان أن النسمة يضرب لمن لا يعبأ به وفيه دهاء وجربزة.

خص أولاً ثم عمم ليشمل جميع أنواع الظلم كالغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بوجوه الاحتيال.

يروى أنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه، وكانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطعاً ثم أخذوها بنقصان ظاهر وأعطوه بدلها زيوفاً.

الخامس ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ وهذا أعم من البخس لشموله الأموال والأعراض والنفوس وكل ما يوجب مفسدة دنيوية أو دينية.

والمعنى بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف أو هو كقوله ﴿ بل مكر الليل والنهار  ﴾ أي بعد الإصلاح فيها يعني إصلاح الصالحين من الأنبياء ومتابعيهم العالمين بشرائعهم ﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من الأمور الخمسة ﴿ خيرٌ لكم ﴾ في الإنسانية وحسن الأحدوثة وزيادة البركة لرغبة الناس في متاجرتكم عند اشتهاركم بالأمانة والديانة.

ولا يخفى أن حاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مصدقين لي في قولي.

ثم فصل بعض ما أجمل فقال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ قيل: الصراط حقيقة وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرق والمراصد كما كانت تفعل قريش بمكة يخوّفون من آمن بشعيب ويقولون إنه كذاب لا يفتنكم عن دينكم، أو كانوا يقطعون الطرق أو كانوا عشارين.

وقيل: إنه مجاز عن الدين أي لا تقعدوا على طريق الدين ومنهاج الحق لأجل أن تمنعوا الناس عن قبوله اقتداء بالشيطان حيث قال ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم  ﴾ ودليل هذا المجاز قوله ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ يقال: قعد بمكان كذا أي التصق به، وعلى مكان كذا أي علا ذلك المكان وفيه إذا حل، فحروف الجر تتعاقب في مثل هذا الموضع لتقارب معانيها.

ومحل ﴿ توعدون ﴾ وما عطف عليه نصب على الحال، نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأفعال.

وإنما قال ﴿ بكل صراط ﴾ مع أن صراط الحق واحد لأنه يتشعب إلى معالم وحدود وأحكام كثيرة كل منها في نفسه سبيل، وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع فيها أوعدوه وصدوه.

والضمير في ﴿ به ﴾ راجع إلى كل صراط والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التقبيح والتفظيع.

ومعنى ﴿ وتبغونها ﴾ تطلبون لسبيل الله ﴿ عوجاً ﴾ أي تصفونها للناس بأنها معوجة وذلك بإلقاء الشكوك والشبهات.

قال في الكشاف: أو يكون تهكماً بهم وأنهم يطلبون لها ما هو محال لأن طريق الحق لا تعوج.

ثم ذكرهم نعم الله  لأن ذكر النعم مما يحمل على الطاعة ويبعد عن المعصية فقال ﴿ واذكروا إذ كنتم ﴾ أي وقت كونكم ﴿ قليلاً فكثركم ﴾ قال الزجاج يحتمل كثرة العدد بعد القلة وكثرة الغنى بعد الفقر وكثرة القدرة والشدة بعد الضعف والذلة.

قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء وصاروا كثيراً في العدة والعدة والشدّة.

ثم حذرهم سوء عاقبة من أفسد قبلهم من الأمم وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة فقال ﴿ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ رغبهم أولاً ثم رهبهم ثانياً وأكد الترهيب بقوله ﴿ وإن كان طائفة ﴾ الآية.

وفيه وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين وحث لهم على الصبر على ما يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم بمقتضى العدل والحكمة خير الحاكمين.

ثم حكى جواب قومه المحجوجين المستكبرين وذلك قولهم ﴿ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴾ أي أحد الأمرين كائن لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى الكفر.

وههنا سؤال وهو أن الكفر على الأنبياء محال فكيف يتصور عوده إليه؟

وهب أن قول الكفار ليس حجة أليس قول شعيب حجة حيث قال ﴿ إن عدنا في ملتكم ﴾ ؟

وأجيب بأن الكلام بني على التغليب، وأن شعيباً أراد عود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم لما ذكرنا، أو لعل رؤساءهم قالوا ذلك تلبيساً على القوم وشعيب أجرى كلامه على وفق ذلك، أو أنه كان في أوّل أمره يخفي مذهبه فتوهموا أنه على دينهم، أو أريد بالملة الشريعة التي صارت منسوخة بشرعه، أو يطلق العود على الابتداء كقوله: وإن تكن الأيام أحسنّ مرّة *** إليّ فقد عادت لهن ذنوب.

قال شعيب في جوابهم ﴿ أوَلو كنا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والواو للحال والتقدير: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهيتنا؟.

ثم صرح بأنه لا يفعل ذلك فقال ﴿ قد افترينا على الله كذباً ﴾ إن فعلنا ذلك وذلك أن أصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة والبراءة عن الكذب والعود في ملتكم ينافي ذلك.

ومعنى قوله ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ بعد أن علمنا قبحه وفساده ونصب الأدلة على بطلانه، أو المراد نجى قومه فغلب، أو المراد على حسب زعمكم ومعتقدكم كما مر.

قال في الكشاف: وقوله ﴿ قد افترينا ﴾ إخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام لأن الارتداد أعظم من الكفر حيث إن المرتد يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل وكفره أزيد.

والثاني أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام معناه والله لقد افترينا على الله كذباً ﴿ وما يكون لنا ﴾ أي ما ينبغي لنا وما يصح ﴿ أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ قال أهل السنة: في الآية دلالة على أن المنجي من الكفر هو الله  وكذا المعيد إليه قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل  ﴿ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام  ﴾ وكثيراً ما كان يقول نبينا  : "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" وقال يوسف ﴿ توفني مسلماً  ﴾ أجابت المعتزلة بوجوه: الأوّل: أن قوله ﴿ إلا أن يشاء ﴾ قضية شرطية أي إن شاء يعد وليس فيه بيان أنه شاء أم أبى.

الثاني: أن هذا على طريق التبعيد والإحالة.

كما يقال لا يفعل ذلك إلا إذا ابيض القار وشاب الغراب.

الثالث: لعل المراد ما لو أكرهوا على العود فإن إظهار الكفر عند الإكراه جائز وإن كان الصبر أفضل وما كان جائزاً صح أن يكون مراد الله  كما أن المسح على الخفين مراد الله وإن كان غسل الرجلين أفضل.

الرابع: يحتمل أن يعود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إلى قرية.

كأنه قال: إن أخرجتمونا من القرية حرم علينا العود فيها إلا بإذن الله  .

الخامس: المشيئة عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل فإنه  يريد الكفر من الكافر ولا يجوز فعله إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر فيحتمل أن يراد بالمشيئة ههنا الأمر فيكون التقدير: إلا أن يأمر الله أن نعود إلى شريعتكم المنسوخة، فإن الشرع المنسوخ لا يبعد أن يأمر الله  بالعمل به مرة أخرى.

السادس: قال الجبائيّ: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف التعبد فيها بالأوقات كالصوم والصلاة، فمن الجائز أن يكون بعض أحكام الشريعة المنسوخة باقياً فيكون المعنى إلا أن يشاء الله إبقاء بعض تلك الملة فيدلنا عليها.

ثم إن المعتزلة تمسكوا بالآية على صحة قولهم من وجهين: أحدهما: أن قوله ﴿ وما يكون لنا ﴾ معناه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود وذلك يقتضي أن كل ما شاء  وجوده كان فعلاً جائزاً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراد الله  .

وثانيهما: أن قوله ﴿ لنخرجنك ﴾ أو ﴿ لتعودن ﴾ لا وجه للفصل بينهما فإن كان العود بخلق الله كان الإخراج أيضاً بخلقه.

قلت: للسني أن يلتزم ذلك.

أما قوله ﴿ وسع ربنا كل شيء ﴾ فوجه تعلقه بما تقدمه على قول الجبائيّ هو أن التكليف بحسب المصالح فيكون معنى قول شعيب إلا أن يشاء الله إلا أن تختلف المصلحة في تلك العبادات فحينئذ يكلفنا بها والعلم بالمصالح لا يكون إلا بأن وسع كل شيء علماً.

وقالت الأشاعرة: وجه التعلق هو أن القوم لمّا قالوا لنخرجنك أو لتعودن قال شعيب ﴿ وسع ربنا كل شيء علماً ﴾ فربما كان في علمه قسم ثالث: وهو أن يبقينا في القرية مؤمنين ويجعلكم مقهورين خاسرين ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ على الله توكلنا ﴾ أي لا على غيره وانتصاب ﴿ علماً ﴾ على التمييز.

وفي قوله ﴿ وسع ﴾ بلفظ الماضي دلالة على أنه  كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات فلا يخرج عن شيء عن مقتضى علمه وهو معنى جفاف الأقلام وطي الصحف ولزوم الأحكام وسعادة السعيد وشقاوة الشقي ويعلم من عموم كل شيء أنه علم الماضي والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف يكون.

فهذه أقسام أربعة يقع كل منها على أربعة أوجه لأنه علم الماضي كيف كان، وعلم أنه لو لم يكن ماضياً بل كان حالاً أو مستقبلاً أو معدوماً محضاً فإنه كيف يكون، وكذا الكلام في الأقسام الأخر فيكون المجموع ستة عشر.

وإذا اعتبر كل منها بحسب كل جنس أو نوع أو صنف أو شخص من الجواهر أو الأعراض صار مبلغاً تتحير فيه عقول العقلاء بل تقف دون أوّل قطرة من قطرات بحاره.

ثم إن شعيباً لما أعرض عن الأسباب وارتقى بطريق التوكل إلى مسببها ختم كلامه بالدعاء قائلاً ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: احكم واقض.

وعن ابن عباس: ما أدري ما معناه حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها:  أفاتحك أي أحاكمك.

وجوز الزجاج أن يكون معنى الآية أظهر أمرنا حتى يتضح وينكشف ما بيننا وبين قومنا.

والمراد أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين.

ثم أثنى على الله بقوله ﴿ وأنت خير الفاتحين ﴾ كما قال ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ قالت الأشاعرة: الإيمان فتح باب الخيرات وهو أشرف صفات المحدثات، فلو كان موجد الإيمان هو العبد كان خير الفاتحين هو العبد.

وللمعتزلة أن يقولوا: لولا ألطافه المرجحة الداعية لم يوجد الإيمان من العبد فصح أن الله هو خير الفاتحين.

ثم بيّن أن رؤساء قوم شعيب لمن يقتصروا على الضلال بل بادروا إلى الإضلال قائلين لمن دونهم ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ أي في الدين أو في الدنيا لأنه يمنعكم من ازدياد الأموال بطريق البخس والتطفيف ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قد سبق تفسيرها ﴿ الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ﴾ يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها.

والمغاني المنازل إذا كان فيها أهلها.

وقال الزجاج: أي كأن لم يعيشوا فيها مستغنين من الغنى الذي هو ضد الفقر.

وعلى التفسيرين شبه حال المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار كقوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر.

قال في الكشاف ﴿ الذين كذبوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ وكذلك ﴿ كانوا هم الخاسرين ﴾ وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في ديارهم لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله ﴿ الذين كذبوا شعيباً ﴾ هم المختصون بالخسران العظيم دون أتباعه فإنهم الرابحون، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.

قلت: والعرب قد تكرر للتفخيم والتعظيم فتقول: أخوك الذي ظلمنا أخوك الذي أخذ أموالنا أخوك الذي هتك أعراضنا.

وأيضاً إن القوم لما قالوا ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ بيّن الله تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه وهم الخاسرون.

وفي الآية فوائد أخرى منها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة وإلا حصل في أتباع شعيب كما حصل في حق الكفار.

ومنها أن ذلك الفاعل عليم بالجزئيات حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي.

ومنها أن يكون معجزة لشعيب حيث وقع ذلك العذاب على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلد واحد ﴿ فتولى عنهم ﴾ قد تقدم أن هذا التولي جائز أن يكون قبل نزول العذاب وجائز أن يكون بعده.

قال الكلبي: خرج من بينهم ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بين أظهرهم.

ولما اشتد حزنه على قومه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الإلفة لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابه للإيمان عزّى نفسه وقال ﴿ فكيف آسى على قوم كافرين ﴾ لأنهم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.

والأسى شدة الحزن.

وقيل: المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم لأنكم لستم مستحقين لذلك؟.

التأويل: ﴿ ولا تبخسوا ﴾ فيه أن البخاسة والدناءة والحرص والظلم من الصفات التي يجب تزكية النفس عنها فإن الله  يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها.

﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ أرض الطبيعة التي جبل الإنسان عليها ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ لا تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكايد.

﴿ إذ كنتم قليلاً فكثركم ﴾ بالتناصر والتعاون في الأمور وبكثرة العدد والعدد نعمة تامة يجب أن تصرف في إعلاء كلمة الدين ﴿ وإن كان طائفة منكم ﴾ أي الروح والقلب ﴿ وطائفة لم يؤمنوا ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ لا يجعل الروح والقلب المؤمنين تبعاً للنفس الكافرة في العذاب وإذاقة ألم الهجران ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ إشارة إلى أن كل جنس لا يميل إلا إلى أشكاله وإلا وجد في إيابه من يأمن نهج أضرابه ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ في القسمة الأزلية ﴿ افتح بيننا ﴾ احكم بيننا وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير وإظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ فصارت صورتهم نبعاً لمعناهم فإنهم كانوا جاثمي الأرواح في ديار الأشباح ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ لأن الباطل زاهق لا محالة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ .

هو ما ذكرنا فيما تقدم، أي: أرسلنا شعيباً إلى مدين رسولاً.

وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم الأخوة وأنها تكون لوجوه: أخوة النسب، وأخوة الجوهر، وأخوه المودة والخلة، وأخوة الدين، فلا تحتمل أخوة الأنبياء أولئك أخوة الدين والمودة، لكن تحتمل أخوة الجوهر والنسب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

قد ذكرنا - أيضاً - أن الرسل إنما جاءوا، وبعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، والعبادة له، وأن لا معبود يستحق العبادة سواه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: كانت نفس شعيب بينة وحجة لقومه لكنا لا نعلم ذلك، غير أنا نعلم أنه كانت معه آيات وبراهين، لكن الله لم يبين لنا ذلك، ونفس محمد  كانت حجة وبينة بالأعلام التي جعلت له في نفسه؛ من ذلك الختم الذي كان بين كتفيه، والنور الذي كان في وجه من كان في صلبه وقت كونه فيه، والضوء الذي رُوِيَ أنه كان وقت ولادته، والغمام الذي أظله وقت غيبته عن أهله، وحفظه نفسه عن جميع ما كان يتعاطاه قومه من عبادتهم الأصنام وتعاطيهم الفواحش، فهو  كان بريئاً من ذلك كله، ولم يؤخذ عليه كذب قط، وقد كان نشأ بين أظهرهم، وغير ذلك من الأعلام التي كانت في نفسه ظاهرة لقومه، فلو لم يكن له آيات غيرها، لكانت واحدة منها كافية لمن لم يكابر، فكيف وقد كانت له آيات حسِّية وعقلية سوى ما ذكرنا تقهر المنصفين على قبولها!

ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي: حجة على أنه رسول أو على توحيد الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ وذكر في هود في قصته: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ ، وليس في قوله: ﴿ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أنهم كانوا لا يوفون [ولكن فيما ذكر] في سورة هود.

﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ .

ودل قوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ أن الأشياء ملك لهم، وإن كانت في قبض أولئك، وفي أيديهم، ثم يحتمل الأمر بإيفاء الكيل والميزان وجوهاً: أحدها: لما كانوا أمناء؛ لئلا تذهب عنهم تلك الأمانة التي كانت لهم في قومه.

والثاني: لئلا يظلموا الناس في منع حقوقهم وأموالهم.

والثالث: للربا، كأن ما منعوا منه من الكيل والوزن ربا لهم، يدل على ذلك قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ ذكر العدل، فلو كان يجوز تلك الزيادة والنقصان إذا طابت أنفسهم بالزيادة والنقصان، لكان لا معنى لذكر القسط فيه؛ لأن من زاد آخر على حقه لم يمنع عن ذلك، ولم يذم، دل النهي عن ذلك على أنه للربا ما منعوا [عن ذلك] والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .

أي: بعد أن جعلها لكم صالحة لمعاشكم ومقامكم فيها، أو بعد ما أمر وبين لكم ما به صلاحكم وصلاح دينكم، أو بعد ما أرسل من الرسل ما بهم صلاح الأرض وأهلها.

﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، أي: وفاء الكيل والميزان خير لكم من النقصان؛ لما ينمو ذلك الباقي ويزداد، فذلك خير لكم من النقصان الذي تمنعون، فلا ينمو شيئاً، وهو كقوله: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: أمنكم في الآخرة خير لكم من نقصان الكيل والميزان في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ .

يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن كبراء أهل الشرك ورؤساءهم كانوا يُقعدون في الطرق أناساً يصدون الذين يأتون شعيباً للإيمان من الآفاق والنواحي، ويكون [معنى] قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ على هذا التأويل، أي: من أراد أن يؤمن به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ ﴾ ليس على القعود نفسه، ولكن على المنع من إقامة الشرائع التي شرع الله لشعيب؛ كقول إبليس: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، ليس هو على القعود نفسه، ولكن على المنع؛ يمنعهم عن صراطه المستقيم، فعلى [ذلك] قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ كانوا يمنعون من آمن به عن إقامة الشرائع والعبادات التي دعوا إلى إقامتها، ويوعدون على ذلك ويخوفونهم؛ فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ على وجود الإيمان، وعلى التأويل الأول يكون: من أراد أن يؤمن به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .

قيل: تلتمسون لها أهل الزيغ.

وقيل: تبغون هلاكاً للإسلام، وإبطالاً.

وقيل: تبغون السبيل عوجاً عن الحق، وكله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ .

يحتمل [وجهين]: إذ كنتم قليلاً في العدد، فكثر عددكم زمن لوط، كأنهم إنما توالدوا من بقية آل لوط.

ويحتمل: إذ كنتم قليلاً في الأموال والسعة في الدنيا فكثركم، أي: كثر لكم الأموال ووسع عليكم الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .

أمر بالنظر فيما حل بالأمم الخالية بإفسادهم في الأرض، وتكذيبهم الرسل؛ لأن من نظر في ذلك، وتفكر فيما حل بهم منعه ذلك عن الفساد في الأرض والتكذيب للرسل؛ إذ علم أن ما حل بهم إنما حل بهم لما ذكر، والله أعلم.

كأنه أمر بالنظر في الأسباب التي صار [بها] من تقدمهم أهل فساد، ونزل بهم الهلاك لينزجروا عن مثل صنيعهم، وإلا كانوا عند أنفسهم أهل صلاح لا أهل فساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: كان قوم شعيب قليلاً حين أدرك ذلك [شعيب]، وقوم آخرون معه يقول لهم ذلك شعيب  ، وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا يا معشر المؤمنين، ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ﴾ : يقضي عليهم بالهلاك، ولم يكن شعيب أمر بالقتال.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ﴾ ، يعني المؤمنين، ﴿ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ : من العذاب، ﴿ وَطَآئِفَةٌ ﴾ : يعني الكفار، ﴿ لَّمْ يْؤْمِنُواْ ﴾ : بالعذاب، ﴿ فَٱصْبِرُواْ ﴾ : يا معشر الكفار، ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ﴾ : في أمر العذاب في الدنيا، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ ويحتمل غير هذا، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ويقولون: الله أمرهم بذلك في أشياء يفعلونها، ويقول هؤلاء: إنّ الذي نحن عليه هو الذي أمرنا الله بذلك، فيقول لهم: اصبروا حتى يحكم الله بيننا بأنه بماذا أمر: بالذي عليه الكفار، أم بالذي نحن عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن الملأ من قومه هم كبراؤهم ورؤساؤهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ \[أي استكبروا\] عن الخضوع والطاعة لمن هو دونهم عندهم؛ لأنهم كانوا يضعفون شعيباً فيما بينهم ويزدرونه كقولهم له: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ  ﴾ ثم لم يروا الأمر بالخضوع لمن هو دونهم في أمر الدنيا عدلاً، وهم إنما أخذوا من إبليس اللعين وإياه قلدوا حيث قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ  ﴾ حين أمر بالسجود لآدم، ولم ير اللعين الأمر بالخضوع لآدم من الله عدلاً، فعلى ذلك هؤلاء لم يروا الخضوع لمن دونهم عندهم عدلاً؛ فاستكبروا عليه، فكفروا لذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ ﴾ .

قال الحسن: لنخرجنك، أي: لنقتلنك، والذين آمنوا معك من قريتنا.

وقال غيره: لنخرجنك: الإخراج نفسه، أي: نخرجنك ومن معك من المؤمنين من قريتنا إن لم تتبع ديننا، وقد كان منهم للأنبياء المعنيين جميعاً التوعد بالقتل والإخراج جميعاً؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ  ﴾ ، وكقول قوم لوط للوط: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ وكقول قوم نوح: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ  ﴾ ، وما أخبر عن قول هؤلاء لرسولنا حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ  ﴾ قد كان من القوم إلى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - المعنيان جميعاً التوعد بالقتل والإخراج جميعاً؛ فعلى ذلك يحتمل ذلك من قوم شعيب ما ذكرنا، والله أعلم.

وكذلك كانوا يقولون للرسل جميعاً؛ حيث قالوا: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ...

 ﴾ الآية، هكذا كانت عادة جميع الكفرة [أنهم] كانوا يخوفون الرسل بالإخراج مرة وبالقتل مرة ثانية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ لما عندهم أنه كان على دينهم الذي هم عليه لما لم يروا منه عبادته لله فيما [عبده] سرّاً، فقالوا: ﴿ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ على ما كان عندهم أنه على ذلك؛ وهو كما قالوا لصالح: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا  ﴾ كان عندهم أنه على دينهم قبل ذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء لتعودن من العود إلى ما كان عندهم أنه على ذلك.

ويحتمل على ابتداء الدخول فيها والاختيار؛ كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ .

على منع الدخول فيها؛ لا أنهم كانوا فيها، ثم أخرجهم فعلى ذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ .

يقول: لنعودن في ملتكم، وإن كنا كارهين، أي: [قد] تأبى عقولنا، وتكره طباعنا من الدخول في ملتكم فكيف نعود فيها؟

﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن ذلك منه إخبار عن قومه لا عن نفسه، أي: افتروا على الله كذباً إن عادوا في ملتكم بعد إذ نجاهم الله منها، وما يجوز لهم أن يعودوا فيها، وأما هو فإنما أجابهم عن نفسه بما ذكر في سورة هود: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ  ﴾ ، أجاب هو قومه كما أجاب غيره من الرسل قومهم حين أوعدوهم بالقتل والعقوبة، كما قال رسول الله  : "ثم كيدون فلا تنظرون" ، [وكما قال هود: ﴿ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ ونحو ذلك من الجوابات التي كانت من الأنبياء - عليهم السلام - لأقوامهم.

ويحتمل أن يكون على الابتداء من غير أن كان فيها؛ كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ رفعها ابتداء من غير أن كانت موضوعة، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ إخراج ابتداء لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم.

ويحتمل ما ذكرنا أنه أجابهم على ما عندهم أنه كان على دينهم، فأجاب لهم على ما عندهم أنه على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ أي: ما يجوز لنا أن نعود فيها، وقول شعيب: ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ تعريض تسفيه منه إياهم أنكم قد افتريتم على الله كذباً لا تصريح؛ حيث لم يقل: قد افتريتم أنتم على الله كذباً، قال: ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ ، وذلك منه تلطف بهم وترقق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

اختلف في تأويله: قال الحسن: من حكم الله - عز وجل - أن من قبل دينه وأطاع رسوله أن يكون وليّاً له، وسمى مؤمناً، ومن رد دينه وعصى رسوله يتخذه عدوّاً له، ويكون كافراً.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ﴾ : أن يتعبدنا، ويمتحننا ببعض ما كانوا يتقربون به.

ويشرع لهم ما يحل ويسع، لم يرد به الدين [الذي هم] عليه، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن سؤالهم كان العود إلى ملتهم، فعلى ذلك خرج الثنيا.

وقال أبو جعفر بن حرب: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : إلا أن يأمرنا الله بما يؤيسهم بذلك على الإياس، وقطع الرجاء، أي: لا يشاء الله ألبتة ذلك؛ كما يقال: كان كذا إن صعدت السماء، وكقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ  ﴾ ، فعلت كذا، مما يعلم أنه لا يكون؛ فعلى ذلك هذا كله بعيد محال.

أما قول الحسن: إن من حكم الله أنه من ردّ دينه وعصى رسوله، أنه يكون من الكافرين، ومن قبل دينه وأطاع رسوله، يكون من المؤمنين، فليس فيه سوى أنه يقول: إنه يعلم من كفر به ومن آمن به، فلا معنى للاستثناء لو كان التأويل ما ذكر.

وأما قول أبي بكر: إنه يتعبدهم ويمتحنهم بما يتقربون في دينهم وملتهم مما يجوز أن يأذن في ذلك، فذلك لا يحتمل؛ لأنه ذكر الملة التي كانوا هم عليها، فإليها ترجع الثنيا لا يجوز [أن تصرف الثنيا] إلى غيرها.

وأما قول من يقول بالإياس وقطع الطمع عن ذلك: فذلك - أيضاً - بعيد؛ لأن الإياس إنما يكون فيما يعلم أنه لا يكون ألبتة من نحو ما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ  ﴾ ونحوه، وأمّا مثل هذا فإنهم لا يفهمون منه الإياس وقطع الرجاء، بل كانوا يأتون بالفواحش، ويقولون: الله أمرهم بذلك، فأنَّي يقع لهم الإياس بذلك؟!

وأمّا عندنا فإنه على حقيقة المشيئة، وذلك أن مَن علم الله منه أنه يختار الكفر، ويؤثر ذلك على فعل الإيمان والطاعة - يشاء ذلك له على [ما] علم أنه يختار، ومن علم منه أنه لا يختار ذلك لا يشاء؛ إذ لا يجوز أن يعلم منه غير الذي يكون أو أن يشاء غير الذي علم أنه يكون منه؛ لأنه جهل وعجز.

وأصله: أن شعيباً خاف أن تسبق منه زلة ويصير منه الاختيار لذلك فيشاء الله بذلك الزيغ والضلال، وكذلك جميع الأنبياء خافوا ذلك؛ كقول إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً  ﴾ وقول يوسف حيث قال: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ  ﴾ كان خوف الأنبياء - عليهم السلام - أكثر من خوف غيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .

معناه - والله أعلم - أنه لا نعلم إلى ماذا تصير عاقبة أمرنا، وعلم الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ .

قيل: على الله اعتمدنا فيما تخوفُنَّنا من الإخراج، وإليه نلجأ في سلطانه وملكه، وبه نثق في وعده بما يعدنا من النصر والظفر على الأعداء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ ٱفْتَحْ ﴾ ، أي: احكم بيننا وبين قومنا بالحق.

روي عن ابن عباس -  - قال: ما كنت أعلم ما معنى الفتح في الآية حتى تزوجت امرأة من بني كذا، فوقعت بيننا مخاصمة، فقالت لي: تعال حتى أفاتحك إلى فلان، فعند ذلك عرفت أن المفاتحة هي المحاكمة.

وقوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل: هو العذاب الذي كان وعد لهم أن ينزل عليهم بتكذيبهم شعيباً وبأذاهم إياه.

ثم [ليس] للمعتزلة أدنى تعلق بقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يقولون: هو الدعاء والسؤال، وإن كان لا يحكم إلا بالحق، فعلى ذلك يقولون في قوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ ونحوه وكذلك يقولون في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لكن عندنا يخرج قوله: ﴿ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ و: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ على وجوه: أحدها: يقول: ربنا افتح بيننا بحكمك وهو الحق.

والثاني: يقول: رب احكم بالحق في حادث الوقت كما حكمت في الوقت الماضي، وهو كقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ وهو النبوة والهداية.

والثالث: على استعجال العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .

قد ذكرنا أن الملأ هم كبراؤهم وسادتهم، يقولون للأتباع والسفلة: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .

قال أبو بكر: لجاهلون.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن شعيباً كان يحذر قومه بالتطفيف في الكيل والوزن، ويأمرهم بوفاء حقوق الناس، بقوله: فأوفوا الكيل ولا تكونوا كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ  ﴾ ، فيقول الكبراء والرؤساء للسفلة: لئن اتبعتم شعيباً في دينه وما يأمركم به من وفاء الحق للناس، فإنكم إذاً لخاسرون للأرباح.

والثاني: أنه كان يحذرهم ويمنعهم عن عبادة الأصنام والأوثان، ويدعوهم إلى عبادة الله، ويرغبهم في ذلك، وهم كانوا يعبدون تلك الأصنام لتقربهم عبادتهم إياها إلى الله زلفى، وتكون لهم شفعاء في الآخرة، فقالوا: لئن اتبعتم شعيباً فيما يدعوكم إليه وينهاكم عنه، لكنتم من الخاسرين، لا شفعاء لكم في الآخرة.

والثالث: أنهم كانوا يوعدون شعيباً بالإخراج بقولهم: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ ﴾ فقالوا: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ﴾ وهو يخرج لا محالة فتخرجون أنتم فصرتم من الخاسرين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .

قيل: الصيحة.

وقيل: الزلزلة.

قيل: أصابهم حرّ شديد، فرفعت لهم سحابة، فخرجوا إليها يطلبون الروح تحتها [فلما كانوا تحتها] سال عليهم العذاب، ورجفت بهم الأرض، فهلكوا، وهو ما ذكر في آية أخرى عذاب يوم الظلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .

هو - والله أعلم - مقابل قولهم: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ وجواب لهم يقول: الذين كذبوا شعيباً هم الخاسرون لا الذين اتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ .

قيل: كأن لم يعيشوا فيها، ولم ينعموا قط.

وقيل: كأن لم يقيموا فيها.

قال القتبي: يقال: غنينا بمكان كذا وكذا، أي: أقمنا، ويقال للمنازل: مغان، واحدها: مغنى، ويقال: كأن لم يغنوا فيها، أي: كأن لم يكونوا فيها قط.

وهو - والله أعلم - لما كانوا يستقلون نعم الله عليهم، ويستحقرونها، حتى قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ  ﴾ ونحوه، وكله إخبار عن قطع آثارهم أنه لم يبق منهم أحد يحزن عليهم أو يبكي عليهم، حتى قال شعيب: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ﴾ .

وجائز أن يكون قول شعيب حيث قال: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ  ﴾ حين علم أنهم يهلكون، وينزل بهم العذاب، أي: لا أحزن عليهم [على] ما ذكر.

وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قال ذلك في الوقت الذي قال: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ ﴾ يقول: كيف أحزن على قوم وعملهم ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .

حين رآهم هلكى، فقال: فكيف آسى على قوم، أي: كيف أحزن على قوم قد كذبوني، واختاروا عداوتي، وصاروا علي أعداء، فكيف أحزن عليهم بالهلاك، وهم أعدائي.

وقوله: ﴿ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا هذا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تقعدوا بكل طريق تهددون من سلكه من الناس لتسلبوا أموالهم، وتصدوا عن دين الله من أراد الاهتداء به، طالبين أن تكون سبيل الله معوجة حتى لا يسلكها الناس، واذكروا نعمة الله عليكم لتشكروها له، فقد كان عددكم قليلًا فكثَّركم، وتأملوا كيف كان عاقبة المفسدين في الأرض من قبلكم، فإن عاقبتهم كانت الهلاك والدمار.

<div class="verse-tafsir" id="91.qBrDv"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله