الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٨٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 130 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ) وهذا رد إلى المشيئة ، فإنه يعلم كل شيء ، وقد أحاط بكل شيء علما ، ( على الله توكلنا ) أي : في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) أي : افصل بيننا وبين قومنا ، وانصرنا عليهم ، ( وأنت خير الفاتحين ) أي : خير الحاكمين ، فإنك العادل الذي لا يجور أبدا .
القول في تأويل قوله : قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم ، والدخول فيها، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: ( قد افترينا على الله كذبًا ) ، يقول: قد اختلقنا على الله كذبًا، (4) وتخرّصنا عليه من القول باطلا= إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه= وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ، ونترك الحق الذي نحن عليه=( إلا أن يشاء الله ربنا ) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها ، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا=(وسع ربنا كل شيء علما ) ، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن.
(5) فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم ، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، (6) فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14853-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها ، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه وسع كل شيء علمًا.
* * * وقوله: ( على الله توكلنا ) ، يقول: على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعِدوننا به من شرِّكم ، أيها القوم، فإنه الكافي من توكَّل عليه.
(7) * * * ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه= إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة ، والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقتهم العطبَ والهلكة= (8) بتعجيل النقمة، فقال: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حَيْف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق=( وأنت خير الفاتحين ) ، يعني: خير الحاكمين.
(9) * * * ذكر الفرَّاء أنّ أهلَ عُمان يسمون القاضي" الفاتح " و " الفتّاح ".
(10) وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب: أنه من لغة مراد، (11) وأنشد لبعضهم بيتًا وهو: (12) أَلا أَبْلِــغْ بَنــي عُصْــمٍ رَسُـولا بِـــأَنِّي عَــنْ فُتَــاحَتِكُمْ غَنِــيُّ (13) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14854-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: " تعالَ أفاتحك " ، تعني: أقاضيك.
14855-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، يقول: اقض بيننا وبين قومنا.
14856-حدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا مسعر قال، سمعت قتادة يقول: قال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنةَ ذي يزن تقول: " تعالَ أفاتحك ".
14857-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
14858-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، : اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
14859-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، أما قوله: ( افتح بيننا ) ، فيقول: احكم بيننا.
14860-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال الحسن البصري: افتح احكم بيننا وبين قومنا، و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ، [الفتح: 1] حكمنا لك حكمًا مبينًا.
14861-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " افتح "، اقض.
14862-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا مسعر ، عن قتادة، عن ابن عباس قال: لم أكن أدري ما( افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) ، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: " انطلق أُفاتحك ".
------------------ الهوامش : (4) انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: 481 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.
(5) انظر تفسير"وسع" فيما سلف ص: 207 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(6) في المطبوعة: "فلا يخفى" بالفاء ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، والصواب بالواو.
(7) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف 7: 346/ 8: 566/ 10: 108 ، 184.
(8) السياق: "...
بالدعاء على قومه...
بتعجيل النقمة".
(9) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف 2: 254/ 10: 405.
(10) انظر معاني القرآن للفراء 1: 385.
(11) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 220 ، 221.
(12) هو الأسعر الجعفي ، أو محمد بن حمران بن أبي حمران.
(13) سلف البيت وتخريجه 2: 254 ، ولم أنسبه هناك إلى هذا الموضع من تفسير الطبري ، فقيده ، ويزاد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 220 ، 221 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"فإني عن فتاحتكم" ، والصواب ما سلف ، وما في المخطوطة هناك.
قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها إياس من العود إلى ملتهم .وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا قال أبو إسحاق الزجاج : أي إلا بمشيئة الله عز وجل ، قال : وهذا قول أهل السنة ; أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلا أن [ ص: 226 ] يشاء الله ذلك .
فالاستثناء منقطع .
وقيل : الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل ; كما قال : وما توفيقي إلا بالله والدليل على هذا أن بعده وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا .
وقيل : هو كقولك : لا أكلمك حتى يبيض الغراب ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط .
والغراب لا يبيض أبدا ، والجمل لا يلج في سم الخياط .قوله تعالى وسع ربنا كل شيء علما أي علم ما كان وما يكون .
علما نصب على التمييز .
وقيل المعنى : وما يكون لنا أن نعود فيها أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا ، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها .
إلا أن يشاء الله ردنا إليها .
وفيه بعد ; لأنه يقال : عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية .قوله تعالى على الله توكلنا أي اعتمدنا .
وقد تقدم في غير موضعربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق قال قتادة : بعثه الله إلى أمتين : أهل مدين ، وأصحاب الأيكة .
قال ابن عباس : وكان شعيب كثير الصلاة ، فلما طال تمادي قومه في كفرهم وغيهم ، ويئس من صلاحهم ، دعا عليهم فقال : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة .
{ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ْ} أي: اشهدوا علينا أننا إن عدنا إليها بعد ما نجانا اللّه منها وأنقذنا من شرها، أننا كاذبون مفترون على اللّه الكذب، فإننا نعلم أنه لا أعظم افتراء ممن جعل للّه شريكا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ ولدا ولا صاحبة، ولا شريكا في الملك.
{ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ْ} أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال، فآيسهم عليه الصلاة والسلام من كونه يوافقهم من وجوه متعددة، من جهة أنهم كارهون لها مبغضون لما هم عليه من الشرك.
ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا، وأشهدهم أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون.
ومنها: اعترافهم بمنة اللّه عليهم إذ أنقذهم اللّه منها.
ومنها: أن عودهم فيها - بعد ما هداهم اللّه - من المحالات، بالنظر إلى حالتهم الراهنة، وما في قلوبهم من تعظيم اللّه تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل، وأمحل المحال.
وحيث إن اللّه منَّ عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل، والهدى والضلال.
وأما من حيث النظر إلى مشيئة اللّه وإرادته النافذة في خلقه، التي لا خروج لأحد عنها، ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه، ولهذا استثنى { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ْ} أي: فلا يمكننا ولا غيرنا، الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ْ} فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه.
{ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ْ} أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم، فإن من توكل على اللّه، كفاه، ويسر له أمر دينه ودنياه.
{ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ْ} أي: انصر المظلوم، وصاحب الحق، على الظالم المعاند للحق { وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ْ} وفتحه تعالى لعباده نوعان: فتح العلم، بتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ومن هو من المستقيمين على الصراط، ممن هو منحرف عنه.
( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها ) بعد إذ أنقذنا الله منها ، ( إلا أن يشاء الله ربنا ) يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا .
فإن قيل : ما معنى قوله : " أو لتعودن في ملتنا " ، " وما يكون لنا أن نعود فيها " ، ولم يكن شعيب قط على ملتهم حتى يصح قولهم ترجع إلى ملتنا؟
قيل : معناه : أو لتدخلن في ملتنا ، فقال : وما كان لنا أن ندخل فيها .
وقيل : معناه إن صرنا في ملتكم .
ومعنى عاد صار .
وقيل : أراد به قوم شعيب لأنهم كانوا كفارا فآمنوا فأجاب شعيب عنهم .
قوله تعالى : ( وسع ربنا كل شيء علما ) أحاط علمه بكل شيء ، ( على الله توكلنا ) فيما توعدوننا به ، ثم عاد شعيب بعدما أيس من فلاحهم فقال : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا ) أي : اقض بيننا ، ( بالحق ) والفتاح : القاضي ، ( وأنت خير الفاتحين ) أي : الحاكمين .
«قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملَّتكم بعد إذ نجَّانا الله منها وما يكون» ينبغي «لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربُّنا» ذلك فيخذلنا «وسع ربُّنا كلَّ شيء علما» أي وسع علمه كل شيء ومنه حالي وحالكم «على الله توكلنا ربنا افتح» احكم «بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين» الحاكمين.
وقال شعيب لقومه مستدركًا: قد اختلقنا على الله الكذب إن عُدْنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه، وليس لنا أن نتحول إلى غير دين ربنا إلا أن يشاء الله ربنا، وقد وسع ربنا كل شيء علمًا، فيعلم ما يصلح للعباد، على الله وحده اعتمادنا هداية ونصرة، ربنا احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين.
ثم صارحهم برفضه التام لما يتوهمونه من العودة إلى ملتهم فقال : ( قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ) .أى : قد اختلقنا على الله - تعالى - أشنع أنواع الكذب إن عدنا فى ملتكم الباطلة بعد إذ نجانا الله بهدايتنا إلى الدين الحق وتنزيهنا عن الاشراك به - سبحانه - .قال صاحب المنار : وهذا كلام مستأنف لبيان أهم الأمرين بالرفض والكراهية ، وهو إنشاء فى صور الخبر .
فإما أن يكون تأكيداً قسميا لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العودة فى ملتهم ، كما يقول القائل : برئت من الذمة إن فعلت كذا ، فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه فى التوكيد وإما أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر ، وأكد بقد والفعل الماضى ، والمعنى ما أعظم افتراءنا على الله - تعالى - إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا إلى صراطه المستقيم " .ثم كرر هذا الرفض بأبلغ وجه فقال : ( وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) أى ما يصح لنا ولا يتأتى منا أن نعود فى ملتكم الباطلة فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلى فى حال أو فى وقت مشيئة الله - المتصرف فى جميع الشئون - عودتنا إليها ، فهو وحده القادر على ذلك ولا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن ، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة وملتنا هى الحق والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره وإنما ذلك بيد مقلب القلوب ، الذى وسع علمه كل شىء .وهذا اللون من الأدب العالى ، حكاه القرآن عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم ، فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - مع ثقته المطلقة فى أنه لن يعود هو وأتباعه إلى ملة الكفر أبداً ، مع ذلك هو يفوض الأمر إلى الله تأدباً معه ، فلا يجزم بمشيئته هو ، بل يترك الأمر لله ، فقد يكون فى علمه سبحانه ما يخفى على البشر ، مما تقتضيه حكمته وإرادته .قال صاحب الانتصاف : " وموقع قوله : ( وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة ، والاطلاع على الأمور الغائبة ، فإن العود إلى الكفر جائز فى قدرة الله أن يقع من العبد : ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه .
فالحذر قائم ، والخوف لازم ، ونظيره قول إبراهيم - عليه السلام - ( وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ) لما رد الأمر إلى المشيئة وهى مغيبة ، مجد الله - تعالى - بالانفراد بعلم الغائبات " .ثم يترك شعيب - عليه السلام - قومه وتهديدهم ووعيدهم ، ويتوجه إلى الله بالاعتماد والدعاء فيقول : ( عَلَى الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا باعلى الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) .أى : على الله وحده وكلنا أمرنا ، فهو الذى يكفينا أمر تهديدكم ووعيدكم ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، ربنا احكم بيننا وبين قومنا الذين ظلمونا بالحق وأنت خير الحكامين ، لخلو حكمك عن الجور والحيف .فقوله : ( عَلَى الله تَوَكَّلْنَا ) إظهار للعجز من جانب شعيب ، وأنه فى مواجهته لأولئك المستكبرين لا يعتمد إلا على الله وحده ، ولا يأوى إلا إلى ركنه المكين ، وحصنه الحصين .
والجملة الكريمة تفيد الحصر لتقديم المعمول فيها .وقوله : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ) إعراض عن مجادلتهم ومفاوضتهم بعد أن تبين لهم عنادهم وسفههم ، وإقبال على الله - تعالى - بالتضرع والدعاء .والفتح : أصله إزالة الأغلاق عن الشىء ، واستعمل فى الحكم ، لما فيه من إزالة الاشكال فى الأمر .
ومنه قيل للحاكم : فاتح وفتاح لفتحه أغلاق الحق ، وقيل للحكومة : الفتاحة - بضم الفاء وكسرها .أخرج البيهقى عن ابن عباس قال : ما كنت أدرى قوله - تعالى - ( رَبَّنَا افتح ) حتى سمعت ابنة ذى يزن تقول لزوجها وقد جرى بينها وبينه كلام : تعال أفاتحك ، تريد أقاضيك وأحاكمك .وقوله : ( بالحق ) بهذا القيد إظهارا للنصفة والعدالة .والخلاصة أنك إذا تأملت فى رد شعيب - عليه السلام - على ما قاله المستكبرون من قومه ، تراه يمثل اسمى ألوان الحكمة وحسن البيان ، فهو يرد على وعيدهم وتهديدهم بالرفض التام لما يبغون ، والبغض السافر لما يريدونه منه ، ثم يكل الأمور كلها إلى الله ، مظهرا الاعتماد عليه وحده ، ثم يتجه إليه - سبحانه - بالدعاء متلمسا منه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق الذى مضت به سنته فى التنازع بين المرسلين والكافرين ، وبين سائر المحقين والمبطلين .
اعلم أن شعيباً لما قرر تلك الكلمات قال: ﴿ الذين استكبروا ﴾ وأنفوا من تصديقه وقبول قوله لابد من أحد أمرين: إما أن ونخرجك ونخرج أتباعك من هذه القرية وإما أن تعود إلى ملتنا، والإشكال فيه أن يقال: إن قولهم: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان على ملتهم التي هي الكفر، فهذا يقتضي أنه عليه السلام كان كافراً قبل ذلك، وذلك في غاية الفساد، وقوله: ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ يدل أيضاً على هذا المعنى.
والجواب من وجوه: الأول: أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه كفاراً فخاطبوا شعيباً بخطاب أتباعه وأجروا عليه أحكامهم.
الثاني: أن رؤساءهم قالوا ذلك على وجه التلبيس على العوام يوهمون أنه كان منهم، وأن شعيباً ذكر جوابه على وفق ذلك الإيهام.
الثالث: أن شعيباً في أول أمره كان يخفي دينه ومذهبه، فتوهموا أنه كان على دين قومه.
الرابع: لا يبعد أن يقال: إن شعيباً كان على شريعتهم، ثم إنه تعالى نسخ تلك الشريعة بالوحي الذي أوحاه إليه.
الخامس: المراد من قوله: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أي لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود بمعنى الابتداء.
تقول العرب: قد عاد إلي من فلان مكروه، يريدون قد صار إلي منه المكروه ابتداء.
قال الشاعر: فإن تكن الأيام أحسن مدة *** إلى فقد عادت لهن ذنوب أراد فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوباً كانت لهن قبل الإحسان، ثم إنه تعالى بين أن القوم لما قالوا ذلك أجاب شعيب عليه السلام عن كلامهم بوجهين: الأول: قوله: ﴿ وَلَوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال.
تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين: الثاني: قوله: ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ والجواب الأول يجري مجرى الرمز في أنه لا يعود إلى ملتهم، وهذا الجواب الثاني تصريح بأنه لا يفعل ذلك فقال: إنه إن فعلنا ذلك فقد افترينا على الله.
وأصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة، والبراءة عن الكذب، فالعود في ملتكم يبطل النبوة، ويزيل الرسالة.
وقوله: ﴿ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ فيه وجوه: الأول: معنى ﴿ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ علمنا قبحه وفساده، ونصب الأدلة على أنه باطل.
الثاني: أن المراد أن الله نجى قومه من تلك الملة، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم، وإن كان بريئاً منه إجراء الكلام على حكم التغليب.
والثالث: أن القوم أوهموا أنه كان على ملتهم، أو اعتقدوا أنه كان كذلك.
فقوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ أي حسب معتقدكم وزعمكم.
أما قوله: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَآءَ الله ﴾ .
فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر، والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء إلا الخير والصلاح.
أما وجه استدلال أصحابنا بهذه، فمن وجهين: الأول: قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ يدل على أن المنجي من الكفر هو الله تعالى، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه، لا من الله تعالى، وذلك على خلاف مقتضى قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ الثاني: أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة، ولما كانت تلك الملة كفراً، كان هذا تجويزاً من شعيب عليه السلام أن يعيدهم إلى الكفر، فكاد هذا يكون تصريحاً من شعيب بأنه تعالى قد شاء رد المسلم إلى الكفر، وذلك غير مذهبنا.
قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر.
ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام ﴾ وكثيراً ما كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا ﴾ أجابت المعتزلة عنه من وجوه: الأول: أن قوله ليس لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إليها قضية شرطية، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء.
والثاني: أن هذا مذكور على طريق التبعيد، كما يقال: لا أفعل ذلك إلا إذا ابيض القار، وشاب الغراب: فعلق شعيب عليه السلام عوده إلى ملتهم على مشيئته.
ومن المعلوم أنه لا يكون نفياً لذلك أصلاً، فهو على طريق التبعيد، لا على وجه الشرط.
الثالث: أن قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ ليس فيه بيان أن الذي شاءه الله ما هو، فنحن نحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله ربنا بأن يظهر هذا الكفر من أنفسنا إذا أكرهتمونا عليه بالقتل، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره، وما كان جائزاً كان مراداً لله تعالى، وكون الضمير أفضل من الإظهار، لا يخرج ذلك الإظهار من أن يكون مراد الله تعالى، كما أن المسح على الخفين مراد الله تعالى وإن كان غسل الرجلين أفضل.
الرابع: أن قوله: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب ﴾ المراد الإخراج عن القرية، فيحمل قوله: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ أي القرية، لأنه تعالى قد كان حرم عليه إذا أخرجوه عن القرية، أن يعود فيها إلا بإذن الله ومشيئته.
الخامس: أن نقول يجب حمل المشيئة هاهنا على الأمر، لأن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله ﴾ معناه: أنه إذا شاء كان لنا أن نعود فيها.
وقوله: ﴿ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ أي يكون ذلك العود جائزاً، والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عندهم، ولا يجوز له فعله، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر.
فثبت أن المراد من المشيئة هاهنا الأمر، فكان التقدير: إلا أن يأمر الله بعودنا في ملتكم فإنا نعود إليها، والشريعة التي صارت منسوخة، لا يبعد أن يأمر الله بالعمل بها مرة أخرى، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم.
والوجه السادس: للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي، فقال: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات، كالصلاة والصيام وغيرهما، فقال شعيب: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ ولما دخل في ذلك كل ما هم عليه، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقياً غير منسوخ، لا جرم قال: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله ﴾ والمعنى: إلا أن يشاء الله إبقاء بعضها فيدلنا عليه، فحينئذ نعود إليها فهذا الاستثناء عائد إلى الأحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها، وغير عائد إلى ما لا يقبل التغير ألبتة فهذه أسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة، وفي الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه الآية دخول الضعف في المذهب.
وأما المعتزلة فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين: الوجه الأول: لما قالوا ظاهر قوله: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا ﴾ يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها، وذلك يقتضي أن كل ما شاء الله وجوده، كان فعله جائزاً مأذوناً فيه، ولم يكن حراماً.
قالوا: وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد الله حصوله، كان حسناً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراداً لله تعالى.
والوجه الثاني: لهم أن قالوا: إن قوله: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ...
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم إلى تلك الملة أيضاً بخلق الله، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة.
واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى سائر الآيات في هذا الباب.
أما قوله: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذا الكلام بالكلام الأول وجوه: قال القاضي: قد نقلنا عن أبي علي الجبائي أن قول شعيب: ﴿ إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا ﴾ معناه: إلا أن يخلق المصلحة في تلك العبادات، فحينئذ يكلفنا بها، والعالم بالمصالح ليس إلا من وسع علمه كل شيء، فلذلك أتبعه بهذا القول.
وقال أصحابنا: وجه تعلق هذا الكلام بما قبله، هو أن القوم لما قالوا لشعيب: إما أن تخرج من قريتنا وإما أن تعود إلى ملتنا، فقال شعيب: ﴿ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَيء عِلْماً ﴾ فربما كان في علمه حصول قسم ثالث، وهو أن نبقى في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا، وهذا الوجه أولى مما قاله القاضي، لأن قوله: ﴿ عَلَى الله تَوَكَّلْنَا ﴾ لائق بهذا الوجه، لا بما قاله القاضي.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا ﴾ يدل على أنه تعالى كان عالماً في الأزل بجميع الأشياء، لأن قوله: ﴿ وَسِعَ ﴾ فعل ماض، فيتناول كل ماض.
وإذا ثبت أنه كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات وثبت أن تغير معلومات الله تعالى محال، لزم أنه ثبتت الأحكام وجفت الأقلام والسعيد من سعد في علم الله، والشقي من شقي في علم الله.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا ﴾ يدل على أنه علم الماضي، والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف كان يكون، فهذه أقسام أربعة، ثم كل واحد من هذه الأقسام الأربعة يقع على أربعة أوجه.
أما الماضي: فإنه علم أنه لما كان ماضياً، فإنه كيف كان.
وعلم أنه لو لم يكن ماضياً، بل كان حاضراً، فإنه كيف يكون وعلم أنه لو كان مستقبلاً كيف يكون.
وعلم أنه لو كان عدماً محضاً كيف يكون، فهذه أقسام أربعة بحسب الماضي، واعتبر هذه الأقسام الأربعة بحسب الحال، وبحسب المستقبل، وبحسب المعدوم المحض، فيكون المجموع ستة عشر، ثم اعتبر هذه الأقسام الستة عشر بحسب كل واحد من الذوات والألوان والطعوم والروائح، وكذا القول في سائر المفردات من أنواع الأعراض وأجناسها، فحينئذ يلوح لعقلك من قوله: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ بحر لا ينتهي مجموع عقول العقلاء إلى أول خطوة من خطوات ساحله.
المسألة الرابعة: قال الواحدي: قوله: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا ﴾ منصوب على التمييز.
واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ختم كلامه بأمرين: الأول: بالتوكل على الله.
فقال: ﴿ عَلَى الله تَوَكَّلْنَا ﴾ فهذا يفيد الحصر، أي عليه توكلنا لا على غيره، وكأنه في هذا المقام عزل الأسباب، وارتقى عنها إلى مسبب الأسباب.
والثاني: الدعاء.
فقال: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة، والسدي: احكم واقض.
وقال الفراء: أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح لأنه يفتح مواضع الحق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أدري قوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك.
قال الزجاج: وجائز أن يكون قوله: ﴿ افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾ أي أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف، والمراد منه: أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب وقومه محقين، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتبيين.
ثم قال: ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ﴾ والمراد منه الثناء على الله.
واحتج أصحابنا بهذا اللفظ على أنه هو الذي يخلق الإيمان من العبد، وذلك لأن الإيمان أشرف المحدثات، ولو فسرنا لفتح بالكشف والتبيين، فلا شك أن الإيمان كذلك.
إذا ثبت هذا فنقول: لو كان الموجد للإيمان هو العبد، لكان خير الفاتحين هو العبد، وذلك ينفي كونه تعالى خير الفاتحين.
<div class="verse-tafsir"
أي ليكوننّ أحد الأمرين: إمّا إخراجكم؛ وإمّا عودكم في الكفر.
فإن قلت: كيف خاطبوا شعيباً عليه السلام بالعود في الكفر في قولهم: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ وكيف أجابهم بقوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم من الصغائر إلاّ ما ليس فيه تنفير، فضلاً عن الكبائر، فضلاً عن الكفر؟
قلت: لما قالوا: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ ﴾ فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا: ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعاً، إجراءً للكلام على حكم التغليب.
وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا ﴾ وهو يريد عود قومه، إلاّ أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب.
فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله ﴾ والله تعالى متعال أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر؟
قلت: معناه إلاّ أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً.
والعبث قبيح لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا ﴾ أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل، وقلوبهم كيف تتقلب؛ وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان ﴿ عَلَى الله تَوَكَّلْنَا ﴾ في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ حسماً لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة ﴿ أَوَلوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال، تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين.
وما يكون لنا، وما ينبغي لنا.
وما يصحّ لنا ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ احكم بيننا.
والفتاحة؛ الحكومة، أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا ﴿ وَبَيْنَ قَوْمِنَا ﴾ وينكشف بأن تنزل عليهم عذاباً يتبين معه أنهم على الباطل ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ﴾ كقوله: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ﴾ [يونس: 159] .
فإن قلت: كيف أسلوب قوله: ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ ؟
قلت: هو إخبار مقيد بالشرط، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام.
لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر، لأنّ الكافر مفتر على الله الكذب.
حيث يزعم أن لله نداً ولا ندّ له.
والمرتدّ مثله في ذلك وزائد عليه، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل.
والثاني: أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام، بمعنى: والله لقد افترينا على الله كذباً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ أيْ لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا إخْراجُكم مِنَ القَرْيَةِ أوْ عَوْدُكم في الكُفْرِ، وشُعَيْبٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ قَطُّ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ مُطْلَقًا، لَكِنْ غَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ فَخُوطِبَ هو وقَوْمُهُ بِخِطابِهِمْ، وعَلى ذَلِكَ أجْرى الجَوابَ في قَوْلِهِ.
﴿ قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ أيْ كَيْفَ نَعُودُ فِيها ونَحْنُ كارِهُونَ لَها، أوَأتُعِيدُونَنا في حالِ كَراهَتِنا.
﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ قَدِ اخْتَلَقْنا عَلَيْهِ.
﴿ إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلِيلُهُ: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا ﴾ وهو بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَكِنَّهُ جُعِلَ كالواقِعِ لِلْمُبالَغَةِ، وأدْخَلَ عَلَيْهِ قَدْ لِتَقْرِيبِهِ مِنَ الحالِ أيْ قَدِ افْتَرَيْنا الآنَ إنَّ هَمَمْنا بِالعَوْدِ بَعْدَ الخَلاصِ مِنها حَيْثُ نَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا، وأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَنا أنَّ ما كُنّا عَلَيْهِ باطِلٌ وما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ.
وقِيلَ إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ وتَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَقَدِ افْتَرَيْنا.
﴿ وَما يَكُونُ لَنا ﴾ وما يَصِحُّ لَنا.
﴿ أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ﴾ خِذْلانَنا وارْتِدادَنا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
وقِيلَ أرادَ بِهِ حَسْمَ طَمَعِهِمْ في العَوْدِ بِالتَّعْلِيقِ عَلى ما لا يَكُونُ.
﴿ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ وما يَكُونُ مِنّا ومِنكم.
﴿ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ ويُخَلِّصَنا مِنَ الأشْرارِ.
﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ ﴾ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَهم، والفَتّاحُ القاضِي، والفَتّاحَةُ الحُكُومَةُ.
أوْ أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْكَشِفَ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم ويَتَمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ مِن فَتْحِ المُشْكِلِ إذا بَيَّنَهُ.
﴿ وَأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ ﴾ عَلى المَعْنَيَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)
ثم قال شعيب {قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ} وهو قسم على تقدير حذف اللام أي والله لقد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا} خلصنا الله فإن قلت كيف قال شعيب إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ والكفر على الأنبياء عليهم السلام محال قلت أراد هود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب {وَمَا يَكُونُ لَنَا} وما ينبغي لنا وما يصح {أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا} إلا أن يكون سبق في مشيئته أن نعود فيها إذ الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى خيرها وشرها {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شيء علما} تمييز
الأعراف ٨٤ ٨٩ أي هو عالم بكل شيء فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتفلب {عَلَى الله تَوَكَّلْنَا} في أن يثبتنا على الإيمان ويؤفقنا لازدياد الإيقان {رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق} أى احكم والفتاحة الحكومة والقضاء بالحق يفتح الأمر المغلق فلذا سمي
فتحاً ويسمي أهل عمان القاضي فتاحاً {وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين} كقوله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين
﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
﴿ إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ ﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ وزَعَمْنا كَما زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿ بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها ﴾ وعَلِمْنا بُطْلانَها، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم فَقَدِ افْتَرَيْنا، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الظّاهِرَ فِيما إذا كانَ الجَوابُ مِثْلَ ما ذُكِرَ أنْ يَتَعَلَّقَ ظُهُورُهُ والعِلْمُ بِهِ بِالشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ و ﴿ إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ وإنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ، والمَقْصُودُ هُنا تَقْيِيدُ نَفْسِ الِافْتِراءِ بِالعَوْدِ، ولَفْظُ قَدْ وصِيغَةُ الماضِي يَمْنَعانِهِ، والجَوابُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ مِن بابِ الإخْراجِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وإيثارِ قَدْ والماضِي الدّالَّيْنِ عَلى التَّأْكِيدِ؛ إمّا لِأنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، أوْ لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ عَلى مَعْنى: ما أكْذَبَنا إنْ عُدْنا إلَخْ.
ووَجْهُ التَّعَجُّبِ أنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا، ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدَّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ، وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَمْلُ عَلى التَّعَجُّبِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْلى؛ لِأنَّ حَذْفَ اللّامِ ضَعِيفٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ تَبَعًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَذْكُورُ قَسَمًا كَما يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ فَعَلْتُ كَذا، وكَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ: أبْقَيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن ذَهابِ نُفُوسِ وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ البَدِيعِيّاتِ، ومَثَّلَهُ عِزُّ الدِّينِ المَوْصِلِيُّ بِقَوْلِهِ: بَرِئْتُ مِن سَلَفِي والشَّمُّ مِن هِمَمِي ∗∗∗ إنْ لَمْ أدْنُ بِتُقًى مَبْرُورَةِ القَسَمِ والباغُونِيَّةُ بِقَوْلِها: لا مَكَّنَتْنِي المَعالِي مِن سِيادَتِها ∗∗∗ إنْ لَمْ أكُنْ لَهم مِن جُمْلَةِ الخَدَمِ ﴿ وما يَكُونُ لَنا ﴾ أيْ: ما يَصِحُّ لَنا وما يَقَعُ، فَيَكُونُ تامَّةٌ، وقَدْ يَأْتِي ذَلِكَ بِمَعْنى ما يَنْبَغِي وما يَلِيقُ.
﴿ أنْ نَعُودَ فِيها ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ﴾ ، أيْ: إلّا حالَ أوْ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِعَوْدِنا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ المالِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.
﴿ وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ فَهو سُبْحانُهُ يَعْلَمُ كُلَّ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ ومَشِيئَتُهُ عَلى مُوجِبِ الحِكْمَةِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها، وهَذا إشارَةٌ إلى عَدَمِ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، وفِيهِ مِنَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ فَإنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ.
وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَشاءَ الكُفْرَ.
وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ المُرادَ اسْتِحالَةُ وُقُوعِ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى العَوْدَ وهَيْهاتَ ذَلِكَ، ولا يَكادُ يَكُونُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴾ فَإنَّ تَنْجِيَتَهُ تَعالى إيّاهم مِنها مِن دَلائِلِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لِعَوْدِهِمْ فِيها، وفُرِّعَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسِعَ ﴾ إلَخْ.
بَعْدَ أنْ فَسَّرَهُ بِما فَسَّرَهُ مُحالَيَةُ مَشِيئَتِهِ العَوْدَ، لَكِنْ لُطْفًا وهو وجْهٌ في الآيَةِ، ولَعَلَّ ما ذَهَبْتُ إلَيْهِ فِيها أوْلى، ولا يَرِدُ عَلى تَقْدِيرِ العَوْدِ مَفْعُولًا لِلْمَشِيئَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِذِكْرِ سِعَةِ العِلْمِ بَعْدَ حِينَئِذٍ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ كانَ المُناسِبُ ذِكْرَ شُمُولِ الإرادَةِ وأنَّ الحَوادِثَ كُلَّها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِما لا يَخْفى، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدٌّ لِدَعْوى الحَصْرِ بِاحْتِمالِ قِسْمٍ ثالِثٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ بَنى تَفْسِيرَهُ عَلى عَقِيدَتِهِ الفاسِدَةِ مِن وُجُوبِ رِعايَةِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَشاءَ الكُفْرَ بِوَجْهٍ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وسِعَ ﴾ إلَخْ، ورَدَّهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ مَوْقِعَ ما ذُكِرَ الِاعْتِرافُ بِالقُصُورِ عَنْ عِلْمِ العاقِبَةِ والِاطِّلاعِ عَلى الأُمُورِ الغائِبَةِ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَدَّ الأمْرَ إلى المَشِيئَةِ وهي مُغَيَّبَةٌ مَجَّدَ اللَّهَ تَعالى بِالِانْفِرادِ بِعِلْمِ الغائِباتِ.
انْتَهى، وإلى كَوْنِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ التَّأْبِيدَ ذَهَبَ جَعْفَرُ بْنُ الحارِثِ والزَّجّاجُ أيْضًا وجَعَلُوا ذَلِكَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي ∗∗∗ وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنُّصُوصِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ولِلْعِبارَةِ والإشارَةِ، وقالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: المُرادُ بِالمِلَّةِ الشَّرِيعَةُ، وفِيها ما لا يَرْجِعُ إلى الِاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِهِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ العَوْدُ إلى ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ لَنا أنْ نَعُودَ إلى مِلَّتِكُمْ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِأنْ يَتَعَبَّدَنا بِها، ويَنْقُلَنا ويَنْسَخَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَكِّنَكم مِن إكْراهِنا، ويُخْلِيَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَنَعُودَ إلى إظْهارِ مِلَّتِكم مُكْرَهِينَ، وقَوِيَ بِسَبْقِ: ﴿ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ .
وقِيلَ: إنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( فِيها ) يَعُودُ إلى القَرْيَةِ لا المِلَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنّا سَنَخْرُجُ مِن قَرْيَتِكم ولا نَعُودُ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِما يُنْجِزُهُ لَنا مِنَ الوَعْدِ في الإظْهارِ عَلَيْكم والظَّفَرِ بِكم فَنَعُودُ فِيها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّكم إلى الحَقِّ فَنَكُونَ جَمِيعًا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى، وبِالجُمْلَةِ: الآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ وسُبْحانَ مَن سَدَّ بابِ الرُّشْدِ عَنِ المُعْتَزِلَةِ.
﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ ﴾ إعْراضٌ عَنْ مُفاوَضَتِهِمْ إثْرَ ما ظَهَرَ مِن عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ وإقْبالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ، والفَتْحُ بِمَعْنى الحُكْمِ والقَضاءِ، لُغَةٌ لِحِمْيَرَ أوْ لِمُرادٍ.
والفَتّاحُ عِنْدَهُمُ القاضِي والفُتاحَةُ بِالضَّمِّ الحُكُومَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ، لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا افْتَحْ ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ وقَدْ جَرى بَيْنِي وبَيْنَها كَلامٌ فَقالَتْ: أُفاتِحُكَ، تُرِيدُ: أُقاضِيكَ، و ﴿ بَيْنَنا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّقْيِيدُ بِالحَقِّ لِإظْهارِ النَّصَفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ البَيانِ والإظْهارِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ومِنهُ فَتْحُ المُشْكِلِ لِبَيانِهِ وحَلِّهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ البابِ وإزالَةِ الإغْلاقِ، حَتّى يُوصَلَ إلى ما خَلْفَها، وبَيْنَنا عَلى ما قِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ ما بَيْنَنا، ﴿ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ ﴾ أيِ الحاكِمِينَ لِخُلُوِّ حُكْمِكَ عَنِ الجَوْرِ والحَيْفِ أوِ المُظْهِرِينَ لِمَزِيدِ عِلْمِكَ وسِعَةِ قُدْرَتِكَ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً يعني: أرسلنا إلى مدين نبيّهم شعيباً ومدين هو آل مدين وكان مدين بن إبراهيم خليل الرحمن، تزوج ريثاء ابنة لوط، فولدت آل مدين، فتوالدوا وكثروا، ثم صار هو اسماً للمدينة، فسميت المدينة مدين، وسمي أولئك القوم مدين.
فكفروا بالله تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع، وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى إليهم شعيباً.
وقال الضحاك كان شعيب أفضلهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأحسنهم وجهاً، ويقال: إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى الله تعالى وقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه وأطيعوه مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال بعضهم: مجيء شعيب النبي- - إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد.
وقال بعضهم: كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته، ألا إن الله تعالى لم يبيّن لنا علامته، وقد بيّن علامة بعض الأنبياء، ولم يبيّن علامة الجميع.
ثم قال: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بالقسط أي أتموا الكيل والميزان بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها يعني: لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بيّن الله تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم.
قوله تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ أي لا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول: تمنعون الناس عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً يقول: تريدون بملة الإسلام زيغاً وغيراً.
وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قال: بكل سبيل حتى تصدوا أهلها عنها وَتَبْغُونَها عِوَجاً قال وتلتمسون بها الزيغ.
ويقال معناه: لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس وتخوفون أهل الإيمان بشعيب- -.
ثم قال: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي كنتم قليلاً في العدد فكثَّر عددكم.
ويقال: كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل، يعني: الذين قبلهم قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح.
ثم قال: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: إن كان جماعة منكم صدقوا بي وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بي أي لم يصدقوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين.
فذلك قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي أعدل العادلين.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان من قومه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي لتدخلنا في ديننا الذي نحن عليه.
ويقال: هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا لترجعن إلى ديننا كما كنتم قالَ لهم شعيب أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ يعني: أتجبروننا على ذلك؟
قالوا: نعم قال لهم شعيب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ يقول: قد اختلقنا عَلَى الله كَذِبًا أن دخلنا في دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يقول: إن الله تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملّتكم.
يقال: معناه كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله منها.
ويقال: أكرمنا الله تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم.
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشآء الله رَبُّنا دخولنا فيها وأن ينزع المعرفة من قلوبنا.
ويقال: معناه وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها.
ويقال: معناه إلا أن يشآء الله يعني: لا يشاء الله الكفر مثل قولك.
لا أكلمك حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب، وهذا طريق المعتزلة.
ثم قال: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني: علم ما يكون منا ومن الخلق عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي فوضنا أمرنا إلى الله لقولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي اقض بيننا وبين قومنا بالعدل.
وروى قتادة عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما معنى قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني: أخاصمك.
وقال القتبي: الفتح أن تفتح شيئاً مغلقا كقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73] وسمي القضاء فتحاً لأن القضاء فصل للأمور وفتح لما أشكل منها وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ يعني: خير الفاصلين.
قوله تعالى: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً أي لأن أطعتم شعيباً في دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ يعني: جاهلون.
فلما وعظهم شعيب، ولم يتعظوا أخبرهم أن العذاب نازل بهم.
فلم يصدقوه.
فخرج شعيب ومن آمن معه من بين أظهرهم فأصابهم يعني: أهل القرية حر شديد، فخرجوا من القرية، ودخلوا غيضة كانت عند قريتهم وهي الأيكة كما قال الله تعالى في آية أخرى كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 176] فأرسل الله تعالى ناراً فأحرقت الأشجار ومن فيها من الناس.
ويقال: أصابتهم زلزلة فخرجوا، فأتتهم نار فأحرقتهم، وذلك قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني: الزلزلة والحر الشديد فهلكوا واحترقوا فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يعني: صاروا ميتين.
قوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني: كأن لم يكونوا فيها قط وقال قتادة: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني: كأن لم يتنعموا فيها.
ويقال: معناه من كان رآهم بعد إهلاكنا إياهم ظن أنه لم يكن هناك أحد يعني: لم يعيشوا.
ويقال: كأن لم يعمروا.
ثم قال: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ يعني: المغبونين في العقوبة، يعني: إنهم كانوا يقولون لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون.
فصار الذين كذبوا هم الخاسرون لا الذين آمنوا منهم.
قوله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم حين خرج من بين أظهرهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي في نزول العذاب وَنَصَحْتُ لَكُمْ وقد ذكرناه فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ أي كيف أحزن بعد النصيحة على قوم إن عذبوا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
وقوله سبحانه: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ...
الآية: قيل في مَدْيَنَ إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه.
وقال مكِّيّ: كان زوج بنت لوط، وأَخاهُمْ: منصوبٌ ب «أرسلنا» في أول القصص، و «البيِّنة» : إشارة إِلى معجزته، وَلا تَبْخَسُوا معناه ولا تظلموا ومنْه قولهم:
تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود» : البَخْس:
النَّقْصَ.
ت: ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه.
قال أبو حَيانَ: ولا تَبْخَسُوا: متعدٍّ إلى مفعولين، تقول: بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي:
نقصته إياه.
انتهى.
وأَشْياءَهُمْ: يريد أمتعتهم وأموالهم، وَلا تُفْسِدُوا: لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله وكذلك الإصلاح عامٌّ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، أيْ: عند اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،
أي: بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ...
الآية: قال السديُّ: هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل «١» ، و «الصِّرَاطُ» : الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه: هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ «٢» ، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره: قوله: وَلا تَقْعُدُوا نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب «٣» وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداوديّ: وعن مجاهد تَبْغُونَها عِوَجاً:
يلتمسون «٤» لها الزيْغَ.
انتهى.
ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ.
وقيل: أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا ...
الاية: قوله:
فَاصْبِرُوا تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معناه: أو لتَصِيرُنّ، و «عَادَ» في كلام العرب على/ وجهين:
أحدُهُمَا: عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف ومنه قول الشاعر: [الطويل]
أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ ...
وعمرا تولّى يا بثين يعود «٥»
ومنْه قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .
والوجه الثاني: أنْ تكون بمعنى «صَارَ» ، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة ومنه قول الشاعر: [البسيط]
تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ...
شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ «١»
ومنه قول الآخر:
وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ ...
«٢»
ومنه قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] ، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية: أَوْ لَتَعُودُنَّ، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى «صار» ، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً.
قال ص: قَدِ افْتَرَيْنا: هو بمعنى المستقبل لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو: إِنْ عُدْنا أو هو جوابه، على قول.
انتهى.
وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ.
قال ع «٣» : والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ من القربات.
وقيل: إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً:
معناه: وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء كما تقول: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ: تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط» ، وقوله: افْتَحْ معناه: احكم، وقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا:
استسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا.
وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ...
الآية: أي: قال الملأ لتباعهم ومقلّديهم، والرَّجْفَةُ: الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ.
ت: والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...
الآية [هود: ٩٤] ، وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا:
معناه: يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل]
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ...
أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ «١»
قال ع «٢» : فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنة بتنعّم وعيش مرضيّ، وقوله: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ: كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً لَمَّا رأى هلاكَ قومه إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِما هم عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ سَمُّوهُ مِلَّةً.
﴿ وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها ﴾ أيْ: في المِلَّةِ، ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ أنْ نَعُودَ فِيها، ﴿ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْلَمُ ما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ أيْ: فِيما تَوَعَّدْتُمُونا بِهِ، وفي حِراسَتِنا عَنَ الضَّلالِ.
﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: احْكم بَيْنَنا، وأنْشَدَ: ألا أبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيٌّ قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ عُمانَ يُسَمَّوْنَ القاضِيَ: الفاتِحُ والفَتّاحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ ما بَيْنَنا ويَنْكَشِفَ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا سَألُوا بِهَذا نُزُولَ العَذابِ بِقَوْمِهِمْ لِيُظْهِرَ أنَّ الحَقَّ مَعَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كَأنَّ لَمْ يَعِيشُوا في دارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والأخْفَشُ.
قالَ حاتِمُ طَيِّئٍ: غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ ∗∗∗ فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قُرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِأحْسابِنا الفَقْرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى غَنِينا: عِشْنا.
والتَّصَعْلُكُ: الفَقْرُ، والعَرَبُ تَقُولُ لَلْفَقِيرِ: الصُّعْلُوكُ والثّانِي: كَأنَّ لَمْ يَتَنَعَّمُوا فِيها، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: كَأنَّ لَمْ يَكُونُوا فِيها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: كَأنَّ لَمْ يَنْزِلُوا فِيها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَغانِي: المَنازِلُ؛ يُقالُ: غَنِينا بِمَكانِ كَذا، أيْ: نَزَلْنا بِمَكانِ كَذا، أيْ: نَزَلْنا بِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ لَمْ يُقِيمُوا فِيها، ومَعْنى: غَنِينا بِمَكانِ كَذا: أقَمْنا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ﴾ لَلْمُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ؛ كَما تَقُولُ: أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي شَتَمَ أعْراضَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أعْرِضْ.
والثّانِي: انْصَرِفْ.
﴿ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ﴾ قالَ قَتادَةُ: أسْمَعَ شُعَيْبٌ قَوْمَهُ، وأسْمَعَ صالِحٌ قَوْمَهُ؛ كَما أسْمَعَ نَبِيُّكم قَوْمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ؛ يَعْنِي أنَّهُ خاطَبَهم بَعْدَ الهَلاكِ.
﴿ فَكَيْفَ آسى ﴾ أيْ: أحْزَنُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أصابَ شُعَيْبًا عَلى قَوْمِهِ حُزْنٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ عاتَبَ نَفْسَهُ، فَقالَ: كَيْفَ آَسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللهِ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللهِ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبُّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ ﴾ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "اَلْمَلَأُ"؛ ومَعْنى الِاسْتِكْبارِ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ بِالنَفْيِ؛ و"اَلْقَرْيَةُ": اَلْمَدِينَةُ الجامِعَةُ لِلنّاسِ؛ لِأنَّها "تَقَرَّتْ"؛ أيْ اجْتَمَعَتْ؛ وقَوْلُهُمْ: ﴿ أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ ؛ مَعْناهُ: أو لَتَصِيرُنَ؛ و"عادَ"؛ تَجِيءُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: عادَ الشَيْءُ إلى حالٍ قَدْ كانَ فِيها قَبْلَ ذَلِكَ؛ وهي - عَلى هَذِهِ الجِهَةِ - لا تَتَعَدّى؛ فَإنْ عُدِّيَتْ فَبِحَرْفٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنْ عادَتِ العَقْرَبُ عُدْنا لَها ∗∗∗ وكانَتِ النَعْلُ لَها حاضِرَةْ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ألا لَيْتَ أيّامَ الشَبابِ جَدِيدُ ∗∗∗ ∗∗∗ وعَصْرًا تَوَلّى يا بُثَيْنَ يَعُودُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "صارَ"؛ وعامِلَةً عَمَلَها؛ ولا تَتَضَمَّنُ أنَّ الحالَ قَدْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً؛ ومِن هَذِهِ قَوْلُ الشاعِرِ: تِلْكَ المَكارِمُ لا قَعْبانِ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعْدُ أبْوالا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وعادَ رَأْسِي كالثَغامَةْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ ؛ عَلى أنَّ هَذِهِ مُحْتَمَلَةٌ؛ فَقَوْلُهُ في الآيَةِ: ﴿ "أو لَتَعُودُنَّ" ﴾ - وشُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمْ يَكُنْ قَطُّ كافِرًا - يَقْتَضِي أنَّها بِمَعْنى صارَ؛ وأمّا في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ فَيَتَرَتَّبُ المَعْنى الآخَرُ ويُخْرَجُ عنهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلّا أنْ يُرِيدُوا عَوْدَتَهُ إلى حالِ سُكُوتِهِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ مِنهُ لَهم عَلى شُنْعَةٍ المَعْصِيَةِ؛ وطَلَبٌ أنْ يُقِرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِإكْراهِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ تَعالى عَلى الإخْراجِ ظُلْمًا وغَشْمًا.
والظاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ ﴾ أنَّهُ خَبَرٌ مِنهُ؛ أيْ: لَقَدْ كُنّا نُواقِعُ عَظِيمًا ونَفْتَرِي عَلى اللهِ تَعالى الكَذِبَ في الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُعاءِ؛ مِثْلَ قَوْلِ الشاعِرِ: بَقِيتُ وفْرِي..........
∗∗∗ ∗∗∗..................
وَكَما تَقُولُ: "اِفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ تَعالى إنْ كَلَّمْتُ فُلانًا"؛ و"اِفْتَرَيْنا"؛ مَعْناهُ: شَقَقْنا بِالقَوْلِ؛ واخْتَلَفْنا؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ".» ونَجاةُ شُعَيْبٍ مِن مِلَّتِهِمْ كانَتْ مُنْذُ أوَّلِ أمْرِهِ؛ ونَجاةُ مَن آمَنَ مَعَهُ كانَتْ بَعْدَ مُواقَعَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "إلّا أنْ يَسْبِقَ عَلَيْنا مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ سابِقُ سُوءٍ؛ ويَنْفُذُ مِنهُ تَعالى قَضاءٌ لا يُرَدُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمُؤْمِنُونَ هُمُ المُجَوَّزُونَ لِذَلِكَ؛ وشُعَيْبٌ قَدْ عَصَمَتْهُ النُبُوَّةُ؛ وهَذا أظْهَرُ ما يَحْتَمِلُ القَوْلُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللهَ تَعالى بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ مِمّا تَفْعَلُهُ الكُفّارُ مِنَ القُرُباتِ؛ فَلَمّا قالَ لَهُمْ: "إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكُمْ"؛ ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُتَعَبَّدَ اللهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ؛ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ؛ ويَقُولَ: هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ؛ كَما تَقُولُ: "لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ؛ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ"؛ وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ؛ فَهو إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسا بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عِنْدَهُمْ؛ وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ؛ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ؛ وقِيلَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو تَسَتُّرٌ وتَأدُّبٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وَيُقْلَقُ هَذا التَأْوِيلُ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ؛ ولَوْ كانَ في الكَلامِ "إنْ شاءَ اللهُ"؛ قَوِيَ هَذا التَأْوِيلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَسِعَ عِلْمُ رَبِّنا تَعالى كُلَّ شَيْءٍ"؛ كَما تَقُولُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ أيْ: تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ؛ و"وَسِعَ"؛ بِمَعْنى أحاطَ.
وقَوْلُهُ: "اِفْتَحْ"؛ مَعْناهُ: اُحْكُمْ؛ و"اَلْفاتِحُ"؛ و"اَلْفَتّاحُ": اَلْقاضِي؛ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ؛ وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: ألا أبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَإنِّي عن فُتاحَتِكم غَنِيُّ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ اللهَ تَعالى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ أمَرَهُ بِالدُعاءِ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اسْتَجابَ تَعالى لَهُ؛ فَأهْلَكَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: "تَعالَ أُفاتِحْكَ"؛ أيْ: "أُحاكِمْكَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا ﴾ اِسْتِسْلامٌ لِلَّهِ تَعالى وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ؛ وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كان جوابهم عن حجّة شعيب جوابَ المفحَم عن الحجّة، الصائر إلى الشدّة، المزدهي بالقوة، المتوقّععِ أن يكثر معاندوه، فلذلك عدلوا إلى إقصاء شعيب وأتباعه عن بلادهم خشية ظهور دعوته بين قومهم، وبث أتنباعه دعوته بين الناس، فلذلك قالوا: ﴿ لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ﴾ .
وتفسير صدر الآية هو كتفسير نظيره من قصّة ثمود.
وإيثار وصفهم بالاستكبار هنا دون الكفر، مع أنّه لم يحك عنم هنا خطاب المستضعفين، حتّى يكون ذكر الاستكبار إشارة إلى أمّهم استضعفوا المؤمنين كما اقتضته قصة ثمود، فاختير وصف الاستكبار هنا لمناسبة مخاطبتهم شعيباً بالإخراج أو الإكراه على اتّباع دينهم، وذلك من فعل الجبّارين أصحاب القوة.
وكان إخراج المغضوب عليه من ديار قبيلته عقوبة متّبعة في العرب إذا أجمعت القبيلة على ذلك ويسمّى هذا الإخراج عند العرب بالخَلْع، والمخرَج يسمّى خليعاً.
قال امرؤ القيس: به الذئبُ يعوي كالخليع المعيل *** وأكدوا التوعّد بلام القسم ونون التوكيد: ليوقن شعيب بأنّهم منجزو ذلك الوعيد.
وخطابهم إيّاه بالنداء جار على طريقة خطاب الغضب، كما حكى الله قول آزر خطاباً لإبراهيم عليه السلام ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ [مريم: 46].
وقوله: ﴿ معك ﴾ متعلّق ب ﴿ لنخرجنّك ﴾ ، ومتعلّق ﴿ آمنوا ﴾ محذوف، أي بك، لأنهم لا يصفونهم بالإيمان الحقّ في اعتقادهم.
والقرية (المدينة) لأنها يجتمع بها السكان.
والتقرّي: الاجتماع.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أوْ كالذي مرّ على قرية ﴾ [البقرة: 259]، والمراد بقريتهم هنا هي (الأيكة) وهي (تبوك) وقد رددوا أمر شعيب ومن معه بين أن يُخرجوا من القرية وبين العود إلى ملة الكفر.
وقد جعلوا عود شعيب والذين معه إلى ملّة القوم مقسماً عليه فقالوا: ﴿ أو لتعودُن ﴾ ولم يقولوا: لنخرجنّكم من أرضنَا أو تعودن في ملّتنا، لأنّهم أرادوا ترديد الأمرين في حيز القسم لأنهم فاعلون أحد الأمرين لا محالة وأنّهم ملحّون في عودهم إلى ملّتهم.
وكانوا يظنّون اختياره العود إلى ملّتهم، فأكدوا هذا العود بالقسم للإشارة إلى أنّه لا مَحيد عن حصوله عوضاً عن حصول الإخراج لأن أحد الأمرين مُرضضٍ للمقسمين، وأيضاً فإن التوكيد مؤذن بأنّهم إن أبوا الخروج من القرية فإنهم يكرهون على العود إلى ملّة القوم كما دل عليه قول شعيب في جوابهم: ﴿ أوَلْو كُنّا كارهين ﴾ ولما كان المقام للتوعّد والتّهديد كان ذكر الإخراج من أرضهم أهم، فلذلك قدموا القسم عليه ثم أعقبوه بالمعطوف بحرف (أوْ).
والعَوْد: الرجوع إلى ما كان فيه المرء من مكان أو عمل، وجعلوا موافقة شعيب إياهم على الكفر عوداً لأنهم يحسبون شعيباً كان على دينهم، حيث لم يكونوا يعلمون منه ما يخالف ذلك، فهم يحسبونه، موافقاً لهم من قبل أن يدعو إلى ما دعا إليه.
وشأن الذين أرادهم الله للنبوءة أن يكونوا غير مشاركين لأهل الضلال من قومهم ولكنّهم يكونون قبل أن يُوحى إليهم في حالة خلو عن الإيمان حتى يهديهم الله إليه تدريجاً، وقومهم لا يعلمون باطنهم فلا حيرة في تسمية قومه مُوافقته إيّاهم عوداً.
وهذا بناء على أن الأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوءة، وذلك قول جميع المتكلمين من المسلمين، وقد نبّه على ذلك عياض في «الشفاء» في القسم الثالث وأورد قول شعيب: ﴿ إنْ عُدنا في ملّتكُم ﴾ [الأعراف: 89] وتأول العود بأنّه المصير، وذلك تأويل كثير من المفسرين لهذه الآية.
ودليل العصمة من هذا هو كمالهم، والدليل مبني على أن خلاف الكمال قبل الوحي يُعد نقصاً، وليس في الشريعة دليل قاطع على ذلك، وإنّما الإشكال في قول شعيب ﴿ إنْ عدنا في ملّتكم ﴾ [الأعراف: 89] فوجهه أنّه أجراه على المشاكلة والتغليب.
وكلاهما مصحّح لاستعمال لفظ العود في غير معناه بالنسبة إليه خاصة، وقد تولى شعيب الجواب عمّن معه من المؤمنين ليقينه بصدق إيمانهم.
والملّة: الدين، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ مَنْ سَفِه نفسَه ﴾ في سورة البقرة (130).
وفصل جملة: قال الملأ } لوقوعها في المحاورة على ما بيناه عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).
فصل جملة ﴿ قال..
﴾ لوقوعها في سياق المحاورة.
والاستفهام مستعمل في التعجب تعجباً من قولهم: ﴿ أو لتعودن في ملّتنا ﴾ المؤذننِ ما فيه من المؤكّدات بأنّهم يُكرهونهم على المصير إلى ملّة الكفر، وذلك التعجب تمهيد لبيان تصميمه ومن معه على الإيمان، ليعلم قومه أنّه أحاط خبراً بما أرادُوا من تخييره والمؤمنين معه بين الأمرين: الإخراج أو الرجوع إلى ملّة الكفر، شأنَ الخصم اللبيب الذي يأتي في جوابه بما لا يغادر شيئاً مما أراده خصمه في حوارِه، وفي كلامه تعريض بحماقة خصومه إذ يحاولون حمله على ملّتهم بالإكراه، مع أن شأن المُحقّ أن يشرك للحق سلطانه على النفوس ولا يتوكّأ على عصا الضّغط والإكراه، ولذا قال الله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ ﴾ [البقرة: 256].
فإن التزام الدين عن إكراه لا يأتي بالغرض المطلوب من التّديّن وهو تزكية النفس وتكثير جند الحق والصلاح المطلوب.
والكاره مشتق من كره الذي مصدره الكَرهُ بفتح الكاف وسكون الراء وهو ضد المحبة، فكاره الشيء لا يدانيه إلاّ مغصوباً ويقال للغصب إكراه، أي مُلجَئين ومغصوبين وتقدم في قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم القتال وهو كُرهٌ لكم ﴾ في سورة البقرة (216).
و (لو) وصلية تفيد أن شرطها هو أقصى الأحوال التي يحصل معها الفعل الذي في جوابها، فيكون ما بعدها أحرى بالتعجب.
فالتقدير: أتعيدوننا إلى ملّتكم ولو كنا كارهين.
وقد تقدم تفصيل (لو) هذه عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91).
وتقدم معنى الواو الداخلة عليها وأنها واو الحال.
واستأنف مرتقياً في الجواب، فبيّن استحالة عودهم إلى ملّة الكفر بأن العود إليها يستلزم كذبَه فيما بلّغه عن الله تعالى من إرساله إليهم بالتوحيد فذلك كذب على الله عن عمد، لأن الذي يرسله الله لا يرجع إلى الكفر، ويستلزم كذب الذين آمنوا به على الله حيث أيقنوا بأن شعيباً مبعوث من الله بما دلهم على ذلك من الدلائل، ولذلك جاء بضمير المتكلّم المشارك في كل من قوله: افترينا } و ﴿ عدنا ﴾ و ﴿ نجانا ﴾ و ﴿ نعود ﴾ و ﴿ ربُنا ﴾ و ﴿ توكّلنا ﴾ .
والربط بين الشرط وجوابه ربط التّبيّن والانكشاف.
لأنه لا يصح تعليق حصول الافتراء بالعود في ملة قومه، فإن الافتراء المفروض بهذا المعنى سابق متحقق وإنّما يكشفه رجوعهم إلى ملّة قومهم، أي إنْ يَقع عودنا في ملتكم فقد تبين أننا افترينا على الله كذباً، فالماضي في قوله: ﴿ افترينا ﴾ ماض حقيقي كما يقتضيه دخول ﴿ قد ﴾ عليه، وتقديمه على الشرط لأنه في الحالتين لا تقلبه (إن) للاستقبال، أما الماضي الواقع شرطاً ل (إن) في قوله: ﴿ إن عدنا ﴾ فهو بمعنى المستقبل لأن (إنْ) تقلب الماضي للمستقبل عكس (لم).
وقوله: ﴿ بعد إذ نجّانا الله منها ﴾ على هذا الوجه، معناه: بعد إذ هدانا الله للدين الحق الذي اتبعناه بالوحي فنجانا من الكفر، فذكر الإنجاء لدلالته على الإهداء والإعلان بأن مفارقة الكفر نجاة، فيكون في الكلام إيجاز حذف أو كناية.
وهذه البعدية ليست قيداً ل ﴿ افترينا ﴾ ولا هي موجب كون العود في ملّتهم دالاً على كذبه في الرسالة، بل هذه البعدية متعلقة ب ﴿ عُدْنَا ﴾ يقصد منها تفظيع هذا العود وتأييس الكافرين من عود شعيب وأتباعه إلى ملّة الكفر، بخلاف حالهم الأولى قبلَ الإيمان فإنهم يوصفون بالكفر لا بالافتراء إذ لم يظهر لهم وجه الحق، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها ﴾ أي لأن ذلك لا يقصده العاقل فيلقي نفسه في الضلال والتعرض للعذاب.
وانتصاب ﴿ كذباً ﴾ على المفعولية المطلقة تأكيداً ل ﴿ افترينا ﴾ بنا هو ماسو له أو أعم منه، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة المائدة (103).
وقد رَتّب على مقدمة لزوم الافتراء نتيجةَ تأييس قومه من أن يعود المؤمنون إلى ملّة الكفر بقوله: ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها ﴾ فنفي العود نفياً مؤكداً بلام الجحود وقد تقدم بيان تأكيد النفي بلام الجحود في قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ الخ في سورة آل عمران (79).
وقوله: ﴿ إلاّ أن يشاء الله ربّنا ﴾ تأدب مع الله وتفويضُ أمره وأمرِ المؤمنين إليه، أي: إلاّ أن يقدّر الله لنا العود في ملّتكم فإنّه لا يسأل عمّا يفعل، فأمَا عود المؤمنين إلى الكفرِ فممكن في العقل حصوله وليس في الشرععِ استحَالته، والارتداد وقع في طوائف من أمم.
وأمّا ارتداد شعيب بعد النبوءَةِ فهو مستحيل شرعاً لعصمة الله للأنبياء، فلو شاء الله سلب العصمة عن أحد منهم لمَا ترتّب عليه محال عقلاً، ولكنه غير ممكن شرعاً، وقد علمتَ آنفاً عصمة الأنبياء من الشرك قبل النبوءة فعصمتهم منه بعد النبوءة بالأولى، قال تعالى: ﴿ لئن أشركت ليحبطَن عملك ﴾ [الزمر: 65] على أحد التأويلين.
وفي قول شعيب: ﴿ إلاّ أنْ يشاء الله ربّنا ﴾ تقييدُ عدم العود إلى الكفر بمشيئة الله، وهو يستلزم تقييد الدوام على الإيمان بمشيئة الله، لأن عدم العود إلى الكفر مساو للثبات على الإيمان، وهو تقييد مقصود منه التأدب وتفويض العلم بالمستقبل إلى الله، والكناية عن سؤال الدوام على الإيمان من الله تعالى كقوله: ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ [آل عمران: 8].
ومن هنا يستدل لقول الأشعري وجماعةٍ على رأسهم محمد بن عبدوس الفقيه المالكي الجليل أن المسلم يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنّه لا يعلم ما يُختم له به، ويضعف قول الماتريدي وطائفةٍ من علماء القيروان على رأسهم محمد بن سحنون أن المسلم لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنّه متحقق أنه مؤمن فلا يقول كلمة تنبئ عن الشك في إيمانه.
وقد تطاير شرر الخلاف بين ابن عبدوس وأصحابه من جهة، وابن سحنون وأصحابه من جهة، في القيروان زماناً طويلاً ورمى كل فريق الفريق الآخر بما لا يليق بهما، وكان أصحاب ابن سحنون يدْعون ابنَ عبدوس وأصحابَه الشكوكية وتلقفت العامة بالقيسروان هذا الخلاف على غير فهم فربما اجْتروا على ابن عبدوس وأصحابة اجتراء وافتراء، كما ذكره مفصلاً عياض في «المدارك» في ترجمة محمد بن سحنون، وترجمة ابن النبّان، والذي حقّقه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد وعياض أن الخلاف لفظي: فإن كان يقول: إن شاء الله، وسريرتُه في الإيمان مثلُ علانيته فلا بأس بذلك، وإن كان شكاً فهو شك في الإيمان، وليس ذلك ما يريده ابن عبدوس، وقد قال المحققون: أن الخلاف بين الأشعري والماتريدي في هذه المسألة من الخلاف اللفظي، كما حقّقه تاج الدين السبكي في «منظومته النونية»، وتبعه تلميذه نور الدين الشيرازي في «شرحه».
ومما يجب التنبيه له أن الخلاف في المسألة إنما هو مفروض في صحّة قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله، وأن قوله ذلك هل ينبئ عن شكه في إيمانه، وليس الخلاف في أنّه يجب عليه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، عند القائلين بذلك، بدليل أنهم كثيراً ما يقابلون قول القائلين بالمشيئة بقول الآخرين: أنا مؤمن عند الله، فرجعت المسألة إلى اختلاف النظر في حالة عقد القلب مع ما هو في علم الله من خاتمته، وبذلك سهل إرجاع الخلاف إلى الخلاف اللفظي.
والإتيان بوصف الرب وإضافتُه إلى ضمير المتكلم المشارَك: إظهار لحضرة الإطلاق، وتعريض بأن الله مولى الذين آمنوا.
والخلاف بيننا وبين المعتزلة في جواز مشيئة الله تعالى الكفرَ والمعاصي خلاف ناشئ عن الخلاف في تحقيق معنى المشيئة والإرادة، ولكلا الفريقين اصطلاح في ذلك يخالف اصطلاح الآخر، والمسألة طفيفة وإن هوّلها الفريقان، واصطلاحنا أسعد بالشريعة وأقرب إلى اللغة، والمسألة كلها من فروع مسألة التكليف وقدرة المكلف.
وقوله: ﴿ وسعَ ربنا كل شيء علْماً ﴾ تفويض لعلم الله، أي إلاّ أن يشاء ذلك فهو أعلم بمراده منا، وإعادة وصف الربوبية إظهار في مقام الإضمار لزيادة إظهار وصفه بالربوبية، وتأكيد التعريض المتقدم، حتى يصير كالتصريح.
وانتصب ﴿ علماً ﴾ على التمييز المحول عن الفاعل لقصد الإجمال ثم التفصيل للاهتمام.
وانتصب ﴿ كل شيء ﴾ على المفعول به ل ﴿ وَسعَ ﴾ ، أي: وسع علم ربنا كل شيء.
والسعة: مستعملة مجازاً في الإحاطة بكل شيء لأن الشيء الواسع يكون أكثر إحاطة.
وفي هذه المجادلة إدماج تعليم بعض صفات الله لأتْباعه وغيرهم على عادة الخطباء في انتهاز الفرصة.
ثم أخبر بأنه ومَن تبعه قد توكلوا على الله، والتوكل: تفويض مباشرة صلاح المرء إلى غيره، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ في آل عمران (159)، وهذا تفويض يقتضي طلب الخير، أي: رجونا أن لا يسلبنا الإيمان الحق ولا يفسد خلق عقولنا وقلوبنا فلا نفتن ونضل، ورجونا أن يكفينا شر من يُضمر لنا شراً وذلك شر الكفرة المضمر لهم، وهو الفتنة في الأهل بالإخراج، وفي الدين بالإكراه على إتباع الكفر.
وتقديم الجار والمجرور على فعل توكلنا } لإفادة الاختصاص تحقيقاً لمعنى التوحيد ونبذ غير الله، ولمَا في قوله: ﴿ على الله توكلنا ﴾ من التفويض إليه في كفايتهم أمر أعدائهم، صرح بما يزيد ذلك بقوله: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ .
وفسروا الفتح هنا بالقضاء والحكم، وقالوا: هو لغة أزد عمان من اليمن، أي احكم بيننا وبينهم، وهي مأخوذة من الفتح بمعنى النصر لأن العرب كانوا لا يتحاكمون لغير السيف، ويحسبون أن النصر حُكم الله للغالب على المغلوب.
وقوله: ﴿ وأنت خير الفاتحين ﴾ هو كقوله: ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ [الأعراف: 87]، أي وأنت خير الناصرين، وخير الحاكمين هو أفضل أهل هذا الوصف، وهو الذي يتحقق فيه كمال هذا الوصف فيما يقصد منه وفي فائدته بحيث لا يشتبه عليه الحق بالباطل ولا تروج عليه الترهات.
والحكام مراتب كثيرة، فتبين وجه التفضيل في قوله: ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ [الأعراف: 87] وكذلك القياس في قوله: ﴿ خير الناصرين ﴾ [آل عمران: 150] و ﴿ خير الماكرين ﴾ [آل عمران: 54] وقد تقدم في سورة آل عمران (150): ﴿ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين.
﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ المِلَّةِ والدِّينِ أنَّ المِلَّةَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، والدِّينُ ما اعْتَقَدَهُ النّاسُ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ، فَصارَ كُلُّ دِينٍ مِلَّةً ولَيْسَ كُلُّ مِلَّةٍ دِينًا.
فَإنْ قِيلَ: فالعَوْدُ إلى الشَّيْءِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنهُ فَهَلْ كانَ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّةِ قَوْمِهِ مِنَ الكُفْرِ حَتّى يَقُولَ: ﴿ إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ ﴾ في الجَوابِ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذِهِ حِكايَةٌ عَمَّنِ اتَّبَعَ شُعَيْبًا مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ اتِّباعِهِ عَلى مِلَّةِ الكُفْرِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْها لَمْ يَعُدْ إلَيْها.
والثّالِثُ: أنَّهُ يُطْلَقُ ذِكْرُ العَوْدِ عَلى المُبْتَدِئِ بِالفِعْلِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ فِعْلُ مِثْلِهِ مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ عادَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ وإنْ لَمْ يَسْبِقْهُ بِمِثْلِهِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: لَئِنْ كانَتِ الأيّامُ أحْسَنَ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ ∗∗∗ أتى دُونَ حُلْوِ العَيْشِ شَيْءٌ أُمِرُّهُ ∗∗∗ كُرُوبٌ عَلى آثارِهِنَّ كُرُوبُ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ نَعُودَ في القَرْيَةِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنْ نَعُودَ في مِلَّةِ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ.
فَإنْ قِيلَ فاللَّهُ تَعالى لا يَشاءُ عِبادَةَ الأوْثانِ فَما وجْهُ هَذا القَوْلِ مِن شُعَيْبٍ؟
فالجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ كانَ في مِلَّتِهِمْ ما يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ شاءَ عِبادَةَ الوَثَنِ لَكانَتْ عِبادَتُهُ طاعَةً لِأنَّهُ شاءَهُ كَتَعَبُّدِهِ بِتَعْظِيمِ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذا القَوْلَ مِن شُعَيْبٍ عَلى التَّعْبِيدِ والِامْتِناعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ وكَقَوْلِهِمْ: حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اكْشِفْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ.
وَذَكَرَ الفَرّاءُ، أنَّ أهْلَ عُمانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ والفَتّاحَ.
وَقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ لُغَةُ مُرادٍ، قالَ الشّاعِرُ: ألا أبْلِغْ بَنِي عُصَمَ رَسُولًا ∗∗∗ بِأنِّي عَنْ فَتّاحِكُمُ غَنِيُّ وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ لا أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ ﴾ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَيْ أُفاتِحُكِ، يَعْنِي أُقاضِيكِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَفْتَحُ بابَ العِلْمِ الَّذِي قَدِ انْغَلَقَ عَلى غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، فَفي الجَوابِ عَنْهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ صِفَةً لِحُكْمِهِ لا طَلَبًا لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يَكْشِفَ لِمُخالِفِهِ مِن قَوْمِهِ أنَّهُ عَلى حَقٍّ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ احْكم بَيْنَنا الَّذِي هو الحَقُّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والرّابِعُ: احْكم في الدُّنْيا بِنَصْرِ الحَقِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر قال: أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال: إن أهل التوراة يزعمون أن شعيباً اسمه في التوراة ميكائيل، واسمه بالسريانية جزى بن بشخر، وبالعبرانية شعيب بن بشخر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام.
وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي ابن القطامي وكان نسابة عالماً بالأنساب قال: هو ثيروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
يوبب بوزن جعفر أوله مثناة تحتية وبعد الواو موحدتان.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان شعيب نبياً ورسولاً من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ فكانوا مع ما كان فيهم من الشرك أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أوّل من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشرونها منه بالبخس يعني بالنقصان، فذلك قوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب يقولون: لا تسمعوا منه فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ الناس أن اتبعتم شعيباً فتنكم، ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ﴾ [ هود: 88] وهو الذي يعصمني ﴿ وإليه أنيب ﴾ [ هود: 88] يقول: إليه ارجع.
ثم قال: ﴿ أولو كنا كارهين ﴾ يقول: إلى الرجعة إلى دينكم إن رجعنا إلى دينكم ﴿ فقد افترينا على الله كذباً...
وما يكون لنا ﴾ يقول: وما ينبغي لنا أن نعود فيها بعد إذ نجانا الله منها ﴿ إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ فخاف العاقبة فرد المشيئة إلى الله تعالى فقال: ﴿ إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما ﴾ ما ندري ما سبق لنا ﴿ عليه توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴾ يعني الفاصلين قال ابن عباس: كان حليماً صادقاً وقوراً، وكان رسول الله صلى عليه وسلم إذا ذكر شعيباً يقول: «ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم إليه، وفيما ردوا عليه وكذبوه وتواعدوه بالرجم والنفي من بلادهم» وتواعد كبراؤهم ضعفاءهم قالوا ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ فلم ينته شعيب أن دعاهم، فلما عتوا على الله ﴿ أخذتهم الرجفة ﴾ وذلك أن جبريل نزل فوقف عليهم، فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قياماً وفزعوا لها، فرجفت بهم الأرض فرمتهم ميتين.
وأخرج إسحاق وابن عساكر عن عكرمة والسدي قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً.
مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ قال: لا تظلموا الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ قال: لا تظلموهم ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: كانوا يوعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإِسلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً كذاب، فلا يفتننَّكم عن دينكم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ قال: طريق ﴿ توعدون ﴾ قال: تخوّفون الناس أن يأتوا شعيباً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: بكل سبيل حق ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ قال: تصدون أهلها ﴿ وتبغونها عوجا ﴾ قال: تلتمسون لها الزيغ.
وأخرج ابن جرير وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: العاشر ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ قال: تصدون عن الإِسلام ﴿ وتبغونها عوجاً ﴾ قال: هلاكاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وتبغونها ﴾ قال: تبغون السبيل عوجا قال: عن الحق.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: هم العشار.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره شك أبو عالية قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته.
قال «ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك يعقدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها ﴾ قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم ﴿ بعد إذ نجانا الله إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ والله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئاً فإنه قد وسع كل شيء علماً.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم: أنه قال في القدرية والله ما قالوا كما قال الله ولا كما قال النبيون ولا كما قال أصحاب الجنة ولا كما قال أصحاب النار ولا كما قال أخوهم إبليس.
قال الله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء ﴾ [ الإِنسان: 30] وقال شعيب ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ﴾ وقال أصحاب الجنة ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ [ الأعراف: 43] وقال أصحاب النار ﴿ ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ﴾ [ الزمر: 71] وقال إبليس ﴿ رب بما أغويتني ﴾ [ الحجر: 39] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزي تقول: تعال أفاتحك: يعني أقاضيك.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربنا افتح ﴾ يقول: اقض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الفتح: القضاء.
لغة يمانية إذا قال أحدهم: تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعمروا فيها.
وأخرج ابي جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعيشوا فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ يقول: كأن لم يعيشوا فيها.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله شعيباً أسمع قومه، وأن نبي الله صالحاً أسمع قومه كما أسمع والله نبيكم محمد قومه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكيف آسى ﴾ قال: أحزن.
وأخرج ابن عساكر عن مبلة بن عبد الله قال: بعث الله جبريل إلى أهل مدين شطر الليل ليأفكهم بمغانيهم، فألفى رجلاَ قائماً يتلو كتاب الله، فهاله أن يهلكه فيمن يهلك، فرجع إلى المعراج فقال: اللهمَّ أنت سبوح قدوس بعثتني إلى مدين لإِفك مدائنهم فأصبت رجلاً قائماً يتلو كتاب الله، فأوحى الله: ما أعرفني به هو فلان بن فلان، فابدأ به فإنه لم يدفع عن محارمي إلا موادعاً.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس.
أن شعيباً كان يقرأ من الكتب التي كان الله أنزلها على إبراهيم عليه السلام.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وشعيب.
فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود.
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه.
أن شعيباً مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة، بين دار الندوة وبين باب بني سهم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس قال: كان شعيب خطيب الأنبياء.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيباً قال: ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة، فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن حلها فما رآها قال: يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا ** عنكم سميراً وعمران بن شداد إني أرى عينة يا قوم قد طلعت ** تدعو بصوت على ضمانة الواد وإنه لا يروي فيه ضحى غد ** إلا الرقيم يحشى بين أنجاد وسمير وعمران كاهناهم، والرقيم كلبهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ﴾ ، معنى العود هاهنا: الابتداء كما ذكرنا، والذي عليه أهل العلم (١) (٢) (٣) ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ ، وكثيرًا ما كان يقول (٤) : "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" (٥) وقال أبو إسحاق: (المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن [يكون] (٦) (٧) ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ، قال: وهذا مذهب أهل السنة)، ثم ذكر وجهين آخرين، هما من قول من لا يؤمن بإرادة الله تعالى الخير والشر: أحدهما: إن هذا على طريق التبعيد، كما يقال: لا نفعل ذلك إلا أن يبيض القار ويشيب الغراب (٨) ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ ، وآيات كثيرة تصرح بأن الله تعالى يشاء [كل] (٩) والثاني: أن في ملتهم ما يجوز التعبد به من وجوه البر الذي كانوا يتقربون به إلى الله تعالى (١٠) قال ابن الأنباري: (و (١١) (١٢) وقال الزجاج: (والقول هو القول (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ منصوب على التمييز (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ﴾ .
قال ابن عباس (١٧) (١٨) قال الفراء: (وأهل عُمَان يسمون القاضي الفاتح والفتاح) (١٩) وروي أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الفتاح: الحكومة، ويقال للقاضي: الفَتَّاح لأنه يفتح مواضع الحق) (٢٠) وروي عن ابن عباس أنه قال: (ما كنت أدري قوله: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن (٢١) (٢٢) قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا ﴾ أي: أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا وينكشف، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزل بقومهم من العذاب والهلكة ما يظهر أن الحق معهم) (٢٣) وعلى هذا فالفتح يراد به الكشف والتبيين، ويؤكد هذا ما روى سعيد (٢٤) (٢٥) (١) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 2، و"معاني النحاس" 3/ 55، والسمرقندي 1/ 555، والماوردي 2/ 240، والبغوي 3/ 257، وابن عطية 6/ 2.
(٢) في (ب): (ملتهم).
(٣) في (ب): (راجعة إليه).
(٤) في (ب): (وكثير ما كان نبينا محمد يقول).
(٥) أخرج مسلم في "صحيحه" رقم (2654) كتاب القدر، باب: تعريف الله القلوب كيف يشاء، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله قال: "اللَّهُمَّ مُصَرَفَ القُلُوب صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ" اهـ، وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 168 (30396)، وأحمد في "المسند" 2/ 168 و173، وابن ماجه كتاب المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية رقم (199)، رقم 3834، والترمذي كتاب القدر، باب: ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن رقم (2140)، (3522)، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 101 - 104، والآجري في "الشريعة" 2/ 730، والحاكم في "المستدرك" 2/ 288 - 289، من عدة طرق جيدة أن النبي كان يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة"، وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 261 رقم (1689).
(٦) لفظ: (يكون) ساقط من (ب).
(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٨) انظر: شرح ذلك فيما تقدم (سورة الأعراف: آية 40 من هذا المجلد).
(٩) لفظ: (كل) ساقط من (أ).
(١٠) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).
(١١) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١٢) ذكره السمين في "الدر" 5/ 383.
(١٣) لفظ (القول) ساقط من (أ).
(١٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 355 - 357، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 2، و"إعراب النحاس" 1/ 626، والسمرقندي 1/ 555 - 556، والماوردي 2/ 239 - 240، والبغوي 3/ 257، وابن عطية 6/ 4، و"البحر" 4/ 343 - 344، وقال ابن كثير في معنى الآية 2/ 259: (هذا رد إلى الله مستقيم فإنه يعلم كل شيء وقد أحاط بكل شيء علمًا) اهـ.
وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 261، ونقل قول الواحدي الخازن في "تفسيره" 2/ 263.
(١٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 357، و"الفريد" 2/ 333، و"الدر المصون" 5/ 383.
(١٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 210، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 231.
(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 2 - 3 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي.
وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1523 بسند جيد عن ابن عباس وفي "صحيح البخاري" 8/ 297 كتاب التفسير، في تفسير سورة الأعراف قال ابن عباس: (الفتاح: القاضي، ﴿ افْتَحْ بَيْنَنَا ﴾ : اقض بيننا).
(١٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/233 بسند جيد وهو قول الأكثر.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 220، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 179، و"تفسير الطبري" 12/ 563، و"الزاهر" 1/ 93، و"نزهة القلوب" ص 126، و"معاني النحاس" 3/ 55، و"تفسير المشكل" ص 85.
(١٩) "معاني الفراء" 1/ 385، وجاء في "مجاز القرآن" 1/ 221، والطبري 9/ 2 - 3، == (أن هذا لغة مراد بطن من كهلان من القحطانية) وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2732، (أنها لغة أهل اليمن).
(٢٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2732، والفَتْح أصله من فتح الباب بعد إغلاقه ثم كثر واتسع فيه حتى سمي الحاكم فاتحًا لأنه يفتح المستغلق بين الخصمين ويفتح الباب إلى الحق ويبينه.
انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 39، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 189.
(٢١) ذو يَزَن -ملك من ملوك اليمن- اسمه النعمان بن قيس الحِمْيَري، وقيل: عامر بن أسلم بن غَوْث، ويزن وادٍ باليمن أضيف إليه، انظر: "معجم البلدان" 5/ 436، و"نزهة الألباء" لابن حجر 1/ 313.
(٢٢) أخرجه الطبري 9/ 2 - 3، وابن أبي حاتم 5/ 1523 بسند جيد عن قتادة عن ابن عباس، لكن قتادة لم يسمع من ابن عباس.
انظر: "المراسيل" ص 168، وذكر الأثر عن ابن عباس.
وابن دريد في "الجمهرة" 1/ 386، والسمرقندي 1/ 556، والثعلبي في "الكشف" 194 ب، والماوردي 2/ 241، والرازي 14/ 180 ، والسيوطي في "الدر" 3/ 191.
(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 358.
(٢٤) سعيد بن أبي عروبة العدوي مولاهم أبو النضر بن مهران البصري، إمام حافظ ثقة من أثبت الناس في قتادة، وله تصانيف، واختلط في آخر عمره، توفي سنة 157 هـ أو قبلها.
انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 65، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 413، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 177، و"تهذيب التهذيب" 2/ 33.
(٢٥) سبق تخريجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي آية ظاهرة، ولم تعين في القرآن آية شعيب ﴿ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان ﴾ كانوا ينقصون في الكيل والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يكال به مناسبة للميزان، كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل والميزان مصدرين ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط تُوعِدُونَ ﴾ قيل هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على الطريق يردّون الناس عن اتباع شعيب ويوعدونهم إن اتبعوه ﴿ وَتَصُدُّونَ ﴾ أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ذكر في [آل عمران: 99] ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أي ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عوجهم إلى ملة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي قولهم: لتعودن في ملتنا أن شعيباً ومن كان معه كانوا أولاً على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك محال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها فالجواب بمن وجهين: أحدهما: قاله ابن عطية وهو إن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذكل الحال الذي صار إليه، والثاني: قاله الزمخشري وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم ويكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ أي إن عندنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ﴾ هذا استسلام لقضاء الله على وجه التأدب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لما تبرأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه فإن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر؟
فالجواب: أنه قال ذلك تواضعاً وتأدباً مع الله تعالى، واستسلاماً لأمره كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» مع أنه قد علم أنه يثبته ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ أي احكم ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ﴿ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ أي كيف أحزن عليهم وقد استحقوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم ﴿ بالبأسآء والضرآء ﴾ قد تقدم ﴿ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم اختباراً لهم في الحالتين ﴿ حتى عَفَوْاْ ﴾ أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ﴾ أي قد جرى ذلك لآبائنا ولم يضرهم فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.
<div class="verse-tafsir"
القراءة كما مر.
الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إصلاحها ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج ه لعطف المتفقتين أو وقوع العارض أو رأس الآية ﴿ عوجاً ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع طول الكلام ﴿ فكثركم ﴾ ج لعطف المتفقتين ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بيننا ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ ملتنا ﴾ ط ﴿ كارهين ﴾ ه وقيل لا وقف لأن الابتداء بقوله ﴿ وقد افترينا ﴾ قبيح قلنا إذا كان محكياً عن شعيب كان أقبح ولكن الكلام معلق بشرط يعقبه.
﴿ منها ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ط ﴿ توكلنا ﴾ وللعدول ﴿ الفاتحين ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه ج إن وصل وقف على ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ على جعل ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ أصبحوا ﴾ و ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ حال لمعنى في الجاثمين.
وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ وقف على ﴿ جاثمين ﴾ وعلى ﴿ فيها ﴾ ومن لم يقف على ﴿ فيها ﴾ وجعل ﴿ الذين ﴾ بدلاً من ﴿ الذين ﴾ الأول وقف على ﴿ شعيب ﴾ ويستأنف بـ ﴿ كانوا ﴾ ولا يخلو من تعسف.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ ونصحت لكم ﴾ ط لأن ﴿ كيف ﴾ للتعجب فيصلح للابتداء مع أنه فيه فاء التعقيب.
﴿ كافرين ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: القصة السادسة قصة شعيب ومدين اسم البلد.
وقيل: اسم القبيلة لأنه شعيب بن توبب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وذلك أنه أمرهم بأشياء: الأوّل: عبادة الله، أمرهم بها ونهاهم عن عبادة غير الله وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء.
الثاني: تصديق ما ادعاه من النبوّة وأشار إليه بقوله ﴿ قد جاءتكم بينة ﴾ أي معجزة دالة على نبوّتي.
ففي الآية دلالة مجملة على أن لشعيب معجزة ظاهرة كما ينبغي لكل مدعي نبوّة وإلا كان متنبئاً، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم يذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وآله فيه.
يحكى أنه دفع إلى موسى عصاه وتلك العصا ربت التنين وأيضاً قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولاداً عنقها أسود وسائرها أبيض وقد وهبتها منك وكان الأمر كما أخبر.
وكل ذلك قبل أن يستنبأ موسى.
فقال أهل السنة: إن هذه الأمور علامات نبوّة موسى ويسمى إرهاصاً.
وقالت المعتزلة: إنها معجزات شعيب بناء على أن الإرهاص عندهم غير جائز.
الثالث قوله ﴿ فأوفوا الكيل ﴾ الآية.
واعلم أن للأنبياء عليهم السلام أن يبدأوا في الموعظة بما يكون قومهم مقبلين عليه.
وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف فكأنه يقول: البخس عبارة عن الخيانة بالشيء القليل وهو أمر مستقبح في العقول ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة الموجبة لتحريمه فلم يبق لكم فيه عذر فأوفوا الكيل والميزان.
قال في الكشاف: لم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود لأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو سمى ما يكال به بالكيل كما قيل العيش لما يعاش به، أو أريد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو الميزان مصدر كالميعاد والميلاد.
الرابع ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ يقال: بخسته حقه إذا نقصته إياه ومنه قيل للمكس البخس.
وفي المثل تحسبها حمقاء وهي باخس.
قال ثعلب: وإن شئت قلت باخسة وذلك بتأويل الإنسان أن النسمة يضرب لمن لا يعبأ به وفيه دهاء وجربزة.
خص أولاً ثم عمم ليشمل جميع أنواع الظلم كالغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بوجوه الاحتيال.
يروى أنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه، وكانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطعاً ثم أخذوها بنقصان ظاهر وأعطوه بدلها زيوفاً.
الخامس ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ وهذا أعم من البخس لشموله الأموال والأعراض والنفوس وكل ما يوجب مفسدة دنيوية أو دينية.
والمعنى بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف أو هو كقوله ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ أي بعد الإصلاح فيها يعني إصلاح الصالحين من الأنبياء ومتابعيهم العالمين بشرائعهم ﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من الأمور الخمسة ﴿ خيرٌ لكم ﴾ في الإنسانية وحسن الأحدوثة وزيادة البركة لرغبة الناس في متاجرتكم عند اشتهاركم بالأمانة والديانة.
ولا يخفى أن حاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مصدقين لي في قولي.
ثم فصل بعض ما أجمل فقال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ قيل: الصراط حقيقة وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرق والمراصد كما كانت تفعل قريش بمكة يخوّفون من آمن بشعيب ويقولون إنه كذاب لا يفتنكم عن دينكم، أو كانوا يقطعون الطرق أو كانوا عشارين.
وقيل: إنه مجاز عن الدين أي لا تقعدوا على طريق الدين ومنهاج الحق لأجل أن تمنعوا الناس عن قبوله اقتداء بالشيطان حيث قال ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ ودليل هذا المجاز قوله ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ يقال: قعد بمكان كذا أي التصق به، وعلى مكان كذا أي علا ذلك المكان وفيه إذا حل، فحروف الجر تتعاقب في مثل هذا الموضع لتقارب معانيها.
ومحل ﴿ توعدون ﴾ وما عطف عليه نصب على الحال، نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأفعال.
وإنما قال ﴿ بكل صراط ﴾ مع أن صراط الحق واحد لأنه يتشعب إلى معالم وحدود وأحكام كثيرة كل منها في نفسه سبيل، وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع فيها أوعدوه وصدوه.
والضمير في ﴿ به ﴾ راجع إلى كل صراط والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التقبيح والتفظيع.
ومعنى ﴿ وتبغونها ﴾ تطلبون لسبيل الله ﴿ عوجاً ﴾ أي تصفونها للناس بأنها معوجة وذلك بإلقاء الشكوك والشبهات.
قال في الكشاف: أو يكون تهكماً بهم وأنهم يطلبون لها ما هو محال لأن طريق الحق لا تعوج.
ثم ذكرهم نعم الله لأن ذكر النعم مما يحمل على الطاعة ويبعد عن المعصية فقال ﴿ واذكروا إذ كنتم ﴾ أي وقت كونكم ﴿ قليلاً فكثركم ﴾ قال الزجاج يحتمل كثرة العدد بعد القلة وكثرة الغنى بعد الفقر وكثرة القدرة والشدة بعد الضعف والذلة.
قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء وصاروا كثيراً في العدة والعدة والشدّة.
ثم حذرهم سوء عاقبة من أفسد قبلهم من الأمم وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة فقال ﴿ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ رغبهم أولاً ثم رهبهم ثانياً وأكد الترهيب بقوله ﴿ وإن كان طائفة ﴾ الآية.
وفيه وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين وحث لهم على الصبر على ما يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم بمقتضى العدل والحكمة خير الحاكمين.
ثم حكى جواب قومه المحجوجين المستكبرين وذلك قولهم ﴿ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴾ أي أحد الأمرين كائن لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى الكفر.
وههنا سؤال وهو أن الكفر على الأنبياء محال فكيف يتصور عوده إليه؟
وهب أن قول الكفار ليس حجة أليس قول شعيب حجة حيث قال ﴿ إن عدنا في ملتكم ﴾ ؟
وأجيب بأن الكلام بني على التغليب، وأن شعيباً أراد عود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم لما ذكرنا، أو لعل رؤساءهم قالوا ذلك تلبيساً على القوم وشعيب أجرى كلامه على وفق ذلك، أو أنه كان في أوّل أمره يخفي مذهبه فتوهموا أنه على دينهم، أو أريد بالملة الشريعة التي صارت منسوخة بشرعه، أو يطلق العود على الابتداء كقوله: وإن تكن الأيام أحسنّ مرّة *** إليّ فقد عادت لهن ذنوب.
قال شعيب في جوابهم ﴿ أوَلو كنا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والواو للحال والتقدير: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهيتنا؟.
ثم صرح بأنه لا يفعل ذلك فقال ﴿ قد افترينا على الله كذباً ﴾ إن فعلنا ذلك وذلك أن أصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة والبراءة عن الكذب والعود في ملتكم ينافي ذلك.
ومعنى قوله ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ بعد أن علمنا قبحه وفساده ونصب الأدلة على بطلانه، أو المراد نجى قومه فغلب، أو المراد على حسب زعمكم ومعتقدكم كما مر.
قال في الكشاف: وقوله ﴿ قد افترينا ﴾ إخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام لأن الارتداد أعظم من الكفر حيث إن المرتد يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل وكفره أزيد.
والثاني أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام معناه والله لقد افترينا على الله كذباً ﴿ وما يكون لنا ﴾ أي ما ينبغي لنا وما يصح ﴿ أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ قال أهل السنة: في الآية دلالة على أن المنجي من الكفر هو الله وكذا المعيد إليه قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل ﴿ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ﴾ وكثيراً ما كان يقول نبينا : "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" وقال يوسف ﴿ توفني مسلماً ﴾ أجابت المعتزلة بوجوه: الأوّل: أن قوله ﴿ إلا أن يشاء ﴾ قضية شرطية أي إن شاء يعد وليس فيه بيان أنه شاء أم أبى.
الثاني: أن هذا على طريق التبعيد والإحالة.
كما يقال لا يفعل ذلك إلا إذا ابيض القار وشاب الغراب.
الثالث: لعل المراد ما لو أكرهوا على العود فإن إظهار الكفر عند الإكراه جائز وإن كان الصبر أفضل وما كان جائزاً صح أن يكون مراد الله كما أن المسح على الخفين مراد الله وإن كان غسل الرجلين أفضل.
الرابع: يحتمل أن يعود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إلى قرية.
كأنه قال: إن أخرجتمونا من القرية حرم علينا العود فيها إلا بإذن الله .
الخامس: المشيئة عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل فإنه يريد الكفر من الكافر ولا يجوز فعله إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر فيحتمل أن يراد بالمشيئة ههنا الأمر فيكون التقدير: إلا أن يأمر الله أن نعود إلى شريعتكم المنسوخة، فإن الشرع المنسوخ لا يبعد أن يأمر الله بالعمل به مرة أخرى.
السادس: قال الجبائيّ: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف التعبد فيها بالأوقات كالصوم والصلاة، فمن الجائز أن يكون بعض أحكام الشريعة المنسوخة باقياً فيكون المعنى إلا أن يشاء الله إبقاء بعض تلك الملة فيدلنا عليها.
ثم إن المعتزلة تمسكوا بالآية على صحة قولهم من وجهين: أحدهما: أن قوله ﴿ وما يكون لنا ﴾ معناه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود وذلك يقتضي أن كل ما شاء وجوده كان فعلاً جائزاً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراد الله .
وثانيهما: أن قوله ﴿ لنخرجنك ﴾ أو ﴿ لتعودن ﴾ لا وجه للفصل بينهما فإن كان العود بخلق الله كان الإخراج أيضاً بخلقه.
قلت: للسني أن يلتزم ذلك.
أما قوله ﴿ وسع ربنا كل شيء ﴾ فوجه تعلقه بما تقدمه على قول الجبائيّ هو أن التكليف بحسب المصالح فيكون معنى قول شعيب إلا أن يشاء الله إلا أن تختلف المصلحة في تلك العبادات فحينئذ يكلفنا بها والعلم بالمصالح لا يكون إلا بأن وسع كل شيء علماً.
وقالت الأشاعرة: وجه التعلق هو أن القوم لمّا قالوا لنخرجنك أو لتعودن قال شعيب ﴿ وسع ربنا كل شيء علماً ﴾ فربما كان في علمه قسم ثالث: وهو أن يبقينا في القرية مؤمنين ويجعلكم مقهورين خاسرين ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ على الله توكلنا ﴾ أي لا على غيره وانتصاب ﴿ علماً ﴾ على التمييز.
وفي قوله ﴿ وسع ﴾ بلفظ الماضي دلالة على أنه كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات فلا يخرج عن شيء عن مقتضى علمه وهو معنى جفاف الأقلام وطي الصحف ولزوم الأحكام وسعادة السعيد وشقاوة الشقي ويعلم من عموم كل شيء أنه علم الماضي والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف يكون.
فهذه أقسام أربعة يقع كل منها على أربعة أوجه لأنه علم الماضي كيف كان، وعلم أنه لو لم يكن ماضياً بل كان حالاً أو مستقبلاً أو معدوماً محضاً فإنه كيف يكون، وكذا الكلام في الأقسام الأخر فيكون المجموع ستة عشر.
وإذا اعتبر كل منها بحسب كل جنس أو نوع أو صنف أو شخص من الجواهر أو الأعراض صار مبلغاً تتحير فيه عقول العقلاء بل تقف دون أوّل قطرة من قطرات بحاره.
ثم إن شعيباً لما أعرض عن الأسباب وارتقى بطريق التوكل إلى مسببها ختم كلامه بالدعاء قائلاً ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: احكم واقض.
وعن ابن عباس: ما أدري ما معناه حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: أفاتحك أي أحاكمك.
وجوز الزجاج أن يكون معنى الآية أظهر أمرنا حتى يتضح وينكشف ما بيننا وبين قومنا.
والمراد أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين.
ثم أثنى على الله بقوله ﴿ وأنت خير الفاتحين ﴾ كما قال ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ قالت الأشاعرة: الإيمان فتح باب الخيرات وهو أشرف صفات المحدثات، فلو كان موجد الإيمان هو العبد كان خير الفاتحين هو العبد.
وللمعتزلة أن يقولوا: لولا ألطافه المرجحة الداعية لم يوجد الإيمان من العبد فصح أن الله هو خير الفاتحين.
ثم بيّن أن رؤساء قوم شعيب لمن يقتصروا على الضلال بل بادروا إلى الإضلال قائلين لمن دونهم ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ أي في الدين أو في الدنيا لأنه يمنعكم من ازدياد الأموال بطريق البخس والتطفيف ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قد سبق تفسيرها ﴿ الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ﴾ يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها.
والمغاني المنازل إذا كان فيها أهلها.
وقال الزجاج: أي كأن لم يعيشوا فيها مستغنين من الغنى الذي هو ضد الفقر.
وعلى التفسيرين شبه حال المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار كقوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر.
قال في الكشاف ﴿ الذين كذبوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ وكذلك ﴿ كانوا هم الخاسرين ﴾ وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في ديارهم لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله ﴿ الذين كذبوا شعيباً ﴾ هم المختصون بالخسران العظيم دون أتباعه فإنهم الرابحون، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.
قلت: والعرب قد تكرر للتفخيم والتعظيم فتقول: أخوك الذي ظلمنا أخوك الذي أخذ أموالنا أخوك الذي هتك أعراضنا.
وأيضاً إن القوم لما قالوا ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ بيّن الله تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه وهم الخاسرون.
وفي الآية فوائد أخرى منها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة وإلا حصل في أتباع شعيب كما حصل في حق الكفار.
ومنها أن ذلك الفاعل عليم بالجزئيات حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي.
ومنها أن يكون معجزة لشعيب حيث وقع ذلك العذاب على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلد واحد ﴿ فتولى عنهم ﴾ قد تقدم أن هذا التولي جائز أن يكون قبل نزول العذاب وجائز أن يكون بعده.
قال الكلبي: خرج من بينهم ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بين أظهرهم.
ولما اشتد حزنه على قومه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الإلفة لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابه للإيمان عزّى نفسه وقال ﴿ فكيف آسى على قوم كافرين ﴾ لأنهم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.
والأسى شدة الحزن.
وقيل: المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم لأنكم لستم مستحقين لذلك؟.
التأويل: ﴿ ولا تبخسوا ﴾ فيه أن البخاسة والدناءة والحرص والظلم من الصفات التي يجب تزكية النفس عنها فإن الله يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها.
﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ أرض الطبيعة التي جبل الإنسان عليها ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ لا تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكايد.
﴿ إذ كنتم قليلاً فكثركم ﴾ بالتناصر والتعاون في الأمور وبكثرة العدد والعدد نعمة تامة يجب أن تصرف في إعلاء كلمة الدين ﴿ وإن كان طائفة منكم ﴾ أي الروح والقلب ﴿ وطائفة لم يؤمنوا ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ لا يجعل الروح والقلب المؤمنين تبعاً للنفس الكافرة في العذاب وإذاقة ألم الهجران ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ إشارة إلى أن كل جنس لا يميل إلا إلى أشكاله وإلا وجد في إيابه من يأمن نهج أضرابه ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ في القسمة الأزلية ﴿ افتح بيننا ﴾ احكم بيننا وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير وإظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ فصارت صورتهم نبعاً لمعناهم فإنهم كانوا جاثمي الأرواح في ديار الأشباح ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ لأن الباطل زاهق لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ .
هو ما ذكرنا فيما تقدم، أي: أرسلنا شعيباً إلى مدين رسولاً.
وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم الأخوة وأنها تكون لوجوه: أخوة النسب، وأخوة الجوهر، وأخوه المودة والخلة، وأخوة الدين، فلا تحتمل أخوة الأنبياء أولئك أخوة الدين والمودة، لكن تحتمل أخوة الجوهر والنسب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
قد ذكرنا - أيضاً - أن الرسل إنما جاءوا، وبعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، والعبادة له، وأن لا معبود يستحق العبادة سواه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: كانت نفس شعيب بينة وحجة لقومه لكنا لا نعلم ذلك، غير أنا نعلم أنه كانت معه آيات وبراهين، لكن الله لم يبين لنا ذلك، ونفس محمد كانت حجة وبينة بالأعلام التي جعلت له في نفسه؛ من ذلك الختم الذي كان بين كتفيه، والنور الذي كان في وجه من كان في صلبه وقت كونه فيه، والضوء الذي رُوِيَ أنه كان وقت ولادته، والغمام الذي أظله وقت غيبته عن أهله، وحفظه نفسه عن جميع ما كان يتعاطاه قومه من عبادتهم الأصنام وتعاطيهم الفواحش، فهو كان بريئاً من ذلك كله، ولم يؤخذ عليه كذب قط، وقد كان نشأ بين أظهرهم، وغير ذلك من الأعلام التي كانت في نفسه ظاهرة لقومه، فلو لم يكن له آيات غيرها، لكانت واحدة منها كافية لمن لم يكابر، فكيف وقد كانت له آيات حسِّية وعقلية سوى ما ذكرنا تقهر المنصفين على قبولها!
ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي: حجة على أنه رسول أو على توحيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ وذكر في هود في قصته: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وليس في قوله: ﴿ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أنهم كانوا لا يوفون [ولكن فيما ذكر] في سورة هود.
﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ .
ودل قوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ أن الأشياء ملك لهم، وإن كانت في قبض أولئك، وفي أيديهم، ثم يحتمل الأمر بإيفاء الكيل والميزان وجوهاً: أحدها: لما كانوا أمناء؛ لئلا تذهب عنهم تلك الأمانة التي كانت لهم في قومه.
والثاني: لئلا يظلموا الناس في منع حقوقهم وأموالهم.
والثالث: للربا، كأن ما منعوا منه من الكيل والوزن ربا لهم، يدل على ذلك قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ذكر العدل، فلو كان يجوز تلك الزيادة والنقصان إذا طابت أنفسهم بالزيادة والنقصان، لكان لا معنى لذكر القسط فيه؛ لأن من زاد آخر على حقه لم يمنع عن ذلك، ولم يذم، دل النهي عن ذلك على أنه للربا ما منعوا [عن ذلك] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
أي: بعد أن جعلها لكم صالحة لمعاشكم ومقامكم فيها، أو بعد ما أمر وبين لكم ما به صلاحكم وصلاح دينكم، أو بعد ما أرسل من الرسل ما بهم صلاح الأرض وأهلها.
﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، أي: وفاء الكيل والميزان خير لكم من النقصان؛ لما ينمو ذلك الباقي ويزداد، فذلك خير لكم من النقصان الذي تمنعون، فلا ينمو شيئاً، وهو كقوله: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: أمنكم في الآخرة خير لكم من نقصان الكيل والميزان في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ .
يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن كبراء أهل الشرك ورؤساءهم كانوا يُقعدون في الطرق أناساً يصدون الذين يأتون شعيباً للإيمان من الآفاق والنواحي، ويكون [معنى] قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ على هذا التأويل، أي: من أراد أن يؤمن به.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ ﴾ ليس على القعود نفسه، ولكن على المنع من إقامة الشرائع التي شرع الله لشعيب؛ كقول إبليس: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، ليس هو على القعود نفسه، ولكن على المنع؛ يمنعهم عن صراطه المستقيم، فعلى [ذلك] قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ كانوا يمنعون من آمن به عن إقامة الشرائع والعبادات التي دعوا إلى إقامتها، ويوعدون على ذلك ويخوفونهم؛ فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ على وجود الإيمان، وعلى التأويل الأول يكون: من أراد أن يؤمن به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .
قيل: تلتمسون لها أهل الزيغ.
وقيل: تبغون هلاكاً للإسلام، وإبطالاً.
وقيل: تبغون السبيل عوجاً عن الحق، وكله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ .
يحتمل [وجهين]: إذ كنتم قليلاً في العدد، فكثر عددكم زمن لوط، كأنهم إنما توالدوا من بقية آل لوط.
ويحتمل: إذ كنتم قليلاً في الأموال والسعة في الدنيا فكثركم، أي: كثر لكم الأموال ووسع عليكم الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .
أمر بالنظر فيما حل بالأمم الخالية بإفسادهم في الأرض، وتكذيبهم الرسل؛ لأن من نظر في ذلك، وتفكر فيما حل بهم منعه ذلك عن الفساد في الأرض والتكذيب للرسل؛ إذ علم أن ما حل بهم إنما حل بهم لما ذكر، والله أعلم.
كأنه أمر بالنظر في الأسباب التي صار [بها] من تقدمهم أهل فساد، ونزل بهم الهلاك لينزجروا عن مثل صنيعهم، وإلا كانوا عند أنفسهم أهل صلاح لا أهل فساد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ ﴾ .
قال ابن عباس - -: كان قوم شعيب قليلاً حين أدرك ذلك [شعيب]، وقوم آخرون معه يقول لهم ذلك شعيب ، وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا يا معشر المؤمنين، ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ﴾ : يقضي عليهم بالهلاك، ولم يكن شعيب أمر بالقتال.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ﴾ ، يعني المؤمنين، ﴿ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ : من العذاب، ﴿ وَطَآئِفَةٌ ﴾ : يعني الكفار، ﴿ لَّمْ يْؤْمِنُواْ ﴾ : بالعذاب، ﴿ فَٱصْبِرُواْ ﴾ : يا معشر الكفار، ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ﴾ : في أمر العذاب في الدنيا، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ ويحتمل غير هذا، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ويقولون: الله أمرهم بذلك في أشياء يفعلونها، ويقول هؤلاء: إنّ الذي نحن عليه هو الذي أمرنا الله بذلك، فيقول لهم: اصبروا حتى يحكم الله بيننا بأنه بماذا أمر: بالذي عليه الكفار، أم بالذي نحن عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن الملأ من قومه هم كبراؤهم ورؤساؤهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ \[أي استكبروا\] عن الخضوع والطاعة لمن هو دونهم عندهم؛ لأنهم كانوا يضعفون شعيباً فيما بينهم ويزدرونه كقولهم له: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ ثم لم يروا الأمر بالخضوع لمن هو دونهم في أمر الدنيا عدلاً، وهم إنما أخذوا من إبليس اللعين وإياه قلدوا حيث قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ حين أمر بالسجود لآدم، ولم ير اللعين الأمر بالخضوع لآدم من الله عدلاً، فعلى ذلك هؤلاء لم يروا الخضوع لمن دونهم عندهم عدلاً؛ فاستكبروا عليه، فكفروا لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ ﴾ .
قال الحسن: لنخرجنك، أي: لنقتلنك، والذين آمنوا معك من قريتنا.
وقال غيره: لنخرجنك: الإخراج نفسه، أي: نخرجنك ومن معك من المؤمنين من قريتنا إن لم تتبع ديننا، وقد كان منهم للأنبياء المعنيين جميعاً التوعد بالقتل والإخراج جميعاً؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ ، وكقول قوم لوط للوط: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ﴾ وكقول قوم نوح: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ﴾ ، وما أخبر عن قول هؤلاء لرسولنا حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ قد كان من القوم إلى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - المعنيان جميعاً التوعد بالقتل والإخراج جميعاً؛ فعلى ذلك يحتمل ذلك من قوم شعيب ما ذكرنا، والله أعلم.
وكذلك كانوا يقولون للرسل جميعاً؛ حيث قالوا: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ...
﴾ الآية، هكذا كانت عادة جميع الكفرة [أنهم] كانوا يخوفون الرسل بالإخراج مرة وبالقتل مرة ثانية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ لما عندهم أنه كان على دينهم الذي هم عليه لما لم يروا منه عبادته لله فيما [عبده] سرّاً، فقالوا: ﴿ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ على ما كان عندهم أنه على ذلك؛ وهو كما قالوا لصالح: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ كان عندهم أنه على دينهم قبل ذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء لتعودن من العود إلى ما كان عندهم أنه على ذلك.
ويحتمل على ابتداء الدخول فيها والاختيار؛ كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ .
على منع الدخول فيها؛ لا أنهم كانوا فيها، ثم أخرجهم فعلى ذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ .
يقول: لنعودن في ملتكم، وإن كنا كارهين، أي: [قد] تأبى عقولنا، وتكره طباعنا من الدخول في ملتكم فكيف نعود فيها؟
﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن ذلك منه إخبار عن قومه لا عن نفسه، أي: افتروا على الله كذباً إن عادوا في ملتكم بعد إذ نجاهم الله منها، وما يجوز لهم أن يعودوا فيها، وأما هو فإنما أجابهم عن نفسه بما ذكر في سورة هود: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ ، أجاب هو قومه كما أجاب غيره من الرسل قومهم حين أوعدوهم بالقتل والعقوبة، كما قال رسول الله : "ثم كيدون فلا تنظرون" ، [وكما قال هود: ﴿ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ونحو ذلك من الجوابات التي كانت من الأنبياء - عليهم السلام - لأقوامهم.
ويحتمل أن يكون على الابتداء من غير أن كان فيها؛ كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ رفعها ابتداء من غير أن كانت موضوعة، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ إخراج ابتداء لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم.
ويحتمل ما ذكرنا أنه أجابهم على ما عندهم أنه كان على دينهم، فأجاب لهم على ما عندهم أنه على ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ أي: ما يجوز لنا أن نعود فيها، وقول شعيب: ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ تعريض تسفيه منه إياهم أنكم قد افتريتم على الله كذباً لا تصريح؛ حيث لم يقل: قد افتريتم أنتم على الله كذباً، قال: ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ ، وذلك منه تلطف بهم وترقق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .
اختلف في تأويله: قال الحسن: من حكم الله - عز وجل - أن من قبل دينه وأطاع رسوله أن يكون وليّاً له، وسمى مؤمناً، ومن رد دينه وعصى رسوله يتخذه عدوّاً له، ويكون كافراً.
وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ﴾ : أن يتعبدنا، ويمتحننا ببعض ما كانوا يتقربون به.
ويشرع لهم ما يحل ويسع، لم يرد به الدين [الذي هم] عليه، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن سؤالهم كان العود إلى ملتهم، فعلى ذلك خرج الثنيا.
وقال أبو جعفر بن حرب: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : إلا أن يأمرنا الله بما يؤيسهم بذلك على الإياس، وقطع الرجاء، أي: لا يشاء الله ألبتة ذلك؛ كما يقال: كان كذا إن صعدت السماء، وكقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ ، فعلت كذا، مما يعلم أنه لا يكون؛ فعلى ذلك هذا كله بعيد محال.
أما قول الحسن: إن من حكم الله أنه من ردّ دينه وعصى رسوله، أنه يكون من الكافرين، ومن قبل دينه وأطاع رسوله، يكون من المؤمنين، فليس فيه سوى أنه يقول: إنه يعلم من كفر به ومن آمن به، فلا معنى للاستثناء لو كان التأويل ما ذكر.
وأما قول أبي بكر: إنه يتعبدهم ويمتحنهم بما يتقربون في دينهم وملتهم مما يجوز أن يأذن في ذلك، فذلك لا يحتمل؛ لأنه ذكر الملة التي كانوا هم عليها، فإليها ترجع الثنيا لا يجوز [أن تصرف الثنيا] إلى غيرها.
وأما قول من يقول بالإياس وقطع الطمع عن ذلك: فذلك - أيضاً - بعيد؛ لأن الإياس إنما يكون فيما يعلم أنه لا يكون ألبتة من نحو ما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ ونحوه، وأمّا مثل هذا فإنهم لا يفهمون منه الإياس وقطع الرجاء، بل كانوا يأتون بالفواحش، ويقولون: الله أمرهم بذلك، فأنَّي يقع لهم الإياس بذلك؟!
وأمّا عندنا فإنه على حقيقة المشيئة، وذلك أن مَن علم الله منه أنه يختار الكفر، ويؤثر ذلك على فعل الإيمان والطاعة - يشاء ذلك له على [ما] علم أنه يختار، ومن علم منه أنه لا يختار ذلك لا يشاء؛ إذ لا يجوز أن يعلم منه غير الذي يكون أو أن يشاء غير الذي علم أنه يكون منه؛ لأنه جهل وعجز.
وأصله: أن شعيباً خاف أن تسبق منه زلة ويصير منه الاختيار لذلك فيشاء الله بذلك الزيغ والضلال، وكذلك جميع الأنبياء خافوا ذلك؛ كقول إبراهيم - - حيث قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ وقول يوسف حيث قال: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ كان خوف الأنبياء - عليهم السلام - أكثر من خوف غيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .
معناه - والله أعلم - أنه لا نعلم إلى ماذا تصير عاقبة أمرنا، وعلم الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ .
قيل: على الله اعتمدنا فيما تخوفُنَّنا من الإخراج، وإليه نلجأ في سلطانه وملكه، وبه نثق في وعده بما يعدنا من النصر والظفر على الأعداء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ ٱفْتَحْ ﴾ ، أي: احكم بيننا وبين قومنا بالحق.
روي عن ابن عباس - - قال: ما كنت أعلم ما معنى الفتح في الآية حتى تزوجت امرأة من بني كذا، فوقعت بيننا مخاصمة، فقالت لي: تعال حتى أفاتحك إلى فلان، فعند ذلك عرفت أن المفاتحة هي المحاكمة.
وقوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل: هو العذاب الذي كان وعد لهم أن ينزل عليهم بتكذيبهم شعيباً وبأذاهم إياه.
ثم [ليس] للمعتزلة أدنى تعلق بقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يقولون: هو الدعاء والسؤال، وإن كان لا يحكم إلا بالحق، فعلى ذلك يقولون في قوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ونحوه وكذلك يقولون في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لكن عندنا يخرج قوله: ﴿ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ و: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ على وجوه: أحدها: يقول: ربنا افتح بيننا بحكمك وهو الحق.
والثاني: يقول: رب احكم بالحق في حادث الوقت كما حكمت في الوقت الماضي، وهو كقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ وهو النبوة والهداية.
والثالث: على استعجال العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .
قد ذكرنا أن الملأ هم كبراؤهم وسادتهم، يقولون للأتباع والسفلة: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .
قال أبو بكر: لجاهلون.
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن شعيباً كان يحذر قومه بالتطفيف في الكيل والوزن، ويأمرهم بوفاء حقوق الناس، بقوله: فأوفوا الكيل ولا تكونوا كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيقول الكبراء والرؤساء للسفلة: لئن اتبعتم شعيباً في دينه وما يأمركم به من وفاء الحق للناس، فإنكم إذاً لخاسرون للأرباح.
والثاني: أنه كان يحذرهم ويمنعهم عن عبادة الأصنام والأوثان، ويدعوهم إلى عبادة الله، ويرغبهم في ذلك، وهم كانوا يعبدون تلك الأصنام لتقربهم عبادتهم إياها إلى الله زلفى، وتكون لهم شفعاء في الآخرة، فقالوا: لئن اتبعتم شعيباً فيما يدعوكم إليه وينهاكم عنه، لكنتم من الخاسرين، لا شفعاء لكم في الآخرة.
والثالث: أنهم كانوا يوعدون شعيباً بالإخراج بقولهم: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ ﴾ فقالوا: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ﴾ وهو يخرج لا محالة فتخرجون أنتم فصرتم من الخاسرين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .
قيل: الصيحة.
وقيل: الزلزلة.
قيل: أصابهم حرّ شديد، فرفعت لهم سحابة، فخرجوا إليها يطلبون الروح تحتها [فلما كانوا تحتها] سال عليهم العذاب، ورجفت بهم الأرض، فهلكوا، وهو ما ذكر في آية أخرى عذاب يوم الظلة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ .
قد ذكرنا قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
هو - والله أعلم - مقابل قولهم: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ وجواب لهم يقول: الذين كذبوا شعيباً هم الخاسرون لا الذين اتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ .
قيل: كأن لم يعيشوا فيها، ولم ينعموا قط.
وقيل: كأن لم يقيموا فيها.
قال القتبي: يقال: غنينا بمكان كذا وكذا، أي: أقمنا، ويقال للمنازل: مغان، واحدها: مغنى، ويقال: كأن لم يغنوا فيها، أي: كأن لم يكونوا فيها قط.
وهو - والله أعلم - لما كانوا يستقلون نعم الله عليهم، ويستحقرونها، حتى قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ونحوه، وكله إخبار عن قطع آثارهم أنه لم يبق منهم أحد يحزن عليهم أو يبكي عليهم، حتى قال شعيب: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ﴾ .
وجائز أن يكون قول شعيب حيث قال: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ﴾ حين علم أنهم يهلكون، وينزل بهم العذاب، أي: لا أحزن عليهم [على] ما ذكر.
وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قال ذلك في الوقت الذي قال: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ ﴾ يقول: كيف أحزن على قوم وعملهم ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .
حين رآهم هلكى، فقال: فكيف آسى على قوم، أي: كيف أحزن على قوم قد كذبوني، واختاروا عداوتي، وصاروا علي أعداء، فكيف أحزن عليهم بالهلاك، وهم أعدائي.
وقوله: ﴿ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا هذا.
<div class="verse-tafsir"
قد اختلقنا على الله كذبًا إن نحن اعتقدنا ما أنتم عليه من شرك وكفر بعد أن سلَّمَنا الله بفضله منه، وما يصح ولا يستقيم لنا أن نرجع إلى ملَّتكم الباطلة إلا أن يشاء الله ربنا، لخضوع الجميع لمشيئته سبحانه، أحاط ربنا بعلم كل شيء، لا يخفى عليه منه شيء، على الله وحده اعتمدنا ليثبتنا على الصراط المستقيم، ويعصمنا من طرق الجحيم، يا ربنا، احكم بيننا وبين قومنا الكافرين بالحق، فانصر صاحب الحق المظلوم على الظالم المعاند، فأنت -يا ربنا- خير الحاكمين.
<div class="verse-tafsir" id="91.jn1ze"