الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٩٢ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( كأن لم يغنوا فيها ) أي : كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها .
ثم قال مقابلا لقيلهم : ( الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين )
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فأهلك الذين كذبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به، فأبادَهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاءً=( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول: كأن لم ينـزلوا قطّ ولم يعيشوا بها حين هلكوا .
* * * يقال: " غَنِيَ فلان بمكان كذا ، فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِيًّا " ، (24) إذا نـزل به وكان به، كما قال الشاعر.
(25) وَلَقَــدْ يَغْنَــى بِهَــا جِـيرَانُكِ الْ مُمْسِــكُو مِنْــكِ بِعَهْــدٍ وَوِصَـالِ (26) وقال رؤبة: وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا (27) إنما هو " مفعل " من " غني".
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14866-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة.( كأن لم يغنوا فيها ) ، : كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا.
14867-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ( كأن لم يغنوا فيها ) ، يقول : كأن لم يعيشوا فيها.
14868-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( كأن لم يغنوا فيها ) ، كأن لم يكونوا فيها قطُّ.
* * * وقوله: ( الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين ) ، يقول تعالى ذكره: لم يكن الذين اتَّبعوا شعيبًا الخاسرين ، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين.
(28) لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه: أن الذين كذبوا شعيبًا قالوا للذين أرادُوا اتباعه: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ، فكذبهم الله بما أحلَّ بهم من عاجلِ نَكاله، ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما خسر تُبَّاع شعيب، بل كانَ الذين كذبوا شعيبًا لما جاءت عقوبة الله ، هم الخاسرين ، دون الذين صدّقوا وآمنوا به.
------------------ الهوامش : (24) هذا المصدر الثاني"غنيا" ليس في شيء من مراجع اللغة ، وضبطته بضم الغين وكسر النون وتشديد الياء ، على زنة"فعول" وهكذا استظهرت.
ولا أدري أيصح ذلك أم لا يصح.
(25) هو عبيد بن الأبرص.
(26) ديوانه: 58 ، مختارات ابن الشجري 2: 37 ، والخصائص لابن جني 2: 2455 والمنصف لابن جني 1: 66 ، والخزانة 3: 237 ، وهي القصيدة الفاخرة التي لم يتجشم فيها إلا ما في نهضته ووسعه ، عن غير اغتصاب واستكراه أجاءه إليه ، فقاد القصيدة كلها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى (ال) التعريف ، كما قال ابن جني في الخصائص ، أولها: يَــا خَـلِيلَيَّ اُرْبَعَـا وَاُسْـتَخْبِرَا الْـ مَـنْزِلَ الـدَّارِسَ مِـنْ أهْـلِ الحِـلالِ مِثْـلَ سَـحْقِ الـبُرْدِ عَفَّـى بَعْدَكِ الـْ قَطْــرُ مَغْنَــاهُ، وَتَـأَوِيبُ الشَّـمَالِ وَلَقَــدْ يَغْنَــى بِــه جِـيرَانُكِ الْـ مُمْسِــكُو مِنْـكِ بِأَسْـبَابِ الوِصَـالِ واستمر بها على ذلك النهج.
وكان في المطبوعة: "المستمسكو" ، وهو تغيير لما في المخطوطة ، وللرواية معًا.
وقوله: "الممسكو" يعني"الممسكون" ، فحذف النون لطول الاسم ، لا للإضافة.
وهكذا تفعل العرب أحيانا ، كما قال الأنصاري: الْحَـــافِظُو عَــوْرةَ العَشِــيرَةِ لا يَــأْتِيهِمُ مِــنْ وَرَائِنَــا نَطَــفُ وقول الأخطل: أَبَنــيِ كُــلَيْبٍ، إِنْ عَمَّــيَّ اللَّـذَا قَتَــلا المُلُــوكَ وَفَكَّكَـا الأَغْـلالا انظر سيبويه 1: 95 ، والمنصف 1: 67.
(27) ديوانه: 87 ، ومضى منها بيت فيما سلف 2: 540 في مديح قومه بني تميم ، يقول: هَــاجَتْ، وَمِثْــلي نَوْلُـهُ أَنْ يَرْبَعَـا حَمَامَــةٌ هَــاجَتْ حَمَامًـا سُـجَّعَا أَبْكَــتْ أَبَــا الشَّـعْثَاءِ وَالسَّـمَيْدَعَا وعَهْــدُ مَغْنَــى دِمْنَــةٍ بضَلْفَعَـا بَــادَتْ وَأَمْسَــى خَيْمُهـا تَذَعْذَعَـا و"أبو الشعثاء" يعني نفسه.
و"ضلفع" ، اسم موضع.
(28) انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: 565 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها قال الجرجاني : قيل هذا كلام مستأنف ; أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى .
و يغنوا يقيموا ; يقال : غنيت [ ص: 227 ] بالمكان إذا أقمت به .
وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها .
والمغنى : المنزل ; والجمع المغاني .
قال لبيد :وغنيت ستا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلودوقال حاتم طيئ :غنينا زمانا بالتصعلك والغنى كما الدهر في أيامه العسر واليسركسبنا صروف الدهر لينا وغلظة وكلا سقاناه بكأسهما الدهرفما زادنا بغيا على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقرالذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ابتداء خطاب ، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه .
ولما قالوا : من اتبع شعيبا خاسر ، قال الله : الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول .
قال تعالى ناعيا حالهم { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ْ} أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، وكأنهم ما تمتعوا في عرصاتها، ولا تفيئوا في ظلالها، ولا غنوا في مسارح أنهارها، ولا أكلوا من ثمار أشجارها، حين فاجأهم العذاب، فنقلهم من مورد اللهو واللعب واللذات، إلى مستقر الحزن والشقاء والعقاب والدركات ولهذا قال: { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ْ} أي: الخسار محصور فيهم، لأنهم خسروا دينهم وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، لا من قالوا لهم: { لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ}
وقوله تعالى : ( الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ) أي : لم يقيموا ولم ينزلوا فيها ، من قولهم : غنيت بالمكان إذا قمت به ، والمغاني المنازل واحدها مغنى ، وقيل : كأن لم يتنعموا فيها .
( الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ) لا المؤمنين كما زعموا .
«الذين كذَّبوا شعيبا» مبتدأ خبره «كأن» مخففة واسمها محذوف أي كأنهم «لم يَغنوا» يقيموا «فيها» في ديارهم «الذين كذَّبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين» التأكيد بإعادة الموصول وغيره للرد عليهم في قولهم السابق.
الذين كذَّبوا شعيبًا كأنهم لم يقيموا في ديارهم، ولم يتمتعوا فيها، حيث استؤصلوا، فلم يبق لهم أثر، وأصابهم الخسران والهلاك في الدنيا والآخرة.
ثم يعقب القرآن على مصرعهم بالرد على قولتهم : إن من يتبع شعيبا خاسر ، فيقرر على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا ، وإنما الخسران كان من نصيب الذين خالفوه وكذبوه ، فيقول : ( الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين ) .أى : الذين كذبوا شعيبا وتطاولوا عليه وهددوه وأتباعه بالاخراج من قريتهم ، كأنهم عندما حاقت بهم العقوبة لم يقيموا فى ديارهم ناعمى البال ، يظلهم العيش الرغيد ، والغنى الظاهر .يقال : غنى بالمكان يغنى ، أقامبه وعاش فيه فى نعمة ورغد .والجلمة الكريمة استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم : ( لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ ) فكأن سائلا ، قال : فكيف كان مصيرهم؟
فكان الجواب : الذين هددوا شعيبا ومن معه وأنذروهم بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها ، ولم يعيشوا بالاخراج كانت عاقبتهم أن هلكوا وحرموا من قريتهم حتى لكأنهم لم يقيموا بها ، ولم يعيشوا فيها مطلقا ، لأنه متى انقضى الشىء صار كأنه لم يكن .والاسم الموصول ( الذين ) مبتدأ ، وخبره جملة ( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ) .ثم أعاد القرآن الموصول وصلته لزيادة التقرير ، وللإيذان بأن ما ذكر فى حيز الصلة هو الذى استوجب العقوبتين فقال : ( الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين ) .أى : الذين كذبوا شعيبا وكفروا بدعوته كانوا هم الخاسرين دينيا ودنيويا ، وليس الذين اتبعوه كما زعم أولئك المهلكون .وبهذا القدر اكتفى القرآن عن التصريح بإنجائه هنا ، وقد صرح بإنجائه فى سورة هود فقال : ( وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً والذين آمَنُواْ مَعَهُ ) قال صاحب الكشاف : وفى هذا الاستئناف والابتداء ، وهذا التكرير ، مبالغة فى رد مقالة الملأ لأشياعهم ، وتسفيه لرأيهم ، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم " .
اعلم أنه تعالى بين عظم ضلالتهم بتكذيب شعيب ثم بين أنهم لم يقتصروا على ذلك، حتى أضلوا غيرهم، ولاموهم على متابعته فقالوا: ﴿ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون ﴾ واختلفوا فقال بعضهم: خاسرون في الدين وقال آخرون: خاسرون في الدنيا، لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس، وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال أولاً وفي الإضلال ثانياً، فاستحقوا الإهلاك فلهذا قال تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة ﴾ وهي الزلزلة الشديدة المهلكة، فإذا انضاف إليها الجزاء الشديد المخوف على ما ذكره الله تعالى من قصة الظلمة، كان الهلاك أعظم، لأنه أحاط بهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ ﴾ أي في مساكنهم ﴿ جاثمين ﴾ أي خامدين ساكنين بلا حياة وقد سبق الاستقصاء في تفسير هذه الألفاظ.
ثم قال تعالى: ﴿ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: في قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ قولان: أحدهما: يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها.
والثاني: المنازل التي كان بها أهلوها واحدها مغني.
قال الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة *** في ظل ملك ثابت الأوتاد أراد أقاموا فيها، وعلى هذا الوجه كان قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ كأن لم يقيموا بها ولم ينزلوا فيها.
والقول الثاني: قال الزجاج: كأن لم يغنوا فيها، كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، يقال غني الرجل يغنى إذا استغنى، وهو من الغني الذي هو ضد الفقر.
وإذا عرفت هذا فنقول: على التفسيرين شبه الله حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار.
قال الشاعر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي والجدود العواثر البحث الثاني: قوله: ﴿ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَا ﴾ الذين يدل على أن ذلك العذاب كان مختصاً بأولئك المكذبين، وذلك يدل على أشياء: أحدها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار، وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة، وإلا لحصل في أتباع شعيب، كما حصل في حق الكفار.
والثاني: يدل على أن ذلك الفاعل المختار، عالم بجميع الجزئيات، حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي.
وثالثها: يدل على المعجز العظيم في حق شعيب، لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلدة واحدة، كان ذلك من أعظم المعجزات.
ثم قال تعالى: ﴿ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين ﴾ وإنما كرر قوله: ﴿ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا ﴾ لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل لغيره: أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي هتك أعراضنا، وأيضاً أن القوم لما قالوا: ﴿ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون ﴾ بين تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون.
ثم قال تعالى: ﴿ فتولى عَنْهُمْ ﴾ واختلفوا في أنه تولى بعد نزول العذاب بهم أو قبل ذلك، وقد سبق ذكر هذه المسألة.
قال الكلبي: خرج من بين أظهرهم، ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم.
ثم قال: ﴿ فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين ﴾ الأسى شدة الحزن.
قال العجاج: وانحلبت عيناه من فرط الأسى *** إذا عرفت هذا فنقول: في الآية قولان: القول الأول: أنه اشتد حزنه على قومه، لأنهم كانوا كثيرين، وكان يتوقع منهم الاستجابة للإيمان، فلما أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم، حصل في قلبه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الألفة.
ثم عزى نفسه وقال: ﴿ فَكَيْفَ ءاسى على قَوْمٍ كافرين ﴾ لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.
والقول الثاني: أن المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصيحتي ﴿ فَكَيْفَ ءاسى على قَومٍ كافرين ﴾ يعني أنهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم.
قال صاحب الكشاف: وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ فَكَيْفَ إسى ﴾ بكسر الهمزة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ أي أشرافهم للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان ﴿ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون ﴾ لاستبدالكم الضلالة بالهدى، كقوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَت تجارتهم ﴾ [البقرة: 16] وقيل: تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية، فإن قلت: ما جواب القسم الذي وطأته اللام في ﴿ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا ﴾ وجواب الشرط؟
قلت: قوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون ﴾ سادّ مسدّ الجوابين ﴿ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ وكذلك ﴿ كَانُواْ هُمُ الخاسرين ﴾ وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا، كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأنّ الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران العظيم، دون أتباعه فإنهم الرابحون.
وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير: مبالغة في ردّ مقالة الملإ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ أيِ اسْتُؤْصِلُوا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها والمَغْنى المَنزِلُ.
﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ ﴾ دِينًا ودُنْيا لا الَّذِينَ صَدَّقُوهُ واتَّبَعُوهُ كَما زَعَمُوا، فَإنَّهُمُ الرّابِحُونَ في الدّارَيْنِ.
ولِلتَّنْبِيهِ عَلى هَذا والمُبالَغَةِ فِيهِ كَرَّرَ المَوْصُولَ واسْتَأْنَفَ بِالجُمْلَتَيْنِ وأتى بِهِما اسْمِيَّتَيْنِ.
﴿ فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ ﴾ قالَهُ تَأسُّفًا بِهِمْ لِشِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أنْكَرَ عَلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ لَيْسُوا أهْلَ حُزْنٍ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، أوْ قالَهُ اعْتِذارًا عَنْ عَدَمِ شِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى لَقَدْ بالَغْتُ في الإبْلاغِ والإنْذارِ وبَذَلْتُ وُسْعِي في النُّصْحِ والإشْفاقِ فَلَمْ تُصَدِّقُوا قَوْلِي، فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم.
وقُرِئَ « فَكَيْفَ أيْسِي» بِإمالَتَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
{الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا} مبتدأ خبره {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} لم يقيموا فيها غني بالمكان أقام {الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا} مبتدأ خبره {كَانُواْ هُمُ الخاسرين} لا من قالوا لهم إنكم إذاً لخاسرون وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قي الذين كذبوا شعيبا المخصوصون بأن أهلكوا كأن لم يقيموا في دراهم لأن الذين ابتعوا شعيباً قد أنجاهم الله الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسارن العظيم دون اتباه فهم الرابحون وفى التكرار مبالغة واستعظام لتكذيهم ولما جرى عليهم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِعُقُوبَةِ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ، واسْتِفادَةُ الحَصْرِ هُنا أوْضَحُ مِنَ اسْتِفادَتِهِ فِيما تَقَدَّمَ، أيِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عُوقِبُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ فَصارُوا هُمُ الخاسِرِينَ لِلدُّنْيا والدِّينِ لِتَكْذِيبِهِمْ لا المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، المُصَدِّقُونَ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا القَصْرِ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالإنْجاءِ كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ إلَخْ، وفي الكَشّافِ أنَّ في هَذا الِاسْتِئْنافِ وتَكْرِيرِ المَوْصُولِ والصِّلَةِ مُبالَغَةً في رَدِّ مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٍ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٍ بِنُصْحِهِمْ بِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٍ لِما جَرى عَلَيْهِمْ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في اسْتِفادَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن نَفْسِ هَذِهِ الآيَةِ خَفاءً، والظّاهِرُ أنَّ مَجْمُوعَ الِاسْتِئْنافَيْنِ مُؤْذِنٌ بِهِ.
وبَيَّنَ الطِّيبِيُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا رَتَّبَ العِقابَ بِأخْذِ الرَّجْفَةِ وتَرْكِهِمْ هامِدِينَ لا حَراكَ بِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والعِنادِ اتَّجَهَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ: إلى ماذا صارَ مَآلُ أمْرِهِمْ بَعْدَ الجُثُومِ؟
فَقِيلَ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ أيْ: إنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا وتَلاشَتْ جُسُومُهُمْ، كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا فِيها.
ثُمَّ سَألَ: أخُصِّصَ الدَّمارُ بِهِمْ أمْ تَعَدّى إلى غَيْرِهِمْ؟
فَقِيلَ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ ﴾ أيِ اخْتُصَّ بِهِمُ الدَّمارُ فَجُعِلَتِ الصِّلَةُ الأُولى ذَرِيعَةً إلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ وكَذَلِكَ بُولِغَ في الإخْبارِ عَنْ دَمارِ القَوْمِ وجِيءَ بِتَقْوى الحُكْمِ والتَّخْصِيصِ، وجُعِلَتِ الصِّلَةُ الثّانِيَةُ عِلَّةً لِوُجُودِ الخَبَرِ، وجاءَ تَسْفِيهُ الرَّأْيِ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِ ما تَلَفَّظُوا بِهِ في نُصْحِ قَوْمِهِمْ، والِاسْتِهْزاءِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ ما جَعَلُوهُ نَصِيحَةً صارَ فَضِيحَةً، وانْعَكَسَ الحالُ الَّذِي زَعَمُوهُ، ويُسْتَفادُ عِظَمُ الخُسْرانِ مِن تَعْرِيفِ الخَبَرِ بِلامِ الجِنْسِ.
وأمّا اسْتِعْظامُ ما جَرى فَمِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَأنْ لَمْ ) إلَخْ.
وكَذا مِن مَجْمُوعِ الكَلامِ، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالِاسْتِئْنافِ مِن غَيْرِ عَطْفِ جارٍّ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، فَإنَّ عادَتَهُمُ الِاسْتِئْنافُ كَذَلِكَ في الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ فَيَقُولُونَ: أخُوكَ الَّذِي نَهَبَ مالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ سِتْرَنا، أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَغْنَوْا )، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُبْتَدَأُ والخَبَرُ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا ﴾ ، و( كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( كَذَّبُوا )، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ صِفَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا أوْ بَدَلًا مِنهُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ ( كَأنْ لَمْ ) إلَخْ حالًا، وما اخْتَرْناهُ هو الأوْلى كَما هو ظاهِرٌ فَلْيُتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً يعني: أرسلنا إلى مدين نبيّهم شعيباً ومدين هو آل مدين وكان مدين بن إبراهيم خليل الرحمن، تزوج ريثاء ابنة لوط، فولدت آل مدين، فتوالدوا وكثروا، ثم صار هو اسماً للمدينة، فسميت المدينة مدين، وسمي أولئك القوم مدين.
فكفروا بالله تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع، وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى إليهم شعيباً.
وقال الضحاك كان شعيب أفضلهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأحسنهم وجهاً، ويقال: إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى الله تعالى وقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه وأطيعوه مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال بعضهم: مجيء شعيب النبي- - إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد.
وقال بعضهم: كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته، ألا إن الله تعالى لم يبيّن لنا علامته، وقد بيّن علامة بعض الأنبياء، ولم يبيّن علامة الجميع.
ثم قال: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بالقسط أي أتموا الكيل والميزان بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها يعني: لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بيّن الله تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم.
قوله تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ أي لا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول: تمنعون الناس عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً يقول: تريدون بملة الإسلام زيغاً وغيراً.
وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قال: بكل سبيل حتى تصدوا أهلها عنها وَتَبْغُونَها عِوَجاً قال وتلتمسون بها الزيغ.
ويقال معناه: لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس وتخوفون أهل الإيمان بشعيب- -.
ثم قال: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي كنتم قليلاً في العدد فكثَّر عددكم.
ويقال: كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل، يعني: الذين قبلهم قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح.
ثم قال: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ يعني: إن كان جماعة منكم صدقوا بي وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بي أي لم يصدقوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين.
فذلك قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني: حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي أعدل العادلين.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني: الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان من قومه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي لتدخلنا في ديننا الذي نحن عليه.
ويقال: هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا لترجعن إلى ديننا كما كنتم قالَ لهم شعيب أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ يعني: أتجبروننا على ذلك؟
قالوا: نعم قال لهم شعيب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ يقول: قد اختلقنا عَلَى الله كَذِبًا أن دخلنا في دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يقول: إن الله تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملّتكم.
يقال: معناه كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله منها.
ويقال: أكرمنا الله تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم.
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشآء الله رَبُّنا دخولنا فيها وأن ينزع المعرفة من قلوبنا.
ويقال: معناه وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها.
ويقال: معناه إلا أن يشآء الله يعني: لا يشاء الله الكفر مثل قولك.
لا أكلمك حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب، وهذا طريق المعتزلة.
ثم قال: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني: علم ما يكون منا ومن الخلق عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي فوضنا أمرنا إلى الله لقولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي اقض بيننا وبين قومنا بالعدل.
وروى قتادة عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما معنى قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني: أخاصمك.
وقال القتبي: الفتح أن تفتح شيئاً مغلقا كقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73] وسمي القضاء فتحاً لأن القضاء فصل للأمور وفتح لما أشكل منها وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ يعني: خير الفاصلين.
قوله تعالى: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً أي لأن أطعتم شعيباً في دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ يعني: جاهلون.
فلما وعظهم شعيب، ولم يتعظوا أخبرهم أن العذاب نازل بهم.
فلم يصدقوه.
فخرج شعيب ومن آمن معه من بين أظهرهم فأصابهم يعني: أهل القرية حر شديد، فخرجوا من القرية، ودخلوا غيضة كانت عند قريتهم وهي الأيكة كما قال الله تعالى في آية أخرى كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: 176] فأرسل الله تعالى ناراً فأحرقت الأشجار ومن فيها من الناس.
ويقال: أصابتهم زلزلة فخرجوا، فأتتهم نار فأحرقتهم، وذلك قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني: الزلزلة والحر الشديد فهلكوا واحترقوا فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يعني: صاروا ميتين.
قوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني: كأن لم يكونوا فيها قط وقال قتادة: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني: كأن لم يتنعموا فيها.
ويقال: معناه من كان رآهم بعد إهلاكنا إياهم ظن أنه لم يكن هناك أحد يعني: لم يعيشوا.
ويقال: كأن لم يعمروا.
ثم قال: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ يعني: المغبونين في العقوبة، يعني: إنهم كانوا يقولون لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون.
فصار الذين كذبوا هم الخاسرون لا الذين آمنوا منهم.
قوله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم حين خرج من بين أظهرهم وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي في نزول العذاب وَنَصَحْتُ لَكُمْ وقد ذكرناه فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ أي كيف أحزن بعد النصيحة على قوم إن عذبوا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
وقوله سبحانه: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ...
الآية: قيل في مَدْيَنَ إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه.
وقال مكِّيّ: كان زوج بنت لوط، وأَخاهُمْ: منصوبٌ ب «أرسلنا» في أول القصص، و «البيِّنة» : إشارة إِلى معجزته، وَلا تَبْخَسُوا معناه ولا تظلموا ومنْه قولهم:
تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود» : البَخْس:
النَّقْصَ.
ت: ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه.
قال أبو حَيانَ: ولا تَبْخَسُوا: متعدٍّ إلى مفعولين، تقول: بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي:
نقصته إياه.
انتهى.
وأَشْياءَهُمْ: يريد أمتعتهم وأموالهم، وَلا تُفْسِدُوا: لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله وكذلك الإصلاح عامٌّ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، أيْ: عند اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،
أي: بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ...
الآية: قال السديُّ: هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل «١» ، و «الصِّرَاطُ» : الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه: هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ «٢» ، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره: قوله: وَلا تَقْعُدُوا نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب «٣» وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداوديّ: وعن مجاهد تَبْغُونَها عِوَجاً:
يلتمسون «٤» لها الزيْغَ.
انتهى.
ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ.
وقيل: أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا ...
الاية: قوله:
فَاصْبِرُوا تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معناه: أو لتَصِيرُنّ، و «عَادَ» في كلام العرب على/ وجهين:
أحدُهُمَا: عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف ومنه قول الشاعر: [الطويل]
أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ ...
وعمرا تولّى يا بثين يعود «٥»
ومنْه قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .
والوجه الثاني: أنْ تكون بمعنى «صَارَ» ، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة ومنه قول الشاعر: [البسيط]
تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ...
شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ «١»
ومنه قول الآخر:
وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ ...
«٢»
ومنه قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] ، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية: أَوْ لَتَعُودُنَّ، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى «صار» ، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً.
قال ص: قَدِ افْتَرَيْنا: هو بمعنى المستقبل لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو: إِنْ عُدْنا أو هو جوابه، على قول.
انتهى.
وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ.
قال ع «٣» : والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ من القربات.
وقيل: إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً:
معناه: وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء كما تقول: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ: تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط» ، وقوله: افْتَحْ معناه: احكم، وقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا:
استسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا.
وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ...
الآية: أي: قال الملأ لتباعهم ومقلّديهم، والرَّجْفَةُ: الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ.
ت: والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...
الآية [هود: ٩٤] ، وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا:
معناه: يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل]
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ...
أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ «١»
قال ع «٢» : فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنة بتنعّم وعيش مرضيّ، وقوله: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ: كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً لَمَّا رأى هلاكَ قومه إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِما هم عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ سَمُّوهُ مِلَّةً.
﴿ وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها ﴾ أيْ: في المِلَّةِ، ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ أنْ نَعُودَ فِيها، ﴿ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْلَمُ ما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ أيْ: فِيما تَوَعَّدْتُمُونا بِهِ، وفي حِراسَتِنا عَنَ الضَّلالِ.
﴿ رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: احْكم بَيْنَنا، وأنْشَدَ: ألا أبْلِغْ بَنِي عَصْمٍ رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيٌّ قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ عُمانَ يُسَمَّوْنَ القاضِيَ: الفاتِحُ والفَتّاحُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ ما بَيْنَنا ويَنْكَشِفَ؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونُوا سَألُوا بِهَذا نُزُولَ العَذابِ بِقَوْمِهِمْ لِيُظْهِرَ أنَّ الحَقَّ مَعَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كَأنَّ لَمْ يَعِيشُوا في دارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والأخْفَشُ.
قالَ حاتِمُ طَيِّئٍ: غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ ∗∗∗ فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قُرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِأحْسابِنا الفَقْرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى غَنِينا: عِشْنا.
والتَّصَعْلُكُ: الفَقْرُ، والعَرَبُ تَقُولُ لَلْفَقِيرِ: الصُّعْلُوكُ والثّانِي: كَأنَّ لَمْ يَتَنَعَّمُوا فِيها، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: كَأنَّ لَمْ يَكُونُوا فِيها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: كَأنَّ لَمْ يَنْزِلُوا فِيها، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: المَغانِي: المَنازِلُ؛ يُقالُ: غَنِينا بِمَكانِ كَذا، أيْ: نَزَلْنا بِمَكانِ كَذا، أيْ: نَزَلْنا بِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّ لَمْ يُقِيمُوا فِيها، ومَعْنى: غَنِينا بِمَكانِ كَذا: أقَمْنا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ﴾ لَلْمُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ؛ كَما تَقُولُ: أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي شَتَمَ أعْراضَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلّى عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أعْرِضْ.
والثّانِي: انْصَرِفْ.
﴿ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ﴾ قالَ قَتادَةُ: أسْمَعَ شُعَيْبٌ قَوْمَهُ، وأسْمَعَ صالِحٌ قَوْمَهُ؛ كَما أسْمَعَ نَبِيُّكم قَوْمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ؛ يَعْنِي أنَّهُ خاطَبَهم بَعْدَ الهَلاكِ.
﴿ فَكَيْفَ آسى ﴾ أيْ: أحْزَنُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أصابَ شُعَيْبًا عَلى قَوْمِهِ حُزْنٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ عاتَبَ نَفْسَهُ، فَقالَ: كَيْفَ آَسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَتَوَلّى عنهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمِ كافِرِينَ ﴾ هَذِهِ المَقالَةُ قالَها المَلَأُ لِتُبّاعِهِمْ؛ وسائِرِ الناسِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَهم.
و"اَلرَّجْفَةُ": اَلزَّلْزَلَةُ الشَدِيدَةُ الَّتِي يَنالُ مَعَها الإنْسانَ اهْتِزازٌ وارْتِعادٌ واضْطِرابٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ أُهْلِكَتْ بِالرَجْفَةِ؛ وفِرْقَةً بِالظُلَّةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الظُلَّةَ والرَجْفَةَ كانَتا في حِينٍ واحِدٍ؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - بَعَثَ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وقِيلَ: هُما طائِفَتانِ؛ وقِيلَ: واحِدَةٌ؛ وكانُوا - مَعَ كُفْرِهِمْ - يَبْخَسُونَ الكَيْلَ والوَزْنَ؛ فَدَعاهم فَكَذَّبُوهُ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهم هَذِهِ المُقاوَلَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَلَمّا عَتَوْا؛ وطالَتْ بِهِمُ المُدَّةُ فَتَحَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ فَأهْلَكَهُمُ الحَرُّ مِنهُ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ؛ ثُمَّ إنَّهُ بَعَثَ سَحابَةً فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَوَجَدُوا بَرْدَ الرِيحِ وطِيبَها؛ فَتَنادَوْا: عَلَيْكُمُ الظُلَّةَ؛ فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَ الظُلَّةِ؛ وهي تِلْكَ السَحابَةُ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَأهْلَكَتْهم.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ مَدْيَنَ؛ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهاءَ؛ قالَ لَمّا رَآها: يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ∗∗∗ عنكم سَمِيرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِي وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِيها ضُحاةَ غَدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الرَقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجادِ وسَمِيرٌ؛ وعِمْرانُ: كاهِناهُمْ؛ والرَقِيمُ: كَلْبُهُمْ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: "ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ"؛» لِقَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ؛ وجَمِيلِ تَلَطُّفِهِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ أنَّهُ قالَ: أبُو جادٍ؛ وهَوَّزُ؛ وحُطِّي؛ وَكَلَمُنْ؛ وسَعْفَصُ؛ وقَرْشَتُ: أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ؛ وكانَ المَلِكُ يَوْمَ الظُلَّةِ "كَلَمُنْ"؛ فَقالَتْ أُخْتُهُ تَرْثِيهِ: كَلَمُنْ قَدْ هُدَّ رُكْنِي ∗∗∗ ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحِلَّةْ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الـ...
∗∗∗ ـحَتْفُ نارٌ وسْطَ ظُلَّةْ جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّةْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ حِكايَةٌ مَظْنُونٌ بِها؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "جاثِمِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ ؛ لَفْظٌ فِيهِ الإخْبارُ عن قُوَّةِ هَلاكِهِمْ؛ ونُزُولِ النِقْمَةِ بِهِمْ؛ والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ بِهِمْ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗...................
و"يَغْنَوْا"؛ مَعْناهُ: يُقِيمُوا؛ ويَسْكُنُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"غَنَيْتُ في المَكانِ"؛ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ؛ وعَيْشٍ رَخِيٍّ؛ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَفْظَةَ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ولَقَدْ يَغْنى بِها جِيرانُكِ الـ ∗∗∗ ∗∗∗ مُمْسِكُو مِنكِ بِعَهْدٍ ووِصالِ أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ألا حَيِّ مِن أجْلِ الحَبِيبِ المَغانِيا ∗∗∗ ∗∗∗...................
ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَهْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ وفِيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِن "اَلِاسْتِغْناءُ"؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ ؛ فَفِيهِ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ المُرادَ: "كَأنْ لَمْ تَكُنْ ناعِمَةً نَضِرَةً مُسْتَقَلَّةً"؛ ولا تُوجَدُ - فِيما عَلِمْتُ - إلّا مُقْتَرِنَةً بِهَذا المَعْنى؛ وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: غَنِينا زَمانًا بِالتَصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ ∗∗∗ وكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسِهِما الدَهْرُ فَمَعْناهُ: اِسْتَغْنَيْنا بِذَلِكَ؛ ورَضِيناهُ؛ مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ كَلامٌ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ في نَفْسِهِ لَمّا رَأى هَلاكَ قَوْمِهِ؛ حُزْنًا؛ وإشْفاقًا؛ إذْ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا وجَدَ ذَلِكَ طَلَبَ أنْ يُثِيرَ في نَفْسِهِ سَبَبَ التَسَلِّي عنهُمْ؛ والقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَجَعَلَ يُعَدِّدُ مَعاصِيَهُمْ؛ وإعْراضَهُمُ الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ ألّا يَتَأسَّفَ عَلَيْهِمْ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ بَلَّغَ الرِسالَةَ؛ ونَصَحَ؛ والمَعْنى: "فَأعْرَضُوا؛ وكَذَّبُوا؛ ثُمَّ قالَ لِنَفْسِهِ لَمّا نَظَرَتْ في هَذا؛ وفَكَّرَتْ فِيهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؟"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن مَعَهُ حَتّى سَكَنَ مَكَّةَ؛ إلى أنْ ماتُوا بِها.
و"آسى": أحْزَنُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ والأعْمَشُ: "إيسى"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وهي لُغَةٌ؛ كَما يُقالُ: "إخالُ"؛ و"إيمَنُ"؛ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لا أخالُهُ"؛ وقالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ في كِتابِ "اَلْحَجُّ": "لا إيمَنُ"؛ وجَمِيعُ ذَلِكَ في البُخارِيِّ ؛ وهَذِهِ اللُغَةُ تَطَّرِدُ في العَلاماتِ الثَلاثِ؛ هَمْزَةِ التَكَلُّمِ؛ ونُونِ الجَماعَةِ؛ وتاءِ المُخاطَبَةِ؛ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في ياءِ الغائِبِ؛ كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ ؛ وأمّا قَوْلُهم مِن "وَجِلَ": "يِيْجَلُ"؛ فَلَعَلَّهُ مِن غَيْرِ هَذا البابِ.
<div class="verse-tafsir"
عُطفت جملة: ﴿ وقال الملأ ﴾ ولم تفصل كما فصلت التي قبلها لانتهاء المحاورة المقتضية فصل الجمل في حكاية المحاورة، وهذا قول أنف وجه فيه الملأ خطابهم إلى عامة قومهم الباقين على الكفر تحذيراً لهم من اتباع شعيب خشية عليهم من أن تحيك في نفوسهم دعوة شعيب وصدْق مجادلته، فلما رأوا حجته ساطعة ولم يستطيعوا الفلج عليه في المجادلة، وصمموا على كفرهم، أقبلوا على خطاب الحاضرين من قومهم ليحذروهم من متابعة شعيب ويهددوهم بالخسارة.
وذِكْرُ ﴿ المَلأ ﴾ إظهار في مقام الإضمار لبعد المعاد.
وإنّما وصف الملأ بالموصول وصلته دون أن يكتفي بحرف التعريف المقتضي أن الملأ الثاني هو الملأ المذكور قبله، لقصد زيادة ذم الملأ بوصف الكفر، كما ذم فيما سبق بوصف الاستكبار.
ووصف ﴿ الملأ ﴾ هنا بالكفر لمناسبة الكلام المحكي عنهم، الدال على تصلبّهم في كفرهم، كما وصفوا في الآية السابقة بالاستكبار لمناسبة حال مجادلتهم شعيباً، كما تقدم، فحصل من الآيتين أنّهم مُستكبرون كافرون.
والمخاطب في قوله: ﴿ لئن اتّبعتم شعيباً ﴾ هم الحاضرون حين الخطاب لدى الملإِ، فحُكي كلام الملأ كما صدر منهم، والسياق يفسر المعنيين بالخطاب، أعني عامّة قوم شعيب الباقين على الكفر.
(واللام) موطّئة للقسم.
و ﴿ إنكم إذا لخاسرون ﴾ جواب القسم وهو دليل على جواب الشرط محذوف، كما هو الشأن في مثل هذا التركيب.
والخُسران تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم ﴾ في سورة الأنعام (140).
وهو مستعار لحصول الضر من حيث أريد النفع، والمراد به هنا التحذير من أضرار تحصل لهم في الدنيا من جراء غضب آلهتهم عليهم، لأن الظاهر أنّهم لا يعتقدون البعث، فإن كانوا يعتقدونه، فالمراد الخسران الأعم، ولكن الأهم عندهم هو الدنيوي.
(والفاء) في: فأخذتهم الرجفة} للتعقيب، أي: كان أخذ الرجفة إياهم عقب قولهم لقومهم ما قالوا.
وتقدم تفسير: ﴿ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ في نظيرها من قصة ثمود.
والرجفة التي أصابت أهل مدين هي صواعق خرجت من ظُلة، وهي السحابة، قال تعالى في سورة الشعراء (189).
﴿ فأخَذَهم عذابُ يوم الظلة ﴾ وقد عبر عن الرجفة في سورة هود بالصيحة فتعين أن تكون من نوع الأصوات المنشقة عن قالع ومقلوع لا عن قارع ومقروع وهو الزلزال، والأظهر أن يكون أصابهم زلزال وصواعق فتكون الرجفة الزلزال والصيحة الصاعقة كما يدل عليه قوله: ﴿ كأن لم يَغْنَوا فيها ﴾ .
وجملة: ﴿ الذين كذبوا شعيباً ﴾ مستأنفة ابتدائية، والتعريف بالموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر، وهو أن اضمحلالهم وانقطاع دابرهم كان جزاء لهم على تكذيبهم شعيباً.
ومعنى: ﴿ كأن لم يَغنَوا فيها ﴾ تشبيه حالة استيصالهم وعفاء آثارهم بحال من لم تسبق لهم حياة، يقال: غَنَى بالمكان كرَضي أقام، ولذلك سمي مكان القوم مغنى.
قال ابن عطية: «الذي استقريتُ من أشعار العرب أن غَنى معناه: أقام إقامة مقترنة بتنعم عيش ويشبه أن تكون مأخوذة من الاستغناء» أي كأن لم تكن لهم إقامة، وهذا إنما يُعنى به انمحاء آثارهم كما قال: ﴿ فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ﴾ [يونس: 24]، وهو يرجح أن يكون أصابهم زلزال مع الصواعق بحيث احترقت أجسادهم وخُسف لهم في الأرض وانقلبت ديارهم في باطن الأرض ولم يبق شيء أو بقي شيء قليل.
فهذا هو وجه التشبيه، وليس وجه التشبيه حالة موتهم لأن ذلك حاصل في كل ميت ولا يختص بأمثال مدين، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ [الحاقة: 8].
وتقديم المسند إليه في قوله: ﴿ الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين ﴾ إذا اعتُبرت ﴿ كانوا ﴾ فعلاً، واعتبر المسند فعلياً فهو تقديم لإفادة تقوي الحكم، وإن اعتبرت (كان) بمنزلة الرابطة، وهو الظاهر، فالتقوي حاصل من معنى الثبوت الذي تفيده الجملة الاسمية.
والتكرير لقوله: ﴿ الذين كذبوا شعيباً ﴾ للتعديد وإيقاظ السامعين، وهم مشركو العرب، ليتقوا عاقبة أمثالهم في الشرك والتكذيب على طريقة التعريض، كما وقع التصريح بذلك في قوله تعالى: ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ [محمد: 10].
وضمير الفصل في قوله: ﴿ كانوا هم الخاسرين ﴾ يفيد القصر وهو قصر إضافي، أي دون الذين اتبعوا شعيباً، وذلك لإظهار سَفه قول الملإ للعامة ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذن لخاسرون ﴾ توقيفاً للمعتبرين بهم على تهافت أقوالهم وسفاهة رأيهم، وتحذيراً لأمثالهم من الوقوع في ذلك الضلال.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا فِيها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها، قالَهُ الأخْفَشُ.
والثّالِثُ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: كَأنْ لَمْ يُعَمِّرُوا فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالكُفْرِ.
والثّانِي: بِالهَلاكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر قال: أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال: إن أهل التوراة يزعمون أن شعيباً اسمه في التوراة ميكائيل، واسمه بالسريانية جزى بن بشخر، وبالعبرانية شعيب بن بشخر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام.
وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي ابن القطامي وكان نسابة عالماً بالأنساب قال: هو ثيروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
يوبب بوزن جعفر أوله مثناة تحتية وبعد الواو موحدتان.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان شعيب نبياً ورسولاً من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ فكانوا مع ما كان فيهم من الشرك أهل بخس في مكايلهم وموازينهم مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أوّل من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشرونها منه بالبخس يعني بالنقصان، فذلك قوله: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب يقولون: لا تسمعوا منه فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ الناس أن اتبعتم شعيباً فتنكم، ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ﴾ [ هود: 88] وهو الذي يعصمني ﴿ وإليه أنيب ﴾ [ هود: 88] يقول: إليه ارجع.
ثم قال: ﴿ أولو كنا كارهين ﴾ يقول: إلى الرجعة إلى دينكم إن رجعنا إلى دينكم ﴿ فقد افترينا على الله كذباً...
وما يكون لنا ﴾ يقول: وما ينبغي لنا أن نعود فيها بعد إذ نجانا الله منها ﴿ إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ فخاف العاقبة فرد المشيئة إلى الله تعالى فقال: ﴿ إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما ﴾ ما ندري ما سبق لنا ﴿ عليه توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴾ يعني الفاصلين قال ابن عباس: كان حليماً صادقاً وقوراً، وكان رسول الله صلى عليه وسلم إذا ذكر شعيباً يقول: «ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم إليه، وفيما ردوا عليه وكذبوه وتواعدوه بالرجم والنفي من بلادهم» وتواعد كبراؤهم ضعفاءهم قالوا ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ فلم ينته شعيب أن دعاهم، فلما عتوا على الله ﴿ أخذتهم الرجفة ﴾ وذلك أن جبريل نزل فوقف عليهم، فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله: ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قياماً وفزعوا لها، فرجفت بهم الأرض فرمتهم ميتين.
وأخرج إسحاق وابن عساكر عن عكرمة والسدي قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً.
مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ قال: لا تظلموا الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ قال: لا تظلموهم ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: كانوا يوعدون من أتى شعيباً وغشيه وأراد الإِسلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً كذاب، فلا يفتننَّكم عن دينكم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ قال: طريق ﴿ توعدون ﴾ قال: تخوّفون الناس أن يأتوا شعيباً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: بكل سبيل حق ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ قال: تصدون أهلها ﴿ وتبغونها عوجا ﴾ قال: تلتمسون لها الزيغ.
وأخرج ابن جرير وابي أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: العاشر ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ قال: تصدون عن الإِسلام ﴿ وتبغونها عوجاً ﴾ قال: هلاكاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وتبغونها ﴾ قال: تبغون السبيل عوجا قال: عن الحق.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ قال: هم العشار.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره شك أبو عالية قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته.
قال «ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك يعقدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها ﴾ قال: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم ﴿ بعد إذ نجانا الله إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ والله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئاً فإنه قد وسع كل شيء علماً.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم: أنه قال في القدرية والله ما قالوا كما قال الله ولا كما قال النبيون ولا كما قال أصحاب الجنة ولا كما قال أصحاب النار ولا كما قال أخوهم إبليس.
قال الله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء ﴾ [ الإِنسان: 30] وقال شعيب ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ﴾ وقال أصحاب الجنة ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴾ [ الأعراف: 43] وقال أصحاب النار ﴿ ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ﴾ [ الزمر: 71] وقال إبليس ﴿ رب بما أغويتني ﴾ [ الحجر: 39] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزي تقول: تعال أفاتحك: يعني أقاضيك.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربنا افتح ﴾ يقول: اقض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الفتح: القضاء.
لغة يمانية إذا قال أحدهم: تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعمروا فيها.
وأخرج ابي جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعيشوا فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ يقول: كأن لم يعيشوا فيها.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله شعيباً أسمع قومه، وأن نبي الله صالحاً أسمع قومه كما أسمع والله نبيكم محمد قومه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكيف آسى ﴾ قال: أحزن.
وأخرج ابن عساكر عن مبلة بن عبد الله قال: بعث الله جبريل إلى أهل مدين شطر الليل ليأفكهم بمغانيهم، فألفى رجلاَ قائماً يتلو كتاب الله، فهاله أن يهلكه فيمن يهلك، فرجع إلى المعراج فقال: اللهمَّ أنت سبوح قدوس بعثتني إلى مدين لإِفك مدائنهم فأصبت رجلاً قائماً يتلو كتاب الله، فأوحى الله: ما أعرفني به هو فلان بن فلان، فابدأ به فإنه لم يدفع عن محارمي إلا موادعاً.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس.
أن شعيباً كان يقرأ من الكتب التي كان الله أنزلها على إبراهيم عليه السلام.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وشعيب.
فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود.
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه.
أن شعيباً مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة، بين دار الندوة وبين باب بني سهم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس قال: كان شعيب خطيب الأنبياء.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر شعيباً قال: ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة، فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن حلها فما رآها قال: يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا ** عنكم سميراً وعمران بن شداد إني أرى عينة يا قوم قد طلعت ** تدعو بصوت على ضمانة الواد وإنه لا يروي فيه ضحى غد ** إلا الرقيم يحشى بين أنجاد وسمير وعمران كاهناهم، والرقيم كلبهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ﴾ .
هذا ترجمة وتفسير للأسماء المكنية التي في قوله: ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ ﴾ (١) ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ﴾ ﴿ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ ، مثل قوله: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ ، قاله أبو علي الجرجاني (٢) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ .
يقال: غني (٣) (٤) وَلَقَد غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ...
فيِ ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوتادِ (٥) أراد: أقاموا فيها.
قال المفسرون (٦) ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ : كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال الشاعر: غَنينا زمانًا بالتصَعْلُكِ والغِنى ...
وكُلاًّ سَقَاناهُ بكَأسَيهِما الدّهْرُ (٧) قال: فمعنى (غنينا زمانًا) أي: عشنا زمانًا، بالتصعلك وهو الفقر) (٨) ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ : (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر: كأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ...
أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ بَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا ...
صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ (١٣) ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾ إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران.
وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴾ ، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١) في (ب): ﴿ فىِ دِيَارِهِمْ ﴾ والجمع جاء في سورة هود: 67 و94 ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ .
(٢) لم أقف عليه.
(٣) الغِنَى مقصور مكسور الأول من اليسار وكثرة المال والغناء ممدود ومفتوح الأول النفع والكفاية، والغناء ممدود مكسور الأول من الصوت، وغَني القوم في دارهم: أقاموا كأنهم استغنوا بها، ومَغَانيهم: منازلهم.
انظر: "العين" 4/ 450، و"الجمهرة" 2/ 964، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 119، و"البارع" ص 419، و"تهذيب اللغة" 3/ 2703، و"الصحاح" 6/ 2449، و"مقاييس اللغة" 4/ 397، و"المجمل" 3/ 687، و"المفردات" ص 615، و"اللسان" 6/ 3308 (غنى).
(٤) الأسْوَد بن يَعْفُر بن عبد الأسود النَّهْشَلي، أبو الجراح، أعشى نَهْشل، شاعر جاهلي مقدم فصيح فحل جواد، كان ينادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 143 و147، و"الشعر والشعراء" ص 152، و"الأغاني" 13/ 17، و"الأعلام" 1/ 330.
(٥) الشاهد في "المفضليات" ص 217، و"الحماسة البصرية" 2/ 412، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 362، و"تفسير الرازي" 14/ 182، و"الخازن" 2/ 264، و"الدر المصون" 5/ 387، وهو من قصيدته الدالية المشهورة التي كانت مثار إعجاب الخلفاء والولاة، انظر: "الأغاني" 13/ 22.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 5، وأخرجه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة وابن زيد، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 55، والسمرقندي 1/ 556، والماوردي 2/ 240، والبغوي 3/ 259.
(٧) الشاهد لحاتم الطائي في "ديوانه" ص51، و "معاني الزجاج" 2/ 258، و"تفسير الثعلبي" 1/ 6، وابن عطية 6/ 11، وابن الجوزي 3/ 232، والقرطبي 7/ 252، و"البحر" 4/ 346، وفي "الديوان": غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى ...
كما الدّهرُ في أيّامِه العُسْرُ واليُسرُ كَسَينا صُرُوفَ الدَّهرِ لِينًا وغِلظَة ...
وكُلا سَقَاناه بكأسيهما الدهرُ (٨) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 258.
(٩) لفظ: (يغنى) ساقط من (ب).
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) قال ابن عطية في "تفسيره" 6/ 10: (الذي استقريت عن العرب أن غنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضي) اهـ.
والمشهور عن أهل اللغة والتفسير أنها لمطلق الإقامة، قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 221: (أي: لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها) وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 487، و"تفسير المشكل" ص 86.
(١٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/233، والطبري 9/ 5، وابن أبي حاتم 5/ 1524 بسند جيد بلفظ: (كأن لم يعيشوا فيها كأن لم ينعموا فيها) اهـ.
(١٣) البيتان في "السيرة" لابن هشام 1/ 126، و"العقد الفريد" 5/ 59، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 256، و"الأغاني" 15/ 10 - 16 - 23، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 362، و"الروض الأنف" 1/ 127، والرازي 14/ 182 ، و"معجم البدان" 2/ 225، و"الحماسة البصرية" 2/ 411، و"اللسان" 2/ 792 == (حجن) والبيت الأول في "الصحاح" 5/ 1097 (حجن)، و"الأفعال" للسرقسطي 3/ 554، وابن عطية 6/ 9، و"البحر" 4/ 346، وعند الأكثر هما لعمرو بن الحارث الجُرْهُمي، وقيل هما لمُضَاض بن عمرو الجرهمي، وقيل هما للحارث الجرهمي.
(والحَجُون) جبل بأعلى مكة.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 225 (والصَّفَا) مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، انظر: "معجم البلدان" 3/ 411، والعواثر: جمع عاثرة، وهي الحادثة التي تعثر بصاحبها.
انظر: "اللسان" 5/ 2807 (عثر).
(١٤) انظر: "البيان" 1/ 368، و"التبيان" 1/ 384، و"الفريد" 2/ 333 - 334، و"الدر المصون" 5/ 385 - 387.
(١٥) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(١٦) لفظ: (للرجل) ساقط من (ب).
(١٧) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 233، وهو عند الرازي 14/ 182 بدون نسبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي آية ظاهرة، ولم تعين في القرآن آية شعيب ﴿ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان ﴾ كانوا ينقصون في الكيل والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يكال به مناسبة للميزان، كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل والميزان مصدرين ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط تُوعِدُونَ ﴾ قيل هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على الطريق يردّون الناس عن اتباع شعيب ويوعدونهم إن اتبعوه ﴿ وَتَصُدُّونَ ﴾ أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ذكر في [آل عمران: 99] ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أي ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عوجهم إلى ملة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي قولهم: لتعودن في ملتنا أن شعيباً ومن كان معه كانوا أولاً على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك محال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها فالجواب بمن وجهين: أحدهما: قاله ابن عطية وهو إن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذكل الحال الذي صار إليه، والثاني: قاله الزمخشري وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم ويكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ أي إن عندنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ﴾ هذا استسلام لقضاء الله على وجه التأدب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لما تبرأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه فإن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر؟
فالجواب: أنه قال ذلك تواضعاً وتأدباً مع الله تعالى، واستسلاماً لأمره كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» مع أنه قد علم أنه يثبته ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ أي احكم ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ﴿ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ أي كيف أحزن عليهم وقد استحقوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم ﴿ بالبأسآء والضرآء ﴾ قد تقدم ﴿ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم اختباراً لهم في الحالتين ﴿ حتى عَفَوْاْ ﴾ أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ﴾ أي قد جرى ذلك لآبائنا ولم يضرهم فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.
<div class="verse-tafsir"
القراءة كما مر.
الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إصلاحها ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج ه لعطف المتفقتين أو وقوع العارض أو رأس الآية ﴿ عوجاً ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع طول الكلام ﴿ فكثركم ﴾ ج لعطف المتفقتين ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بيننا ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ ملتنا ﴾ ط ﴿ كارهين ﴾ ه وقيل لا وقف لأن الابتداء بقوله ﴿ وقد افترينا ﴾ قبيح قلنا إذا كان محكياً عن شعيب كان أقبح ولكن الكلام معلق بشرط يعقبه.
﴿ منها ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ ربنا ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ط ﴿ توكلنا ﴾ وللعدول ﴿ الفاتحين ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه ج إن وصل وقف على ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ على جعل ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ أصبحوا ﴾ و ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ حال لمعنى في الجاثمين.
وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ وقف على ﴿ جاثمين ﴾ وعلى ﴿ فيها ﴾ ومن لم يقف على ﴿ فيها ﴾ وجعل ﴿ الذين ﴾ بدلاً من ﴿ الذين ﴾ الأول وقف على ﴿ شعيب ﴾ ويستأنف بـ ﴿ كانوا ﴾ ولا يخلو من تعسف.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ ونصحت لكم ﴾ ط لأن ﴿ كيف ﴾ للتعجب فيصلح للابتداء مع أنه فيه فاء التعقيب.
﴿ كافرين ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: القصة السادسة قصة شعيب ومدين اسم البلد.
وقيل: اسم القبيلة لأنه شعيب بن توبب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وذلك أنه أمرهم بأشياء: الأوّل: عبادة الله، أمرهم بها ونهاهم عن عبادة غير الله وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء.
الثاني: تصديق ما ادعاه من النبوّة وأشار إليه بقوله ﴿ قد جاءتكم بينة ﴾ أي معجزة دالة على نبوّتي.
ففي الآية دلالة مجملة على أن لشعيب معجزة ظاهرة كما ينبغي لكل مدعي نبوّة وإلا كان متنبئاً، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم يذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وآله فيه.
يحكى أنه دفع إلى موسى عصاه وتلك العصا ربت التنين وأيضاً قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولاداً عنقها أسود وسائرها أبيض وقد وهبتها منك وكان الأمر كما أخبر.
وكل ذلك قبل أن يستنبأ موسى.
فقال أهل السنة: إن هذه الأمور علامات نبوّة موسى ويسمى إرهاصاً.
وقالت المعتزلة: إنها معجزات شعيب بناء على أن الإرهاص عندهم غير جائز.
الثالث قوله ﴿ فأوفوا الكيل ﴾ الآية.
واعلم أن للأنبياء عليهم السلام أن يبدأوا في الموعظة بما يكون قومهم مقبلين عليه.
وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف فكأنه يقول: البخس عبارة عن الخيانة بالشيء القليل وهو أمر مستقبح في العقول ومع ذلك فقد جاءت البينة والشريعة الموجبة لتحريمه فلم يبق لكم فيه عذر فأوفوا الكيل والميزان.
قال في الكشاف: لم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود لأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو سمى ما يكال به بالكيل كما قيل العيش لما يعاش به، أو أريد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو الميزان مصدر كالميعاد والميلاد.
الرابع ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ يقال: بخسته حقه إذا نقصته إياه ومنه قيل للمكس البخس.
وفي المثل تحسبها حمقاء وهي باخس.
قال ثعلب: وإن شئت قلت باخسة وذلك بتأويل الإنسان أن النسمة يضرب لمن لا يعبأ به وفيه دهاء وجربزة.
خص أولاً ثم عمم ليشمل جميع أنواع الظلم كالغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بوجوه الاحتيال.
يروى أنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه، وكانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطعاً ثم أخذوها بنقصان ظاهر وأعطوه بدلها زيوفاً.
الخامس ﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ وهذا أعم من البخس لشموله الأموال والأعراض والنفوس وكل ما يوجب مفسدة دنيوية أو دينية.
والمعنى بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف أو هو كقوله ﴿ بل مكر الليل والنهار ﴾ أي بعد الإصلاح فيها يعني إصلاح الصالحين من الأنبياء ومتابعيهم العالمين بشرائعهم ﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من الأمور الخمسة ﴿ خيرٌ لكم ﴾ في الإنسانية وحسن الأحدوثة وزيادة البركة لرغبة الناس في متاجرتكم عند اشتهاركم بالأمانة والديانة.
ولا يخفى أن حاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مصدقين لي في قولي.
ثم فصل بعض ما أجمل فقال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ قيل: الصراط حقيقة وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرق والمراصد كما كانت تفعل قريش بمكة يخوّفون من آمن بشعيب ويقولون إنه كذاب لا يفتنكم عن دينكم، أو كانوا يقطعون الطرق أو كانوا عشارين.
وقيل: إنه مجاز عن الدين أي لا تقعدوا على طريق الدين ومنهاج الحق لأجل أن تمنعوا الناس عن قبوله اقتداء بالشيطان حيث قال ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ ودليل هذا المجاز قوله ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ يقال: قعد بمكان كذا أي التصق به، وعلى مكان كذا أي علا ذلك المكان وفيه إذا حل، فحروف الجر تتعاقب في مثل هذا الموضع لتقارب معانيها.
ومحل ﴿ توعدون ﴾ وما عطف عليه نصب على الحال، نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه الأفعال.
وإنما قال ﴿ بكل صراط ﴾ مع أن صراط الحق واحد لأنه يتشعب إلى معالم وحدود وأحكام كثيرة كل منها في نفسه سبيل، وكانوا إذا رأوا أحداً يشرع فيها أوعدوه وصدوه.
والضمير في ﴿ به ﴾ راجع إلى كل صراط والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التقبيح والتفظيع.
ومعنى ﴿ وتبغونها ﴾ تطلبون لسبيل الله ﴿ عوجاً ﴾ أي تصفونها للناس بأنها معوجة وذلك بإلقاء الشكوك والشبهات.
قال في الكشاف: أو يكون تهكماً بهم وأنهم يطلبون لها ما هو محال لأن طريق الحق لا تعوج.
ثم ذكرهم نعم الله لأن ذكر النعم مما يحمل على الطاعة ويبعد عن المعصية فقال ﴿ واذكروا إذ كنتم ﴾ أي وقت كونكم ﴿ قليلاً فكثركم ﴾ قال الزجاج يحتمل كثرة العدد بعد القلة وكثرة الغنى بعد الفقر وكثرة القدرة والشدة بعد الضعف والذلة.
قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء وصاروا كثيراً في العدة والعدة والشدّة.
ثم حذرهم سوء عاقبة من أفسد قبلهم من الأمم وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة فقال ﴿ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ رغبهم أولاً ثم رهبهم ثانياً وأكد الترهيب بقوله ﴿ وإن كان طائفة ﴾ الآية.
وفيه وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين وحث لهم على الصبر على ما يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم بمقتضى العدل والحكمة خير الحاكمين.
ثم حكى جواب قومه المحجوجين المستكبرين وذلك قولهم ﴿ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴾ أي أحد الأمرين كائن لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى الكفر.
وههنا سؤال وهو أن الكفر على الأنبياء محال فكيف يتصور عوده إليه؟
وهب أن قول الكفار ليس حجة أليس قول شعيب حجة حيث قال ﴿ إن عدنا في ملتكم ﴾ ؟
وأجيب بأن الكلام بني على التغليب، وأن شعيباً أراد عود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم لما ذكرنا، أو لعل رؤساءهم قالوا ذلك تلبيساً على القوم وشعيب أجرى كلامه على وفق ذلك، أو أنه كان في أوّل أمره يخفي مذهبه فتوهموا أنه على دينهم، أو أريد بالملة الشريعة التي صارت منسوخة بشرعه، أو يطلق العود على الابتداء كقوله: وإن تكن الأيام أحسنّ مرّة *** إليّ فقد عادت لهن ذنوب.
قال شعيب في جوابهم ﴿ أوَلو كنا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والواو للحال والتقدير: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهيتنا؟.
ثم صرح بأنه لا يفعل ذلك فقال ﴿ قد افترينا على الله كذباً ﴾ إن فعلنا ذلك وذلك أن أصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة والبراءة عن الكذب والعود في ملتكم ينافي ذلك.
ومعنى قوله ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ بعد أن علمنا قبحه وفساده ونصب الأدلة على بطلانه، أو المراد نجى قومه فغلب، أو المراد على حسب زعمكم ومعتقدكم كما مر.
قال في الكشاف: وقوله ﴿ قد افترينا ﴾ إخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام لأن الارتداد أعظم من الكفر حيث إن المرتد يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل وكفره أزيد.
والثاني أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام معناه والله لقد افترينا على الله كذباً ﴿ وما يكون لنا ﴾ أي ما ينبغي لنا وما يصح ﴿ أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ﴾ قال أهل السنة: في الآية دلالة على أن المنجي من الكفر هو الله وكذا المعيد إليه قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل ﴿ واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ﴾ وكثيراً ما كان يقول نبينا : "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" وقال يوسف ﴿ توفني مسلماً ﴾ أجابت المعتزلة بوجوه: الأوّل: أن قوله ﴿ إلا أن يشاء ﴾ قضية شرطية أي إن شاء يعد وليس فيه بيان أنه شاء أم أبى.
الثاني: أن هذا على طريق التبعيد والإحالة.
كما يقال لا يفعل ذلك إلا إذا ابيض القار وشاب الغراب.
الثالث: لعل المراد ما لو أكرهوا على العود فإن إظهار الكفر عند الإكراه جائز وإن كان الصبر أفضل وما كان جائزاً صح أن يكون مراد الله كما أن المسح على الخفين مراد الله وإن كان غسل الرجلين أفضل.
الرابع: يحتمل أن يعود الضمير في ﴿ فيها ﴾ إلى قرية.
كأنه قال: إن أخرجتمونا من القرية حرم علينا العود فيها إلا بإذن الله .
الخامس: المشيئة عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل فإنه يريد الكفر من الكافر ولا يجوز فعله إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر فيحتمل أن يراد بالمشيئة ههنا الأمر فيكون التقدير: إلا أن يأمر الله أن نعود إلى شريعتكم المنسوخة، فإن الشرع المنسوخ لا يبعد أن يأمر الله بالعمل به مرة أخرى.
السادس: قال الجبائيّ: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف التعبد فيها بالأوقات كالصوم والصلاة، فمن الجائز أن يكون بعض أحكام الشريعة المنسوخة باقياً فيكون المعنى إلا أن يشاء الله إبقاء بعض تلك الملة فيدلنا عليها.
ثم إن المعتزلة تمسكوا بالآية على صحة قولهم من وجهين: أحدهما: أن قوله ﴿ وما يكون لنا ﴾ معناه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود وذلك يقتضي أن كل ما شاء وجوده كان فعلاً جائزاً مأذوناً فيه، وما كان حراماً ممنوعاً منه لم يكن مراد الله .
وثانيهما: أن قوله ﴿ لنخرجنك ﴾ أو ﴿ لتعودن ﴾ لا وجه للفصل بينهما فإن كان العود بخلق الله كان الإخراج أيضاً بخلقه.
قلت: للسني أن يلتزم ذلك.
أما قوله ﴿ وسع ربنا كل شيء ﴾ فوجه تعلقه بما تقدمه على قول الجبائيّ هو أن التكليف بحسب المصالح فيكون معنى قول شعيب إلا أن يشاء الله إلا أن تختلف المصلحة في تلك العبادات فحينئذ يكلفنا بها والعلم بالمصالح لا يكون إلا بأن وسع كل شيء علماً.
وقالت الأشاعرة: وجه التعلق هو أن القوم لمّا قالوا لنخرجنك أو لتعودن قال شعيب ﴿ وسع ربنا كل شيء علماً ﴾ فربما كان في علمه قسم ثالث: وهو أن يبقينا في القرية مؤمنين ويجعلكم مقهورين خاسرين ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك ﴿ على الله توكلنا ﴾ أي لا على غيره وانتصاب ﴿ علماً ﴾ على التمييز.
وفي قوله ﴿ وسع ﴾ بلفظ الماضي دلالة على أنه كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات فلا يخرج عن شيء عن مقتضى علمه وهو معنى جفاف الأقلام وطي الصحف ولزوم الأحكام وسعادة السعيد وشقاوة الشقي ويعلم من عموم كل شيء أنه علم الماضي والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف يكون.
فهذه أقسام أربعة يقع كل منها على أربعة أوجه لأنه علم الماضي كيف كان، وعلم أنه لو لم يكن ماضياً بل كان حالاً أو مستقبلاً أو معدوماً محضاً فإنه كيف يكون، وكذا الكلام في الأقسام الأخر فيكون المجموع ستة عشر.
وإذا اعتبر كل منها بحسب كل جنس أو نوع أو صنف أو شخص من الجواهر أو الأعراض صار مبلغاً تتحير فيه عقول العقلاء بل تقف دون أوّل قطرة من قطرات بحاره.
ثم إن شعيباً لما أعرض عن الأسباب وارتقى بطريق التوكل إلى مسببها ختم كلامه بالدعاء قائلاً ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: احكم واقض.
وعن ابن عباس: ما أدري ما معناه حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: أفاتحك أي أحاكمك.
وجوز الزجاج أن يكون معنى الآية أظهر أمرنا حتى يتضح وينكشف ما بيننا وبين قومنا.
والمراد أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين.
ثم أثنى على الله بقوله ﴿ وأنت خير الفاتحين ﴾ كما قال ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ قالت الأشاعرة: الإيمان فتح باب الخيرات وهو أشرف صفات المحدثات، فلو كان موجد الإيمان هو العبد كان خير الفاتحين هو العبد.
وللمعتزلة أن يقولوا: لولا ألطافه المرجحة الداعية لم يوجد الإيمان من العبد فصح أن الله هو خير الفاتحين.
ثم بيّن أن رؤساء قوم شعيب لمن يقتصروا على الضلال بل بادروا إلى الإضلال قائلين لمن دونهم ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ أي في الدين أو في الدنيا لأنه يمنعكم من ازدياد الأموال بطريق البخس والتطفيف ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ قد سبق تفسيرها ﴿ الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ﴾ يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها.
والمغاني المنازل إذا كان فيها أهلها.
وقال الزجاج: أي كأن لم يعيشوا فيها مستغنين من الغنى الذي هو ضد الفقر.
وعلى التفسيرين شبه حال المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار كقوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر.
قال في الكشاف ﴿ الذين كذبوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ كأن لم يغنوا ﴾ وكذلك ﴿ كانوا هم الخاسرين ﴾ وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في ديارهم لأن الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله ﴿ الذين كذبوا شعيباً ﴾ هم المختصون بالخسران العظيم دون أتباعه فإنهم الرابحون، وفي هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.
قلت: والعرب قد تكرر للتفخيم والتعظيم فتقول: أخوك الذي ظلمنا أخوك الذي أخذ أموالنا أخوك الذي هتك أعراضنا.
وأيضاً إن القوم لما قالوا ﴿ لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ﴾ بيّن الله تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه وهم الخاسرون.
وفي الآية فوائد أخرى منها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة وإلا حصل في أتباع شعيب كما حصل في حق الكفار.
ومنها أن ذلك الفاعل عليم بالجزئيات حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي.
ومنها أن يكون معجزة لشعيب حيث وقع ذلك العذاب على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلد واحد ﴿ فتولى عنهم ﴾ قد تقدم أن هذا التولي جائز أن يكون قبل نزول العذاب وجائز أن يكون بعده.
قال الكلبي: خرج من بينهم ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بين أظهرهم.
ولما اشتد حزنه على قومه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الإلفة لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابه للإيمان عزّى نفسه وقال ﴿ فكيف آسى على قوم كافرين ﴾ لأنهم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.
والأسى شدة الحزن.
وقيل: المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصيحتي فكيف آسى عليكم لأنكم لستم مستحقين لذلك؟.
التأويل: ﴿ ولا تبخسوا ﴾ فيه أن البخاسة والدناءة والحرص والظلم من الصفات التي يجب تزكية النفس عنها فإن الله يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها.
﴿ ولا تفسدوا في الأرض ﴾ أرض الطبيعة التي جبل الإنسان عليها ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ لا تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكايد.
﴿ إذ كنتم قليلاً فكثركم ﴾ بالتناصر والتعاون في الأمور وبكثرة العدد والعدد نعمة تامة يجب أن تصرف في إعلاء كلمة الدين ﴿ وإن كان طائفة منكم ﴾ أي الروح والقلب ﴿ وطائفة لم يؤمنوا ﴾ وهم النفس وصفاتها ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ لا يجعل الروح والقلب المؤمنين تبعاً للنفس الكافرة في العذاب وإذاقة ألم الهجران ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ إشارة إلى أن كل جنس لا يميل إلا إلى أشكاله وإلا وجد في إيابه من يأمن نهج أضرابه ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ في القسمة الأزلية ﴿ افتح بيننا ﴾ احكم بيننا وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير وإظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ فصارت صورتهم نبعاً لمعناهم فإنهم كانوا جاثمي الأرواح في ديار الأشباح ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ لأن الباطل زاهق لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ .
هو ما ذكرنا فيما تقدم، أي: أرسلنا شعيباً إلى مدين رسولاً.
وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم الأخوة وأنها تكون لوجوه: أخوة النسب، وأخوة الجوهر، وأخوه المودة والخلة، وأخوة الدين، فلا تحتمل أخوة الأنبياء أولئك أخوة الدين والمودة، لكن تحتمل أخوة الجوهر والنسب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .
قد ذكرنا - أيضاً - أن الرسل إنما جاءوا، وبعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، والعبادة له، وأن لا معبود يستحق العبادة سواه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: كانت نفس شعيب بينة وحجة لقومه لكنا لا نعلم ذلك، غير أنا نعلم أنه كانت معه آيات وبراهين، لكن الله لم يبين لنا ذلك، ونفس محمد كانت حجة وبينة بالأعلام التي جعلت له في نفسه؛ من ذلك الختم الذي كان بين كتفيه، والنور الذي كان في وجه من كان في صلبه وقت كونه فيه، والضوء الذي رُوِيَ أنه كان وقت ولادته، والغمام الذي أظله وقت غيبته عن أهله، وحفظه نفسه عن جميع ما كان يتعاطاه قومه من عبادتهم الأصنام وتعاطيهم الفواحش، فهو كان بريئاً من ذلك كله، ولم يؤخذ عليه كذب قط، وقد كان نشأ بين أظهرهم، وغير ذلك من الأعلام التي كانت في نفسه ظاهرة لقومه، فلو لم يكن له آيات غيرها، لكانت واحدة منها كافية لمن لم يكابر، فكيف وقد كانت له آيات حسِّية وعقلية سوى ما ذكرنا تقهر المنصفين على قبولها!
ويحتمل قوله: ﴿ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي: حجة على أنه رسول أو على توحيد الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ وذكر في هود في قصته: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وليس في قوله: ﴿ فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ أنهم كانوا لا يوفون [ولكن فيما ذكر] في سورة هود.
﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ .
ودل قوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ أن الأشياء ملك لهم، وإن كانت في قبض أولئك، وفي أيديهم، ثم يحتمل الأمر بإيفاء الكيل والميزان وجوهاً: أحدها: لما كانوا أمناء؛ لئلا تذهب عنهم تلك الأمانة التي كانت لهم في قومه.
والثاني: لئلا يظلموا الناس في منع حقوقهم وأموالهم.
والثالث: للربا، كأن ما منعوا منه من الكيل والوزن ربا لهم، يدل على ذلك قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ذكر العدل، فلو كان يجوز تلك الزيادة والنقصان إذا طابت أنفسهم بالزيادة والنقصان، لكان لا معنى لذكر القسط فيه؛ لأن من زاد آخر على حقه لم يمنع عن ذلك، ولم يذم، دل النهي عن ذلك على أنه للربا ما منعوا [عن ذلك] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
أي: بعد أن جعلها لكم صالحة لمعاشكم ومقامكم فيها، أو بعد ما أمر وبين لكم ما به صلاحكم وصلاح دينكم، أو بعد ما أرسل من الرسل ما بهم صلاح الأرض وأهلها.
﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، أي: وفاء الكيل والميزان خير لكم من النقصان؛ لما ينمو ذلك الباقي ويزداد، فذلك خير لكم من النقصان الذي تمنعون، فلا ينمو شيئاً، وهو كقوله: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: أمنكم في الآخرة خير لكم من نقصان الكيل والميزان في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ .
يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن كبراء أهل الشرك ورؤساءهم كانوا يُقعدون في الطرق أناساً يصدون الذين يأتون شعيباً للإيمان من الآفاق والنواحي، ويكون [معنى] قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ على هذا التأويل، أي: من أراد أن يؤمن به.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ ﴾ ليس على القعود نفسه، ولكن على المنع من إقامة الشرائع التي شرع الله لشعيب؛ كقول إبليس: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، ليس هو على القعود نفسه، ولكن على المنع؛ يمنعهم عن صراطه المستقيم، فعلى [ذلك] قوله: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ كانوا يمنعون من آمن به عن إقامة الشرائع والعبادات التي دعوا إلى إقامتها، ويوعدون على ذلك ويخوفونهم؛ فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ على وجود الإيمان، وعلى التأويل الأول يكون: من أراد أن يؤمن به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .
قيل: تلتمسون لها أهل الزيغ.
وقيل: تبغون هلاكاً للإسلام، وإبطالاً.
وقيل: تبغون السبيل عوجاً عن الحق، وكله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ .
يحتمل [وجهين]: إذ كنتم قليلاً في العدد، فكثر عددكم زمن لوط، كأنهم إنما توالدوا من بقية آل لوط.
ويحتمل: إذ كنتم قليلاً في الأموال والسعة في الدنيا فكثركم، أي: كثر لكم الأموال ووسع عليكم الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .
أمر بالنظر فيما حل بالأمم الخالية بإفسادهم في الأرض، وتكذيبهم الرسل؛ لأن من نظر في ذلك، وتفكر فيما حل بهم منعه ذلك عن الفساد في الأرض والتكذيب للرسل؛ إذ علم أن ما حل بهم إنما حل بهم لما ذكر، والله أعلم.
كأنه أمر بالنظر في الأسباب التي صار [بها] من تقدمهم أهل فساد، ونزل بهم الهلاك لينزجروا عن مثل صنيعهم، وإلا كانوا عند أنفسهم أهل صلاح لا أهل فساد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ ﴾ .
قال ابن عباس - -: كان قوم شعيب قليلاً حين أدرك ذلك [شعيب]، وقوم آخرون معه يقول لهم ذلك شعيب ، وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا يا معشر المؤمنين، ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ﴾ : يقضي عليهم بالهلاك، ولم يكن شعيب أمر بالقتال.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ﴾ ، يعني المؤمنين، ﴿ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ : من العذاب، ﴿ وَطَآئِفَةٌ ﴾ : يعني الكفار، ﴿ لَّمْ يْؤْمِنُواْ ﴾ : بالعذاب، ﴿ فَٱصْبِرُواْ ﴾ : يا معشر الكفار، ﴿ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ﴾ : في أمر العذاب في الدنيا، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ ﴾ ويحتمل غير هذا، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ويقولون: الله أمرهم بذلك في أشياء يفعلونها، ويقول هؤلاء: إنّ الذي نحن عليه هو الذي أمرنا الله بذلك، فيقول لهم: اصبروا حتى يحكم الله بيننا بأنه بماذا أمر: بالذي عليه الكفار، أم بالذي نحن عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن الملأ من قومه هم كبراؤهم ورؤساؤهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ \[أي استكبروا\] عن الخضوع والطاعة لمن هو دونهم عندهم؛ لأنهم كانوا يضعفون شعيباً فيما بينهم ويزدرونه كقولهم له: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ ثم لم يروا الأمر بالخضوع لمن هو دونهم في أمر الدنيا عدلاً، وهم إنما أخذوا من إبليس اللعين وإياه قلدوا حيث قال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ حين أمر بالسجود لآدم، ولم ير اللعين الأمر بالخضوع لآدم من الله عدلاً، فعلى ذلك هؤلاء لم يروا الخضوع لمن دونهم عندهم عدلاً؛ فاستكبروا عليه، فكفروا لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ ﴾ .
قال الحسن: لنخرجنك، أي: لنقتلنك، والذين آمنوا معك من قريتنا.
وقال غيره: لنخرجنك: الإخراج نفسه، أي: نخرجنك ومن معك من المؤمنين من قريتنا إن لم تتبع ديننا، وقد كان منهم للأنبياء المعنيين جميعاً التوعد بالقتل والإخراج جميعاً؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ ، وكقول قوم لوط للوط: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ﴾ وكقول قوم نوح: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ﴾ ، وما أخبر عن قول هؤلاء لرسولنا حيث قال: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ قد كان من القوم إلى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - المعنيان جميعاً التوعد بالقتل والإخراج جميعاً؛ فعلى ذلك يحتمل ذلك من قوم شعيب ما ذكرنا، والله أعلم.
وكذلك كانوا يقولون للرسل جميعاً؛ حيث قالوا: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ...
﴾ الآية، هكذا كانت عادة جميع الكفرة [أنهم] كانوا يخوفون الرسل بالإخراج مرة وبالقتل مرة ثانية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ لما عندهم أنه كان على دينهم الذي هم عليه لما لم يروا منه عبادته لله فيما [عبده] سرّاً، فقالوا: ﴿ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ على ما كان عندهم أنه على ذلك؛ وهو كما قالوا لصالح: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ كان عندهم أنه على دينهم قبل ذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء لتعودن من العود إلى ما كان عندهم أنه على ذلك.
ويحتمل على ابتداء الدخول فيها والاختيار؛ كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ .
على منع الدخول فيها؛ لا أنهم كانوا فيها، ثم أخرجهم فعلى ذلك الأوّل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ .
يقول: لنعودن في ملتكم، وإن كنا كارهين، أي: [قد] تأبى عقولنا، وتكره طباعنا من الدخول في ملتكم فكيف نعود فيها؟
﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: أن ذلك منه إخبار عن قومه لا عن نفسه، أي: افتروا على الله كذباً إن عادوا في ملتكم بعد إذ نجاهم الله منها، وما يجوز لهم أن يعودوا فيها، وأما هو فإنما أجابهم عن نفسه بما ذكر في سورة هود: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ ، أجاب هو قومه كما أجاب غيره من الرسل قومهم حين أوعدوهم بالقتل والعقوبة، كما قال رسول الله : "ثم كيدون فلا تنظرون" ، [وكما قال هود: ﴿ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ونحو ذلك من الجوابات التي كانت من الأنبياء - عليهم السلام - لأقوامهم.
ويحتمل أن يكون على الابتداء من غير أن كان فيها؛ كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ رفعها ابتداء من غير أن كانت موضوعة، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ إخراج ابتداء لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم.
ويحتمل ما ذكرنا أنه أجابهم على ما عندهم أنه كان على دينهم، فأجاب لهم على ما عندهم أنه على ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ أي: ما يجوز لنا أن نعود فيها، وقول شعيب: ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ تعريض تسفيه منه إياهم أنكم قد افتريتم على الله كذباً لا تصريح؛ حيث لم يقل: قد افتريتم أنتم على الله كذباً، قال: ﴿ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ ، وذلك منه تلطف بهم وترقق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .
اختلف في تأويله: قال الحسن: من حكم الله - عز وجل - أن من قبل دينه وأطاع رسوله أن يكون وليّاً له، وسمى مؤمناً، ومن رد دينه وعصى رسوله يتخذه عدوّاً له، ويكون كافراً.
وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ﴾ : أن يتعبدنا، ويمتحننا ببعض ما كانوا يتقربون به.
ويشرع لهم ما يحل ويسع، لم يرد به الدين [الذي هم] عليه، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن سؤالهم كان العود إلى ملتهم، فعلى ذلك خرج الثنيا.
وقال أبو جعفر بن حرب: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : إلا أن يأمرنا الله بما يؤيسهم بذلك على الإياس، وقطع الرجاء، أي: لا يشاء الله ألبتة ذلك؛ كما يقال: كان كذا إن صعدت السماء، وكقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ ، فعلت كذا، مما يعلم أنه لا يكون؛ فعلى ذلك هذا كله بعيد محال.
أما قول الحسن: إن من حكم الله أنه من ردّ دينه وعصى رسوله، أنه يكون من الكافرين، ومن قبل دينه وأطاع رسوله، يكون من المؤمنين، فليس فيه سوى أنه يقول: إنه يعلم من كفر به ومن آمن به، فلا معنى للاستثناء لو كان التأويل ما ذكر.
وأما قول أبي بكر: إنه يتعبدهم ويمتحنهم بما يتقربون في دينهم وملتهم مما يجوز أن يأذن في ذلك، فذلك لا يحتمل؛ لأنه ذكر الملة التي كانوا هم عليها، فإليها ترجع الثنيا لا يجوز [أن تصرف الثنيا] إلى غيرها.
وأما قول من يقول بالإياس وقطع الطمع عن ذلك: فذلك - أيضاً - بعيد؛ لأن الإياس إنما يكون فيما يعلم أنه لا يكون ألبتة من نحو ما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ﴾ ونحوه، وأمّا مثل هذا فإنهم لا يفهمون منه الإياس وقطع الرجاء، بل كانوا يأتون بالفواحش، ويقولون: الله أمرهم بذلك، فأنَّي يقع لهم الإياس بذلك؟!
وأمّا عندنا فإنه على حقيقة المشيئة، وذلك أن مَن علم الله منه أنه يختار الكفر، ويؤثر ذلك على فعل الإيمان والطاعة - يشاء ذلك له على [ما] علم أنه يختار، ومن علم منه أنه لا يختار ذلك لا يشاء؛ إذ لا يجوز أن يعلم منه غير الذي يكون أو أن يشاء غير الذي علم أنه يكون منه؛ لأنه جهل وعجز.
وأصله: أن شعيباً خاف أن تسبق منه زلة ويصير منه الاختيار لذلك فيشاء الله بذلك الزيغ والضلال، وكذلك جميع الأنبياء خافوا ذلك؛ كقول إبراهيم - - حيث قال: ﴿ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾ وقول يوسف حيث قال: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ ﴾ كان خوف الأنبياء - عليهم السلام - أكثر من خوف غيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ .
معناه - والله أعلم - أنه لا نعلم إلى ماذا تصير عاقبة أمرنا، وعلم الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ .
قيل: على الله اعتمدنا فيما تخوفُنَّنا من الإخراج، وإليه نلجأ في سلطانه وملكه، وبه نثق في وعده بما يعدنا من النصر والظفر على الأعداء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ ٱفْتَحْ ﴾ ، أي: احكم بيننا وبين قومنا بالحق.
روي عن ابن عباس - - قال: ما كنت أعلم ما معنى الفتح في الآية حتى تزوجت امرأة من بني كذا، فوقعت بيننا مخاصمة، فقالت لي: تعال حتى أفاتحك إلى فلان، فعند ذلك عرفت أن المفاتحة هي المحاكمة.
وقوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل: هو العذاب الذي كان وعد لهم أن ينزل عليهم بتكذيبهم شعيباً وبأذاهم إياه.
ثم [ليس] للمعتزلة أدنى تعلق بقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، يقولون: هو الدعاء والسؤال، وإن كان لا يحكم إلا بالحق، فعلى ذلك يقولون في قوله: ﴿ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ونحوه وكذلك يقولون في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لكن عندنا يخرج قوله: ﴿ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ و: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ على وجوه: أحدها: يقول: ربنا افتح بيننا بحكمك وهو الحق.
والثاني: يقول: رب احكم بالحق في حادث الوقت كما حكمت في الوقت الماضي، وهو كقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ وهو النبوة والهداية.
والثالث: على استعجال العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .
قد ذكرنا أن الملأ هم كبراؤهم وسادتهم، يقولون للأتباع والسفلة: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .
قال أبو بكر: لجاهلون.
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن شعيباً كان يحذر قومه بالتطفيف في الكيل والوزن، ويأمرهم بوفاء حقوق الناس، بقوله: فأوفوا الكيل ولا تكونوا كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيقول الكبراء والرؤساء للسفلة: لئن اتبعتم شعيباً في دينه وما يأمركم به من وفاء الحق للناس، فإنكم إذاً لخاسرون للأرباح.
والثاني: أنه كان يحذرهم ويمنعهم عن عبادة الأصنام والأوثان، ويدعوهم إلى عبادة الله، ويرغبهم في ذلك، وهم كانوا يعبدون تلك الأصنام لتقربهم عبادتهم إياها إلى الله زلفى، وتكون لهم شفعاء في الآخرة، فقالوا: لئن اتبعتم شعيباً فيما يدعوكم إليه وينهاكم عنه، لكنتم من الخاسرين، لا شفعاء لكم في الآخرة.
والثالث: أنهم كانوا يوعدون شعيباً بالإخراج بقولهم: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ ﴾ فقالوا: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ﴾ وهو يخرج لا محالة فتخرجون أنتم فصرتم من الخاسرين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ ﴾ .
قيل: الصيحة.
وقيل: الزلزلة.
قيل: أصابهم حرّ شديد، فرفعت لهم سحابة، فخرجوا إليها يطلبون الروح تحتها [فلما كانوا تحتها] سال عليهم العذاب، ورجفت بهم الأرض، فهلكوا، وهو ما ذكر في آية أخرى عذاب يوم الظلة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ .
قد ذكرنا قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
هو - والله أعلم - مقابل قولهم: ﴿ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ وجواب لهم يقول: الذين كذبوا شعيباً هم الخاسرون لا الذين اتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ .
قيل: كأن لم يعيشوا فيها، ولم ينعموا قط.
وقيل: كأن لم يقيموا فيها.
قال القتبي: يقال: غنينا بمكان كذا وكذا، أي: أقمنا، ويقال للمنازل: مغان، واحدها: مغنى، ويقال: كأن لم يغنوا فيها، أي: كأن لم يكونوا فيها قط.
وهو - والله أعلم - لما كانوا يستقلون نعم الله عليهم، ويستحقرونها، حتى قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ونحوه، وكله إخبار عن قطع آثارهم أنه لم يبق منهم أحد يحزن عليهم أو يبكي عليهم، حتى قال شعيب: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ﴾ .
وجائز أن يكون قول شعيب حيث قال: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ﴾ حين علم أنهم يهلكون، وينزل بهم العذاب، أي: لا أحزن عليهم [على] ما ذكر.
وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قال ذلك في الوقت الذي قال: ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ ﴾ يقول: كيف أحزن على قوم وعملهم ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ .
حين رآهم هلكى، فقال: فكيف آسى على قوم، أي: كيف أحزن على قوم قد كذبوني، واختاروا عداوتي، وصاروا علي أعداء، فكيف أحزن عليهم بالهلاك، وهم أعدائي.
وقوله: ﴿ يٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا هذا.
<div class="verse-tafsir"
الذين كَذَّبُوا شعيبًا هلكوا جميعًا، وصاروا كأنهم لم يقيموا بدارهم ولم يتمتعوا فيها، الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين؛ لأنهم خسروا أنفسهم وما ملكوا، ولم يكن المؤمنون من قومه هم الخاسرين كما ادعى هؤلاء الكافرون المكذبون.
<div class="verse-tafsir" id="91.rjpwb"