الآية ٩٥ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٩٥ من سورة الأعراف

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) أي : حولنا الحال من شدة إلى رخاء ، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ، ومن فقر إلى غنى ، ليشكروا على ذلك ، فما فعلوا .

وقوله : ( حتى عفوا ) أي : كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم ، يقال : عفا الشيء إذا كثر ، ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) يقول تعالى : ابتلاهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله ، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا بل قالوا : قد مسنا من البأساء والضراء ، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر ، وإنما هو الدهر تارات وتارات ، ولم يتفطنوا لأمر الله فيهم ، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين .

وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء ، ويصبرون على الضراء ، كما ثبت في الصحيحين : " عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " فالمؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من السراء والضراء ; ولهذا جاء في الحديث : " لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه ، والمنافق مثله كمثل الحمار ، لا يدري فيم ربطه أهله ، ولا فيم أرسلوه " ، أو كما قال .

ولهذا عقب هذه الصفة بقوله : ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) أي : أخذناهم بالعقوبة بغتة ، أي : على بغتة منهم ، وعدم شعور منهم ، أي : أخذناهم فجأة كما جاء في الحديث : " موت الفجأة رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (ثم بدلنا) أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء=(مكان السيئة)، وهي البأساء والضراء.

وإنما جعل ذلك " سيئة " ، لأنه ممّا يسوء الناس= ولا تسوءهم " الحَسَنة "، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة (34) =( حتى عفوا ) ، يقول: حتى كَثرُوا.

* * * وكذلك كل شيء كثر، فإنه يقال فيه: " قد عفا "، (35) كما قال الشاعر: (36) ولَكِنَّــا نُعِــضُّ السَّــيْفَ مِنْهَــا بِأَسْــوُقِ عَافِيَــاتِ الشَّــحْمِ كُـومِ (37) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك.

14873-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: مكان الشدة رخاء=( حتى عفوا) .

14874-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: " السيئة " ، الشر، و " الحسنة " ، الرخاء والمالُ والولد.

14875-حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ( مكان السيئة الحسنة ) ، قال: " السيئة " ، الشر، و " الحسنة " ، الخير.

14876-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) ، يقول: مكان الشدة الرَّخاء.

14877-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ) ، قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا=(حتى عفوا) ، من ذلك العذاب=( وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) .

* * * واختلفوا في تأويل قوله: ( حتى عفوا ) .

فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: 14878-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( حتى عفوا ) ، يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ( حتى عفوا ) ، قال: جَمُّوا.

(38) 14879-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( حتى عفوا ) ، قال: كثرت أموالهم وأولادهم.

14880-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

14881-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ( حتى عفوا ) ، حتى كثروا.

14882-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى جَمُّوا وكثروا.

14883-...

قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى جَمُّوا.

14884-...

قال ، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ( حتى عفوا ) ، يعني: جَمُّوا وكثروا.

14885-...

قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مجاهد: ( حتى عفوا ) ، قال: حتى كثرت أموالهم وأولادهم.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( حتى عفوا ) ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش، (39) ثم أخذهم عند ذلك (بغتة وهم لا يَشْعُرون).

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.

* ذكر من قال ذلك.

14886-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ( حتى عفوا ) ، يقول: حتى سُرُّوا بذلك.

* * * قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله قتادة في معنى : " عفوا " ، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب.

لأنه لا يعرف " العفو " بمعنى السرور ،في شيء من كلامها ، إلا أن يكون أراد: حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم، فيكون ذلك وجهًا، وإن بَعُد.

* * * وأما قوله: ( وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها ، استدراجًا وابتلاء ، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا ، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها= وهي" السراء "، لأنها تَسرُّ أهلها.

(40) وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.

يقول جل جلاله: ( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) ، يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة ، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، (41) وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه.

(42) * * * ------------------------ الهوامش: (34) انظر تفسير"الضراء" فيما سلف قبل في التعليق السابق.

= وتفسير"السراء" فيما سلف 7: 213.

= وتفسير"السيئة" و"الحسنة" ، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن).

= وتفسير"مس" فيما سلف ص: 540 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(35) انظر تفسير"عفا" فيما سلف 3: 370/ 4: 343.

(36) هو لبيد.

(37) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 4: 343.

(38) "جم الشيء" ، و"استجم" ، كثر.

و"مال جم" ، كثيرة.

(39) "الريش" (بكسر الراء): المتاع والأموال.

(40) انظر تفسير"السراء" ومراجعه فيما سلف قريبًا ص: 573 ، تعليق: 1.

(41) انظر تفسير"البغتة" فيما سلف 11: 325 ، 360 ، 368.

(42) انظر تفسير"شعر" فيما سلف ص: 93 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة أي أبدلناهم بالجدب خصبا .حتى عفوا أي كثروا ; عن ابن عباس .

وقال ابن زيد : كثرت أموالهم وأولادهم .

وعفا : من الأضداد : عفا : كثر .

وعفا : درس .

أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا .وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم .فأخذناهم بغتة أي فجأة ليكون أكثر حسرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ ْ} إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم.

{ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ْ} فَأدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء { حَتَّى عَفَوْا ْ} أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء.

{ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ْ} أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا للاستدراج والنكير حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب { بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ْ} أي: لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ) يعني : مكان البأساء والضراء الحسنة ، يعني : النعمة والسعة والخصب والصحة ، ( حتى عفوا ) أي : كثروا وازدادوا ، وكثرت أموالهم ، يقال : عفا الشعر إذا كثر .

قال مجاهد : كثرت أموالهم وأولادهم ( وقالوا ) من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى الرخاء ، ( قد مس آباءنا الضراء والسراء ) أي : هكذا كانت عادة الدهر قديما لنا ولآبائنا ، ولم يكن ما مسنا من الضراء عقوبة من الله ، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء ، قال الله تعالى : ( فأخذناهم بغتة ) فجأة آمن ما كانوا ( وهم لا يشعرون ) بنزول العذاب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم بدَّلنا» أعطيناهم «مكان السيئة» العذاب «الحسنة» الغنى والصحة «حتى عفوا» كثروا «وقالوا» كفرا للنعمة «قد مس آباءنا الضرَّاء والسرَّاء» كما مسنا وهذه عادة الدهر وليست بعقوبة من الله فكونوا على ما أنتم عليه قال تعالى: «فأخذناهم» بالعذاب «بغتة» فجأة «وهم لا يشعرون» بوقت مجيئه قبله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم بدَّلنا الحالة الطيبة الأولى مكان الحالة السيئة، فأصبحوا في عافية في أبدانهم، وسَعَة ورخاء في أموالهم؛ إمهالا لهم، ولعلهم يشكرون، فلم يُفِد معهم كل ذلك، ولم يعتبروا ولم ينتهوا عمَّا هم فيه، وقالوا: هذه عادة الدهر في أهله، يوم خير ويوم شر، وهو ما جرى لآبائنا من قبل، فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم آمنون، لا يخطر لهم الهلاك على بال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان ابتلائه للناس فقال : ( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ) المراد بالسيئة ما يسوء ويحزن كالشدائد والأمراض .

وبالحسنة السعة والصحة وأنواع الخيرات .أى : ثم بعد ان ابتلينا هؤلاء الغافلين بالبأساء والضراء رفعنا ذلك عنهم ، وابتليناهم بضده ، بأن أعطيناهم بدل المصائب نعما ، فإذا الرخاء ينزل بهم مكان الشدة ، واليسر مكان الحرج ، والعافية بدل الضر ، والذرية بدل العقم .

والكثرة بدل القلة ، والأمن محل الخوف .قال الآلوسى : وقوله : ( ثُمَّ بَدَّلْنَا ) معطوف على ( أَخَذْنَا ) داخل فى حكمه ، وهو - أى بدلنا - متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أى : أعطيناهم الحسنة فى مكان السيئة ومعنى كونها فى مكانها أنها بدل منها .ويرى بعض العلماء أن لفظ ( مَكَانَ ) مفعول به لبدلنا وليس ظرفا ، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة ، فالحسنة هى المأخوذة الحاصلة فى مكان السيئة المتروكة .وقوله : ( حتى عَفَوْاْ ) أى : كثروا ونموا فى أنفسهم وأموالهم .

يقال : عفا النبات ، وعفا الشحم إذا كثر وتكاثف .

وأعفيته .

أى : تركته يعفو ويكثر ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " وأعفوا اللحى " أى : وفروها وكثروها .فماذا كان موقفهم من ابتلاء الله إياهم بالشدائد تارة وبالنعم أخرى؟

لقد كان موقفهم يدل على فساد فطرتهم ، وانحطاط نفوسهم ، وعدم اتعاظهم بما تجرى به الأقدار ، وبما بين أيديهم من سراء وضراء تحمل كل عاقل على التفكير والاعتبار .استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم فيقول : ( وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ) .أى : أنهم حينما رأوا ألوان الخيرات بين أيديهم بعد أن كانوا فى بأساء وضراء ، لم يعتبروا ولم يشكروا الله على نعمه ، بل قالوا بغباء وجهل .

قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر ، وتناوبهم ما ينفع وما يضر ، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم ، وقد أخذنا دورنا من الضراء كما أخذوا ، وجاء دورنا فى السراء فلنغنمها فى إرواء شهواتنا .

وإشباع متعنا ، فتلك عادة الزمان من أبنائه ولا داعى لأن ننظر إلى السراء والضراء على أنهما نوع من الابتلاء والاختبار .وهذا شأن الغافلين الجاهلين فى كل زمان ومكان ، إنهم لا يعتبرون بأى لون من ألوان العبر ، ولا يستشعرون فى أنفسهم تحرجا من شىء يعملونه .وإن قولهم هذا ليوحى بحالة نفسية خاصة " حالة عدم المبالاة والاستهتار " وهى حالة أكثر ما تكون مشاهدة فى أهل الرخاء والجاه .

فهم يسرفون ويبذرون بدون تحرج ، ويرتكبون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان بدون اكتراث ، وتغشاهم العبر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ومع كل ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون .هذا شأنهم ، أما المؤمنون فإنهم ليسوا كذلك ، وإنما هم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله : " عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن .

إن اصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " .ولم يترك القدر أولئك الغافلين بدون قصاص ، وإنما فاجأهم بالعقوبة التى تناسبهم ، قال - تعالى - : ( فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) أى : فكان عاقبة بطرهم وأشرهم وغفلتهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة ، من غير شعور منهم بذلك ، ولا خطور شىء من المكاره ببالهم ، لأنهم كانوا - لغبائهم - يظنون أنهم سيعيشون حياتهم فى نعم الحياة ورغدها بدون محاسبة لهم على أعمالهم القبيحة ، وأقوالهم الذميمة .فالجملة الكريمة تشير إلى أن أخذهم بالعقوبة كان أليما شديدا ، لأنهم فوجئوا بها مفاجأة بدون مقدمات .وجملة ( وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) حال من المفعول به فى ( أَخَذْنَاهُمْ ) مؤكدة لمعنى البغتة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء، وأحوال ما جرى على أممهم، كان من الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال، إلا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط، فبين في هذه الآية أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم، وبين العلة التي بها يفعل ذلك: قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء ﴾ وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين إليهم يبعث الرسل، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة، لأنها مجتمع الأقوام وقوله: ﴿ مّن نَّبِىٍّ ﴾ فيه حذف وإضمار، والتقدير: من نبي فكذب أو كذبه أهلها، إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.

قال الزجاج: البأساء كل ما نالهم من الشدة في أحوالهم، والضراء ما نالهم من الأمراض.

وقيل على العكس، ثم بين تعالى أنه يفعل ذلك لكي يضرعوا، معناه: يتضرعوا، والتضرع هو الخضوع والانقياد لله تعالى، ولما علمت أن قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ لا يمكن حمله على الشك في حق الله تعالى، وجب حمله على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا.

قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الإيمان والطاعة.

وقال أصحابنا: لما ثبت بالدليل أن تعليل أفعال الله وأحكامه محال وجب حمل الآية على أنه تعالى فعل، ما لو فعله غيره لكان ذلك شبيهاً بالعلة والغرض، ثم بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد، وإنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر، ومعنى الحسنة والسيئة هاهنا الشدة والرخاء.

قال أهل اللغة: (السيئة) كل ما يسوء صاحبه، و(الحسنة) ما يستحسنه الطبع والعقل، والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء أخرى.

وقوله: ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره، إذا كثر، يعفو فهو عاف ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ يعني كثروا ومنه ما ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام، أمر أن تحف الشوارب، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله: ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَآءَنَا الضرآء والسراء ﴾ فالمعنى: أنهم متى نالهم شدة قالوا: ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله عليه من رخاء بعد شدة، وأمن بعد خوف، بل عدلوا إلى أن هذه عادة الزمان في أهله، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة، فبين تعالى أنه أزال عذرهم وأزاح علتهم، فلم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الإمهال، وقوله: ﴿ فأخذناهم بَغْتَةً ﴾ والمعنى: أنهم لما تمردوا على التقديرين، أخذهم الله بغتة أينما كانوا، ليكون ذلك أعظم في الحسرة.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء ﴾ بالبؤس والفقر ﴿ والضراء ﴾ بالضرّ والمرض لاستبكارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة كقوله: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ [الأعراف: 168] ﴿ حتى عَفَواْ ﴾ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر، إذا كثرت.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «واعفوا عن اللحى» ، وقال الحطيئة: بِمُسْتَأْسِدِ القِرْيَان عَافَ نَبَاتُهُ وقال: وَلَكِنَّا نَعُضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ** بِأَسْوَقَ عَافِيَاتِ الشّحْمِ كُومِ ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء ﴾ يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا: هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء.

وقد مسّ آباؤنا نحو ذلك، وما هو بابتلاء من الله لعباده، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلاّ أن نأخذهم بالعذاب ﴿ فأخذناهم ﴾ أشدّ الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ بِالبُؤْسِ والضُّرِّ.

﴿ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ حَتّى يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا.

﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ ﴾ أيْ أعْطَيْناهم بَدَلَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ السَّلامَةَ والسِّعَةَ ابْتِلاءً لَهم بِالأمْرَيْنِ.

﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ كَثُرُوا عَدَدًا وعُدَدًا يُقالُ عَفا النَّباتُ إذا كَثُرَ ومِنهُ إعْفاءُ اللِّحى.

﴿ وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ ﴾ كُفْرانًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ ونِسْيانًا لِذِكْرِهِ واعْتِقادًا بِأنَّهُ مِن عادَةِ الدَّهْرِ يُعاقَبُ في النّاسِ بَيْنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ وقَدْ مَسَّ آباءَنا مِنهُ مِثْلُ ما مَسَّنا.

﴿ فَأخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ فَجْأةً.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِنُزُولِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة} أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والسعة والصحة {حتى عَفَواْ} كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات إذا كثر ومنه قوله عليه السلام واعفوا اللحى {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} أي قالوا هذه عادة الدهر يعاقبل في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا نحو ذلك وما هو بعقوبة الذنب فكونوا على ما أنتم عليه {فأخذناهم بَغْتَةً} فجأة {وهم لا يشعرون} ينزول العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا ﴾ عُطِفَ عَلى أخَذْنا داخِلٌ في حُكْمِهِ ﴿ مَكانَ السَّيِّئَةِ ﴾ الَّتِي أصابَتْهم لِما تَقَدَّمَ ﴿ الحَسَنَةَ ﴾ وهي السِّعَةُ والسَّلامَةُ، ونُصِبَ (مَكانَ) كَما قِيلَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ و(بَدَلٌ) مُتَضَمِّنٌ مَعْنى أعْطى النّاصِبِ لِمَفْعُولَيْنِ وهُما هُنا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ والحَسَنَةُ أيْ: أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ في مَكانِ السَّيِّئَةِ، ومَعْنى كَوْنِها في مَكانِها أنَّها بَدَلٌ مِنها.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأظْهَرُ أنَّ مَكانَ مَفْعُولٌ بِهِ لِبَدَّلْنا لا ظَرْفٌ، والمَعْنى بَدَّلْنا مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ الحالَ الحَسَنَةَ، فالحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ الحاصِلَةُ في مَكانِ السَّيِّئَةِ المَتْرُوكَةِ، والمَتْرُوكُ هو الَّذِي تَصْحَبُهُ الباءُ في نَحْوِ: بَدَّلْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو.

﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ أيْ: كَثُرُوا ونَمَوْا في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِن عَفا النَّباتُ وعَفا الشَّحْمُ والوَبَرُ إذا كَثُرَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أحْفُوا الشَّوارِبَ واعْفُوا اللِّحى)».

وقَوْلُ الحُطَيْئَةِ: بِمُسْتَأْسِدِ القِرْيانِ عافٍ نَباتُهُ تُساقِطُنِي والرَّحْلُ مِن صَوْتِ هُدْهُدِ وقَوْلُهُ: ولَكِنّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنها بِأسْوُقَ ∗∗∗ عافِياتِ الشَّحْمِ كُومِ وتَفْسِيرُ أبِي مُسْلِمٍ لَهُ بِالإعْراضِ عَنِ الشُّكْرِ لَيْسَ بَيانًا لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ كَما لا يَخْفى، (وحَتّى) هَذِهِ الدّاخِلَةُ عَلى الماضِي ابْتِدائِيَّةٌ لا غائِيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها كَما نَقَلَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ، لَهُ عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ، وأمّا زَعْمُ ابْنِ مالِكٍ أنَّها جارَّةٌ غائِيَّةٌ وأنْ مُضْمَرَةٌ بَعْدَها عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فَغَلَّطَهُ فِيهِ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ فَقالَ: لا أعْرِفُ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفًا، وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ولا يُشْكِلُ عَلَيْهِ ولا عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ مَعْنى الغايَةِ لازِمٌ لِحَتّى ولَوْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً أنَّ الماضِيَ لِمُضِيِّهِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ غايَةً لَما قَبْلُ لِتَأخُّرِ الغايَةِ عَنْ ذِي الغايَةِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ وإنْ كانَ ماضِيًا لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما صارَ غايَةٌ لَهُ مُسْتَقْبَلٌ فافْهَمْ.

﴿ وقالُوا ﴾ غَيْرَ واقِفِينَ عَلى أنَّ ما أصابَهم مِنَ الأمْرَيْنِ ابْتِلاءٌ مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ قَدْ مَسَّ آباءَنا ﴾ كَما مَسَّنا.

﴿ الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ ﴾ وما ذَلِكَ إلّا مِن عادَةِ الدَّهْرِ يُعاقِبُ في النّاسِ بَيْنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ ويُداوِلُهُما بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ داعِيَةٌ إلَيْهِما أوْ تَبِعَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ولَيْسَ هَذا كَقَوْلِ القائِلِ: ثَمانِيَةٌ عَمَّتْ بِأسْبابِها الوَرى ∗∗∗ فَكُلُّ امْرِئٍ لا بُدَّ يَلْقى الثَّمانِيَةْ سُرُورٌ وحُزْنٌ واجْتِماعٌ وفُرْقَةٌ ∗∗∗ وعُسْرٌ ويُسْرٌ ثُمَّ سُقْمٌ وعافِيَةْ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ السَّرّاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها تَعْقُبُ الضَّرّاءَ، فَلا ضَيْرَ فِيها، ﴿ فَأخَذْناهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ عَفَوْا وقالُوا أوْ عَلى قالُوا لِأنَّهُ المُسَبَّبُ عَنْهُ، أيْ: فَأخَذْناهم إثْرَ ذَلِكَ ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً.

﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا يَخْطُرُونَ بِبالِهِمْ شَيْئًا مِنَ المَكارِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى البَغْتَةِ، وهَذا أشَدُّ أنْواعِ الأخْذِ كَما قِيلَ: وأنْكَأُ شَيْءٍ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ، وقِيلَ: المُرادُ بِعَدَمِ الشُّعُورِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ بِأخْبارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِذَلِكَ لا خُلُوَّ أذْهانِهِمْ عَنْهُ ولا عَنْ وقْتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الغَفْلَةِ وعَنْ مَحَلِّ الجُمْلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها ففي الآية مضمر ومعناه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ يعني: عاقبنا أهلها بالخوف والبلاء والقحط والفقر.

ويقال: البأساء ما يصيبهم من الشدة في أموالهم، والضراء ما يصيبهم في أنفسهم لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ يعني: لكي يتضرعوا، فأدغمت التاء في الضاد وأقيم التشديد مقامه.

ومعناه: لكي يدعوا ربهم ويؤمنوا بالرسل ويعرفوا ضعف معبودهم.

قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ يعني: حولنا مكان الشدة الرخاء، ومكان الجدوبة الخصب، حَتَّى عَفَوْا أي كثروا، واستغنوا، وكثرت أموالهم فلم يشكروا الله تعالى.

ويقال: حتى عفوا أي حتى سروا به وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي مثل ما أصابنا مرة يكون الرخاء، ومرة يكون الشدة، فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: أتاهم العذاب من حيث لم يعلموا به.

ويقال: إن الشدة للعامة تكون تنبيهاً وزجراً.

والنعمة تكون استدراجاً وأما النعمة للخاصة فهي تنبيه، لأنه بعد ذلك عقوبة.

كما روي أن الله تعالى قال لموسى-  - إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل مرحباً بشعار الصالحين.

وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل ذنب عجلت عقوبته.

قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا يعني: وحدوا الله تعالى واتقوا الشرك لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: أنزلنا عليهم من السماء المطر والرزق والنبات من الأرض وَلكِنْ كَذَّبُوا الرسل فَأَخَذْناهُمْ أي عاقبناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الشرك.

ففي الآية دليل على أن الكفاية والسعة في الرزق من السعادة إذا كان المرء شاكراً.

وتكون عقوبة له إذا لم يكن شاكراً.

لأنه قال في آية أخرى: لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33] يعني: الغنى يكون وبالاً لمن لا يشكر الله تعالى وعقوبة له.

ثم قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً أي ينزل عليهم عذابنا ليلاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى فتحت الواو لأنها واو العطف، أدخلت عليها ألف الاستفهام.

وكذلك أفأمن لأنها فاء العطف دخلت عليها ألف الاستفهام.

قرأ نافع وابن كثير أو أمن بجزم الواو لأن أصله أو وأمن وأو حرف من حروف الشك فأدغم في حرف النسق أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى يعني: يأتيهم عذابنا نهاراً وَهُمْ يَلْعَبُونَ يعني: لاهون عنه.

ثم قال تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ يعني: عذاب الله فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ يعني: عذاب الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون بالعقوبة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمّا نظر وفكّر: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ، ونحو هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم لأَهْل قليب بَدْرٍ، وأسى معناه: أحزن.

/ قال مَكِّيٌّ: وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مكّة إلى أن ماتوا بها «١» .

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له بِالْبَأْساءِ وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن وَالضَّرَّاءِ وهي المصائبُ في البدن كالأمراض ونحوها، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي: ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم:

الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ، وهي البأساءُ والضرَّاءُ الْحَسَنَةَ، وهي السرَّاء والنِّعمة حَتَّى عَفَوْا: معناه: حتى كَثُرُوا، يقال: عَفَا النباتُ والرِّيشُ إِذا كَثُر نباته ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللحى» «٢» ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر لُطْفاً بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ السَّيِّئَةَ: الشِّدَّةُ؛ والحَسَنَةُ: الرَّخاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: السَّيِّئَةُ: الشَّرُّ؛ والحَسَنَةُ: الخَيْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَثُرُوا، وكَثُرَتْ أمْوالُهم.

﴿ وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ ﴾ فَنَحْنُ مِثْلُهم يُصِيبُنا ما أصابَهم، يَعْنِي: أنَّهم أرادُوا أنَّ هَذا دَأْبُ الدَّهْرِ، ولَيْسَ بِعُقُوبَةٍ.

﴿ فَأخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ أيْ: فَجْأةً بِنُزُولِ العَذابِ ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِنُزُولِهِ، حَتّى أهْلَكَهُمُ اللهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أتاهُمُ الغَيْثُ مِنَ السَّماءِ، والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ، وجَعَلَ ذَلِكَ زاكِيًا كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَرّاءُ والسَرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ما بَعَثَ نَبِيًّا في مَدِينَةٍ -وَهِيَ القَرْيَةُ- إلّا أخَذَ أهْلَها المُكَذِّبِينَ لَهُ بِالبَأْساءِ وهي المَصائِبُ في الأمْوالِ والهُمُومِ وعَوارِضِ الزَمَنِ، والضَرّاءِ وهي المَصائِبُ في البَدَنِ كالأمْراضِ ونَحْوِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُغَةِ، وحَكى عَنِ السُدِّيِّ ما يَقْتَضِي أنَّ اللَفْظَتَيْنِ تَتَداخَلانِ فَتُقالُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلى المَعْنَيَيْنِ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ بِحَسَبِ اعْتِقادِ البَشَرِ وظُنُونِهِمْ، و"يَضَّرَّعُونَ" أيْ يَنْقادُونَ إلى الإيمانِ.

وهَكَذا قَوْلُهُمُ: "الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى أنَّهُ بَعْدَ إنْفاذِ الحُكْمِ في الأوَّلِينَ بَدَّلَ لِلْخَلْقِ مَكانَ السَيِّئَةِ -وَهِيَ البَأْساءُ والضَرّاءُ- الحَسَنَةَ -وَهِيَ السَرّاءُ والنِعْمَةُ- وهَذا بِحَسَبِ ما عِنْدَ الناسِ، وإلّا فَقَدَ يَجِيءُ الأمْرُ كَما قالَ الشاعِرُ: قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِعَمِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما يَصِحُّ مَعَ النَظَرِ إلى الدارِ الآخِرَةِ والجَزاءِ فِيها، والنِعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا عُقُوبَةَ فِيها، والبَلْوى المُطْلَقَةُ هي الَّتِي لا ثَوابَ عَلَيْها.

و ﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ مَعْناهُ: حَتّى كَثُرُوا، يُقالُ: عَفا النَباتُ والرِيشُ، يَعْفُو إذا كَثُرَ نَباتُهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّها نُعَضُّ السَيْفَ مِنها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأسْوُقِ عافِياتِ الشَحْمِ كَوْمِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ  : « "أحَفُوا الشَوارِبَ وأعْفُوا اللِحى"،» وعَفا أيْضًا في اللُغَةِ بِمَعْنى دَرَسَ وبَلى، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: هي مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلضِّدَّيْنِ، وأمّا قَوْلُ زُهَيْرٍ: ................................

∗∗∗ ∗∗∗ عَلى آثارِ مَن ذَهَبَ العَفاءُ فَيُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ الدُعاءُ بِالدَرْسِ، والإخْبارُ بِهِ، والدُعاءُ بِالنُمُوِّ والنَباتِ، كَما يُقالُ: جادَتْهُ الدِيَمُ وسَقَتْهُ العِهادُ، ولِما بَدَّلَ اللهُ حالَهم بِالخَيْرِ لُطْفًا بِهِمْ فَنَمَوْا رَأى الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ -لِلْكُفْرِ الَّذِي هم فِيهِ- أنَّ إصابَةَ الضَرّاءِ والسَرّاءِ إنَّما هي بِالِاتِّفاقِ، ولَيْسَتْ بِقَصْدٍ كَما يُخْبِرُ النَبِيُّ، واعْتَقَدُوا أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ إنَّما هو كالِاتِّفاقِ الَّذِي كانَ لِآبائِهِمْ فَجَعَلُوهُ مِثالًا، أيْ: قَدْ أصابَ هَذا آباءَنا فَلا يَنْبَغِي لَنا أنْ نُنْكِرَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ هَذِهِ الطَوائِفَ الَّتِي هَذا مُعْتَقَدُها.

وَقَوْلُهُ: ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً وأخْذَةَ أسَفٍ وبَطْشًا لِلشَّقاءِ السابِقِ لَهم في قَدِيمِ عِلْمِهِ.

والسَرّاءُ: السُرُورُ والحَبْرَةُ، ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: وهم مُكَذِّبُونَ لا يَتَحَسَّسُونَ لِشَيْءٍ مِنهُ ولا يَسْتَشْعِرُونَهُ بِاسْتِدْلالٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنْ يَكْتَسِبُوا الإيمانَ والطاعاتِ ويَتَّصِفُوا بِالتُقى لَتَبِعَ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ ما ذُكِرَ مِن بَرَكاتِ المَطَرِ والنَباتِ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم تَبِعَ ذَلِكَ أخْذُ اللهِ لَهم بِسُوءِ ما اجْتَرَمُوهُ، وكُلٌّ مَقْدُورٌ، والثَوابُ والعِقابُ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ البَشَرِ، وبِسَبَبِهِ اسْتَنَدَتِ الأفْعالُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وفي ( كَذَّبُوا ).

وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ السَبْعَةِ: "لَفَتَحْنا" بِخَفِيفِ التاءِ، وهي قِراءَةُ الناسِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَفَتَّحْنا" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وفَتْحُ البَرَكاتِ: إنْزالُها عَلى الناسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ  ﴾ ، ومِنهُ قالَتِ الصُوفِيَّةُ: الفُتُوحُ والبَرَكاتُ: النُمُوُّ والزِياداتُ، و"مِنَ السَماءِ" لِجِهَةِ المَطَرِ والرِيحِ والشَمْسِ، "والأرْضِ" لِجِهَةِ الإنْباتِ والحِفْظِ لِما يَنْبُتُ، هَذا هو الَّذِي يُدْرِكُهُ نَظَرُ البَشَرِ، ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهُمْ، وما في عِلْمِ اللهِ أكْثَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطفت الواو جملة ﴿ ما أرسلنا ﴾ على جملة ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيباً ﴾ [الأعراف: 85]، عطف الأعم على الأخص.

لأن ما ذكر من القصص ابتداء من قوله تعالى: ﴿ لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [الأعراف: 59] كله، القصد منه العبرة بالأمم الخالية موعظة لكفّار العرب فلما تلا عليهم قصص خمس أمم جاء الآن بحكم كلي يعم سائر الأمم المكذبة على طريقة قياس التمثيل، أو قياس الاستقراء الناقص، وهو أشهر قياس يسلك في المقامات الخطابية، وهذه الجمل إلى قوله: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى ﴾ [يونس: 75] كالمعترضة بين القَصَص، للتنبيه على موقع الموعظة، وذلك هو المقصود من تلك القصص، فهو اعتراض ببيان المقصود من الكلام وهذا كثير الوقوع في اعتراض الكلام.

وعُدّيَ ﴿ أرسلنا ﴾ ب (في) دون (إلى) لأن المراد بالقرية حقيقتها، وهي لا يرسل إليها وإنما يرسل فيها إلى أهلها، فالتقدير: وما أرسلنا في قرية من نبيء إلى أهلها إلاّ أخذنا أهلها فهو كقوله تعالى: ﴿ وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ﴾ [القصص: 59] ولا يجري في هذا من المعنى ما يجري في قوله تعالى الآتي قريباً: ﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ [الأعراف: 111] إذ لا داعي إليه هنا.

و ﴿ منْ ﴾ مزيد للتنصيص على العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، وتخصيص القرى بإرسال الرسل فيها دون البوادي كما أشارت إليه هذه الآية وغيرها من آي القرآن، وشهد به تاريخ الأديان، ينبئ أن مراد الله تعالى من إرسال الرسل هو بث الصلاح لأصحاب الحضارة التي يتطرق إليها الخلل بسبب اجتماع الأصناف المختلفة، وإن أهل البوادي لا يخلون عن الإنحياز إلى القرى والإيواء في حاجاتهم المدنية إلى القرى القريبة، فأما مجيء نبيء غير رسول لأهل البوادي فقد جاء خالد بن سنان نبياً في بني عبس، وأما حنظلة بن صفوان نبيء أهل الرسّ فالأظهر أنه رسول لأن الله ذكر أهل الرسل في عداد الأمم المكذبة، وقد قيل: إنه ظهر بقرية الرس التي تسمى أيضاً (فتح) بالمهملة أو (فتَخ) بالمعجمة أو (فيْج) بتحتية وجيم، أو فلْج (بلام وجيم) من اليمامة.

والاستثناء مفرغ من أحوال، أي ما أرسلنا نبيّاً في قرية في حال من الأحوال إلاّ في حال أنّنا أخذنا أهلها بالبأساء، وقد وقع في الكلام إيجاز حذف دل عليه قوله: ﴿ لعلهم يضرّعون ﴾ فإنه يدل على أنهم لم يضرّعُوا قبل الأخذ بالبأساء والضراء، فالتقدير: وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ كذبه أهل القرية فخوفناهم لعلّهم يذلون لله ويتركون العناد الخ...

والأخذ: هنا مجاز في التناول والإصابة بالمكروه الذي لا يستطاع دفعه، وهو معنى الغلبة، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخدناهم بالبأساء والضراء ﴾ في سورة الأنعام (42).

وقوله: بالبأساء والضراء لعلهم يضرّعون } تقدم ما يُفسّرها في قوله: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلّهم يتضرعون ﴾ في سورة الأنعام (42).

ويُفسر بعضها أيضاً في قوله: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء ﴾ في سورة البقرة (177).

واستغنت جملة الحال الماضوية على الواو و(قد) بحرف الاستثناء، فلا يجتمع مع (قد) إلاَّ نادراً، أي: ابتدأناهم بالتخويف والمصائب لتَفُل من حدتهم وتصرف تأملهم إلى تطلب أسباب المصائب فيعلموا أنها من غضب الله عليهم فيتوبوا.

والتبديل: التعويض، فحقه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء المفيدة معنى البدلية ويكون ذلك المفعول الثاني المدخول للباء هو المتروك، والمفعول الأول هو المأخوذ، كما في قوله تعالى: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ في سورة البقرة (61)، وقوله: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ في سورة النساء (2)، لذلك انتصب الحسنة } هنا لأنها المأخوذة لهم بعد السيّئة فهي المفعول الأول والسيّئة هي المتروكة، وعدل عن جر السيئة بالباء إلى لفظ يؤدي مُؤَدى باء البدلية وهو لفظ (مكان) المستعمل ظرفاً مجازاً عن الخلَفية، يقال خذ هذا مكانَ ذلك، أي: خذه خلفاً عن ذلك لأن الخلَف يحل في مكان المخلوف عنه، ومن هذا القبيل قول امرئ القيس: وبُدلْتُ قُرحاً دامياً بعد نعمة *** فجعل (بعدَ) عوضاً عن باء البدلية.

فقوله: ﴿ مكانَ ﴾ مَنصوب على الظرفية مجازاً، أي: بَدلناهم حسنة في مكان السيّئة، والحسنة اسم اعتبر مؤنثاً لتأويله بالحالة والحادثة وكذلك السيئة فهما في الأصل صفتان لموصوف محذوف، ثم كثر حذف الموصوف لقلة جدوى ذكره فصارت الصفتان كالاسمين، ولذلك عبر عن الحسنة في بعض الآيات بما يُتَلَمّح منه معنى وصفيّتها نحو قوله تعالى: ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيّئة ادفع بالتي هي أحسنُ ﴾ [فصلت: 34] أي: ادفع السيّئة بالحسنة، فلما جاء بطريقة الموصولية والصلة بأفعل التفضيل تُلمح معنى الوصفية فيهما، وكذلك قوله تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيّئة ﴾ [فصلت: 34].

ومثلهما في هذا المصيبة، كما في قوله تعالى في سورة براءة (50): ﴿ إن تُصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ﴾ أي: بدّلناهم حالة حسنة بحالتهم السيّئة وهي حالة البأساء والضراء.

فالتعريف تعريف الجنس، وهو مشعر بأنهم أعطوا حالة حسنة بطيئة النفع لا تبلغ مبلغ البركة.

و ﴿ حتى ﴾ غاية لما يتضمنه ﴿ بدّلنا ﴾ من استمرار ذلك وهي ابتدائية، والجملة التي بعدها لا محل لها.

و ﴿ عَفْوا ﴾ كثُروا.

يقال: عفا النبات، إذا كثر ونما، وعطف ﴿ وقالوا ﴾ على ﴿ عفوا ﴾ فهو من بقية الغاية.

والسّرّاء: النعمة ورَخاء العيش، وهي ضد الضراء.

والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة عسى أن يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جرّاء تكذيبهم رسولهم فلا يهتدون، ثم نردهم إلى حالتهم الأولى إمهالاً لهم واستدراجاً فيزدادون ضلالاً، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك التغيير إنما هو عارض من عوارض الزمان وأنه قد أصاب أسلافهم من قبلهم ولم يَجئهم رسُل.

وهذه عادة الله تعالى في تنبيه عباده، فإنه يحب منهم التوسم في الأشياء والاستدلال بالعقل والنظر بالمسببات على الأسباب، كما قال تعالى: ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ [التوبة: 126] لأن الله لما وهب الإنسان العقل فقد أحب منه أن يستعمله فيما يبلغ به الكمال ويقيه الضلال.

وظاهر الآية: أن هذا القول صادر بألسنتهم وهو يكون دائراً فيما بين بعضهم وبعض في مجادلتهم لرسُلهم حينما يعظونهم بما حلّ بهم ويدْعونهم إلى التوبة والإيمان ليكشف عنهم الضر.

ويجوز أن يكون هذا القول أيضاً: يجيش في نفوسهم ليدفعوا بذلك ما يخطر ببالهم من توقع أن يكون ذلك الضر عقاباً من الله تعالى، وإذ قد كان محكياً عن أمم كثيرة كانت له أحوال متعددة بتعدد ميادين النفوس والأحوال.

وحاصل ما دفعوا به دلالة الضراء على غضب الله أن مثل ذلك قد حل بآبائهم الذين لم يدْعُهم رسول إلى توحيد الله، وهذا من خطأ القياس وفساد الاستدلال، وذلك بحصر الشيء ذي الأسباب المتعددة في سبب واحد، والغفلة عن كون الأسباب يخلف بعضها بعضاً، مع الغفلة عن الفارق في قياس حالهم على حال آبائهم بأن آباءهم لم يأتهم رسُل من الله، وأما أقوام الرسل فإن الرسل تحذرهم الغضب والبأساء والضراء فتحيق بهم، أفلا يَدلُهم ذلك على أن ما حصل لهم هو من غضب الله عليهم، على أن غضب الله ليس منحصر الترتب على معصية الرسول بل يكون أيضاً عن الانغماس في الضلال المبين، مع وضوح أدلة الهدى للعقول، فإن الإشراك ضلال، وأدلة التوحيد واضحة للعقول، فإذا تأيدت الدلالة بإرسال الرسل المنذرين قويت الضلالة باستمرارها، وانقطاع أعذارها، ومثل هذا الخطأ يعرض للناس بداعي الهوى وإلف حال الضلال.

والفَاء في قوله: ﴿ فأخذناهم ﴾ للتعقيب عن قوله: ﴿ عَفَوْا ﴾ ، و ﴿ قالوا ﴾ ، باعتبار كونهما غاية لإبدال الحسنة مكان السيئة، ولا إشعار فيه بأن قولهم ذلك هو سبب أخذهم بغتة ولكنه دل على إصرارهم، أي: فحصل أخذنا إياهم عقب تحسن حالهم وبَطرهم النعمة.

والتعقيب عرفي فيصدق بالمدة التي لا تعد طولاً في العادة لحصول مثل هذه الحوادث العظيمة.

والأخذ هنا بمعنى الإهلاك كما في قوله تعالى: ﴿ أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ في سورة الأنعام (44).

والبغتة: الفجْأة، وتقدمت عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ [الأنعام: 31]، وفي قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ﴾ في سورة الأنعام (44)، وتقدم هنالك وجه نصبها.

وجملة: وهم لا يشعرون } حال مؤكدة لمعنى ﴿ بغتة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ البَأْساءَ: القَحْطُ، والضَّرّاءَ: الأمْراضُ والشَّدائِدُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ البَأْساءَ الجُوعُ، والضَّرّاءَ: الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ البَأْساءَ: البَلاءُ، والضَّرّاءَ الزَّمانَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ البَأْساءَ: ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ.

والضَّرّاءَ: ما نالَهم في أمْوالِهِمْ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّ البَأْساءَ الحُرُوبُ.

﴿ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَتُوبُونَ.

الثّانِي: يَدْعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: مَكانُ الخَيْرِ والشَّرِّ.

﴿ حَتّى عَفَوْا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَتّى كَثُرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، قالَ لَبِيدٌ: وأُناسٌ بَعْدَ قَتْلٍ قَدْ عَفَوْا وكَثِيرٌ زالَ عَنْهم فانْتَقَلْ والثّانِي: حَتّى أعْرَضُوا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّالِثُ: حَتّى سُرُّوا، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: حَتّى سَمَّنُوا، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: فَلَمّا أنْ عَفا وأصابَ مالًا ∗∗∗ تَسَمَّنَ مُعْرِضًا فِيهِ ازْوِرارُ ﴿ وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ ﴾ أيِ الشِّدَّةُ والرَّخاءُ يَعْنُونَ لَيْسَ البَأْساءُ والضَّرّاءُ عُقُوبَةً عَلى تَكْذِيبِكَ وإنَّما هي عادَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ أنَّ بَعْدَ كُلِّ خَصْبٍ جَدْبًا وبَعْدَ كُلِّ جَدْبٍ خِصْبًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ﴾ قال: مكان الشدة الرخاء ﴿ حتى عفوا ﴾ قال: كثروا وكثرت أموالهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة ﴾ قال: الشر ﴿ الحسنة ﴾ قال: الرخاء والعدل والولد ﴿ حتى عفوا ﴾ يقول: حتى كثرت أموالهم وأولاهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى عفوا ﴾ قال: جمعوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ﴾ قال: قالوا قد آتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئاً ﴿ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ قال: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكوتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ﴾ ، مضى الكلام في حقيقة التبديل عند قوله: ﴿ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا  ﴾ ، ومعنى: ﴿ السَّيِّئَةِ ﴾ و ﴿ الْحَسَنَةَ ﴾ هاهنا: الشدة والرخاء.

عن ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بدل البؤس والمرض الغنى والصحة) (٥) وقال أهل اللغة: (السيئة (٦) (٧) وقال أبو علي: (السيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما: سيئة مأخوذ بها، وحسنة مُثَاب عليها، لقوله: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ﴾ ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ﴾ (٨) (٩) (١٠) ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ ﴾ الآية [الأعراف: 131]، وكذلك الفساد، قد يكون (١١) ﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية [القصص: 77]، ويكون على غير ذلك، كقوله: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ  ﴾ يعني: الجدب) (١٢) والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء تارة (١٣) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى عَفَوْا ﴾ (١٤) (١٥) ويقال للشعر إذا طال ووَفَى: عما (١٦) أَذَلكَ أم أَقَبُّ البَطْنِ جأبٌ ...

عليه من عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ (١٧) وقد عَفَّيت الشيء وأعْفَيتهُ لغتان إذا كثرته (١٨)  أنه: "أمر أن تحفى الشوارب وتُعفي اللِّحى" (١٩) (٢٠) وقال ابن الأنباري (٢١) ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنهَا ...

بأسْوُقِ عَافيَاتِ اللَّحْمِ كُوم (٢٢) أراد: كثيرات اللحم)، فمعنى قوله: ﴿ حَتَّى عَفَوْا ﴾ أي: كثروا (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حتى كثروا فسمنوا، وكثرت أموالهم) (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ﴾ ، يعني: لما صاروا إلى الرخاء ﴿ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ﴾ من الدهر الشدة والرخاء، وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ولم يقلعوا (٢٩) (٣٠) ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ الآية (٣١) وقوله تعالى: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ .

قال المفسرون (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد بنزول العذاب) (٣٣) وقال أبو إسحاق: (بيّن الله عز وجل تأولهم بخطئهم في قولهم: ﴿ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ﴾ ، وقد علموا أن الأمم قد أهلكت قبلهم بكفرهم، وإنما أخبر الله تعالى بهذا عن الأمم السالفة لتعتبر أمة محمد  ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾ (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ .

قال المفسرون: (بركات السماء بالقطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار) (٣٧) وقال ابن عباس: (يريد: الأمطار والخصب وكثرة المواشي والأنعام) (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبُوا ﴾ يعني: الرسل، ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ ﴾ بالجدوبة والقحط، ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ من الكفر والمعصية.

قال ابن عباس: (يعني: مدائن معروفة أهلكت بالجدب) (٤٠) قال أصحاب المعاني: (والآية بيان أن الإيمان بالله والاتقاء يوجب إسباغ الإنعام، والتكذيب يوجب الإهلاك والعذاب).

(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 7، وابن أبي حاتم 5/ 1526 بسند جيد.

(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 242، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.

(٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 233، والطبري 9/ 7 بسند جيد.

(٤) ذكره الماوردي 2/ 242، وفي "تفسير مجاهد" 1/ 240 - 241: (مكان الشر الرخاء والعدل والعافية والولد) اهـ، وأخرجه الطبري 9/ 7، وابن أبي حاتم 5/ 1526 بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (السيئة الشر، والحسنة الخير) اهـ.

(٥) في "تنوير المقباس" 2/ 113 نحوه، وذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 211 بلا نسبة.

(٦) انظر: "العين" 7/ 327، و"تهذيب اللغة" 2/ 1583، و"مقاييس اللغة" 3/ 113، و"المفردات" ص 441 (سوء).

(٧) انظر: "العين" 3/ 143، و"تهذيب اللغة" 1/ 821، و"المفردات" ص 235 (حسن).

(٨) نص الآية (160) من سورة الأنعام: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ .

(٩) في (ب): (ما يستثقل).

(١٠) في (ب): (ويستخف).

(١١) (وقد يكون).

(١٢) "الحجة" لأبي علي 5/ 103.

(١٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 7، و"معاني النحاس" 3/ 56، والسمرقندي 1/ 557.

(١٤) العفُوّ على فَعُول: الكثير العفو وهو: ترك العقوبة، وعفا الشيء: إذا درس ونقص، وعفا إذا زاد وكثر، وأعفيت الشعر وعفوته: إذا كثرته وزدت فيه.

انظر: "العين" 2/ 258، و"الأضداد" لقطرب ص 114، و"الجمهرة" 2/ 938، و"أشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 134، و"الصحاح" 6/ 2431، و"مقاييس اللغة" 4/ 56، و"المجمل" 3/ 615، و"المفردات" ص 574 (عفا).

(١٥) هذا طرف من كلام ابن عباس -  ما- أخرج البخاري رقم (1564) كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد، وفي رقم (3832) كتاب مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، ومسلم في "صحيحه" كتاب الحج، باب: تقليد الهدى وإشعاره عند الإحرام رقم (1240)، عن ابن عباس قال: (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الفجور ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر ..) قال الإمام النووي في "شرح مسلم" 3/ 308 - 309: (يعني: أهل الجاهلية، والدبر: يعنون دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج، وعفا الأثر أي: درس وامحى والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها عفا أثرها لطول مرور الأيام) اهـ، وانظر: "النهاية" 3/ 266.

(١٦) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2490، عن أبي عبيد عن الكسائي، وانظر: "الكامل المبرد" 1/ 430.

(١٧) الشاهد في "شرح ديوان زهير" لثعلب ص 75، و"تهذيب اللغة" 3/ 2490، و"اللسان" 5/ 3020 (عفا)، و"الدر المصون" 5/ 389، (والأقب الضامر، والجأب، الغليظ، وعقيقته وبره، والعفاء: صغار الوبر والريش، وهو هنا شعر الحمار الذي ولد وهو عليه، يقول: أذلك الظليم أم هذا الحمار يشبه ناقتي أفاده ثعلب وقال ويروي: أذلك أم شَتِيم الوجهِ جأْب، وشتيم كريه الوجه صاحب شر) اهـ.

وهو كذلك في "ديوانه" ص 15.

(١٨) في (ب): (إذا كثر به).

(١٩) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (5893) كتاب اللباس، باب: إعفاء اللحى، ومسلم كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة رقم (259)، عن ابن عمر -  ما- عن النبي  ، أنه قال: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى".

وفي رواية لمسلم عن النبي  : أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.

(٢٠) أبي عبيد في "غريب الحديث" 1/ 93، ونحوه قال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 428 - 429، و"شرح القصائد" ص 21 - 22، وانظر: "النهاية" 3/ 226، 1/ 410.

(٢١) "الأضداد" لابن الأنباري ص 87، و"الزاهر" 1/ 429، و"شرح القصائد" ص 21.

(٢٢) "ديوانه" ص 186، و"مجاز القرآن" 1/ 222، و"تهذيب اللغة" 3/ 2493، و"اللسان" 5/ 3021 (عفا)، و"الدر المصون" 5/ 389 وبلا نسبة في "الكامل" للمبرد 1/ 430، و"تفسير ابن عطية" 6/ 15.

(٢٣) وهو قول عامة أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 222، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"الكامل" للمبرد 1/ 430، و"تفسير الطبري" 9/ 8، و"معاني الزجاج" 2/ 359، و"نزهة القلوب" ص 325، و"معاني النحاس" 3/ 56، و"تفسير السمرقندي" 1/ 557، و"تفسير المشكل" ص 86.

(٢٤) ذكره البخاري في "صحيحه" 5/ 195، في تفسير سورة الأعراف، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 9، وابن أبي حاتم 5/ 1526 من عدة طرق جيدة.

(٢٥) "تفسير مجاهد" 1/ 241، وأخرجه الطبري 9/ 8 من عدة طرف جيدة.

(٢٦) أخرجه الطبري 9/ 8، من عدة طرف جيدة عن السدي وابن زيد، وأخرجه عن إبراهيم النخعي والضحاك، وذكره الماوردي 2/ 242، عن ابن عباس ومجاهد والسدي.

(٢٧) قوله: كثروا، وكثرت أموالهم، سبق تخريجها، أما قوله: (سمنوا)، فلم أقف عليها عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1527، بسند جيد عن الحسن قال: (حتى سمنوا).

وذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 32، والماوردي 2/ 242، عن الحسن.

(٢٨) أخرجه الطبري 9/ 8 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي 6/ 2، وجَمّ الشيء واستجم: كثر، ومال جَمٌّ: كثير.

انظر: "اللسان" 2/ 686 (جمم).

(٢٩) في (ب): (ولم يفعلوا)، وهو تحريف.

(٣٠) هذا كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 359 - 360، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 3/ 57، والماوردي 2/ 243، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 14، وابن الجوزي 3/ 234، والرازي 14/ 183 - 184، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 8، والسمرقندي 1/ 557، وابن كثير 2/ 260.

(٣١) لم أقف عليه.

(٣٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 9، والسمرقندي 1/ 557، والبغوي 3/ 260.

(٣٣) "تنوير المقباس" 2/ 114، وهو قول الأكثر، انظر: السمرقندي 1/ 557، والثعلبي 2/ 1 ب، و"الوسيط" للواحدي 1/ 212، والبغوي 3/ 260، وابن الجوزي 3/ 234، والرازي 14/ 184.

(٣٤) "معاني الزجاج" 2/ 360.

(٣٥) "تنوير المقباس" 2/ 114، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 212.

(٣٦) لم أقف عليه.

(٣٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 360، والنحاس 3/ 57، و"تفسير السمرقندي" 1/ 557، والماوردي 2/ 243، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 16 - 17، وقال أبو حيان == في "البحر" 4/ 348: (الظاهر أن قوله: ﴿ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ لا يراد بها معين، ولذلك جاءت نكرة، والمعنى: لأتيناهم بالخير من كل وجه) اهـ.

بتصرف.

(٣٨) "تنوير المقباس" 2/ 114، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 212.

(٣٩) انظر: لفظ: (مبارك) في "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 199 ب.

(٤٠) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي آية ظاهرة، ولم تعين في القرآن آية شعيب ﴿ فَأَوْفُواْ الكيل والميزان ﴾ كانوا ينقصون في الكيل والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يكال به مناسبة للميزان، كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل والميزان مصدرين ﴿ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صراط تُوعِدُونَ ﴾ قيل هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على الطريق يردّون الناس عن اتباع شعيب ويوعدونهم إن اتبعوه ﴿ وَتَصُدُّونَ ﴾ أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ﴿ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ذكر في [آل عمران: 99] ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ أي ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عوجهم إلى ملة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي قولهم: لتعودن في ملتنا أن شعيباً ومن كان معه كانوا أولاً على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك محال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها فالجواب بمن وجهين: أحدهما: قاله ابن عطية وهو إن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذكل الحال الذي صار إليه، والثاني: قاله الزمخشري وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: ﴿ إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ ﴾ ﴿ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارهين ﴾ الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم ويكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون ﴿ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ ﴾ أي إن عندنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ﴾ هذا استسلام لقضاء الله على وجه التأدب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لما تبرأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه فإن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر؟

فالجواب: أنه قال ذلك تواضعاً وتأدباً مع الله تعالى، واستسلاماً لأمره كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» مع أنه قد علم أنه يثبته ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ أي احكم ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ﴿ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ أي كيف أحزن عليهم وقد استحقوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم ﴿ بالبأسآء والضرآء ﴾ قد تقدم ﴿ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة ﴾ أي أبدلنا البأساء والضراء بالنعيم اختباراً لهم في الحالتين ﴿ حتى عَفَوْاْ ﴾ أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضرآء والسرآء ﴾ أي قد جرى ذلك لآبائنا ولم يضرهم فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لفتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ﴿ أو أمن ﴾ بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن قبلها ﴿ أولم نهد ﴾ النون حيث كان: زيد عن يعقوب.

الباقون: بالياء التحتانية ﴿ رسلهم ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ يضرعون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ نائمون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ أو أمن ﴾ بفتح الواو على أن الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن "أو" للعطف ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مكر الله ﴾ ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب.

﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بذنوبهم ﴾ ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع اتحاد القصة.

﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ من أنبائها ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بالبينات ﴾ ط لأن ضمير ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ لأهل مكة وضمير.

﴿ جاءهم ﴾ للأمم الماضية مع أن الفاء توجب الاتصال ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من عهد ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ لفاسقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصوراً عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل.

والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضاً وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.

قال الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان.

وقيل بالعكس ﴿ لعلهم يضرعون ﴾ أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم.

ثم بيّن أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة ﴾ وهي كل ما يسوء صاحبه ﴿ الحسنة ﴾ وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر السعة والصحة ﴿ حتى عفوا ﴾ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه قوله  : "وأعفوا اللحى" ﴿ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ﴾ كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة.

والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله  فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بنزول العذاب.

والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية ﴿ آمنوا ﴾ بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد ﴿ واتقوا ﴾ كل ما نهى الله عنه ﴿ لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات.

والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارىء إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين ﴿ ولكن كذبوا الرسل فأخذناهم ﴾ بالجذب والمحل وهو ضد البركة والخير ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي.

ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء في التشاغل باللذات والمهمات فقال ﴿ أفأمن ﴾ قال في الكشاف: الهمزة للإنكار والفاء للعطف على قوله ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ والآية بينهما اعتراض والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟

فلهذا عطف الثانية بالواو.

وأما قوله ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ فتكرير لقوله ﴿ أفأمن أهل القرى ﴾ فلهذا رجع فعطف بالفاء.

قلت: يجوز أن يقدّر المعطوف عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ "أو" ساكنة فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم.

على أن المراد هو الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم.

ومعنى ﴿ بياتاً ﴾ قد تقدم في أوّل السورة.

و ﴿ ضحى ﴾ نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة.

ثم بعده الضحاء ممدوداً مذكراً وهو عند ارتفاع النهار الأعلى.

في قوله ﴿ وهم يلعبون ﴾ يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع.

ومكر الله كما تقدم في آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكراً.

وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟

قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية.

اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين.

ثم لما بيّن حال المهلكين مفصلاً ومحلاً ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال ﴿ أولم يهد ﴾ من قرأ بالياء ففاعله ﴿ أن لو نشاء ﴾ والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم.

ومن قرأ بالنون فقوله ﴿ أن لو نشاء ﴾ منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عُدّي فعلها باللام، والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن المذكور.

وأما قوله ﴿ ونطبع على قلوبهم ﴾ فإما أن يكون منقطعاً عما قبله بمعنى ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلاً بما قبله.

قال الكشاف: وذلك هو يرثون أو ما دلّ عليه معنى ﴿ أولم يهد ﴾ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع.

ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ أصبناهم ﴾ و ﴿ طبعنا ﴾ لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع لأن يذنب أوّلاً أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعاً على قلبه.

وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله  فقال ﴿ تلك القرى ﴾ وهي مبتدأ وخبر.

وقوله ﴿ يقص ﴾ حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، أو ﴿ القرى ﴾ صفة لـ ﴿ تلك ﴾ و ﴿ نقص ﴾ خبر.

وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة.

وأما على الأوّلين فترجع الفائدة إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم.

الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وأيضاً خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيهاً على الاحتراز عن مثل أعمالهم.

ثم عزى رسوله بقوله ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ﴾ من قبل اللام لتأكيد النفي وأن الإيمان كان منافياً لحالهم.

قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بسبب تكذيبهم يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم أقروا باللسان كرهاً وأضمروا التكذيب.

وقال الزجاج: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به من قبل رؤية تلك المعجزات.

وعن مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد الإهلاك ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا من قبل كقوله ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه  ﴾ وقيل: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيئهم.

وقيل: ما كانوا ليؤمنوا في الزمان المستقبل بما كذبوا به في الزمان الماضي أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين لم ينجع فيهم تكرير المواعظ وتتابع الآيات ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الطبع الشديد ﴿ يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ الذي كتب أن لا يؤمنوا أبداً.

والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد كما سلف.

وقال الجبائي: هو أن يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن.

وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله  ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً  ﴾ ثم شرح حال المكلفين فقال ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ والضمير للناس على الإطلاق.

قال ابن عباس: يعني بالعهد قوله للذر ﴿ ألست بربكم  ﴾ أقروا به ثم خالفوا.

عن ابن مسعود هو الإيمان كقوله ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا  ﴾ يعني من قال لا إله إلا الله.

وقيل: العهد عبارة عن الأدلة على التوحيد والنبوّة والمراد الوفاء بالعهد ﴿ وإن وجدنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة في قوله ﴿ لفاسقين ﴾ وقد عملت في ضمير شأن مقدر والتقدير: وإن الشأن والحديث علمنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والآية اعتراض.

ويحتمل أن يعود الضمير على الأمم المذكورين كانوا إذا عاهدوا الله في ضرر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن نكثوه بعد كشف الضر.

التأويل: ﴿ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ الوفي يتضرع إليه عند البلاء ويتوكل عليه والعدوّ يذهل عن الحق ولا يرجع إليه ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ يعني صفات النفس ﴿ آمنوا ﴾ بما يرد إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق ﴿ واتقوا ﴾ مشتبهات النفس ﴿ لفتحنا عليهم ﴾ أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب ﴿ فأخذناهم ﴾ عاقبناهم بعذاب البعد ﴿ بما كسبوا ﴾ من مخالفات الحق وموافقات الطبع ﴿ بياتاً ﴾ في صور القهر ﴿ ضحى ﴾ في صورة اللطف بسطوات الجذبات ﴿ وهم يلعبون ﴾ يشتغلون بالدنيا.

﴿ إلا القوم الخاسرون ﴾ من أهل القهر هم الذين خسروا سعادة الدارين من أهل اللطف هم الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى ﴿ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ .

في الآية إضمار - والله أعلم - من وجهين: أحدهما: قوله: وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها المكذبين له بالبأساء، وما ذكر، وإلا لا يحتمل أن يرسل إليهم رسولاً ثم يأخذهم بما ذكر من غير أن كان منهم رد وتكذيب له.

والثاني: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ ﴾ أهلكناها ﴿ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا ﴾ قبل الهلاك ﴿ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ ثم لم يأخذ الله قوماً بالهلاك قبل أن يبعث رسولاً إليهم، وقبل: أن يغيّروا هم ما أنعم عليهم بأنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً....

 ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  ﴾ وغير ذلك من الآيات، أخبر أنه لا يأخذهم بالعذاب والهلاك إلا بعد قطع العذر لهم من جميع الوجوه، وإن كان له الإهلاك قبل أن يبعث إليهم الرسول لما ركب فيهم من العقول السليمة مما بها يوصل إلى فهم كل ما جعل فيهم من آثار وحدانيته وآيات ربوبيته، وما جعل لهم من السمع والنطق ما به يوصل إلى سمع كل ما غاب والنطق بكل ما يريدون، ما لم يجعل ذلك لغيرهم من البهائم، وما أنعم عليهم من تصوير الصور ما لم يتمن أحد تحويله منها إلى غيرها من الصور، لكنه لا يهلكهم إلا بعد بعث الرسل إليهم لما أن الخلق على مراتب؛ منهم من يفهم بالعقل لا يحتاج إلى معونة السمع، وهم الحكماء والعلماء الذين يدركون الأشياء بالبديهة، ومنهم من لا يدرك إلا بمعونة السمع وهم كالصبيان، إنهم لا يدركون إلا بالسمع وفضل التنبيه، ومنهم من لا يدرك بالعقل ذلك ولا بالسمع حتى تصيبهم الشدائد والعبر في أنفسهم وفيما أنعم عليهم، وهم كالبهائم الذين لا عقل لهم ولا سمع، ولكن يعرفون الشدائد وما يصيبهم من البلاء، فعلى ذلك يمتحنهم عز وجل، ويبتليهم بالشدائد والبلايا أولاً، فإن رجعوا عن ذلك وعرفوا نعمه، وإلا أهلكهم بعد ذلك فعند ذلك ينتهون ويتذكرون، وذلك قوله: ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ قد ذكرناه في صدر الكتاب.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ .

أي: لكي يكون عليهم التضرع، أو لكي يلزمهم التضرع والتذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ .

وهو ما ذكر أهل التأويل السعة والرخاء بعد الشدة والقحط، وما حل بهم من البلايا ﴿ حَتَّىٰ عَفَوْاْ ﴾ .

قبل: جمعوا وأكثروا، أي: كشف عنهم ذلك حتى كثروا فعند ذلك أهلكهم بغتة؛ لأن الهلاك في حال الشدة والبلاء لا يكون أخذاً ببغتة؛ لأن كل من حل به بلاء وشدة يخاف فيه الهلاك فإذا أهلك في تلك الحال لم يكن أخذاً بالهلاك بغتة.

ألا ترى أنه سمى الموت الذي يموت به المؤمن من غير مرض حل به بغتة، والذي [يموت بمرض] يتقدم الموت لا، وأن الموت في الوجهين جميعاً لا يعلم بحلوله، لكنه إذا لم يتقدمه مرض فهو لا يخاف منه، وإذا كان به مرض خاف منه فلم يكن فجأة، فعلى ذلك إذا أخذوا في حال الشدة لم يكن آخذاً بالبغتة لما يخافون فيه الهلاك، وإذا كانوا في سعة ورخاء لا يخافون فيؤخذون في تلك الحال، فذلك أخذ ببغتة.

وقال: ﴿ حَتَّىٰ عَفَوْاْ ﴾ .

قيل: كان أهلك بعضهم وترك بعضاً حتى عفوا، أي: كثروا من ذلك البعض، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا من البأساء والضراء والشدائد والقحط، ثم كشف ذلك عنهم فكثروا، ثم أهلكهم، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ ﴾ .

قالوا: إن آباءنا قد كان ينزل ذلك بهم وتصيبهم مرة شدة ومرة نعمة ولم يكن ذلك بعقوبة لهم، فعلى ذلك ما يصيبنا من الشدائد والبلايا ليس ذلك بعقوبة لنا، ولكن دوران الدهر وتصرفه على الشدّة والبلاء مرة، ومرة على الخصب والسّعة، ثم أخبر أنه أخذهم بغتة بعد قولهم: ﴿ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم بدلناهم بعد الأخذ بالبؤس والمرض خيرًا وسعة وأمنًا حتى كثرت أعدادهم، ونمت أموالهم، وقالوا: ما أصابنا من الشر والخير هو عادة مُطَّرِدة أصابت أسلافنا من قبل، ولم يدركوا أن ما أصابهم من نِقَم يُراد به الاعتبار، وما أصابهم من نعم يُراد به الاستدراج، فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا يشعرون بالعذاب ولا يترقبونه.

من فوائد الآيات من مظاهر إكرام الله لعباده الصالحين أنه فتح لهم أبواب العلم ببيان الحق من الباطل، وبنجاة المؤمنين، وعقاب الكافرين.

من سُنَّة الله في عباده الإمهال؛ لكي يتعظوا بالأحداث، ويُقْلِعوا عما هم عليه من معاص وموبقات.

الابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، ويحتمل مشقاته الكثيرون، فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون.

<div class="verse-tafsir" id="91.2Edw9"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل