الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وسبعين > رثاء مصعب عند الشعراء والرواة
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة إحدى وسبعين
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي فُلَيْحُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا وُضِعَ رَأْسُ مُصْعَبٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ:
لَقَدْ أَرْدَى الْفَوَارِسَ يَوْمَ عَبْسٍ … غُلَامًا غَيْرَ مَنَّاعِ الْمَتَاعِ وَلَا فَرِحٍ لِخَيْرٍ إِنْ أَتَاهُ … وَلَا هَلِعٍ مِنَ الْحَدَثَانِ لَاعِ وَلَا وَقَّافَةٍ وَالْخَيْلُ تَعْدُو … وَلَا خَالٍ كَأُنْبُوبِ الْيَرَاعِ
فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ بِرَأْسِهِ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ رَأَيْتُهُ وَالرُّمْحُ فِي يَدِهِ تَارَةً، وَالسَّيْفُ تَارَةً; يَفْرِي بِهَذَا، وَيَطْعَنُ بِهَذَا، لَرَأَيْتَ رَجُلًا يَمْلَأُ الْقَلْبَ وَالْعَيْنَ شَجَاعَةً وَإِقْدَامًا، وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَفَرَّقَتْ رِجَالُهُ، وَكَثُرَ مَنْ قَصَدَهُ وَبَقِيَ وَحْدَهُ مَا زَالَ يُنْشِدُ:
وَإِنِّي عَلَى الْمَكْرُوهِ عِنْدَ حُضُورِهِ … أُكَذِّبُ نَفْسِي وَالْجُفُونُ لَهُ تَغُضِي وَمَا ذَاكَ مِنْ ذُلٍّ وَلَكِنْ حَفِيظَةً … أَذُبُّ بِهَا عِنْدَ الْمَكَارِمِ عَنْ عِرْضِي وَإِنِّي لِأَهْلِ الشَّرِّ بِالشَّرِّ مَرْصَدٌ … وَإِنِّي لِذِي سِلْمٍ أَذَلُّ مِنَ الْأَرْضِ
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ وَاللَّهِ كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَصَدَقَ، وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَشَدِّهِمْ لِي إِلْفًا وَمَوَدَّةً، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ.
وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ غَسَّانَ بْنِ مُضَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ قَتَلَ مُصْعَبًا عِنْدَ دَيْرِ الْجَاثَلِيقِ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دُجَيْلٌ، مِنْ أَرْضِ مَسْكِنَ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ، وَكَانَ ابْنُ ظَبْيَانَ فَاتِكًا رَدِيًّا، وَكَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي قَتَلْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ حِينَ سَجَدَ يَوْمَئِذٍ، فَأَكُونُ قَدْ قَتَلْتُ مَلِكَيِ الْعَرَبِ.
قَالَ يَعْقُوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ. قُلْتُ: وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ. وَالَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي عُمْرِهِ يَوْمَ قُتِلَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ; أَحَدُهَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالثَّانِي أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَالثَّالِثُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، أَنَّ امْرَأَتَهُ سُكَيْنَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ كَانَتْ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ تَطَلَّبَتْهُ فِي الْقَتْلَى حَتَّى عَرَفَتْهُ بِشَامَةٍ فِي فَخِذِهِ.
فَقَالَتْ: نِعْمَ بَعْلُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ كُنْتَ، أَدْرَكَكَ وَاللَّهِ مَا قَالَ عَنْتَرَةُ:
وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا … بِالْقَاعِ لَمْ يَعْهَدْ وَلَمْ يَتَثَلَّمِ فَهَتَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ إِهَابَهُ … لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ يَرْثِي مُصْعَبًا:
لَقَدْ أَوْرَثَ الْمِصْرَيْنِ خِزْيًا وَذِلَّةً … قَتِيلٌ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ مُقِيمُ فَمَا نَصَحَتْ لِلَّهِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ … وَلَا صَدَقَتْ يَوْمَ اللِّقَاءِ تَمِيمُ وَلَوْ كَانَ بِكْرِيًّا تَعَطَّفَ حَوْلَهُ … كَتَائِبُ يَغْلِي حَمْيُهَا وَيَدُومُ وَلَكِنَّهُ ضَاعَ الذِّمَامُ وَلَمْ يَكُنْ … بِهَا مُضَرِيٌّ يَوْمَ ذَاكَ كَرِيمُ جَزَى اللَّهُ كُوفِيًّا هُنَاكَ مَلَامَةً … وَبَصْرِيَّهُمْ إِنَّ الْمَلُومَ مَلُومُ وَإِنَّ بَنِي الْعَلَّاتِ أَخْلَوْا ظُهُورَنَا … وَنَحْنُ صَرِيحٌ بَيْنَهُمْ وَصَمِيمُ فَإِنْ نَفْنَ لَا يَبْقَى أُولَئِكَ بَعْدَنَا … لِذِي حُرْمَةٍ فِي الْمُسْلِمِينَ حَرِيمُ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ يَرْثِي مُصْعَبًا أَيْضًا:
نَعَتِ السَّحَائِبُ وَالْغَمَامُ بِأَسْرِهَا … جَسَدًا بِمَسْكِنَ عَارِيَ الْأَوْصَالِ تُمْسِي عَوَائِذَهُ السِّبَاعُ وَدَارُهُ … بِمَنَازِلٍ أَطْلَالُهُنَّ بَوَالِي رَحَلَ الرِّفَاقُ وَغَادَرُوهُ ثَاوِيًا … لِلرِّيحِ بَيْنَ صِبًا وَبَيْنَ شَمَالِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُصْعَبٍ الْكَلْبِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ الْقَصْرَ بِالْكُوفَةِ فَإِذَا رَأَسُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْقَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ فَرَأَيْتُ رَأْسَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمُخْتَارِ، وَالْمُخْتَارُ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْقَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ فَرَأَيْتُ رَأْسَ الْمُخْتَارِ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُصْعَبٌ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْقَصْرَ بَعْدَ حِينٍ فَرَأَيْتُ رَأْسَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَدْ حَكَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ صلى الله عليه وسلم.