دخول السنة وأحداث محرم

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة > دخول السنة وأحداث محرم

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَسُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ حَسَنٌ ابْنُ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَقُضَاةُ مِصْرَ وَالشَّامِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَنَائِبُ الشَّامِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَسَنْدَمُرُ أَخُو يَلْبُغَا الْيَحْيَاوِيِّ، وَكَاتِبُ السِّرِّ الْقَاضِي أَمِينُ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ.

وَفِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ جَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ الشَّيْخِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَلَائِيِّ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ الْمُحَرَّمِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ الرَّحْمَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتٌّ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِالْقُدْسِ مُدَرِّسًا بِالْمَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ وَشَيْخًا بِدَارِ الْحَدِيثِ السُّكَّرِيَّةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ صَنَّفَ، وَأَلَّفَ، وَجَمَعَ، وَخَرَّجَ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَالِيَ، وَالنَّازِلَ، وَتَخْرِيجِ الْأَجْزَاءِ وَالْفَوَائِدِ، وَلَهُ مُشَارَكَةٌ قَوِيَّةٌ فِي الْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالْعَرَبِيَّةِ، وَالْأَدَبِ، وَفِي كِتَابَتِهِ ضَعْفٌ لَكِنْ مَعَ صِحَّةٍ وَضَبْطٍ لِمَا يُشْكِلُ، وَلَهُ عِدَّةُ مُصَنَّفَاتٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَى الْخَانِقَاهْ السُّمَيْسَاطِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ وَلِيَ بَعْدُهُ التَّدْرِيسَ بِالصَّلَاحِيَّةِ الْخَطِيبُ بُرْهَانُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ وَالنَّظَرَ بِهَا، وَكَانَ مَعَهُ تَفْوِيضٌ مِنْهُ مُتَقَدِّمُ التَّارِيخِ.

وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسِ مِنْ مُحَرَّمٍ احْتِيطَ عَلَى مُتَوَلِّي الْبَرِّ ابْنِ بَهَادُرَ السَّنْجَرِيِّ، وَرُسِمَ عَلَيْهِ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ; بِسَبَبِ أَنَّهُ اتُّهِمَ بِأَخْذِ مَطْلَبٍ مِنْ نُعْمَانِ الْبَلْقَاءِ هُوَ وَكُجْكُنُ الْحَاجِبُ، وَقَاضِي حَسَّانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ مُرَافَعَةٌ مِنْ خَصْمٍ عَدُوٍّ لَهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى رَجُلٍ يُزَوِّرُ الْمَرَاسِيمَ الشَّرِيفَةَ، وَأُخِذَ بِسَبَبِهِ مُدَرِّسُ الصَّارِمِيَّةِ; لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ، وَكَذَلِكَ عَلَى الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ زَيْدٍ الْمَغْرِبِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ مَرْسُومًا لِمَدْرَسَةِ الْأَكْزِيَّةِ، وَضُرِبَ أَيْضًا، وَرُسِمَ عَلَيْهِ فِي حَبْسِ السَّدِّ، وَكَذَلِكَ حُبِسَ الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ الَّذِي كَانَ مُتَوَلِّيَ الْبَلَدِ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ كَتَبَ لَهُ مَرْسُومٌ شَرِيفٌ بِالْوِلَايَةِ، فَلَمَّا فَهِمَ ذَلِكَ كَاتِبُ السِّرِّ أَطْلَعَ عَلَيْهِ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ، فَانْفَتَحَ عَلَيْهِ الْبَابُ، وَحُبِسُوا كُلُّهُمْ بِالسَّدِّ، وَجَاءَتْ كُتُبُ الْحُجَّاجِ لَيْلَةَ السَّبْتِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَأَخْبَرَتْ بِالْخِصْبِ، وَالرُّخْصِ، وَالْأَمْنِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَدَخَلَ الْمَحْمَلُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْحَجِيجُ بَعْدَهُ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ، وَقَدْ لَقُوا مِنْ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِ حَوْرَانَ عَنَاءً وَشِدَّةً، وَوَقَعَتْ جِمَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَسُبِيَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَحَصَلَ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ تَعَبٌ شَدِيدٌ.

وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ قُطِعَتْ يَدُ الَّذِي زَوَّرَ الْمَرَاسِيمَ، وَاسْمُهُ السَّرَّاجُ عُمَرُ الْقِفْطِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَهُوَ شَابٌّ كَاتِبٌ مِنْطِيقٌ - عَلَى مَا ذُكِرَ - وَحُمِلَ فِي قَفَصٍ عَلَى جَمَلٍ، وَهُوَ مَقْطُوعُ الْيَدِ، وَلَمْ يُحْسَمْ بَعْدُ وَالدَّمُ يَنْصَبُّ مِنْهَا، وَأُرْكِبَ مَعَهُ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ زِيدٌ عَلَى جَمَلٍ، وَهُوَ مَنْكُوسٌ وَجْهُهُ إِلَى نَاحِيَةِ دُبُرِ الْجَمَلِ، وَهُوَ عُرْيَانُ مَكْشُوفُ الرَّأْسِ، وَكَذَلِكَ الْبَدْرُ الْحِمْصِيُّ عَلَى جَمَلٍ آخَرَ، وَأُرْكِبَ الْوَالِي شِهَابُ الدِّينِ عَلَى جَمَلٍ آخَرَ، وَعَلَيْهِ تَخْفِيفَةٌ صَغِيرَةٌ، وَخُفٌّ، وَقَبَاءٌ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي مَحَالِّ الْبَلَدِ، وَنُودِيَ عَلَيْهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يُزَوِّرُ عَلَى السُّلْطَانِ، ثُمَّ أُوْدِعُوا حَبْسَ الْبَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانُوا قَبْلَ هَذَا التَّعْزِيرِ فِي حَبْسِ السُّدِّ، وَمِنْهُ أُخِذُوا وَأُشْهِرُوا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

مَسْكُ مَنْجَكَ، وَصِفَةُ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مُخْتَفِيًا بِدِمَشْقَ قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ.

لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، جَاءَ نَاصِحٌ إِلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ أَسَنْدَمُرَ، فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ مَنْجَكَ فِي دَارٍ بِالشَّرَفِ الْأَعْلَى، فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ بَعْضَ الْحَجَبَةِ، وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ - فَأُحْضِرُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ مُحْتَفَظًا عَلَيْهِ جَدًّا، بِحَيْثُ إِنَّ بَعْضَهُمْ رَدَفَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَاحْتَضَنَهُ، فَلَمَّا وَاجَهَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ أَكْرَمَهُ، وَتَلَقَّاهُ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى مِقْعَدَتِهِ، وَتَلَطُّفَ بِهِ، وَسَقَاهُ، وَأَضَافَهُ - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ صَائِمًا فَأَفْطَرَ عِنْدَهُ - وَأَعْطَاهُ مِنْ مَلَابِسِهِ، وَقَيَّدَهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى السُّلْطَانِ مِنْ لَيْلَتِهِ - لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ - مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ وَبَعْضِ الْأُمَرَاءِ; مِنْهُمْ حُسَامُ الدِّينِ أَمِيرُ حَاجِبِ، وَقَدْ كَانَ أَرْسَلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَلَدَهُ بِسَيْفِ مَنْجَكَ مِنْ أَوَائِلِ النَّهَارِ، وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ جَدًّا، وَمَا كَانَ يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ عُدِمَ بِاغْتِيَالٍ أَوْ أَنَّهُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَلَمْ يَشْعُرِ النَّاسُ أَنَّهُ فِي وَسَطِ دِمَشْقَ، وَأَنَّهُ يَمْشِي بَيْنَهُمْ مُتَنَكِّرًا، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ الْجُمُعَاتِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَيَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ

مُتَنَكِّرًا فِي لُبْسِهِ وَهَيْئَتِهِ، وَمَعَ هَذَا لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، وَأُرْسِلَ وَلَدُ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ بِالسَّيْفِ وَبِمَلَابِسِهِ الَّتِي كَانَ يَتَنَكَّرُ بِهَا، وَبُعِثَ هُوَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْحَجَبَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُقَيَّدًا مُحْتَفَظًا عَلَيْهِ، وَرَجَعَ ابْنُ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ بِالتُّحَفِ، وَالْهَدَايَا، وَالْخِلَعِ، وَالْأَنْعَامِ لِوَالِدِهِ، وَلِحَاجِبِ الْحُجَّابِ، وَلَبِسَ ذَلِكَ الْأُمَرَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاحْتَفَلَ النَّاسُ بِالشُّمُوعِ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِدُخُولِ مَنْجَكَ إِلَى السُّلْطَانِ، وَعَفْوِهِ عَنْهُ، وَخِلْعَتِهِ الْكَامِلَةِ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقِهِ لَهُ الْحُسَامَ، وَالْخُيُولَ الْمُسَوَّمَةَ، وَالْأَلْبِسَةَ الْمُفْتَخَرَةَ، وَالْأَمْوَالَ، وَالْأَمَانَ، وَتَقْدِيمِ الْأُمَرَاءِ وَالْأَكَابِرِ لَهُ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ التُّحَفِ، وَقَدِمَ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ مِنْ صَفَدَ قَاصِدًا إِلَى حَمَاةَ لِنِيَابَتِهَا، فَنَزَلَ الْقَصْرَ الْأَبْلَقَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَابِعَ صَفَرٍ،

وَتَوَجَّهَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ سَابِعَهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 13 جمادى الأولى
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56