الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة > موت فياض بن مهنا وهدم سنجر
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة
مَوْتُ فَيَّاضِ بْنِ مُهَنَّا: وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْهُ، فَاسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَأُرْسِلَ إِلَى السُّلْطَانِ مُبَشِّرُونَ بِذَلِكَ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّةٍ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، أَرْضِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ عَنْ هَذَا الْمَذْكُورِ أَشْيَاءٌ صَدَرَتْ عَنْهُ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ، وَالْإِفْطَارِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ وَذَوِيهِ بِذَلِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمَاضِي، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. جَاوَزَ السَّبْعِينَ.
كَائِنَةٌ عَجِيبَةٌ جِدًّا، وَهِيَ هَدْمُ الْمُعَلِّمِ سِنْجِرِ مَمْلُوكِ ابْنِ هِلَالٍ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ أُطْلِقَ الْمُعَلِّمُ الْهِلَالِيُّ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَوْا مِنْهُ تَكْمِيلَ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاتَ فِي مَنْزِلِهِ عِنْدَ بَابِ النَّاطِفَانِيِّينَ سُرُورًا بِالْخَلَاصِ، وَلَمَّا أَصْبَحَ ذَهَبَ إِلَى الْحَمَّامِ، وَقَدْ وَرَدَ الْبَرِيدُ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، فَأَقْبَلَتِ الْحَجَبَةُ، وَنُقَبَاءُ النَّقَبَةِ، وَالْأَعْوَانُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَقَصَدُوا دَارَهُ، فَاحْتَاطُوا بِهَا وَعَلَيْهَا بِمَا فِيهَا، وَرُسِمَ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدَيْهِ، وَأُخْرِجَتْ نِسَاؤُهُ مِنَ الْمَنْزِلِ فِي حَالَةٍ صَعْبَةٍ، وَفَتَّشُوا النِّسَاءَ، وَانْتَزَعُوا عَنْهُنَّ الْحُلِيَّ وَالْجَوَاهِرَ وَالنَّفَائِسَ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ وَالْغَوْغَاءُ، وَحَضَرَ بَعْضُ الْقُضَاةِ، وَمَعَهُ الشُّهُودُ بِضَبْطِ الْأَمْوَالِ، وَالْحُجَجِ، وَالرُّهُونِ، وَأَحْضَرُوا الْمُعَلِّمَ لِيَسْتَعْلِمُوا مِنْهُ جَلِيَّةَ ذَلِكَ، فَوَجَدُوا مِنْ حَاصِلِ الْفِضَّةِ أَوَّلَ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ صَنَادِيقَ أُخْرَى لَمْ تُفْتَحْ، وَحَوَاصِلَ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهَا; لِضِيقِ الْوَقْتِ، ثُمَّ أَصْبَحُوا يَوْمَ الْأَحَدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَاتَ الْحَرَسُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْأَسْطُحَةِ لِئَلَّا يُعْدَى عَلَيْهَا فِي
اللَّيْلِ، وَبَاتَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ مُحْتَفَظًا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَقَّ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لِمَا أَصَابَهُ مِنَ الْمُصِيبَةِ الْعَظِيمَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَهَا سَرِيعًا.
وَفِي أَوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الدَّوَادَارُ السُّكَّرِيُّ، كَانَ ذَا مَكَانَةٍ عِنْدَ أُسْتَاذِهِ وَمَنْزِلَةٍ عَالِيَةٍ، وَنَالَ مِنَ السَّعَادَةِ فِي وَظِيفَتِهِ أَقْصَاهَا، ثُمَّ قَلَبَ اللَّهُ قَلْبَ أُسْتَاذِهِ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ، وَصَادَرَهُ، وَعَزَلَهُ، وَسَجَنَهُ، وَنَزَلَ قَدْرُهُ عِنْدَ النَّاسِ، وَآلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ كَانَ يَقِفُ عَلَى الْبَاعَةِ بِفَرَسِهِ وَيَشْتَرِي مِنْهُمْ، وَيُحَاكِكُهُمْ، وَيَحْمِلُ حَاجَتَهُ مَعَهُ فِي سَرْجِهِ، وَصَارَ مُثْلَةً بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ فِيهِ الدُّوَادَرِيَّةُ مِنَ الْعِزِّ، وَالْجَاهِ، وَالْمَالِ، وَالرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُرْفَعَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ سَابِعَ عَشَرَهُ أُفْرِجَ عَنِ الْمُعَلِّمِ الْهِلَالِيِّ وَعَنْ وَلَدَيْهِ، وَكَانُوا مُعْتَقَلِينَ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِمْ دُورُهُمْ وَحَوَاصِلُهُمْ، وَلَكِنْ أُخِذَ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي دَارِهِ، وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَخُتِمَ عَلَى حُجَجِهِ لِيُعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسٌ لِيَرْجِعَ رَأْسُ مَالِهِ مِنْهَا; عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [الْبَقَرَةِ: 279]. وَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ: إِنَّمَا فَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَيُعَامِلُ بِالرِّبَا، وَحَاجِبُ السُّلْطَانِ وَمُتَوَلِّي الْبَلَدِ وَبَقِيَّةُ الْمُتَعَمِّمِينَ وَالْمَشَاعِلِيَّةُ تُنَادِي عَلَيْهِ فِي أَسْوَاقِ الْبَلَدِ وَأَرْجَائِهَا.
وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ وَرَدَ الْمَرْسُومُ السُّلْطَانِيُّ الشَّرِيفُ بِإِطْلَاقِ الدَّوَاوِينِ إِلَى دِيَارِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِخَلَاصِهِمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالْمُصَادَرَةِ الْبَلِيغَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ بِهِمْ فِي مُبَاشَرَاتِهِمْ.
وَفِي أَوَاخِرِ الشَّهْرِ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ الْوَاعِظُ، قَدِمَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ تُجَاهَ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَحَضَرَ مِنْ قُضَاةِ الْقُضَاةِ: الشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيُّ، فَتَكَلَّمَ عَلَى تَفْسِيرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَشَارَ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ إِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ بِعِبَارَاتٍ طَلْقَةٍ مُعْرَبَةٍ حُلْوَةٍ صَادِعَةٍ لِلْقُلُوبِ، فَأَفَادَ، وَأَجَادَ، وَوَدَّعَ النَّاسَ بِعَوْدِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَلَمَّا دَعَا اسْتَنْهَضَ النَّاسَ لِلْقِيَامِ، فَقَامُوا فِي حَالِ الدُّعَاءِ، وَقَدِ اجْتَمَعْتُ بِهِ بِالْمَجْلِسِ، فَرَأَيْتُهُ حَسَنَ الْهَيْئَةِ وَالْكَلَامِ وَالتَّأَدُّبِ، فَاللَّهُ يُصْلِحُهُ وَإِيَّانَا. آمِينَ.