الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمائة > أحداث رجب وشعبان
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمائة
وَقَدِمَ نَائِبُ طَرَابُلُسَ الْمَعْزُولُ عَلِيلًا، وَالْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَسَنْدَمُرُ الَّذِي كَانَ نَائِبَ دِمَشْقَ، وَكَانَا مُقِيمَيْنِ بِطَرَابُلُسَ جَمِيعًا - فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، فَدَخَلَا دَارَ السَّعَادَةِ، فَلَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمَا نَائِبُ السَّلْطَنَةِ.
وَتَكَامَلَ فِي هَذَا الشَّهْرِ تَجْدِيدُ الرِّوَاقِ غَرْبِيِّ بَابِ النَّاطَفَانِيِّينَ إِصْلَاحًا لِدَرَابِزِينَاتِهِ، وَتَبْيِيضًا لِجُدْرَانِهِ وَمِحْرَابٍ فِيهِ، وَجُعِلَ لَهُ شَبَابِيكُ فِي الدَّرَابْزِينَاتِ، وَوُقِفَ فِيهِ قِرَاءَةُ قُرْآنٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَذَكَرُوا أَنَّ شَخْصًا رَأَى مَنَامًا فَقَصَّهُ عَلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ فَأَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ. وَفِيهِ نَهَضَ بِنَاءُ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي إِلَى جَانِبِ هَذَا الْمَكَانِ مِنَ الشُّبَّاكِ، وَقَدْ كَانَ أَسَّسَهَا أَوَّلًا نَجْمُ الدِّينِ غُلَامُ ابْنُ هِلَالٍ، فَلَمَّا صُودِرَ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَجُعِلَتْ مُضَافَةً إِلَى السُّلْطَانِ، فَبَنَوْا فَوْقَ الْأَسَاسَاتِ، وَجَعَلُوا لَهَا خَمْسَةَ شَبَابِيكَ مِنْ شَرْقِهَا، وَبَابًا قِبْلِيًّا، وَمِحْرَابًا، وَبِرْكَةً، وَعِرَاقِيَّةً، وَجَعَلُوا حَائِطَهَا بِالْحِجَارَةِ الْبِيضِ وَالسُّودِ، وَكَمَّلُوا عَالِيَهَا بِالْآجُرِّ، وَجَاءَتْ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ النَّاصِرُ حَسَنٌ قَدْ رَسَمَ بِأَنْ تُجْعَلَ مَكْتَبًا لِلْأَيْتَامِ، فَلَمْ يَتِمَّ أَمْرُهَا حَتَّى قُتِلَ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَاشْتَهَرَ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَنَّ بَقَرَةً كَانَتْ تَجِيءُ مِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الْجَابِيَةِ تَقْصِدُ جِرَاءً لِكَلْبَةٍ، قَدْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ، وَهِيَ فِي نَاحِيَةِ كَنِيسَةِ مَرْيَمَ فِي خَرَابَةٍ، فَتَجِيءُ إِلَيْهِمْ فَتَنْسَطِحُ عَلَى شِقِّهَا فَتَرْضَعُ أُولَئِكَ الْجِرَاءُ مِنْهَا، تَكَرَّرَ هَذَا مِنْهَا مِرَارًا، وَأَخْبَرَنِي الْمُحَدِّثُ الْمُفِيدُ التَّقِيُّ نُورُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الْمَقْصُوصِ بِمُشَاهَدَتِهِ ذَلِكَ.
وَفِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ جِهَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ - حَرَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَلَدِ أَنَّ النِّسَاءَ يَمْشِينَ فِي تَسَتُّرٍ، وَيَلْبَسْنَ أُزُرَهُنَّ إِلَى أَسْفَلَ مِنْ سَائِرِ ثِيَابِهِنَّ، وَلَا يُظْهِرْنَ زِينَةً وَلَا يَدًا، فَامْتَثَلْنَ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدِمَ أَمِيرُ الْعَرَبِ حَيَّارُ بْنُ مُهَنَّا فِي أُبَّهَةٍ هَائِلَةٍ، وَتَلَقَّاهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَاصِدٌ إِلَى الْأَبْوَابِ الشَّرِيفَةِ.
وَفِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ قَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ تَمُرُ الْمَهِمَنْدَارُ مِنْ نِيَابَةِ غَزَّةَ حَاجِبَ الْحُجَّابِ بِدِمَشْقَ، وَعَلَى مُقَدِّمَةِ رَأْسِ الْمَيْمَنَةِ، وَأَطْلَقَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ مُكُوسَاتٍ كَثِيرَةً، وَأَبْطَلَ مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُحْتَسِبِينَ زِيَادَةً عَلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أُجْرَةِ عِدَّةِ الْمَوْتَى كُلُّ مَيِّتٍ بِثَلَاثَةٍ وَنِصْفٍ، وَجَعَلَ الْعِدَّةَ الَّتِي فِي الْقَيْسَارِيَّةِ لِلْحَاجَةِ مُسْبَلَةً لَا تَنْحَجِرُ عَلَى أَحَدٍ فِي تَغْسِيلٍ مَيِّتٍ، وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ مَنَعَ التَّحَجُّرَ فِي بَيْعِ الثَّلْجِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَبِيعَ مِثْلَ بَقِيَّةِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ طَرْخَانٍ فَرَخُصَ عَلَى النَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جِدًّا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ بِيعَ الْقِنْطَارُ بِعَشَرَةٍ وَمَا حَوْلَهَا.
وَفِي شَهْرِ شَعْبَانَ قَدِمَ الْأَمِيرُ حَيَّارُ بْنُ مُهَنَّا مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَنَزَلَ الْقَصْرَ الْأَبْلَقَ، وَتَلَقَّاهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، وَأَكْرَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ، ثُمَّ تَرَحَّلَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، وَقَدِمَ الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ كَانُوا بِحَبْسِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَابِعِهِ، وَفِيهِمُ الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ صُبْحٍ، وَسَيْفُ الدِّينِ طَيْدَمُرُ الْحَاجِبُ، وَطُنَيْرِقُ مُقَدَّمُ أَلْفٍ، وَعُمَرُ شَاهْ، هَذَا وَنَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَيْدَمُرُ - أَعَزَّهُ اللَّهُ - يُبْطِلُ الْمُكُوسَاتِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّ مِنْ عَزْمِهِ أَنْ يُبْطِلَ جَمِيعَ ذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، آمِينَ، انْتَهَى.