قبجق وأحداث دمشق وابن تيمية

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة تسع وتسعين وستمائة > قبجق وأحداث دمشق وابن تيمية

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة تسع وتسعين وستمائة

وَفِي ثَانِي رَجَبٍ طَلَبَ قَبْجَقُ الْقُضَاةَ وَالْأَعْيَانَ، فَحَلَّفَهُمْ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ لِلدَّوْلَةِ الْمَحْمُودِيَّةِ - يَعْنِي قَازَانَ - فَحَلَفُوا لَهُ.

وَفِي هَذَا الْيَوْمِ خَرَجَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ إِلَى مُخَيَّمِ بُولَايِ، فَاجْتَمَعَ بِهِ فِي فِكَاكِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَنْقَذَ كَثِيرًا مِنْهُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ عَادَ، ثُمَّ رَاحَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ دِمَشْقَ، ثُمَّ عَادُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَشُلِّحُوا عِنْدَ بَابٍ شَرْقِيٍّ، وَأُخِذَتْ ثِيَابُهُمْ وَعَمَائِمُهُمْ، وَرَجَعُوا فِي شَرِّ حَالَةٍ، ثُمَّ بَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ، فَاخْتَفَى أَكْثَرُهُمْ، وَتَغَيَّبُوا عَنْهُ، وَنُودِيَ بِالْجَامِعِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ثَالِثَ رَجَبٍ مِنْ جِهَةِ نَائِبِ الْقَلْعَةِ بِأَنَّ الْعَسَاكِرَ الْمِصْرِيَّةَ قَادِمَةٌ إِلَى الشَّامِ، وَفِي عَشِيَّةِ يَوْمِ السَّبْتِ رَحَلَ بُولَايُ وَأَصْحَابُهُ مِنَ التَّتَرِ، وَانْشَمَرُوا عَنْ دِمَشْقَ، وَقَدْ أَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُمْ، وَسَارُوا مِنْ عَلَى عَقَبَةِ دُمَّرَ، فَعَاثُوا فِي تِلْكَ النَّوَاحِي فَسَادًا، وَلَمْ يَأْتِ سَابِعُ الشَّهْرِ وَفِي حَوَاشِي الْبَلَدِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَقَدْ أَزَاحَ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم شَرَّهُمْ عَنِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَنَادَى قَبْجَقُ فِي النَّاسِ: قَدْ أَمِنَتِ الطُّرُقَاتُ، وَلَمْ يَبْقَ بِالشَّامِ مِنَ التَّتَرِ أَحَدٌ.

وَصَلَّى قَبْجَقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَاشِرِ رَجَبٍ بِالْمَقْصُورَةِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَلَيْهِمْ لَأْمَةُ الْحَرْبِ مِنَ السُّيُوفِ وَالْقِسِيِّ وَالتَّرَاكِيشِ فِيهَا النُّشَّابُ، وَأَمِنَتِ الْبَلَدُ وَنَوَاحِيهَا، وَخَرَجَ النَّاسُ لِلْفُرْجَةِ فِي غِيَاضِ السَّفَرْجَلِ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَعَاثَتْ عَلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّتَارِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَجَعُوا إِلَى الْبَلَدِ هَارِبِينَ مُسْرِعِينَ، وَنَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّهْرِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ مُجْتَازِينَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، وَتَقَلَّقَ قَبْجَقُ مِنَ الْبَلَدِ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رُؤَسَائِهَا - مِنْهُمْ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانَسِيِّ - لِتَلَقِّي الْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى الشَّامِ فِي تَاسِعِ رَجَبٍ وَجَاءَتِ الْبَرِيدِيَّةُ بِذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبَقِيَ الْبَلَدُ لَيْسَ بِهِ أَحَدٌ، وَنَادَى أَرْجُوَاشُ فِي الْبَلَدِ أَنِ احْفَظُوا الْأَسْوَارَ، وَأَخْرِجُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنَ الْأَسْلِحَةِ، وَلَا تُهْمِلُوا الْأَسْوَارَ وَالْأَبْوَابَ، وَلَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى السُّورِ، وَمَنْ بَاتَ فِي دَارِهِ شُنِقَ.

فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى الْأَسْوَارِ لِحِفْظِ الْبَلَدِ، وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ يَدُورُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَوْقَ الْأَسْوَارِ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الصَّبْرِ وَالْقِتَالِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ.

وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ أُعِيدَتِ الْخُطْبَةُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ لِصَاحِبِ مِصْرَ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُخْطَبُ لِقَازَانَ بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ مِائَةَ يَوْمٍ سَوَاءً.

وَفِي بُكْرَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْمَذْكُورِ دَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، صلى الله عليه وسلم، وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْخَمَّارَاتِ وَالْحَانَاتِ، فَكَسَرُوا آنِيَةَ الْخُمُورِ، وَشَقُّوا الظُّرُوفَ، وَأَرَاقُوا الْخُمُورَ، وَعَزَّرُوا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْحَانَاتِ الْمُتَّخَذَةِ لِهَذِهِ الْفَوَاحِشِ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَنُودِيَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنَ عَشَرَ رَجَبٍ بِأَنْ تُزَيَّنَ الْبَلَدُ لِقُدُومِ الْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ، وَفُتِحَ بَابُ الْفَرَجِ مُضَافًا إِلَى بَابِ النَّصْرِ يَوْمَ الْأَحَدِ تَاسِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَانْفَرَجُوا; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَدْخُلُونَ إِلَّا مِنْ بَابِ النَّصْرِ، وَقَدِمَ الْجَيْشُ الشَّامِيُّ صُحْبَةَ نَائِبِ دِمَشْقَ جَمَالِ الدِّينِ آقُوشَ الْأَفْرَمِ إِلَى دِمَشْقَ يَوْمَ السَّبْتِ عَاشِرِ شَعْبَانَ، وَثَانِي يَوْمٍ دَخَلَ بَقِيَّةُ الْعَسَاكِرِ، وَفِيهِمُ الْأَمِيرَانِ شَمْسُ الدِّينِ قَرَاسُنْقُرُ الْمَنْصُورِيُّ وَسَيْفُ الدِّينِ قَطْلَبَكُّ فِي تَجَمُّلٍ.

وَفِي هَذَا الْيَوْمِ فُتِحَ بَابُ الْفَرَادِيسِ. وَفِيهِ دَرَّسَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ بِالْمَدْرَسَةِ الْأَمِينِيَّةِ عِوَضًا عَنْ أَخِيهِ قَاضِي الْقُضَاةِ إِمَامِ الدِّينِ، تُوُفِّيَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 16 جمادى الأولى
أحدب متناقص اليوم 17.4 / 29.5
الإضاءة 92%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56