الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة تسع وتسعين > ترجمة سليمان بن عبد الملك
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة تسع وتسعين
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ وَقِيلَ: بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْهَا، عَنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: عَنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُجَاوِزِ الْأَرْبَعِينَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَزَعَمَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَانَ مِنْهَا، وَأَنَّهُ اسْتَكْمَلَ فِي خِلَافَتِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَبُو أَيُّوبَ.
كَانَ مَوْلِدُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي بَنِي جَزِيلَةَ، وَنَشَأَ بِالشَّامِ عِنْدَ أَبِيهِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْهُ. وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُنَيْدَةَ أَنَّهُ صَحِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِلَى الْغَابَةِ، قَالَ: فَسَكَتُّ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أَتَمَنَّى، فَهَلْ تَتَمَنَّى يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ لِي أُحُدًا هَذَا ذَهَبًا أَعْلَمُ عَدَدَهُ وَأُخْرِجُ زَكَاتَهُ مَا كَرِهْتُ ذَلِكَ، أَوْ قَالَ: مَا خَشِيتُ أَنْ يَضُرَّنِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَكَانَتْ دَارُهُ بِدِمَشْقَ مَوْضِعَ مِيضَأَةِ جَيْرُونَ الْآنَ فِي تِلْكَ السَّاحَةِ جَمِيعِهَا، وَبَنَى دَارًا كَبِيرَةً مِمَّا يَلِي بَابَ الصَّغِيرِ مَوْضِعَ الدَّرْبِ الْمَعْرُوفِ بِدَرْبِ مُحْرِزٍ وَجَعَلَهَا دَارَ الْإِمَارَةِ وَعَمِلَ فِيهَا قُبَّةً صَفْرَاءَ تَشْبِيهًا بِالْقُبَّةِ الْخَضْرَاءِ. قَالَ: وَكَانَ فَصِيحًا مُؤْثِرًا لِلْعَدْلِ مُحِبًّا لِلْغَزْوِ، وَقَدْ أَنْفَذَ الْجَيْشَ لِحِصَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ حَتَّى صَالَحُوهُمْ عَلَى بِنَاءِ الْجَامِعِ بِهَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ جَمَعَ بَنِيهِ الْوَلِيدَ وَسُلَيْمَانَ وَمَسْلَمَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَقْرَأَهُمُ الْقُرْآنَ فَأَجَادُوا الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ اسْتَنْشَدَهُمُ الشِّعْرَ فَأَجَادُوا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا أَوْ يُحْكِمُوا شِعْرَ الْأَعْشَى، فَلَامَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: لِيُنْشِدْنِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَرَقَّ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ وَلَا يُفْحِشُ، هَاتِ يَا وَلِيدُ: فَقَالَ الْوَلِيدُ:
مَا مَرْكَبٌ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ يُعْجِبُنِي … كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وَخَلْخَالِ
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَهَلْ يَكُونُ مِنَ الشِّعْرِ أَرَفْثُ مِنْ هَذَا؟ هَاتِ يَا سُلَيْمَانَ، فَقَالَ:
حَبَّذَا رَجْعُهَا يَدَيْهَا إِلَيْهَا … فِي يَدِى دِرْعُهَا تَحُلُّ الْإِزَارَا
فَقَالَ: لَمْ تُصِبْ، هَاتِ يَا مَسْلَمَةُ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلَّا لِتَضْرِبِي … بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
فَقَالَ: كَذَبَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَلَمْ يُصِبْ، إِذَا ذَرَفَتْ عَيْنَاهَا بِالْوَجْدِ فَمَا بَقِيَ إِلَّا اللِّقَاءُ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْعَاشِقِ أَنْ يَقْتَضِيَ مِنْهَا الْجَفَاءَ وَيَكْسُوَهَا الْمَوَدَّةَ. ثُمَّ قَالَ: أَنَا مُؤَجِّلُكُمْ فِي هَذَا الْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَنْ أَتَانِي بِهِ فَلَهُ حُكْمُهُ أَيْ مَهْمَا طَلَبَ أَعْطَيْتُهُ فَنَهَضُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَبَيْنَمَا سُلَيْمَانُ فِي مَوْكِبٍ إِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ يَسُوقُ إِبِلَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
لَوْ حَزَّ بِالسَّيْفِ رَأْسِي فِي مَوَدَّتِهَا … لَمَالَ يَهْوِي سَرِيعًا نَحْوَهَا رَأْسِي فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالْأَعْرَابِيِّ فَاعْتُقِلَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكَ بِمَا سَأَلْتَ. فَقَالَ: هَاتِ. فَأَنْشَدَهُ الْبَيْتَ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، وَأَنَّى لَكَ هَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ وَلَا تَنْسَ صَاحِبَكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ قَدْ عَهِدْتَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ لِلْوَلِيدِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ.
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَعَثَهُ عَلَى الْحَجِّ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهَا سُلَيْمَانُ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ الْبَيْتَ مِنَ الشِّعْرِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَصَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَخِيهِالْوَلِيدِ، كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْوَزِيرِ وَالْمُشِيرِ، وَكَانَ هُوَ الْمُسْتَحِثَّ عَلَى عِمَارَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ الْوَلِيدُ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِالرَّمْلَةِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ تَلَقَّاهُ الْأُمَرَاءُ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَارُوا إِلَيْهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَبَايَعُوهُ هُنَاكَ.
وَعَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْقُدْسِ، وَأَتَتْهُ الْوُفُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمْ يَرَوْا وِفَادَةً، فَكَانَ يَجْلِسُ فِي قُبَّةٍ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِي الصَّخْرَةَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَتَجْلِسُ أَكَابِرُ النَّاسِ عَلَى الْكَرَاسِيِّ وَتُقَسَّمُ فِيهِمُ الْأَمْوَالُ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَى دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا وَكَمَّلَ عِمَارَةَ الْجَامِعِ.
وَفِي أَيَّامِهِ جُدِّدَتِ الْمَقْصُورَةُ، وَاتَّخَذَ ابْنَ عَمِّهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُسْتَشَارًا وَوَزِيرًا، وَقَالَ لَهُ: إِنَّا قَدْ وُلِّينَا مَا تَرَى، وَلَيْسَ لَنَا عِلْمٌ بِتَدْبِيرِهِ، فَمَا رَأَيْتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَمُرْ بِهِ فَلْيُكْتَبْ. وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ عَزْلُ نُوَّابِ الْحَجَّاجِ، وَإِخْرَاجُ أَهْلِ السُّجُونِ مِنْهَا، وَإِطْلَاقُ الْأُسَرَاءِ وَبَذْلُ الْأَعْطِيَةِ بِالْعِرَاقِ وَرَدُّ الصَّلَاةِ إِلَى مِيقَاتِهَا الْأَوَّلِ، بَعْدَ مَا كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ يُؤَخِّرُونَهَا إِلَى آخَرِ وَقْتِهَا، مَعَ أُمُورٍ حَسَنَةٍ كَانَ يَسْمَعُهَا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَأَمَرَ بِغَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ فِي الْبَرِّ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَبَعَثَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ أَلْفَ مَرْكَبٍ فِي الْبَحْرِ، عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ وَمَعَهُ ابْنُهُ دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ،
وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ مَشُورَةِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَدِمَ فِي أَيَّامِ أَخِيهِ الْوَلِيدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَوْنٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: أَوَّلُ كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَنْ قَالَ: