ترجمة ابن الزبير ونسبه وعبادته

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين > ترجمة ابن الزبير ونسبه وعبادته

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين

وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ صلى الله عليه وسلم

هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو بَكْرٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَبُو خُبَيْبٍ، الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، هَاجَرَتْ بِهِ - وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ مُتِمٌ - فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاءَ أَوَّلَ مَقْدِمِهِمِ الْمَدِينَةَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا وَلَدَتْهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ.

قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ; لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ بِهِ، وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ فَوَلَدْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ فِي جَوْفِهِ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: ثُمَّ حَنَّكَهُ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ.

وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَشَهِدَ الْجَمَلَ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَحَضَرَ خُطْبَةَ عُمَرَ بِالْجَابِيَّةِ، وَرَوَاهَا عَنْهُ بِطُولِهَا، ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.

وَقَدِمَ دِمَشْقَ لِغَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، ثُمَّ قَدِمَهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ غَلَبَ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقَيْنِ وَمِصْرَ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ بِلَادٍ الشَّامِ إِلَّا دِمَشْقَ، وَتَمَّتِ الْبَيْعَةُ لَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ النَّاسُ بِخَيْرٍ فِي زَمَانِهِ.

وَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا خَرَجَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرَةً وَهِيَ حُبْلَى بِهِ، فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاءَ أَوَّلَ مَقْدِمِهِمِ الْمَدِينَةَ، فَأَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَدَعَا لَهُ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ; لِأَنَّهُ كَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ سَحَرُوا الْمُهَاجِرِينَ; فَلَا يُولَدُ لَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَيْشَ الشَّامِ حِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ قَتْلِهِ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَلَّذِينِ كَبَّرُوا عِنْدَ مَوْلِدِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ قَتْلِهِ. وَأَذَّنَ الصِّدِّيقُ فِي أُذُنَيْهِ حِينَ وُلِدَ صلى الله عليه وسلم.

وَمَنْ قَالَ: إِنِ الصِّدِّيقَ طَافَ بِهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ فِي خِرْقَةٍ فَهُوَ وَاهِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا طَافَ الصِّدِّيقُ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُ مِيلَادِهِ عَلَى خِلَافِ مَا زَعَمَتِ الْيَهُودُ.

وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَ عَارِضَا عَبْدِ اللَّهِ خَفِيفَيْنِ، وَمَا اتَّصَلَتْ لِحْيَتُهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلِّمَ فِي غِلْمَةٍ تَرَعْرَعُوا; مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ بَايَعْتَهُمْ فَتُصِيبَهُمْ بَرَكَتُكَ، وَيَكُونُ لَهُمْ ذِكْرٌ. فَأُتِيَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ تَكَعْكَعُوا، وَاقْتَحَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: إِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ وَبَايَعَهُ.

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ شَرِبَ مِنْ دَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم; كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدِ احْتَجَمَ فِي طَسْتٍ، فَأَعْطَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لِيُرِيقَهُ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اذْهَبْ بِهَذَا الدَّمِ فَأَهْرِقْهُ حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ فَلَمَّا بَعُدَ عَمَدَ إِلَى ذَلِكَ الدَّمِ فَشَرِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا صَنَعْتَ بِالدَّمِ؟ قَالَ: عَمَدْتُ إِلَى أَخْفَى مَوْضِعٍ عَلِمْتُ فَجَعَلْتُهُ فِيهِ. قَالَ: فَلَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ فَكَانَتْ تِلْكَ الْقُوَّةُ الَّتِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، أَنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَارِسُ الْخُلَفَاءِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَمُرُّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يُصَلِّي خَلْفَ الْمَقَامِ كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ مَنْصُوبَةٌ لَا يَتَحَرَّكُ.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا سَجَدَ وَقَعَتِ الْعَصَافِيرُ عَلَى ظَهْرِهِ، تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ لَا تَرَاهُ إِلَّا جِذْمَ حَائِطٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُومُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَرْكَعُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَسْجُدُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَكَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمًا فَقَرَأْتُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي كَأَنَّهُ كَعْبٌ رَاتِبٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثَابِتٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: تَعَلَّمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّلَاةَ مَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الصِّدِّيقِ، وَ الصِّدِّيقُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي كَأَنَّهُ غُصْنُ شَجَرَةٍ تَصْفِقُهَا الرِّيحُ، وَالْمَنْجَنِيقُ يَقَعُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا. قَالَ سُفْيَانُ: كَأَنَّهُ لَا يُبَالِي. وَحَكَى بَعْضُهُمْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ حَجَرًا مِنَ الْمَنْجَنِيقِ وَقَعَ عَلَى شُرَّافَةِ الْمَسْجِدِ فَطَارَتْ فِلْقَةٌ مِنْهُ فَمَرَّتْ بَيْنَ لِحْيَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَحَلْقِهِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَقَامِهِ، وَلَا عُرِفَ ذَلِكَ فِي صَوْتِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، جَادَ مَا وَصَفْتَ.

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا

لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: صِفْ لَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ جِلْدًا قَطُّ رُكِّبَ عَلَى لَحْمٍ، وَلَا لَحْمًا عَلَى عَصَبٍ، وَلَا عَصَبًا عَلَى عَظْمٍ مِثْلَهُ، وَلَا رَأَيْتُ نَفْسًا رُكِّبَتْ بَيْنَ جَنْبَيْنِ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَلَقَدْ مَرَّتْ آجُرَّةٌ مِنْ رَمْيِ الْمَنْجَنِيقِ بَيْنَ لِحْيَتِهِ وَصَدْرِهِ، فَوَاللَّهِ مَا جَشِعَ وَلَا قَطَعَ لَهَا قِرَاءَتَهُ، وَلَا رَكَعَ دُونَ مَا كَانَ يَرْكَعُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ خَرَجَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَيْهَا، وَلَقَدْ كَانَ يَرْكَعُ فَيَكَادُ يَقَعُ الرَّخَمُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَسْجُدُ فَكَأَنَّهُ ثَوْبٌ مَطْرُوحٌ.

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى ابْنَ الزُّبَيْرِ يَشْرَبُ فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: كَانَ قَارِئًا لِكِتَابِ اللَّهِ، مُتَّبِعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَانِتًا لِلَّهِ، صَائِمًا فِي الْهَوَاجِرِ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ، ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَأُمُّهُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَا يَجْهَلُ حَقَّهُ إِلَّا مَنْ أَعْمَاهُ اللَّهُ.

وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي فَسَقَطَتْ حَيَّةٌ مِنَ السَّقْفِ تَطَوَّقَتْ عَلَى بَطْنِ ابْنِهِ هَاشِمٍ، فَصَرَخَ النِّسْوَةُ، وَانْزَعَجَ أَهْلُ الْمَنْزِلِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ تِلْكَ الْحَيَّةَ، فَقَتَلُوهَا وَسَلِمَ الْوَلَدُ; فَعَلُوا هَذَا كُلَّهُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ، وَلَا دَرَى بِمَا جَرَى لِابْنِهِ حَتَّى سَلَّمَ.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَنْ لَا أُحْصِي كَثْرَةً مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ سَبْعًا; يَصُومُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ الْأُخْرَى، وَيَصُومُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي مَكَّةَ، وَيَصُومُ بِمَكَّةَ فَلَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ إِذَا أَفْطَرَ أَوَّلُ مَا يُفْطِرُ عَلَى لَبَنِ لِقْحَةٍ، وَسَمْنٍ، وَصَبِرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَأَمَّا اللَّبَنُ فَيَعْصِمُهُ، وَأَمَّا السَّمْنُ فَيَقْطَعُ عَنْهُ الْعَطَشَ، وَأَمَّا الصَّبِرُ فَيُفَتِّقُ الْأَمْعَاءَ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُوَاصِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَيُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَهُوَ أَلْيَثُنَا.

وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سِوَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَسَطِهِ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَنْزِعْ ثَوْبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ. وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ

مُجَاهِدٍ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُطِيقُ مَا يُطِيقُهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِبَادَةِ صلى الله عليه وسلم. وَلَقَدْ جَاءَ سَيْلٌ مَرَّةً فَطَبَّقَ الْبَيْتَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَطُوفُ سِبَاحَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يُنَازَعُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْعِبَادَةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْفَصَاحَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُثْمَانَ جَعَلَهُ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ نَسَخُوا الْمَصَاحِفَ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي خُطَبَاءِ الْإِسْلَامِ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَابْنِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ رِدَاءً يَمَانِيًّا عَدَنِيًّا يُصَلِّي فِيهِ، وَكَانَ صَيِّتًا; إِذَا خَطَبَ يُجَاوِبُهُ الْجَبَلَانِ أَبُو قُبَيْسٍ، وَزَرُودُ.

وَكَانَ آدَمَ نَحِيفًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَكَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، مُجْتَهِدًا، شَهْمًا، فَصِيحًا، صَوَّامًا قَوَّامًا، شَدِيدَ الْبَأْسِ، ذَا أَنَفَةٍ، لَهُ نَفْسٌ شَرِيفَةٌ وَهِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَكَانَ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِنَ الشَّعْرِ إِلَّا قَلِيلًا، وَكَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ، وَكَانَ لَهُ لِحْيَةٌ صَفْرَاءُ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 5 جمادى الأولى
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56