الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين > ولده ورثاؤه وما روى في فضله
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: خُبَيْبٌ وَحَمْزَةُ وَعَبَّادٌ وَثَابِتٌ، وَأُمُّهُمْ تُمَاضِرُ بِنْتُ مَنْظُورٍ الْفَزَارِيِّ، وَهَاشِمٌ وَقَيْسٌ وَعُرْوَةُ - قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ - وَالزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ حُلَّةَ بْنِ مَنْظُورٍ، وَعَامِرٌ وَمُوسَى وَأُمُّ حَكِيمٍ وَفَاطِمَةُ وَفَاخِتَةُ، وَأُمُّهُمْ جُثَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَبَكْرٌ وَرُقَيَّةُ، وَأُمُّهُمْ عَائِشَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَمُصْعَبٌ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ.
وَقَدْ أَسْنَدَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا.
وَقَدْ رُثِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَخُوهُ مُصْعَبٌ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ حَسَنَةٍ بَلِيغَةٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْمَرٍ الذُّهْلِيِّ يَرْثِيهُمَا بِأَبْيَاتٍ:
لَعَمْرُكَ مَا أَبْقَيْتُ فِي النَّاسِ حَاجَةً … وَلَا كُنْتُ مَلْبُوسَ الْهُدَى مُتَذَبْذِبًا غَدَاةَ دَعَانِي مُصْعَبٌ فَأَجَبْتُهُ … وَقَلْتُ لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا أَبُوكَ حَوَارِيُّ الرَّسُولِ وَسَيْفُهُ … فَأَنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ خَيْرِنَا أَبَا وَذَاكَ أَخُوكَ الْمُهْتَدَى بِضِيَائِهِ … بِمَكَّةَ يَدْعُونَا دُعَاءً مُثَوَّبَا وَلَمْ أَكُ ذَا وَجْهَيْنِ وَجْهٍ لِمُصْعَبٍ … مَرِيضٍ وَوَجْهٍ لِابْنِ مَرْوَانَ إِذْ صَبَا وَكُنْتُ امْرَأً نَاصَحْتُهُ غَيْرَ مُؤْثِرٍ … عَلَيْهِ ابْنَ مَرْوَانَ وَلَا مُتَقَرِّبَا إِلَيْهِ بِمَا تُقْذَى بِهِ عَيْنُ مُصْعَبٍ … وَلَكِنَّنِي نَاصَحْتُ فِي اللَّهِ مُصْعَبَا إِلَى أَنْ رَمَتْهُ الْحَادِثَاتُ بِسَهْمِهَا … فَلِلَّهِ سَهْمًا مَا أَسَدَّ وَأَصْوَبَا فَإِنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ أَوْدَى بِمُصْعَبٍ … وَأَصْبَحَ عَبْدُ اللَّهِ شِلْوًا مُلَحَّبَا فَكُلُّ امْرِئٍ حَاسٍ مِنَ الْمَوْتِ جُرْعَةً … وَإِنْ حَادَ عَنْهَا جُهْدَهُ وَتَهَيَّبَا وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ دَمَ مَحَاجِمِهِ يُهَرِيقُهُ، فَحَسَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِالدَّمِ؟ قُلْتُ: جَعَلْتُهُ فِي مَكَانٍ ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَافٍ عَلَى النَّاسِ.
قَالَ: فَلَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَشْرَبَ الدَّمَ؟ وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ.
وَدَخَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَائِمٌ فِي الدِّهْلِيزِ، وَمَعَهُ طَسْتٌ يَشْرَبُ مِنْهُ، فَدَخَلَ سَلْمَانُ، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: فَرَغْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَلْمَانُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَعْطَيْتَهُ غُسَالَةَ مَحَاجِمِي يُهَرِيقُ مَا فِيهَا. قَالَ سَلْمَانُ: شَرِبَهَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. قَالَ: شَرِبْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ دَمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَوْفِي. فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ.
وَلَمَّا بَعَثَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ الْقَيْدَ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَجَامِعَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَأَقْسَمَ لَتَأْتِيَنِّي فِيهَا، فَقَالُوا لَهُ: بِرَّ قَسَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ:
وَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ … حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ بِعِزٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ فِي ذُلٍّ. ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ دَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَ: إِنَّ فِي الْمَوْتِ لَرَاحَةٌ. وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ لَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يَفْسُدْ لَهَا بَصَرٌ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ حَتَّى آتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْكَ، إِمَّا أَنْ تَمْلِكَ فَتَقَرَّ عَيْنِي، وَإِمَّا أَنْ تُقْتَلَ فَأَحْتَسِبَكَ. ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
وَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ … وَلَا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَعِظُهُمْ وَيَقُولُ: لِيُكِنَّ أَحَدُكُمْ سَيْفَهُ كَمَا يُكِنُّ وَجْهَهُ، فَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَاللَّهِ مَا لَقِيتُ زَحْفًا قَطُّ إِلَّا فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَمَا أَلِمْتُ جُرْحًا إِلَّا أَلَمَ الدَّوَاءِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ سَيْفَانِ، فَأَوَّلُ مَنْ لَقِيَهُ الْأَسْوَدُ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَطَنَّ رِجْلَهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ: أَخُّ يَابْنَ الزَّانِيَةِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: اخْسَأْ يَابْنَ حَامٍ، أَسْمَاءُ زَانِيَةٌ؟! ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْوَانِهِ يَرْمُونَ أَعْدَاءَهُ بِالْآجُرِّ، فَأَصَابَتْهُ آجُرَّةٌ مِنْ أَعْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَفَلَقَتْ رَأْسَهُ، فَوَقَفَ قَائِمًا وَهُوَ يَقُولُ:
لَوْ كَانَ قَرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ
وَيَقُولُ:
وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا … وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا ثُمَّ وَقَعَ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ مَوْلَيَانِ لَهُ، وَهُمَا يَقُولَانِ:
الْعَبْدُ يَحْمِي رَبَّهُ وَيَحْتَمِي ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَحَزُّوا رَأْسَهُ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَنَا حَاضِرٌ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، يَوْمَ قُتِلَ جَعَلَتِ الْجُيُوشُ تَدَخُلُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَكُلَّمَا دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابٍ حَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِذْ جَاءَتْ شُرْفَةٌ مِنْ شُرُفَاتِ الْمَسْجِدِ، فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَتْهُ، وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَسْمَاءُ يَا أَسْمَاءُ لَا تَبْكِينِي … لَمْ يَبْقَ إِلَّا حَسَبِي وَدِينِي وَصَارِمٌ لَانَتْ بِهِ يَمِينِي
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُمَّهُ قَالَتْ لِلْحَجَّاجِ: أَمَا آنَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ؟ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: ابْنُكُ الْمُنَافِقُ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ مُنَافِقًا، إِنْ كَانَ لَصَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ. فَقَالَ: انْصَرِفِي يَا عَجُوزُ، فَإِنَّكِ قَدْ خَرِفْتِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا خَرِفْتُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَمَرَّ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَوَقَفَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ،
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ.
وَرَوَى سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: ذَكَرْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: كَانَ عَفِيفًا فِي الْإِسْلَامِ، قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، صَوَّامًا قَوَّامًا، أَبُوهُ الزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّتُهُ خَدِيجَةُ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ، وَاللَّهِ لَأُحَاسِبَنَّ لَهُ بِنَفْسِي مُحَاسَبَةً لَمْ أُحَاسِبْهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، ثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ أَبُو سَعِيدٍ الْعَبْسِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْمَوْسِمِ، خَرَجَ عَلَيْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَبَّى بِأَحْسَنِ تَلْبِيَةٍ سَمِعْتُهَا قَطُّ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى وُفُودًا إِلَى اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَطْلُبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّ طَالِبَ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَخِيبُ، فَصَدِّقُوا قَوْلَكُمْ بِفِعْلٍ، فَإِنَّ مَلَاكَ الْقَوْلِ الْفِعْلُ، وَالنِّيَّةَ النِّيَّةَ، وَالْقُلُوبَ الْقُلُوبَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَيَّامِكُمْ هَذِهِ; فَإِنَّهَا أَيَّامٌ تُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ، جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى فِي غَيْرِ تِجَارَةٍ، وَلَا طَلَبِ مَالٍ، وَلَا دُنْيَا تَرْجُونَهَا هَاهُنَا.
ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّى النَّاسُ، فَمَا رَأَيْتُ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: ثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كُتِبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَوْعِظَةٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ لِأَهْلِ التَّقْوَى عَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، وَيَعْرِفُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ، وَصَبْرٌ عَلَى الْبَلَاءِ، وَرِضًا بِالْقَضَاءِ، وَشُكْرٌ لِلنَّعْمَاءِ، وَذُلٌّ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا الْإِمَامُ كَالسُّوقِ; مَا نَفَقَ فِيهَا حُمِلَ إِلَيْهَا، إِنْ نَفَقَ الْحَقُّ عِنْدَهُ حُمِلَ إِلَيْهِ وَجَاءَهُ أَهْلُهُ، وَإِنْ نَفَقَ الْبَاطِلُ عِنْدَهُ حُمِلَ إِلَيْهِ وَجَاءَهُ أَهْلُهُ.
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُعْطِي سَلَمَهُ قَطُّ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةِ سُلْطَانٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَبِهَذِهِ الْإِسْنَادَاتِ أَهْلُ الشَّامِ كَانُوا يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَيَقُولُونَ لَهُ: يَابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ. فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِي نِطَاقٌ وَاحِدٌ شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ; فَجَعَلْتُ فِي سُفْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدَهُمَا، وَأَوْكَيْتُ قِرْبَتَهُ بِالْآخَرِ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ يُرِيدَانِ الْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِيهًا وَاللَّهِ:
وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا وَاللَّهُ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمُ.