تواقف الجيشين بصفين والمفاوضات

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة سبع وثلاثين > تواقف الجيشين بصفين والمفاوضات

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، صلى الله عليه وسلم، مُتَوَاقِفٌ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، صلى الله عليه وسلم، كُلٌّ مِنْهُمَا فِي جُنُودِهِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: صِفِّينَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْفُرَاتِ، شَرْقِيِّ بِلَادِ الشَّامِ، وَقَدِ اقْتَتَلُوا فِي مُدَّةِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ رُبَّمَا اقْتَتَلُوا مَرَّتَيْنِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ تَحَاجَزُوا عَنِ الْقِتَالِ، طَلَبًا لِلصُّلْحِ وَرَجَاءَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ مُهَادَنَةٌ وَمُوَادَعَةٌ يَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدٌ أَبُو الْمُجَاهِدِ الطَّائِيُّ، عَنْ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْأَرْحَبِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادَ بْنَ خَصَفَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى جَانِبِهِ - قَالَ عَدِيٌّ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ -:

مبادرة أهل العراق إلى الصلح

أَمَّا بَعْدُ، يَا مُعَاوِيَةُ فَإِنَّا جِئْنَاكَ نَدْعُوكَ إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ كَلِمَتَنَا وَأُمَّتَنَا، وَتُحْقَنُ بِهِ دِمَاؤُنَا، وَيَأْمَنُ بِهِ السَّبِيلُ وَيُصْلَحُ بِهِ ذَاتُ الْبَيْنِ; إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُهَا سَابِقَةً، وَأَحْسَنُهَا فِي الْإِسْلَامِ أَثَرًا، وَقَدِ اسْتَجْمَعَ لَهُ النَّاسُ وَقَدْ أَرْشَدَهُمُ اللَّهُ بِالَّذِي رَأَوْا فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُكُ وَغَيْرُ مَنْ مَعَكَ، فَانْتَهِ يَا مُعَاوِيَةُ لَا يُصِبْكَ اللَّهُ وَأَصْحَابَكَ مِثْلَ مَا أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَ الْجَمَلِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَأَنَّكَ إِنَّمَا جِئْتَ مُتَهَدِّدًا وَلَمْ تَأْتِ مُصْلِحًا، هَيْهَاتَ يَا عَدِيُّ، كَلَّا وَاللَّهِ إِنِّي لِابْنُ حَرْبٍ، لَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ لِمِنَ الْمُجْلِبَيْنِ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ قَتَلَتِهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِهِ.

وَتَكَلَّمَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ فَذَكَرَا مِنْ فَضْلِ عَلِيٍّ، وَقَالَا: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ وَلَا تُخَالِفْهُ،

فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ أَعْمَلَ بِالتَّقْوَى، وَلَا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَجْمَعَ لِخِصَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا مِنْهُ. فَتَكَلَّمَ مُعَاوِيَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ، فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَنِعِمَّا هِيَ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ فَكَيْفَ أُطِيعُ رَجُلًا أَعَانَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ؟

وَنَحْنُ لَا نَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا نَتَّهِمُهُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ أَوَى قَتَلَتَهُ; فَيَدْفَعَهُمْ إِلَيْنَا حَتَّى نَقْتُلَهُمْ، ثُمَّ نَحْنُ نُجِيبُكُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةَ، لَوْ تَمَكَّنْتَ مَنْ عَمَّارٍ أَكُنْتَ قَاتِلَهُ بِعُثْمَانَ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَوْ تَمَكَّنْتُ مِنَ ابْنِ سُمَيَّةَ مَا قَتَلْتُهُ بِعُثْمَانَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَقْتُلُهُ بِغُلَامِ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: وَإِلَهِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَا تَصِلُ إِلَى قَتْلِ عَمَّارٍ حَتَّى تَنْدُرَ الرُّءُوسُ عَنْ كَوَاهِلِهَا، وَيَضِيقُ فَضَاءُ الْأَرْضِ وَرَحْبُهَا عَلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ كَانَتْ عَلَيْكَ أَضْيَقَ. وَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَذَهَبُوا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ.

رسل معاوية إلى علي

وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَمَعْنَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ إِلَى عَلِيٍّ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَبَدَأَ حَبِيبٌ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ خَلِيفَةً مَهْدِيًّا، عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَثَبَتَ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَاسْتَثْقَلْتُمْ حَيَاتَهُ، وَاسْتَبْطَأْتُمْ وَفَاتَهُ، فَعَدَوْتُمْ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ، فَادْفَعْ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ - إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ - ثُمَّ اعْتَزِلْ أَمْرَ النَّاسِ، فَيَكُونَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَيُوَلِّي النَّاسُ أَمْرَهُمْ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ رَأْيَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ، لَا أُمَّ لَكَ وَهَذَا الْأَمْرَ وَهَذَا الْعَزْلَ، فَاسْكُتْ فَإِنَّكَ لَسْتَ هُنَاكَ وَلَا بِأَهْلٍ لِذَاكَ. فَقَالَ لَهُ حَبِيبٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَتَرَيَنِّي حَيْثُ تَكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ وَلَوْ أَجَلَبْتَ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ لَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ، اذْهَبْ فَصَعِّدْ وَصَوِّبْ مَا بَدَا لَكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ كَلَامًا طَوِيلًا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَلِيٍّ، وَفِي صِحَّةٍ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَعَنْهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي مَطَاوِي ذَلِكَ الْكَلَامِ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ مَا يَنْتَقِصُ فِيهِ مُعَاوِيَةَ وَأَبَاهُ، وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا وَلَمْ يَزَالَا فِي تَرَدُّدٍ فِيهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَالَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ: لَا أَقُولُ إِنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا وَلَا ظَالِمًا. فَقَالُوا: نَحْنُ نَبْرَأُ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا. وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ وَإِذَا وَقَعَ [النَّمْلِ: 80، 81]. ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَكُنْ هَؤُلَاءِ أَوْلَى بِالْجِدِّ فِي ضَلَالَتِهِمْ مِنْكُمْ بِالْجِدِّ فِي حَقِّكُمْ وَطَاعَةِ نَبِيِّكُمْ.

وَهَذَا عِنْدِي لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ، صلى الله عليه وسلم.

سؤال القراء عن قتل عثمان

وَقَدْ رَوَى ابْنُ دِيزِيلَ، مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ قُرَّاءَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقُرَّاءَ أَهْلِ الشَّامِ عَسْكَرُوا نَاحِيَةً، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ; مِنْهُمْ عَبِيدَةُ السُّلْمَانِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمْ جَاءُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا لَهُ: مَا تَطْلُبُ؟ قَالَ: أَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. قَالُوا: لِمَنْ تَطْلُبُ بِهِ؟ قَالَ: عَلِيًّا. قَالُوا: أَهْوَ قَتَلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَوَى قَتَلَتَهُ. فَانْصَرَفُوا إِلَى عَلِيٍّ فَذَكَرُوا لَهُ مَا قَالَ، فَقَالَ: كَذَبَ، لَمْ أَقْتُلْهُ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَمْ أَقْتُلْهُ. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَمَالَأَ عَلَيْهِ.

فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا قَتَلْتُ وَلَا أَمَرْتُ وَلَا مَالَأْتُ، فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُمْ فِي عَسْكَرِهِ وَجُنْدِهِ. فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيٌّ: تَأَوَّلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي فِتْنَةٍ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ لِأَجْلِهَا، وَقَتَلُوهُ فِي سُلْطَانِهِ وَلَيْسَ لِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُ، فَمَا لَهُ انْتَهَزَ الْأَمْرَ دُونَنَا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا وَلَا مِمَّنْ هَاهُنَا؟ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّمَا النَّاسُ تَبَعُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَهُمْ شُهُودُ النَّاسِ عَلَى وِلَايَتِهِمْ وَأَمْرِ دِينِهِمْ، وَقَدْ رَضُوا وَبَايَعُونِي، وَلَسْتُ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَدَعَ مِثْلَ مُعَاوِيَةَ يَحْكُمُ عَلَى الْأُمَّةِ وَيَشُقُّ عَصَاهَا.

فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَا بَالُ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ؟

فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا لِلْبَدْرِيِّينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَدْرِيٌّ إِلَّا وَهُوَ مَعِي، وَقَدْ تَابَعَنِي وَبَايَعَنِي وَرَضِيَ بِي، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ دِينِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. قَالَ: فَأَقَامُوا يَتَرَاسَلُونَ فِي ذَلِكَ مُدَّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَجُمَادَيَيْنِ، وَيَفْزَعُونَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ الْفَزْعَةَ بَعْدَ الْفَزْعَةِ، وَيَزْحَفُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَحْجِزُ بَيْنَهُمُ الْقُرَّاءُ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ قِتَالٌ. قَالَ: فَفَزِعُوا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ فَزْعَةً. قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ، فَدَخَلَا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَا لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ، عَلَامَ تُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ؟

فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَقْدَمُ مِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ سَلْمًا، وَأَقْرَبُ مِنْكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ. فَقَالَ: أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ أَوَى قَتَلَتَهُ، فَاذْهَبَا إِلَيْهِ فَقُولَا لَهُ فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَذَهَبَا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَوْنَ. فَخَرَجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَةُ عُثْمَانَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْمِنَا وَلْيَكِدْنَا. قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ فَلَمْ يَشْهَدَا لَهُمْ قِتَالًا، بَلْ لَزِمَا بُيُوتَهُمَا.

مكيدة معاوية في ترحيل القراء

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَ رَجَبٌ وَخَشِيَ مُعَاوِيَةُ أَنْ تُبَايِعَ الْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ عَلِيًّا، كَتَبَ فِي سَهْمٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِحِ، يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ يُرِيدُ أَنْ يَفْجُرَ عَلَيْكُمُ الْفُرَاتَ لِيُغْرِقَكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَرَمَى بِهِ فِي جَيْشِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَأَخَذَهُ النَّاسُ فَقَرَأُوهُ وَتَحَدَّثُوا بِهِ، وَذَكَرُوهُ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يَقَعُ. وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ مِائَتَيْ فَاعِلٍ يَحْفِرُونَ فِي جَنْبِ الْفُرَاتِ وَبَلَغَ النَّاسَ ذَلِكَ، فَخَافَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَلِكَ وَفَزِعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: وَيَحْكُمُ إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْدَعَكُمْ وَيُوهِنَ كَيْدَكُمْ،

لِيُزِيلَكُمْ عَنْ مَكَانِكُمْ هَذَا وَيَنْزِلَ فِيهِ; لِأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ مَكَانِهِ. فَقَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ نَرْتَحِلَ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ. فَارْتَحَلُوا مِنْهُ - وَجَاءَ مُعَاوِيَةُ فَنَزَلَهُ بِجَيْشِهِ - وَكَانَ عَلِيٌّ آخَرَ مَنِ ارْتَحَلَ، فَنَزَلَ بِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ:

فَلَوْ أَنِّي أَطَعْتُ عَصَمْتُ قَوْمِي … إِلَى رُكْنِ الْيَمَامَةِ أَوْ شَمَامِ وَلَكِنِّي إِذَا أَبْرَمْتُ أَمْرًا … يُخَالِفُهُ الطَّغَامُ بَنُو الطَّغَامِ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
أستغفر الله