قصة التحكيم وخروج الخوارج ومناظرة علي لهم

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة سبع وثلاثين > قصة التحكيم وخروج الخوارج ومناظرة علي لهم

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

قِصَّةُ التَّحْكِيمِ ثُمَّ تَرَاوَضَ الْفَرِيقَانِ بَعْدَ مُكَاتَبَاتٍ وَمُرَاجَعَاتٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا عَلَى التَّحْكِيمِ وَهُوَ أَنْ يُحَكِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمِيرَيْنِ - عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ - رَجُلًا مِنْ جِهَتِهِ، ثُمَّ يَتَّفِقَ الْحَكَمَانِ عَلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَوَكَّلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَأَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - وَلَيْتَهُ فَعَلَ - وَلَكِنَّهُ مَنَعَهُ الْقُرَّاءُ الْخَوَارِجُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.

ترشيح الأشعث أبا موسى حكما

وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِ «الْخَوَارِجِ» لَهُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَشَارَ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَتَابَعَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالْقِتَالِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدِ اعْتَزَلَ فِي بَعْضِ أَرْضِ الْحِجَازِ، قَالَ

عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الْأَشْتَرَ حَكَمًا. فَقَالُوا: وَهَلْ سَعَّرَ، الْأَرْضَ إِلَّا الْأَشْتَرُ؟ قَالَ: فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ لِعَلِيٍّ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَيْتَ بِحَجَرٍ، إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْنُو مِنْهُمْ حَتَّى يَصِيرَ فِي أَكُفِّهِمْ، وَيَبْعُدُ عَنْهُمْ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ النَّجْمِ، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَجْعَلَنِي حَكَمًا فَاجْعَلْنِي ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا، فَإِنَّهُ لَنْ يَعْقِدَ عُقْدَةً إِلَّا حَلَلْتُهَا، وَلَا يَحُلَّ عُقْدَةً عَقَدْتُهَا إِلَّا عَقَدْتُ لَكَ أُخْرَى مِثْلَهَا أَوْ أَحْكَمَ مِنْهَا. قَالَ: فَأَبَوْا إِلَّا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ.

فَذَهَبَتِ الرُّسُلُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ - فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اصْطَلَحُوا. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قِيلَ لَهُ: وَقَدْ جُعِلْتَ حَكَمًا. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ أَخَذُوهُ حَتَّى أَحْضَرُوهُ إِلَى عَلِيٍّ، صلى الله عليه وسلم وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا هَذِهِ صُورَتُهُ:

تحرير كتاب التحكيم واعتراض عمرو

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا تَقَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ اكْتُبِ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ هُوَ أَمِيرُكُمْ وَلَيْسَ بِأَمِيرِنَا. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: لَا تَكْتُبْ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: امْحُهُ، وَاكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلِيٌّ بِقِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ امْتَنَعَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ قَوْلِهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

فَامْتَنَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَكَتَبَ الْكَاتِبُ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ; قَاضَى عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَاضَى مُعَاوِيَةُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، إِنَّا نَنْزِلُ عِنْدَ حُكْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ، وَنُحْيِي مَا أَحْيَا اللَّهُ، صلى الله عليه وسلم، وَنُمِيتُ مَا أَمَاتَ اللَّهُ، فَمَا وَجَدَ الْحَكَمَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - وَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - عَمِلَا بِهِ وَمَا لَمْ يَجِدَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَالسُّنَّةُ الْعَادِلَةُ الْجَامِعَةُ غَيْرُ الْمُتَفَرِّقَةِ.

ثُمَّ أَخَذَ الْحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَمِنَ الْجُنْدَيْنِ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ عَلَى أَنَّهُمَا آمِنَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَهْلِهِمَا، وَالْأُمَّةُ لَهُمَا أَنْصَارٌ عَلَى الَّذِي يَتَقَاضَيَانِ عَلَيْهِ وَيَتَّفِقَانِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كِلَيْهِمَا عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّهُمْ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَجَّلَا الْقَضَاءَ إِلَى رَمَضَانَ، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يُؤَخِّرَا ذَلِكَ عَلَى تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَكُتِبَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى أَنْ يُوَافِيَ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ مَوْضِعَ الْحَكَمَيْنِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَمَضَانَ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا لِذَلِكَ اجْتَمَعَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِأَذْرُحَ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ «الْخَوَارِجِ» أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكِتَابِ وَفِيهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ أُقَاتِلْهُ، وَلَكِنْ لِيَكْتُبِ اسْمَهُ وَلِيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ اسْمِي لِفَضْلِهِ وَسَابِقَتِهِ. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَكَتَبَ كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ.

وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ أَبَوْا أَنْ يَبْدَأُوا بِاسْمِ عَلِيٍّ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ، وَبِاسْمِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَبْلَهُمْ، حَتَّى كُتِبَ كِتَابَانِ; كِتَابٌ لِهَؤُلَاءِ وَكِتَابٌ لِهَؤُلَاءِ بِمَا أَرَادُوا.

شهود كتاب التحكيم من الفريقين

وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَالتَّحْكِيمِ مَنْ جَيْشِ عَلِيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ، وَوَرْقَاءُ بْنُ سُمَيٍّ الْبَجَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحِلٍّ الْعِجْلِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ زِيَادٍ الْحَضْرَمِيُّ،

وَيَزِيدُ بْنُ حُجَيَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيُّ. فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ. وَأَمَّا مِنَ الشَّامِيِّينَ فَعَشَرَةٌ آخَرُونَ; وَهُمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَمُخَارِقُ بْنُ الْحَارِثِ الزُّبَيْدِيُّ، زِمْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعُذْرِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَسُبَيْعُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخُو مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحُرِّ الْعَبْسِيُّ.

وَخَرَجَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ بِذَلِكَ الْكِتَابِ يَقْرَأُهُ عَلَى النَّاسِ وَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. ثُمَّ شَرَعَ النَّاسُ فِي دَفْنِ قَتْلَاهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُدْفَنُ فِي كُلِّ قَبْرٍ خَمْسُونَ نَفْسًا. وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَسَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنْ صِفِّينَ أَطْلَقَهُمْ، وَكَانَ مِثْلُهُمْ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُمْ قَدْ أَسَرَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِمْ لِظَنِّهِ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ قَتَلَ أَسْرَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَطْلَقَهُمْ، أَطْلَقَ مُعَاوِيَةُ الَّذِينَ فِي يَدِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ - مِنَ الْأَوْدِ. كَانَ مِنَ الْأُسَارَى، فَأَرَادَ مُعَاوِيَةُ قَتْلَهَ، فَقَالَ: امْنُنْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ خَالِي. فَقَالَ: وَيْحَكَ!

مِنْ أَيْنَ أَنَا خَالُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا ابْنُهَا وَأَنْتَ أَخُوهَا، فَأَنْتَ خَالِي. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ وَأَطْلَقَهُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ - وَذَكَرَ أَهْلَ صِفِّينَ - فَقَالَ: كَانُوا عَرَبًا يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَالْتَقَوْا فِي الْإِسْلَامِ مَعَهُمْ بِتِلْكَ الْحَمِيَّةِ نُهْيَةِ الْإِسْلَامِ، فَتَصَابَرُوا وَاسْتَحْيَوْا مِنَ الْفِرَارِ، وَكَانُوا إِذَا تَحَاجَزُوا دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي عَسْكَرِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ فِي عَسْكَرِ هَؤُلَاءِ، فَيَسْتَخْرِجُونَ قَتْلَاهُمْ فَيَدْفِنُوهُمْ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يَفِرَّ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ.

ذِكْرُ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ مَرَّ عَلَى مَلَأٍ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ،

فَقَامَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ ابْنُ أُدَيَّةَ - وَهِيَ أُمُّهُ، وَهُوَ عُرْوَةُ بْنُ حُدَيْرٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرٍ - فَقَالَ: أَتُحَكِّمُونَ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ؟ ثُمَّ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ عَجُزَ دَابَّةِ الْأَشْعَثِ، فَغَضِبِ الْأَشْعَثُ وَقَوْمُهُ، وَجَاءَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي تَمِيمٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَى الْأَشْعَثِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالْخَوَارِجُ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ حَكَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَقَدْ أَخَذَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ وَقَالُوا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. فَسُمُّوا الْمُحَكِّمِيَّةَ.

وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ مِنْ صِفِّينَ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ عَلَى طَرِيقِ هِيتَ، وَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: ذَهَبَ عَلِيٌّ وَرَجَعَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَلَّذِينَ فَارَقْنَاهُمْ آنِفًا خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

أَخُوكَ الَّذِي إِنَّ أَجْرَضَتْكَ مُلِمَّةٌ … مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَبْرَحْ لِبَثِّكَ وَاجِمَا وَلَيْسَ أَخُوكَ بِالَّذِي إِنْ تَشَعَّبَتْ … عَلَيْكَ الْأُمُورُ ظَلَّ يَلْحَاكَ لَائِمَا ثُمَّ مَضَى فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى دَخَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ مِنَ الْكُوفَةِ، وَلَمَّا كَانَ قَدْ قَرُبَ مِنْ دُخُولِ الْكُوفَةِ انْخَزَلَ مَنْ جَيْشِهِ قَرِيبٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَهُمُ الْخَوَارِجُ، وَأَبَوْا أَنْ يُسَاكِنُوهُ فِي بَلَدِهِ، وَنَزَلُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: حَرُورَاءُ. وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ ارْتَكَبَهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ، فَرَجَعَ أَكْثَرُهُمْ وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ هُمُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ - وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ أُمَّتِي» - «فَيَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ».

وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَأَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَفَّانُ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنِ الْقَاسِمِ بِهِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: تَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ، تَخْرُجُ بَيْنَهُمَا مَارِقَةٌ، يَلِي قَتْلَهَا أَوْلَاهُمَا بِالْحَقِّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ وَدَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ بِهِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ - أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ - يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: تَفْتَرِقُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ، فَتَمْرُقُ بَيْنَهُمَا مَارِقَةٌ، فَيَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ. وَرَوَاهُ أَيْضًا، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عَوْفٍ; وَهُوَ الْأَعْرَابِيُّ، بِهِ مِثْلَهُ. فَهَذِهِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قِطْعَةَ الْعَبْدِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ.

فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ; لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ، صلى الله عليه وسلم، وَفِيهِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ الطَّائِفَتَيْنِ; أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، لَا كَمَا يَزْعُمُهُ فِرْقَةُ الرَّافِضَةِ، أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْجَوْرِ، مِنْ تَكْفِيرِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ. وَفِيهِ أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْمُصِيبُ وَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدًا فِي قِتَالِهِ لَهُ وَقَدْ أَخْطَأَ، وَهُوَ مَأْجُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَكِنْ عَلِيًّا هُوَ الْإِمَامُ الْمُصِيبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَهُ أَجْرَانِ كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ»، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ.

وَسَيَأْتِي بَيَانُ كَيْفِيَّةِ قِتَالِ عَلِيٍّ، صلى الله عليه وسلم، لِلْخَوَارِجِ، وَصِفَةُ الْمُخْدَجِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، صلى الله عليه وسلم، فَوُجِدَ كَمَا أَخْبَرَ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ، صلى الله عليه وسلم، وَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ صلى الله عليه وسلم.

فَصْلٌ (مُنَاظَرَةُ عَلِيٍّ صلى الله عليه وسلم لِلْخَوَارِجِ)

قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَلِيًّا، صلى الله عليه وسلم، لَمَّا رَجَعَ مِنَ الشَّامِ بَعْدَ وَقْعَةِ صِفِّينَ، ذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمَّا دَخَلَهَا اعْتَزَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشِهِ، قِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.

فَبَايَنُوهُ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَنَاظَرَهُمْ فِيهَا وَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ، وَاسْتَمَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَلَالِهِ حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ مَا سَنُورِدُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا، صلى الله عليه وسلم، ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فَنَاظَرَهُمْ فِيمَا نَقَمُوا عَلَيْهِ حَتَّى اسَتَرْجَعَهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَدَخَلُوا مَعَهُ الْكُوفَةَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَادُوا فَنَكَثُوا مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ، وَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْقِيَامِ عَلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ تَحَيَّزُوا نَاحِيَةً إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: النَّهْرَوَانُ. وَفِيهِ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ كَمَا سَيَأْتِي.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - وَنَحْنُ عِنْدَهَا مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقَ لَيَالِيَ قَتْلِ عَلِيٍّ - فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ. قَالَ: وَمَا لِي لَا أَصْدُقُكِ. قَالَتْ: فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ. قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ، خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ.

مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ، وَاسْمٍ سَمَّاكَ بِهِ اللَّهُ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا أَنِ امْتَلَأَتِ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ، دَعَا بِمُصْحَفِ إِمَامٍ عَظِيمٍ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثِ النَّاسِ! فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ!

إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينَا مِنْهُ، فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا، بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النِّسَاءِ: 35].

فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنَ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَنَقِمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْحُدَيْبِيَةَ حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ سُهَيْلُ: لَا أَكْتُبُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ: «كَيْفَ نَكْتُبُ؟». فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: " فَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الْأَحْزَابِ: 21] فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَخَرَجْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطْتُ عَسْكَرَهُمْ قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ: يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ، هَذَا مِمَّنْ يُخَاصِمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ، هَذَا مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ

[الزُّخْرُفِ: 58]. فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاللَّهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ، فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ نَعْرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ، وَإِنْ جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ.

رجوع أربعة آلاف تائبين

فَوَاضَعُوا عَبْدَ اللَّهِ الْكِتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ كُلُّهُمْ تَائِبٌ، فِيهِمُ ابْنُ الْكَوَّاءِ، حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ الْكُوفَةَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى بَقِيَّتِهِمْ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ النَّاسِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَقِفُوا حَيْثُ شِئْتُمْ حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا، أَوْ تَقْطَعُوا سَبِيلًا، أَوْ تَظْلِمُوا ذِمَّةً، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إِلَيْكُمُ الْحَرْبَ عَلَى سَوَاءٍ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الْأَنْفَالِ: 58]. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ شَدَّادٍ فَقَتَلَهُمْ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَاسْتَحَلُّوا أَهْلَ الذِّمَّةِ. فَقَالَتْ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَمَا شَيْءٌ بَلَغَنِي عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ: ذُو الثُّدَيِّ وَذُو الثُّدَيَّةِ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ، وَقُمْتُ مَعَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلَى، فَدَعَا النَّاسَ فَقَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا،

فَمَا أَكْثَرَ مَنْ جَاءَ يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ، وَرَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي. وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِثَبَتٍ يُعْرَفُ إِلَّا ذَلِكَ. قَالَتْ: فَمَا قَوْلُ عَلِيٍّ حِينَ قَامَ عَلَيْهِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَتْ: هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَتْ: أَجَلْ، صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَرْحَمُ اللَّهُ عَلِيًّا، إِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ إِلَّا قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَيَذْهَبُ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَاخْتَارَهُ الضِّيَاءُ.

فَفِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ عِدَّتَهُمْ كَانَتْ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، لَكِنْ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاطَأَهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ آخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا اثْنِي عَشَرَ أَلْفًا، أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَلَمَّا نَاظَرَهُمُابْنُ عَبَّاسٍ رَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ حَكَّمَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهُ مَحَا اسْمَهُ مِنَ الْإِمْرَةِ، وَأَنَّهُ غَزَا يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَتَلَ الْأَنْفُسَ الْحَرَامَ وَلَمْ يَقْسِمِ الْأَمْوَالَ وَالسَّبْيَ، فَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلَتَيْنِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ الثَّالِثَةِ بِأَنْ قَالَ: قَدْ كَانَ فِي السَّبْيِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، فَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ لَكُمْ بِأُمٍّ.

فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنِ اسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَ أُمِّكُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ. قَالَ: فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ فَتَقَاتَلُوا. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ لَبِسَ حُلَّةً لَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَنَاظَرُوهُ فِي لُبْسِهِ إِيَّاهَا، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ الْآيَةَ [الْأَعْرَافِ: 32].

وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ بِنَفْسِهِ إِلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاظِرُهُمْ حَتَّى رَجَعُوا مَعَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ أَوِ الْأَضْحَى - شَكَّ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ - ثُمَّ جَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يُعَرِّضُونَ لَهُ فِي الْكَلَامِ، وَيُسْمِعُونَهُ شَتْمًا وَيَتَأَوَّلُونَ تَآوِيلَ فِي أَقْوَالِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ، صلى الله عليه وسلم: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لِعَلِيٍّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزُّمَرِ: 65]. فَقَرَأَ عَلِيٌّ: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الرُّومِ: 60].

وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا قَالَهُ وَعَلِيٌّ يَخْطُبُ، لَا فِي الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمًا إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَشْرَكْتَ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَتُنَادُوا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَجَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ فَيْئًا مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَأَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَأَنْ لَا نَبْدَأَكُمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى تَبْدَأُونَا بِهِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْكُوفَةِ وَتَحَيَّزُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد