الزبير بن العوام ومقتله

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة > الزبير بن العوام ومقتله

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة

وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ، بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ; عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ قَدِيمًا وَعُمُرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَقَلُّ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ. وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍّ، وَقَدْ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟». فَقَالَ: أَنَا.

ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَرِايًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ زِرٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، وَثَبَتَ عَنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَبَوَيْهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ.

أول من سل سيفا في سبيل الله

وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ; وَذَلِكَ بِمَكَّةَ حِينَ بَلَغَ الصَّحَابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ فَجَاءَ الزُّبَيْرُ شَاهِرًا سَيْفَهُ حَتَّى رَأَى رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَشَامَ سَيْفَهُ.

وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَصَحِبَ الصِّدِّيقَ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَكَانَ خَتَنَهُ عَلَى ابْنَتِهِ أَسْمَاءَ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنْهَا; أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا، فَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ فَتَشَرَّفُوا بِحُضُورِهِ، وَكَانَتْ لَهُ بِهَا الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، وَالْهِمَّةُ الْعَلْيَاءُ، اخْتَرَقَ جُيُوشُ الرُّومِ وَصُفُوفَهُمْ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ مَرَّتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دَافَعَ عَنْ عُثْمَانَ وَجَاحَفَ عَنْهُ.

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ ذَكَّرَهُ عَلِيٌّ بِمَا ذَكَّرَهُ بِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَرَجَعَ عَنِ الْقِتَالِ، وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِقَوْمِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانُوا قَدِ اعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ - فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ; يُقَالُ: هُوَ الْأَحْنَفُ: مَا بَالَ هَذَا جَمَعَ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى إِذَا الْتَقَوْا كَرَّ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِهِ؟

قتله عمرو بن جرموز

مَنْ رَجُلٌ يَكْشِفُ لَنَا خَبَرَهُ؟ فَاتَّبَعَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ وَفَضَالَةُ بْنُ حَابِسٍ، وَنُفَيْعٌ فِي طَائِفَةٍ مِنْ غُوَاةِ بَنِي تَمِيمٍ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا أَدْرَكُوهُ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَيُقَالُ: بَلْ أَدْرَكَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ: ادْنُ. فَقَالَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ; وَاسْمُهُ عَطِيَّةُ: أَرَى مَعَهُ سِلَاحًا. فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ. فَتَقَدَّمَ الزُّبَيْرُ لِيُصَلِّيَ بِهِمَا، فَطَعَنَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ فَقَتْلَهُ. وَيُقَالُ: بَلْ أَدْرَكَهُ عَمْرٌو بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي السِّبَاعِ.

وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْقَائِلَةِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَشْهَرُ، وَيَشْهَدُ لَهُ شَعْرُ امْرَأَتِهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَ آخَرَ مَنْ تَزَوَّجَهَا - وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقُتِلَ عَنْهَا أَيْضًا، وَكَانَتْ قَبْلَ عُمَرَ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقُتِلَ عَنْهَا - فَلَمَّا قُتِلَ الزُّبَيْرُ رَثَتْهُ بِقَصِيدَةٍ جَيِّدَةِ الشِّعْرِ مَحْكَمَةِ الْمَعْنَى، فَقَالَتْ:

غَدَرَ ابْنُ جُرْمُوزٍ بِفَارِسِ بُهْمَةٍ … يَوْمَ اللَّقَاءِ وَكَانَ غَيْرَ مُعَرِّدِ يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ … لَا طَائِشًا رَعِشَ الْجَنَانِ وَلَا الْيَدِ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَنْ ظَفَرْتَ بِمِثْلِهِ … مِمَّنْ بَقِي مِمَّنْ يَرُوحُ وَيَغْتَدِي كَمْ غَمْرَةٍ قَدْ خَاضَهَا لَمْ يَثْنِهِ … عَنْهَا طِرَادُكَ يَا ابْنَ فَقْعِ الْقَرْدَدِ وَاللَّهِ رَبِّي إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … حَلَّتْ عَلَيْكَ عُقُوبَةُ الْمُتَعَمِّدِ وَلَمَّا قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَلِيٍّ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ حُظْوَةٌ عِنْدَهُ، فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَأْذَنُوا لَهُ وَبَشِّرُوهُ بِالنَّارِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: بِشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ.

وَدَخَلَ ابْنُ جُرْمُوزٍ وَمَعَهُ سَيْفُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ هَذَا السَّيْفَ طَالَمَا فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم. فَيُقَالُ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَتَلَ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: بَلْ عَاشَ إِلَى أَنْ تَأَمَّرَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْعِرَاقِ، فَاخْتَفَى مِنْهُ، فَقِيلَ لِمُصَعَبٍ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ جُرْمُوزٍ هَاهُنَا وَهُوَ مُخْتَفٍ، فَهَلْ لَكَ فِيهِ؟ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَظْهَرْ فَهُوَ آمِنٌ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُقِيدَ لِلزُّبَيْرِ مِنْهُ فَهُوَ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَهُ عِدْلًا لِلزُّبَيْرِ.

ماله وديونه

وَقَدْ كَانَ الزُّبَيْرُ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ وَصَدَقَاتٍ دَارَّةٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا قُتِلَ وَجَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ فَوَفَّوْهَا عَنْهُ، وَأَخْرَجُوا بَعْدَ ذَلِكَ ثُلُثَ مَالِهِ الَّذِي كَانَ أَوْصَى بِهِ، ثُمَّ قُسِمَتِ التَّرِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ - وَكُنَّ أَرْبَعًا - مِنْ رُبُعِ الثُّمُنِ، أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَجْمُوعُ مَا قُسِمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَالثُّلُثُ الْمُوصَى بِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَالْجُمْلَةُ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَالدَّيْنُ الْمُخْرَجُ قَبْلَ ذَلِكَ أَلْفَا أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَمِيعُ مَا تَرَكَهُ مِنَ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مَا فِيهِ نَظَرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ لَهُ.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَمَعَ مَالَهُ هَذَا بَعْدَ الصَّدَقَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمَآثِرِ الْوَثِيرَةِ، مِنَ الْحَلَالِ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَمِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهُ، وَمِنَ التِّجَارَةِ الْمَبْرُورَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ، فَرُبَّمَا تَصَدَّقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِخَرَاجِهِمْ كُلِّهِمْ، صلى الله عليه وسلم وَأَرْضَاهُ.

وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسَ لِعَشَرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى السِّتِّينَ سَنَةً بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ، مُعْتَدِلَ اللَّحْمِ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، صلى الله عليه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل