الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة > ترجمة خالد القسري
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ:
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَسَدِ بْنِ كُرْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْقَرِيٍّ، أَبُو الْهَيْثَمِ الْبَجَلِيُّ الْقَسْرِيُّ الدَّمَشْقِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِمَا هِشَامٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَتْ دَارُهُ بِدِمَشْقَ فِي مُرَبَّعَةِ الْقَزِّ وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِدَارِ الشَّرِيفِ الزَّيْدِيِّ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْحَمَّامُ الَّذِي دَاخِلُ بَابِ تَوْمَاءَ.
رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: «يَا أَسَدُ، أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبَّ لِنَفْسِكَ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَوْسَطَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَوَى عَنْ جِدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَكْفِيرِ الْمَرَضِ الذُّنُوبَ.
وَكَانَتْ أَمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ فِي الْأَشْرَافِ، مِمَّنْ أَمُّهُ نَصْرَانِيَّةٌ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أَوَّلُ مَا عُرِفَ مِنْ رِيَاسَتِهِ أَنَّهُ أَوَطَأَ صَبِيًّا بِدِمَشْقَ بِفَرَسِهِ، فَحَمَلَهُ فَأَشْهَدَ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُهُ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ الْوَلِيدُ عَلَى الْحِجَازِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهَا، وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ اسْتَنَابَهُ هِشَامٌ عَلَى الْعِرَاقِ إِلَى سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ سَلَّمَهُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الَّذِي وَلَّاهُ مَكَانَهُ، فَعَاقَبَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً ثُمَّ أَطْلَقَهُ، فَأَقَامَ بِدِمَشْقَ إِلَى الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَسَلَّمَهُ الْوَلِيدُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ لِيَسْتَخْلِصَ مِنْهُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَمَاتَ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ; كَسَرَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ سَاقَيْهِ، ثُمَّ فَخِذَيْهِ، ثُمَّ صَدْرَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَلَا تَأْوَّهَ حَتَّى خَرَجَتْ رُوحُهُ، صلى الله عليه وسلم.
قَالَ الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ: خَطَبَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا، فَارْتَجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَعْزُبُ أَحْيَانًا، فَيَتَسَبَّبُ عِنْدَ مَجِيئِهِ سَبَبُهُ، وَيَتَعَذَّرُ عِنْدَ عُزُوبِهِ مَطْلَبُهُ، وَقَدْ يُرَدُّ إِلَى السَّلِيطِ بَيَانُهُ، وَيُنِيبُ إِلَى الْحَصْرِ كَلَامُهُ، وَسَيَعُودُ إِلَيْنَا مَا تُحِبُّونَ، وَنَعُودُ لَكُمْ كَمَا تُرِيدُونَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: خَطَبَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا بِوَاسِطَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَنَافَسُوا فِي الْمَكَارِمِ، وَسَارِعُوا إِلَى الْمَغَانِمِ، وَاشْتَرُوا الْحَمْدَ بِالْجُودِ، وَلَا تَكْتَسِبُوا بِالْمَطْلِ ذَمًّا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تُعَجِّلُوهُ، وَمَهْمَا يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ نِعْمَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ لَمْ يَبْلُغْ شُكْرَهَا، فَاللَّهُ أَحْسَنُ لَهُ جَزَاءً، وَأَجْزَلُ عَطَاءً، وَاعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ نِعَمٌ فَلَا تَمَلُّوهَا فَتُحَوَّلَ نِقَمًا، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْمَالِ مَا أَكْسَبَ أَجْرًا وَأَوْرَثَ ذِكْرًا، وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ لَرَأَيْتُمُوهُ رَجُلًا حَسَنًا جَمِيلًا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَيَفُوقُ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْبُخْلَ لَرَأَيْتُمُوهُ رَجُلًا مُشَوَّهًا قَبِيحًا تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وَتُغَضُّ دُونَهُ الْأَبْصَارُ، إِنَّهُ مَنْ جَادَ سَادَ، وَمَنْ بَخِلَ ذَلَّ، وَأَكْرَمُ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجُوهُ، وَمَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ،
وَمَنْ لَمْ يَطِبْ حَرْثُهُ لَمْ يَزْكُ نَبْتُهُ، وَالْفُرُوعُ عِنْدَ مَغَارِسِهَا تَنْمُو، وَبِأُصُولِهَا تَسْمُو.
وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْهَيْثَمِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ عَلَى خَالِدٍ فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً امْتَدَحَهُ بِهَا يَقُولُ فِيهَا:
إِلَيْكَ ابْنَ كُرْزِ الْخَيْرِ أَقْبَلْتُ رَاغِبًا … لِتَجَبُرَ مِنِّي مَا وَهَى وَتَبَدَّدَا إِلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْحِلْمِ وَالنَّدَى … وَأَكْرَمِ خَلْقِ اللَّهِ فَرْعًا وَمَحْتِدَا إِذَا مَا أُنَاسٌ قَصَّرُوا بِفِعَالِهِمْ … نَهَضَتْ فَلَمْ تُلْفَى هُنَالِكَ مُقْعَدَا فَيَالَكَ بَحْرًا يَغْمُرُ النَّاسَ مَوْجُهُ … إِذَا يُسْأَلُ الْمَعْرُوفَ جَاشَ وَأَزْبَدَا بَلَوْتُ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ … فَأَلْفَيْتُ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَأَمْجَدَا فَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّاسِ خَالِدٌ … لِجُودٍ بِمَعْرُوفٍ لَكُنْتُ مُخَلَّدًا فَلَا تَحْرِمَنِّي مِنْكَ مَا قَدْ رَجَوْتُهُ … فَيُصْبِحَ وَجْهِي كَالِحَ اللَّوْنِ أَرْبَدَا
قَالَ: فَحَفِظَهَا خَالِدٌ فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ خَالِدٍ قَامَ الْأَعْرَابِيُّ يَنْشُدُهَا، فَابْتَدَرَهُ إِلَيْهَا خَالِدٌ فَأَنْشَدَهَا قَبْلَهُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ هَذَا شِعْرٌ قَدْ سَبَقْنَاكَ إِلَيْهِ. فَنَهَضَ الشَّيْخُ، فَوَلَّى ذَاهِبًا، فَأَتْبَعَهُ خَالِدٌ مَنْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُ، فَإِذَا هُوَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَلَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَرْتَجِي … لَدَيْهِ وَمَا لَاقَيْتُ مِنْ نَكَدِ الْجُهْدِ دَخَلْتُ عَلَى بَحْرٍ يَجُودُ بِمَالِهِ … وَيُعْطِي كَثِيرَ الْمَالِ فِي طَلَبِ الْحَمْدِ فَخَالَفَنِي الْجَدُّ الْمَشُومُ لِشِقْوَتِي … وَقَارَبَنِي نَحْسِي وَفَارَقَنِي سَعْدِي فَلَوْ كَانَ لِي رِزْقٌ لَدَيْهِ لَنِلْتُهُ … وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الْوَاحِدِ الْفَرْدِ فَرَدَّهُ إِلَى خَالِدٍ وَأَعْلَمَهُ بِمَا كَانَ يَقُولُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ أَنْ يَمْلَأَ لَهُ جِرَابَهُ دَقِيقًا، فَأَمَرَ بِمَلْئِهِ لَهُ دَرَاهِمَ، فَقِيلَ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ: مَا فَعَلَ مَعَكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ مَا أَشْتَهِي، فَأَمَرَ لِي بِمَا يَشْتَهِي هُوَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْنَمَا خَالِدٌ يَسِيرُ فِي مَوْكِبِهِ إِذْ تَلَقَّاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَلِمَ؟ أَقَطَعْتَ السَّبِيلَ؟ أَأَخْرَجْتَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا. قَالَ: فَلِمَ؟ قَالَ: مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ. فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَقَالَ خَالِدٌ: مَا رَبِحَ أَحَدٌ مِثَلَ مَا رَبِحْتُ الْيَوْمَ; إِنِّي وَضَعْتُ فِي نَفْسِي أَنْ يَسْأَلَنِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَسَأَلَ ثَلَاثِينَ، فَرَبِحْتُ سَبْعِينَ أَلْفًا، ارْجِعُوا بِنَا الْيَوْمَ. وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَكَانَ إِذَا جَلَسَ تُوضَعُ الْأَمْوَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَدَائِعُ لَا بُدَّ مِنْ تَفْرِقَتِهَا.
وَسَقَطَ خَاتَمٌ لِجَارِيَتِهِ رَائِقَةَ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فِي بَالُوعَةِ الدَّارِ، فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُؤْتَى بِمَنْ يَسْتَخْرِجُهُ، فَقَالَ: إِنَّ يَدَكِ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ تَلْبَسَهُ بَعْدَمَا صَارَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْقَذِرِ. وَأَمَرَ لَهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ بَدَلَهُ، وَقَدْ كَانَ لِرَائِقَةَ هَذِهِ مِنَ الْحُلِيِّ شَيْءٌ عَظِيمٌ، مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ يَاقُوتَةٌ وَجَوْهَرَةٌ، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ «أَفْعَالِ الْعِبَادِ» وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «السُّنَّةِ»، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ خَطَبَ النَّاسَ فِي عِيدِ أَضْحًى، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ.