الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة > مزيد أخبار خالد ووفيات السنة
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أُتِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِرَجُلٍ تَنَبَّأَ بِالْكُوفَةِ فَقِيلَ لَهُ: مَا عَلَامَةُ نُبُوَّتِكَ؟ قَالَ: قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ قُرْآنٌ. قِيلَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرْ، فَصْلِ لِرَبِّكَ وَلَا تُجَاهِرْ. وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَافِرٍ وَفَاجِرْ. فَأَمَرَ بِهِ، فَصُلِبَ، فَقَالَ وَهُوَ يُصْلَبُ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْعَمُودْ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُودْ، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لَا تَعُودْ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أُتِيَ خَالِدٌ بِشَابٍّ قَدْ وُجِدَ فِي دَارِ قَوْمٍ، وَادُّعِيَ عَلَيْهِ السَّرَقُ،
فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ، فَتَقَدَّمَتْ فَتَاةٌ حَسْنَاءُ، فَقَالَتْ:
أَخَالِدٌ قَدْ أَوَطَأْتَ وَاللَّهِ عُشْوَةً … وَمَا الْعَاشِقُ الْمِسْكِينُ فِينَا بِسَارِقِ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يَجْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ … رَأَى الْقَطْعَ أُولَى مِنْ فَضِيحَةِ عَاشِقِ فَأَمَرَ خَالِدٌ بِإِحْضَارِ أَبِيهَا، فَزَوَّجَهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَتَى، وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى خَالِدٍ فَقَالَ: إِنِّي قَدِ امْتَدَحْتُكَ بِبَيْتَيْنِ، وَلَسْتُ أَنْشُدُهُمَا إِلَّا بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَخَادِمٍ. فَقَالَ: قُلْ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَزِمْتَ نَعَمْ حَتَّى كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ … سَمِعْتَ مِنَ الْأَشْيَاءِ شَيْئًا سِوَى نَعَمْ وَأَنْكَرْتَ لَا حَتَّى كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ … سَمِعْتَ بِهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ وَالْأُمَمْ
قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَخَادِمٍ يَحْمِلُهَا.
قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ: أَكْثَرْتَ، حُطَّ مِنْهَا. فَقَالَ: أَضَعُ مِنْهَا تِسْعِينَ أَلْفًا. قَالَ: فَتَعْجَّبَ مِنْهُ خَالِدٌ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، سَأَلْتُكَ عَلَى قَدْرِكَ، وَوَضَعْتُ عَلَى قَدْرِي. فَقَالَ لَهُ: لَنْ تَغْلِبَنِي. وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ.
قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِيكَ شِعْرًا، وَأَنَا أَسْتَصْغِرُهُ فِيكَ. فَقَالَ: قُلْ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
تَعَرَّضْتَ لِي بِالْجُودِ حَتَّى نَعَشْتَنِي … وَأَعْطَيْتَنِي حَتَّى ظَنَنْتُكَ تَلْعَبُ فَأَنْتَ النَّدَى وَابْنُ النَّدَى وَأَخُو النَّدَى … حَلِيفُ النَّدَى مَا للنَّدَى عَنْكَ مَذْهَبُ
فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ. قَالَ: عَلَيَّ خَمْسُونَ أَلْفًا دَيْنًا. فَقَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِهَا، وَشَفَعْتُهَا لَكَ. فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفٍ.
قَالَ أَبُو الطِّيبِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى ابْنِ الْوَشَّاءِ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ فَأَنْشَدَهُ:
كَتَبْتَ نَعَمْ بِبَابِكَ فَهِيَ تَدْعُو … إِلَيْكَ النَّاسَ مُسْفِرَةَ النِّقَابِ وَقُلْتَ لِلَا عَلَيْكِ بِبَابِ غَيْرِي … فَإِنَّكِ لَنْ تُرَيْ أَبَدًا بِبَابِي
قَالَ: فَأَعْطَاهُ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ خَمْسِينَ أَلْفًا. وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ رَجُلُ سُوءٍ يَقَعُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، صلى الله عليه وسلم.
وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ خَالِدًا حَفَرَ بِئْرًا بِمَكَّةَ ادَّعَى فَضْلَهَا عَلَى زَمْزَمَ.
وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَفْضِيلُ الْخَلِيفَةِ عَلَى الرَّسُولِ. وَهَذَا كُفْرٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا يَبْدُو مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ صَاحِبَ «الْعِقْدِ» سَبَّ بِهِ،
وَيُقَرِّرُهُ عَنْهُ; لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِقْدِ كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ شَنِيعٌ، وَرُبَّمَا لَا يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدِ اغْتَرَّ بِهِ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ فَمَدَحَهُ بِالْحِفْظِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ تَشَيُّعَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ فِي إِمَارَتِهِ، وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ، فَحَذَّرَ خَالِدٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُسَمِّيَهُمْ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَعَاقَبَهُ عِقَابًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فَعَاقَبَهُ حَتَّى مَاتَ شَرَّ قِتْلَةٍ وَأَسْوَأَهَا، وَذَلِكَ فِي مُحَرَمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي «الْوَفَيَاتِ» وَقَالَ: كَانَ يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ، وَقَدْ بَنَى لِأُمِّهِ كَنِيسَةً فِي دَارِهِ فَنَالَ مِنْهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْأَعْيَانِ»: كَانَ فِي نَسَبِهِ يَهُودٌ، فَانْتَمَوْا إِلَى الْعَرَبِ، وَكَانَ يَقْرُبُ مِنْ شِقٍّ، وَسَطِيحٍ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَدْ كَانَا ابْنَيْ خَالَةٍ، وَعَاشَ كُلٌّ مِنْهُمَا سِتَّمِائَةٍ، وَوُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ مَاتَتْ طَرِيفَةُ بِنْتُ الْخَيْرِ بَعْدَمَا تَفَلَتْ فِي فَمِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَالَتْ: إِنَّهُ سَيَقُومُ مَقَامِي فِي الْكَهَانَةِ. ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ يَوْمِهَا.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ، وَدَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ قَاضِي دِمَشْقَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ شَيْخُ مَالِكٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ فِي كِتَابِ «التَّكْمِيلِ».