الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة إحدى وأربعين ومائتين > سيرته العلمية وشيوخه وعلاقته بالشافعي
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة إحدى وأربعين ومائتين
وَتُوُفِّيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْجُمِعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، صلى الله عليه وسلم.
وَقَدْ كَانَ فِي حَدَاثَتِهِ يَخْتَلِفُ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ، فَكَانَ أَوَّلُ طَلَبِهِ لِلْحَدِيثِ وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَفِيهَا حَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَجَاوَرَ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، ثُمَّ حَجَّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَجَاوَرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، سَافَرَ إِلَى عِنْدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِالْيَمَنِ، فَكَتَبَ عَنْهُ هُوَ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَجَجْتُ خَمْسَ حِجَجٍ; مِنْهَا ثَلَاثٌ رَاجِلًا، أَنْفَقْتُ فِي إِحْدَى هَذِهِ الْحِجَجِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. قَالَ: وَقَدْ ضَلَلْتُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْحِجَجِ، عَنِ الطَّرِيقِ وَأَنَا مَاشٍ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: يَا عِبَادَ اللَّهِ دَلُّونِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمْ أَزَلْ أَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَى الطَّرِيقِ. قَالَ: وَخَرَجْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَكُنْتُ فِي بَيْتٍ تَحْتَ رَأْسِي لَبِنَةٌ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي خَمْسُونَ دِرْهَمًا; كُنْتُ رَحَلْتُ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ إِلَى الرَّيِّ وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يُمْكِنِّي الْخُرُوجُ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَرْمَلَةَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ:
وَعَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيَّ مِصْرَ فَلَمْ يَقْدَمْ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ خِفَّةُ ذَاتِ الْيَدِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَفَاءِ بِالْعِدَةِ.
وَقَدْ طَافَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْبِلَادِ وَالْآفَاقِ، وَسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِ الْعَصْرِ، وَكَانُوا يُجِلُّونَهُ وَيَحْتَرِمُونَهُ فِي حَالِ سَمَاعِهِ مِنْهُمْ.
وَقَدْ سَرَدَ شَيْخُنَا فِي «تَهْذِيبِهِ» أَسْمَاءَ شُيُوخِهِ مُرَتَّبِينَ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَكَذَلِكَ الرُّوَاةَ عَنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَقَدْ أَكْثَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي «الْمُسْنَدِ» وَغَيْرِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ جُمْلَةً مِنْ كَلَامِهِ فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ مِنَ الْفِقْهِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ. وَحِينَ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَجَدُوا فِي تَرِكَتِهِ رِسَالَتَيِ الشَّافِعِيِّ; الْقَدِيمَةَ وَالْجَدِيدَةَ.
قُلْتُ: قَدْ أَفْرَدَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيِّ، وَهِيَ أَحَادِيثُ لَا تَبْلُغُ عِشْرِينَ حَدِيثًا; وَمِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَحْمَدَ لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ فِي الرِّحْلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ سَنَةِ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَعُمُرُ أَحْمَدَ إِذْ ذَاكَ نَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِذَا صَحَّ عِنْدَكُمُ الْحَدِيثُ فَأَعْلِمْنِي بِهِ; أَذْهَبُ إِلَيْهِ حِجَازِيًّا كَانَ أَوْ شَامِيًّا أَوْ عِرَاقِيًّا أَوْ يَمَنِيًّا. يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِقَوْلِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ الَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَ إِلَّا رِوَايَةَ الْحِجَازِيِّينَ وَيُنْزِلُونَ أَحَادِيثَ مَنْ سِوَاهُمْ مَنْزِلَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ تَعْظِيمٌ لِأَحْمَدَ وَإِجْلَالٌ لَهُ، وَإِنَّهُ عِنْدَهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ إِذَا صَحَّحَ أَوْ ضَعَّفَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ، كَمَا سَيَأْتِي ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَافُهُمْ لَهُ بِعُلُوِّ الْمَكَانَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَنْزِلَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ، رضي الله عنه، وَقَدْ بَعُدَ صِيتُهُ فِي زَمَانِهِ وَاشْتُهِرَ اسْمُهُ فِي شَبِيبَتِهِ فِي الْآفَاقِ.