الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة تسع وثمانين ومائتين > شعره ووفاته ومراثيه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة تسع وثمانين ومائتين
وَمِنْ شِعْرِهِ فِي جَارِيَةٍ لَهُ تُوُفِّيَتْ فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدًا عَظِيمًا، فَقَالَ:
يَا حَبِيبًا لَمْ يَكُنْ يَعْ … دِلُهُ عِنْدِي حَبِيبُ أَنْتَ عَنْ عَيْنِي بَعِيدٌ … وَمِنَ الْقَلْبِ قَرِيبُ لَيْسَ لِي بَعْدَكَ فِي شَيْ … ءٍ مِنَ اللَّهْوِ نَصِيبُ لَكَ مِنْ قَلْبِي عَلَى قَلْبِي … وَإِنْ بِنْتَ رَقِيبُ وَحَيَاتِي مِنْكَ مُذْ غِبْ … تَ خَيَالٌ مَا يَغِيبُ لَوْ تَرَانِي كَيْفَ لِي بَعْ … دَكَ عَوْلٌ وَنَحِيبُ وَفُؤَادِي حَشْوُهُ مِنْ … حَرْقِ الْحُزْنِ لَهِيبُ لَتَيَقَّنْتَ بِأَنِّي … بِكَ مَحْزُونٌ كَئِيبُ ما أَرَى نَفْسِي وَإِنْ طَيَّ … بْتُهَا عَنْكَ تَطِيبُ لَيْسَ دَمْعٌ لِيَ يَعْصِي … نِي وَصَبْرِي مَا يُجِيبُ
وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا:
لَمْ أَبْكِ لِلدَّارِ وَلَكِنْ لِمَنْ … قَدْ كَانَ فِيهَا مَرَّةً سَاكِنَا فَخَانَنِي الدَّهْرُ بِفُقْدَانِهِ … وَكُنْتُ مِنْ قَبْلُ لَهُ آمِنَا وَدَّعْتُ صَبْرِي عِنْدَ تَوْدِيعِهِ … وَبَانَ قَلْبِي مَعَهُ ظَاعِنَا
وَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُعْتَزِّ يُعَزِّيهِ وَيُسَلِّيهِ عَنْ مُصِيبَتِهِ فِيهَا:
يَا إِمَامَ الْهُدَى بِنَا لَا بِكَ الْغَ … مُّ وَأَفْنَيْتَنَا وَعِشْتَ سَلِيمًا أَنْتَ عَلَّمْتَنَا عَلَى النِّعَمِ الشُّكْ … رَ وَعِنْدَ الْمَصَائِبِ التَّسْلِيمَا فَاسْلُ عَنْ مَا مَضَى فَإِنَّ الَّتِي كَا … نَتْ سُرُورًا صَارَتْ ثَوَابًا عَظِيمَا قَدْ رَضِينَا بَأَنْ نَمُوتَ وَتَحْيَى … إِنَّ عِنْدِي فِي ذَاكَ حَظًّا جَسِيمَا مَنْ يَمُتْ طَائِعًا لِمَوْلَاهُ فَقَدْ أُعْ … طِيَ فَوْزًا وَمَاتَ مَوْتًا كَرِيمَا وَاجْتَمَعَ يَوْمًا عِنْدَ الْمُعْتَضِدِ نُدَمَاؤُهُ، فَلَمَّا انْقَضَى السَّمَرُ وَصَارَ إِلَى حَظَايَاهُ وَنَامَ الْقَوْمُ السُّمَّارُ نَبَّهَهُمْ مِنْ نَوْمِهُمْ خَادِمٌ مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ، وَقَالَ: يَقُولُ لَكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ أَصَابَهُ أَرَقٌ مِنْ بَعْدِكُمْ، وَقَدْ عَمِلَ بَيْتًا أَعْيَاهُ ثَانِيهِ، فَمَنْ عَمِلَ ثَانِيَهُ فَلَهُ جَائِزَةٌ، وَهُوَ هَذَا الْبَيْتُ:
وَلَمَّا انْتَبَهْنَا لِلْخَيَالِ الَّذِي سَرَى … إِذَا الدَّارُ قَفْرَى وَالْمَزَارُ بَعِيدُ
قَالَ: فَجَلَسَ الْقَوْمُ مِنْ فُرُشِهِمْ يُفَكِّرُونَ فِي ثَانِيهِ، فَبَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقَالَ:
فَقُلْتُ لِعَيْنِي عَاوِدِي النَّوْمَ وَاهْجَعِي … لَعَلَّ خَيَالًا طَارِقًا سَيَعُودُ
قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ بِهِ الْخَادِمُ إِلَى الْمُعْتَضِدِ، وَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعًا جَيِّدًا وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ.
وَاسْتَعْظَمَ الْمُعْتَضِدُ يَوْمًا مِنْ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ قَوْلَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْمَازِنِيِّ الْبَصْرِيِّ:
لَهْفِي عَلَى مَنْ أَطَارَ النَّوْمَ فَامْتَنَعَا … وَزَادَ قَلْبِي عَلَى أَوْجَاعِهِ وَجَعَا كَأَنَّمَا الشَّمْسُ مِنْ أَعْطَافِهِ طَلَعَتْ … حُسْنًا أَوِ الْبَدْرُ مِنْ أَزْرَارِهِ طَلَعَا مُسْتَقْبَلٌ بِالَّذِي يَهْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ … مِنْهُ الْإِسَاءَةُ مَعْذُورٌ بِمَا صَنَعَا فِي وَجْهِهِ شَافِعٌ يَمْحُو إِسَاءَتَهُ … مِنَ الْقُلُوبِ وَجِيهٌ حَيْثُمَا شَفَعَا وَلَمَّا كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ - اشْتَدَّ وَجَعُ الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ، فَاجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْقُوَّادِ; مِنْهُمْ يُونُسُ الْخَادِمُ وَغَيْرُهُ إِلَى الْوَزِيرِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَشَارُوا بِأَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ لِتَجْدِيدِ الْبَيْعَةِ لِلْمُكْتَفِي بِاللَّهِ عَلِيِّ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَتَأَكَّدَتِ الْبَيْعَةُ وَكَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
وَحِينَ حَضَرَتِ الْمُعْتَضِدَ الْوَفَاةُ أَنْشَدَ لِنَفْسِهِ:
تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ لَا تَبْقَى … وَخُذْ صَفْوَهَا مَا إِنْ صَفَتْ وَدَعِ الرَّنْقَا وَلَا تَأْمَنَنَّ الدَّهْرَ إِنِّي أَمِنْتُهُ … فَلَمْ يُبْقِ لِي حَالًا وَلَمْ يَرْعَ لِي حَقًّا قَتَلْتُ صَنَادِيدَ الرِّجَالِ فَلَمْ أَدَعْ … عَدُوًّا وَلَمْ أُمْهِلْ عَلَى خُلُقٍ خَلْقَا وَأَخْلَيْتُ دَارَ الْمُلْكِ مِنْ كُلِّ نَازِعٍ … فَشَرَّدْتُهُمْ غَرْبًا وَمَزَّقْتُهُمْ شَنْقَا فَلَمَّا بَلَغْتُ النَّجْمَ عِزًّا وَرِفْعَةً … وَصَارَتْ رِقَابُ الْخَلْقِ أَجْمَعَ لِي رِقَّا رَمَانِي الرَّدَى سَهْمًا فَأَخْمَدَ جَمْرَتِي … فَهَاأَنَذَا فِي حُفْرَتِي عَاجِلًا أُلْقَى وَلَمْ يُغْنِ عَنِّي مَا جَمَعْتُ وَلَمْ أَجِدْ … لِذِي مَلِكِ الْأَحْيَاءِ فِي حِينِهَا رِفْقَا وَأَفْسَدْتُ دُنْيَايَ وَدِينِي سَفَاهَةً … فَمَنْ ذَا الَّذِي مِنِّي بِمَصْرَعِهِ أَشْقَى فَيَا لَيْتَ شِعْرِي بَعْدَ مَوْتِيَ مَا أَلْقَى … إِلَى نِعْمَةٍ لِلَّهِ أَمْ نَارِهِ أُلْقَى وَكَانَتْ وَفَاتُهُ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْخَمْسِينَ.
فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَخَلَّفَ مِنَ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ، عَلِيًّا الْمُكْتَفِيَ، وَجَعْفَرًا الْمُقْتَدِرَ، وَهَارُونَ، وَمِنَ الْبَنَاتِ إِحْدَى عَشْرَةَ بِنْتًا، وَيُقَالُ سَبْعَ عَشْرَةَ بِنْتًا. وَتَرَكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ يُمْسِكُ عَنْ صَرْفِ الْأَمْوَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهَا، فَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُبَخِّلُهُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيثِ، الِاثْنَيْ عَشَرَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَثَى أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ الْعَبَّاسِيُّ ابْنَ عَمِّهِ، الْمُعْتَضِدَ بِمَرْثَاةٍ حَسَنَةٍ يَقُولُ فِيهَا:
يَا دَهْرُ وَيْحَكَ مَا أَبْقَيْتَ لِي أَحَدًا … وَأْنَتَ وَالِدُ سُوءٍ تَأْكُلُ الْوَلَدَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بَلْ ذَا كُلُّهُ قَدَرٌ … رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَاحِدًا صَمَدًا يَا سَاكِنَ الْقَبْرِ فِي غَبْرَاءَ مِظْلِةٍ … بِالظَّاهِرِيَّةِ مُقْصَى الدَّارِ مُنْفَرِدَا أَيْنَ الْجُيُوشُ الَّتِي قَدْ كُنْتَ تَسْحَبُهَا … أَيْنَ الْكُنُوزُ الَّتِي أَحْصَيْتَهَا عَدَدَا أَيْنَ السَّرِيرُ الَّذِي قَدْ كُنْتَ تَمْلَؤُهُ … مَهَابَةً مَنْ رَأَتْهُ عَيْنُهُ ارْتَعَدَا أَيْنَ الْأَعَادِي الْأُلَى ذَلَّلْتَ صَعْبَهُمُ … أَيْنَ اللُّيُوثُ الَّتِي صَيَّرْتَهَا نَقَدًا أَيْنَ الْوُفُودُ عَلَى الْأَبْوَابِ عَاكِفَةً … وِرْدَ الْقَطَا صَفْوَ مَاءٍ جَالَ وَاطَّرَدَا أَيْنَ الرِّجَالُ قِيَامًا فِي مَرَاتِبِهِمْ … مَنْ رَاحَ مِنْهُمْ وَلَمْ يُطْمَرْ فَقَدْ سَعِدَا أَيْنَ الْجِيَادُ الَّتِي حَجَّلْتَهَا بِدَمٍ … وَكُنَّ يَحْمِلْنَ مِنْكَ الضَّيْغَمَ الْأَسَدَا أَيْنَ الرِّمَاحُ الَّتِي غَذَّيْتَهَا مُهَجًا … مُذْ مِتَّ مَا وَرَدَتْ قَلْبًا وَلَا كَبِدًا أَيْنَ السُّيُوفُ وَأَيْنَ النَّبْلُ مُرْسَلَةً … يُصِبْنَ مَنْ شِئْتَ مِنْ قِرْنٍ وَإِنْ بَعُدَا أَيْنَ الْمَجَانِيقُ أَمْثَالُ الْفِيُولِ إِذَا … رَمَيْنَ حَائِطَ حِصْنٍ قَائِمٍ قَعَدَا أَيْنَ الْقُصُورُ الَّتِي شَيَّدْتَهَا فَعَلَتْ … وَلَاحَ فِيهَا سَنَا الْإِبْرِيزِ فَاتَّقَدَا أَيْنَ الْجِنَانُ الَّتِي تَجْرِي جَدَاوِلُهَا … وَتَسْتَجِيبُ إِلَيْهَا الطَّائِرَ الْغَرِدَا أَيْنَ الْوَصَائِفُ كَالْغِزْلَانِ رَائِحَةً … يَسْحَبْنَ مَنْ
حُلَلٍ مَوْشِيَّةٍ جُدُدًا أَيْنَ الْمَلَاهِي وَأَيْنَ الرَّاحُ تَحْسَبُهَا … يَاقُوتَةً كُسِيَتْ مِنْ فِضَّةٍ زَرَدًا أَيْنَ الْوُثُوبُ إِلَى الْأَعْدَاءِ مُبْتَغِيًا … صَلَاحَ مُلْكِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِذْ فَسَدَا مَا زِلْتَ تَقْسِرُ مْنِهُمْ كُلَّ قَسْوَرَةٍ … وَتَحْطِمُ الْعَاتِيَ الْجَبَّارَ مُعْتَمِدَا ثُمَّ انْقَضَيْتَ فَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ … حَتَّى كَأَنَّكَ يَوْمًا لَمْ تكُنْ أَحَدَا لَا شَيْءَ يَبْقَى سُوَى خَيْرٍ تُقَدِّمُهُ … مَا دَامَ مُلْكٌ لِإِنْسَانٍ وَلَا خَلَدَا ذَكَرَهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِهِ».