أشعاره وأقواله وقصص عدله

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ثمان عشرة ومائتين > أشعاره وأقواله وقصص عدله

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: سنة ثمان عشرة ومائتين

وَدَخَلَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ عَلَى الْمَأْمُونِ وَقَدْ قَالَ فِيهِ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ يَرَاهُ عَظِيمًا، فَلَمَّا أَنْشَدَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هَذَا الْبَيْتُ مَوْقِعًا طَائِلًا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَهُ شَاعِرٌ آخَرُ، فَقَالَ: أَلَا أُعَجَّبُكَ؟ أَنْشَدْتُ الْمَأْمُونَ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا. فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ فِيهِ:

أَضْحَى إِمَامُ الْهُدَى الْمَأْمُونُ مُشْتَغِلًا بِالدِّينِ وَالنَّاسُ بِالدُّنْيَا مَشَاغِيلُ

فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الشَّاعِرُ الْآخَرُ: مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ جَعَلْتَهُ عَجُوزًا فِي مِحْرَابِهَا، فَهَلَّا قُلْتَ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ فِي عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ:

فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضَيِّعٌ نَصِيبَهُ … وَلَا عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهُ

وَقَالَ الْمَأْمُونُ يَوْمًا لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ: بَيْتَانِ لِاثْنَيْنِ مَا لَحِقَهُمَا أَحَدٌ؛ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ:

إِذَا اخْتَبَرَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ … لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي لِبَاسِ صَدِيقِ وَقَوْلُ شُرَيْحٍ تَهُونُ عَلَى الدُّنْيَا الْمَلَامَةُ إِنَّهُ … حَرِيصٌ عَلَى اسْتِصْلَاحِهَا مَنْ يَلُومُهَا

قَالَ الْمَأْمُونُ: وَقَدْ أَلْجَأَنِي الزِّحَامُ يَوْمًا وَأَنَا فِي الْمَوْكِبِ حَتَّى خَالَطْتُ السُّوقَةَ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا فِي دُكَّانٍ عَلَيْهِ أَثْوَابٌ خَلِقَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ يَرْحَمُنِي أَوْ يَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِي، فَقَالَ:

أَرَى كُلَّ مَغْرُورٍ تُمَنِّيهِ نَفْسُهُ … إِذَا مَا مَضَى عَامٌ سَلَامَةَ قَابِلِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ سَمِعْتُ الْمَأْمُونَ يَوْمَ عِيدٍ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، عَظُمَ أَمْرُ الدَّارَيْنِ، وَارْتَفَعَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ، وَطَالَتْ مُدَّةُ الْفَرِيقَيْنِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَلْجِدُّ لَا اللَّعِبُ، وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ لَا الْكَذِبُ، وَمَا هُوَ إِلَّا الْمَوْتُ، وَالْبَعْثُ وَالْحِسَابُ، وَالْفَصْلُ وَالصِّرَاطُ، ثُمَّ الْعِقَابُ وَالثَّوَابُ، فَمَنْ نَجَا يَوْمَئِذٍ فَقَدْ فَازَ، وَمَنْ هَوَى يَوْمَئِذٍ فَقَدْ خَابَ، الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي النَّارِ.

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا نَضْرُ؟ قُلْتُ: بِخَيْرٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَا الْإِرْجَاءُ؟ فَقُلْتُ: دِينٌ يُوَافِقُ الْمُلُوكَ، يُصِيبُونَ بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَيَنْقُصُونَ مِنْ دِينِهِمْ. قَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: يَا نَضْرُ، أَتَدْرِي مَا قُلْتُ فِي صَبِيحَةِ هَذَا الْيَوْمِ؟ قُلْتُ:

أَنَّى لِي بِعِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَقَالَ: قُلْتُ:

أَصْبَحَ دِينِي الَّذِي أَدِينُ بِهِ … وَلَسْتُ مِنْهُ الْغَدَاةَ مُعْتَذِرَا حُبُّ عَلِيٍّ بَعْدَ النَّبِيِّ وَلَا … أَشْتِمُ صِدِّيقًا وَلَا عُمَرَا ثُمَّ ابْنُ عَفَّانَ فِي الْجِنَانِ مَعَ الْ … أَبْرَارِ ذَلِكَ الْقَتِيلُ مُصْطَبِرَا لَا وَلَا أَشْتِمُ الزُّبَيْرَ وَلَا … طَلْحَةَ إِنْ قَالَ قَائِلٌ غَدَرَا وَعَائِشَ الْأُمُّ لَسْتُ أَشْتِمُهَا … مَنْ يَفْتَرِيهَا فَنَحْنُ مِنْهُ بَرَا وَهَذَا الْمَذْهَبُ ثَانِي مَرَاتِبِ التَّشَيُّعِ، وَفِيهِ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ: مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، يَعْنِي فِي اجْتِهَادِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ، صلى الله عليه وسلم. وَبَعْدَ ذَلِكَ سِتَّ عَشْرَةَ مَرْتَبَةً فِي التَّشَيُّعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ «» الْبَلَاغِ الْأَكْبَرِ وَالنَّامُوسِ الْأَعْظَمِ «» تَنْتَهِي إِلَى أَكْفَرِ الْكُفْرِ.

وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:

لَا أُوتَى بِأَحَدٍ فَضَّلَنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا جَلَدْتُهُ جَلْدَ الْمُفْتَرِي. وَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عَثْمَانُ.

فَقَدْ خَالَفَ الْمَأْمُونُ بْنُ الرَّشِيدِ فِي مَذْهَبِهِ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ، حَتَّى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ أَضَافَ الْمَأْمُونُ إِلَى بِدْعَتِهِ هَذِهِ الَّتِي أَزْرَى فِيهَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ، الْبِدْعَةَ الْأُخْرَى، وَالطَّامَّةَ الْعُظْمَى، وَهِيَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الِانْهِمَاكِ عَلَى تَعَاطِي الْمُسْكِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَعَدَّدَ فِيهَا الْمُنْكَرُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ شَهَامَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقُوَّةٌ جَسِيمَةٌ وَلَهُ هِمَّةٌ فِي الْقِتَالِ، وَحِصَارِ الْأَعْدَاءِ، وَمُصَابَرَةِ الرُّومِ، وَحَصْرِهِمْ فِي بُلْدَانِهِمْ، وَقَتْلِ فُرْسَانِهِمْ، وَأَسْرِ ذَرَارِيهِمْ وَوِلْدَانِهِمْ. وَكَانَ يَقُولُ: كَانَ مُعَاوِيَةُ بِعَمْرِهِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بِحَجَّاجِهِ، وَأَنَا بِنَفْسِي.

وَكَانَ يَقْصِدُ الْعَدْلَ، وَيَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ وَالْفَصْلَ؛ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ فَتَظَلَّمَتْ عَلَى ابْنِهِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَمَرَ الْحَاجِبَ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ مَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ ضَيْعَةً لَهَا وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، فَتَنَاظَرَا سَاعَةً فَجَعَلَ صَوْتُهُا يَعْلُو عَلَى صَوْتِهِ فَزَجَرَهَا بَعْضُ الْحَاضِرِينَ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: اسْكُتْ فَإِنَّ الْحَقَّ أَنْطَقَهَا، وَالْبَاطِلَ أَسْكَتَهُ. ثُمَّ حَكَمَ لَهَا بِحَقِّهَا وَأَغْرَمَ لَهَا وَلَدَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ: لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ آنِيَتُكَ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَغَرِيمُكَ عَارٍ، وَجَارُكَ طَاوٍ.

وَوَقَفَ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَأَنَّ عَلَيَّ فَإِنَّ الرِّفْقَ نِصْفُ الْعَفْوِ. فَقَالَ: وَيْلَكَ وَيْحَكَ! قَدْ حَلَفْتُ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ تَلْقَ اللَّهَ حَانِثًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ قَاتِلًا. فَعَفَا عَنْهُ. وَكَانَ يَقُولُ: لَيْتَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَذْهَبِي الْعَفْوُ، حَتَّى يَذْهَبَ الْخَوْفُ عَنْهُمْ وَيَدْخُلَ السُّرُورُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَرَكِبَ يَوْمًا فِي حَرَّاقَةٍ فَسَمِعَ مَلَّاحًا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: تَرَوْنَ هَذَا الْمَأْمُونُ يَنْبُلُ فِي عَيْنِي، وَقَدْ قَتَلَ أَخَاهُ الْأَمِينَ؟ يَقُولُ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَكَانِ الْمَأْمُونِ فَجَعَلَ الْمَأْمُونُ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَوْنَ الْحِيلَةَ حَتَّى أَنْبُلَ فِي عَيْنِ هَذَا الرَّجُلِ الْجَلِيلِ؟

وَحَضَرَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ لِيَتَغَدَّى عِنْدَهُ، فَلَمَّا رُفِعَتِ الْمَائِدَةُ جَعَلَ هُدْبَةُ يَلْتَقِطُ مَا تَنَاثَرَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَمَا شَبِعْتَ يَا شَيْخُ؟ فَقَالَ بَلَى،

وَلَكِنْ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَكَلَ مَا تَحْتَ مَائِدَتِهِ أَمِنَ مِنَ الْفَقْرِ قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِأَلْفِ دِينَارٍ.

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ قَالَ يَوْمًا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُهَلَّبِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَأَلْفَ أَلْفٍ، وَأَلْفَ أَلْفٍ، وَأَنَّ عَلَيْكَ دَيْنًا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مَنْعَ الْمَوْجُودِ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمَعْبُودِ. فَقَالَ: أَحْسَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَعْطُوهُ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَلْفَ أَلْفٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 5 جمادى الأولى
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56