الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة خمس وتسعين ومائة > أخبار أبي نواس مع المحدثين ودموعه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة خمس وتسعين ومائة
وَدَخَلَ أَبُو نُوَاسٍ يَوْمًا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ: لِيَخْتَرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أُحَدِّثُهُ بِهَا. فَاخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةً، إِلَّا أَبَا نُوَاسٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَا تَخْتَارُ كَمَا اخْتَارُوا؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
وَلَقَدْ كُنَّا رَوَيْنَا … عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّ … بِ ثُمَّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَهْ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالشَّعْ … بِيُّ شَيْخٌ ذُو جَلَادَهْ وَعَنِ الْأَخْيَارِ نَحْكِي … هِ وَعَنْ أَهْلِ الْإِفَادَهْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُحِبًّا … فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَهْ
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ: قُمْ يَا مَاجِنُ لَا حَدَّثْتُكَ وَلَا حَدَّثْتُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْلِكَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى، فَقَالَا: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَدِّثَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي أَنْشَدَهُ أَبُو نُوَاسٍ فِي شِعْرِهِ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي «» كَامِلِهِ «» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَمَرْفُوعًا مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ فَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْعِشْقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ فَصَبَرَ وَعَفَّ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَلَمْ يُفْشِ ذَلِكَ فَمَاتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَصَلَ لَهُ أَجْرٌ كَبِيرٌ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ نَوْعُ شَهَادَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ أَيْضًا أَنَّ شُعْبَةَ لَقِيَ أَبَا نُوَاسٍ فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْنَا مِنْ طُرَفِكَ، فَقَالَ مُرْتَجِلًا:
حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ عَنْ وَائِلٍ … وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ جَابِرِ وَمِسْعَرٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ … يَرْفَعُهُ الشَّيْخُ إِلَى عَامِرِ قَالُوا جَمِيعًا أَيُّمَا طِفْلَةٍ … عُلِّقَهَا ذُو خُلُقٍ طَاهِرِ فَوَاصَلَتْهُ ثُمَّ دَامَتْ لَهُ … عَلَى وِصَالِ الْحَافِظِ الذَّاكِرِ كَانَتْ لَهُ الْجَنَّةُ مَفْتُوحَةً … يَرْتَعُ فِي مَرْتَعِهَا الزَّاهِرِ وَأَيُّ مَعْشُوقٍ جَفَا عَاشِقًا … بَعْدَ وِصَالٍ دَائِمٍ نَاضِرِ فَفِي عَذَابِ اللَّهِ بُعْدًا لَهُ … نَعَمْ وَسُحْقٍ دَائِمٍ دَاحِرِ
فَقَالَ لَهُ شُعْبَةُ: إِنَّكَ لَجَمِيلُ الْأَخْلَاقِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَكَ.
وَأَنْشَدَ أَبُو نُوَاسٍ أَيْضًا:
يَا سَاحِرَ الْمُقْلَتَيْنِ وَالْجِيدِ … وَقَاتِلِي مِنْكَ بِالْمَوَاعِيدِ تُوعِدُنِي الْوَصْلَ ثُمْ تُخْلِفُنِي … فَوَابَلَائِي مِنْ خُلْفِ مَوْعُودِي حَدَّثَنِي الْأَزْرَقُ الْمُحَدِّثُ عَنْ … شَمْرٍ وَعَوْفٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودِ مَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ غَيْرُ كَافِرَةٍ … وَكَافِرٍ فِي الْجَحِيمِ مَصْفُودِ
فَبَلَغَ ذَلِكَ إِسْحَاقَ بْنَ يُوسُفَ الْأَزْرَقَ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ عَلَيَّ، وَعَلَى التَّابِعِينِ، وَعَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا نُوَاسٍ فِي مَجْلِسِ أَبِي يَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا فَقُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا الْبُكَاءِ أَبَدًا. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَمْ أَبْكِ فِي مَجْلِسِ مَنْصُورِ … شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْحُورِ وَلَا مِنَ الْقَبْرِ وَأَهْوَالِهِ … وَلَا مِنَ النَّفْخَةِ فِي الصُّورِ وَلَا مِنَ النَّارِ وَأَغْلَالِهَا … وَلَا مِنَ الْخُذْلَانِ وَالْجُورِ لَكِنْ بُكَائِي لِبُكَا شَادِنٍ … تَقِيهِ نَفْسِي كُلَّ مَحْذُورِ
ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا بَكَيْتُ لِبُكَاءِ هَذَا الْأَمْرَدِ الَّذِي إِلَى جَانِبِ أَبِيكَ، وَكَانَ صَبِيًّا حَسَنَ الصُّورَةِ، يَسْمَعُ الْوَعْظَ فَيَبْكِي خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم.