أقوال الصحابة في خروج الحسين ورحيله من مكة

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ستين من الهجرة النبوية > أقوال الصحابة في خروج الحسين ورحيله من مكة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: سنة ستين من الهجرة النبوية

الْحُسَيْنِ: إِنَّ مَنْ أَعْطَى اللَّهَ صَفْقَةَ يَمِينِهِ وَعَهْدِهِ لَجَدِيرٌ بِالْوَفَاءِ، وَقَدْ أُنْبِئْتُ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَدْ دَعَوْكَ إِلَى الشِّقَاقِ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ مَنْ قَدْ جَرَّبْتَ; قَدْ أَفْسَدُوا عَلَى أَبِيكَ وَأَخِيكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَاذْكُرِ الْمِيثَاقَ; فَإِنَّكَ مَتَى تَكِدْنِي أَكِدْكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ: أَتَانِي كِتَابُكَ وَأَنَا بِغَيْرِ الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي جَدِيرٌ، وَالْحَسَنَاتُ لَا يَهْدِي لَهَا إِلَّا اللَّهُ، وَمَا أَرَدْتُ لَكَ مُحَارَبَةً وَلَا عَلَيْكَ خِلَافًا، وَمَا أَظُنُّ لِي عِنْدَ اللَّهِ عُذْرًا فِي تَرْكِ جِهَادِكَ، وَمَا أَعْلَمُ فِتْنَةً أَعْظَمَ مِنْ وِلَايَتِكَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ أَثَرْنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا أَسَدًا. وَكَتَبَ

كتاب معاوية إليه

إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَيْضًا فِي بَعْضِ مَا بَلَغَهُ عَنْهُ: إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ فِي رَأْسِكَ نَزْوَةً، فَوَدِدْتُ أَنِّي أُدْرِكُهَا فَأَغْفِرَهَا لَكَ. قَالُوا: فَلَمَّا حَضَرَ مُعَاوِيَةُ دَعَا يَزِيدَ فَأَوْصَاهُ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ، وَقَالَ لَهُ: انْظُرْ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ، ابْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى النَّاسِ، فَصِلْ رَحِمَهُ، وَارْفُقْ بِهِ، يَصْلُحْ لَكَ أَمْرُهُ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكْفِيَكَهُ اللَّهُ بِمَنْ قَتَلَ أَبَاهُ وَخَذَلَ أَخَاهُ.

وَتُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، وَبَايَعَ النَّاسُ يَزِيدَ، فَكَتَبَ يَزِيدُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُوَيْسٍ الْعَامِرِيِّ - عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ; أَنِ ادْعُ النَّاسَ فَبَايِعْهُمْ، وَابْدَأْ بِوُجُوهِ قُرَيْشٍ، وَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ تَبْدَأُ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَهِدَ إِلَيَّ فِي أَمْرِهِ الرِّفْقَ بِهِ وَاسْتِصْلَاحَهُ. فَبَعَثَ الْوَلِيدُ مِنْ سَاعَتِهِ نِصْفَ اللَّيْلِ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُمَا بِوَفَاةِ مُعَاوِيَةَ، وَدَعَاهُمَا إِلَى الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ، فَقَالَا: نُصْبِحُ وَنَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ. وَوَثَبَ الْحُسَيْنُ، فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ: هُوَ يَزِيدُ الَّذِي نَعْرِفُ، وَاللَّهِ مَا حَدَثَ لَهُ حَزْمٌ وَلَا مُرُوءَةٌ.

وَقَدْ كَانَ الْوَلِيدُ أَغْلَظَ لِلْحُسَيْنِ، فَشَتَمَهُ الْحُسَيْنُ، وَأَخَذَ بِعِمَامَتِهِ، وَنَزَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: إِنْ هِجْنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا أَسَدًا. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ أَوْ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: اقْتُلْهُ. فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَدَمٌ مَضْنُونٌ بِهِ فِي بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. قَالُوا: وَخَرَجَ الْحُسَيْنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ لَيْلَتِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ فَغَدَوْا عَلَى الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ، وَطُلِبَ الْحُسَيْنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يُوجَدَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: عَجِلَ الْحُسَيْنُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ يَلْفِتُهُ وَيُزْجِيهِ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَخْلُوَ بِمَكَّةَ.

رحيله إلى مكة ومواقف الصحابة

فَقَدِمَا مَكَّةَ، فَنَزَلَ الْحُسَيْنُ دَارَ الْعَبَّاسِ، وَلَزِمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجْرَ، وَلَبِسَ الْمَعَافِرِيَّ، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ يَغْدُو وَيَرُوحُ إِلَى الْحُسَيْنِ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْدَمَ الْعِرَاقَ، وَيَقُولُ: هُمْ شِيعَتُكَ وَشِيعَةُ أَبِيكَ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَا تَفْعَلْ. وَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ: إِنِّي فِدَاؤُكَ وَأَبِي وَأُمِّي، فَأَمْتِعْنَا بِنَفْسِكَ وَلَا تَسِرْ إِلَى الْعِرَاقِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلَكَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَيَتَّخِذُونَا عَبِيدًا وَخَوَلًا. قَالُوا: وَلَقِيَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بِالْأَبْوَاءِ مُنْصَرِفِينَ مِنَ الْعُمْرَةِ، فَقَالَ لَهُمَا ابْنُ عُمَرَ: أُذَكِّرُكُمَا اللَّهَ إِلَّا رَجَعْتُمَا فَدَخَلْتُمَا فِي صَالِحِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ النَّاسُ، وَتَنْظُرَا، فَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ لَمْ تَشِذَّا، وَإِنِ افْتَرَقَ عَلَيْهِ كَانَ الَّذِي تُرِيدَانِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِلْحُسَيْنِ: لَا تَخْرُجْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ، وَإِنَّكَ بَضْعَةٌ مِنْهُ وَلَا تَنَالُهَا.

يَعْنِي الدُّنْيَا، وَاعْتَنَقَهُ وَبَكَى وَوَدَّعَهُ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: غَلَبَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بِالْخُرُوجِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ رَأَى فِي أَبِيهِ وَأَخِيهِ عِبْرَةً، وَرَأَى مِنَ الْفِتْنَةِ وَخِذْلَانِ النَّاسِ لَهُمَا مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يَتَحَرَّكَ مَا عَاشَ، وَأَنْ يَدْخُلَ فِي صَالِحِ مَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ خَيْرٌ. وَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْنَ تُرِيدُ يا ابْنَ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ: الْعِرَاقَ وَشِيعَتِي. فَقَالَ: إِنِّي لَكَرِهٌ لِوَجْهِكَ هَذَا; تَخْرُجُ إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَبَاكَ وَطَعَنُوا أَخَاكَ حَتَّى تَرَكَهُمْ سَخْطَةً وَمَلَالَةً لَهُمْ؟!

أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تَغْرُرَ بِنَفْسِكَ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: غَلَبَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى الْخُرُوجِ، وَقَدْ قُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَالْزَمْ بَيْتَكَ، وَلَا تَخْرُجْ عَلَى إِمَامِكَ. وَقَالَ أَبُو وَاقَدٍ اللِّيثِيُّ: بَلَغَنِي خُرُوجُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَدْرَكْتُهُ بِمَلَلٍ، فَنَاشَدْتُهُ اللَّهَ أَنْ لَا يَخْرُجَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي غَيْرِ وَجْهِ خُرُوجٍ، إِنَّمَا خَرَجَ يَقْتُلُ نَفْسَهُ. فَقَالَ: لَا أَرْجِعُ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَلَّمْتُ حُسَيْنًا فَقُلْتُ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَضْرِبِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، فَوَاللَّهِ مَا حُمِدْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ. فَعَصَانِي.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لَوْ أَنَّ حُسَيْنًا لَمْ يَخْرُجْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِحُسَيْنٍ أَنْ يَعْرِفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنْ شَجَّعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِكُتُبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبِقَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: الْحَقْ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ نَاصِرُوكَ. إِيَّاكَ أَنْ تَبْرَحَ الْحَرَمَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ كَانَتْ لَهُمْ بِكَ حَاجَةٌ فَسَيَضْرِبُونَ إِلَيْكَ آبَاطَ الْإِبِلِ حَتَّى يُوَافُوكَ فَتَخْرُجَ فِي قُوَّةٍ وَعُدَّةٍ. فَجَزَاهُ خَيْرًا وَقَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ.

وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تُعَظِّمُ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ، وَتَأْمُرُهُ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَتُخْبِرُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَاقُ إِلَى مَصْرَعِهِ، وَتَقُولُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ إِنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُقْتَلُ الْحُسَيْنُ بِأَرْضِ بَابِلَ». فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهَا قَالَ: فَلَا بُدَّ لِي إِذًا مِنْ مَصْرَعِي. وَمَضَى. وَأَتَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ

هِشَامٍ فَقَالَ: يا ابْنَ عَمِّ، إِنَّ الرَّحِمَ تَظْأَرُنِي عَلَيْكَ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ أَنَا عِنْدَكَ فِي النَّصِيحَةِ لَكَ؟ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَنْتَ مِمَّنْ يُسْتَغَشُّ وَلَا يُتَّهَمُ، فَقُلْ. قَالَ: قَدْ رَأَيْتَ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِأَبِيكَ وَأَخِيكَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ عَبِيدُ الدُّنْيَا، فَيُقَاتِلُكَ مَنْ قَدْ وَعَدَكَ أَنْ يَنْصُرَكَ، وَيَخْذُلُكَ مَنْ أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ، فَأُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ يا ابْنَ عَمِّ خَيْرًا، وَمَهْمَا يَقْضِ اللَّهُ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لِلَّهِ، عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.

وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ كِتَابًا يُحَذِّرُهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَيُنَاشِدُهُ اللَّهَ أَنْ يَشْخَصَ إِلَيْهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَنِي بِأَمْرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لَهُ، وَلَسْتُ بِمُخْبِرٍ بِهَا أَحَدًا حَتَّى أُلَاقِيَ عَمَلِي. وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ نَائِبُ الْحَرَمَيْنِ: إِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَكَ رُشْدَكَ، وَأَنْ يَصْرِفَكَ عَمَّا يُرْدِيكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ عَزَمْتَ عَلَى الشُّخُوصِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَإِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنَ الشِّقَاقِ، فَإِنْ كُنْتَ خَائِفًا فَأَقْبِلْ إِلَيَّ، فَلَكَ عِنْدِي الْأَمَانُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِالْحُسَيْنُ: إِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ بِكِتَابِكَ بِرِّي وَصِلَتِي فَجُزِيتَ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُشَاقِقْ مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالَحًا، وَقَالَ: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَخَيْرُ الْأَمَانِ أَمَانُ اللَّهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ مَنْ لَمْ يَخَفْهُ فِي الدُّنْيَا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ مَخَافَةً فِي الدُّنْيَا تُوجِبُ لَنَا أَمَانَ الْآخِرَةِ عِنْدَهُ

كتاب يزيد ومراسلات ابن عباس

وَقَالُوا: وَكَتَبَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يُخْبِرُهُ بِخُرُوجِ الْحُسَيْنِ إِلَى مَكَّةَ وَيَحْسَبُهُ قَدْ جَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْمَشْرِقِ فَمَنَّوْهُ الْخِلَافَةَ، وَعِنْدَكَ مِنْهُمْ خِبْرَةٌ وَتَجْرِبَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ فَقَدْ قَطَعَ وَاشِجَ الْقَرَابَةِ، وَأَنْتَ كَبِيرُ أَهْلِ بَيْتِكَ وَالْمَنْظُورُ إِلَيْهِ، فَاكْفُفْهُ عَنِ السَّعْيِ فِي الْفُرْقَةِ، وَكَتَبَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مِنْ قُرَيْشٍ:

يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْغَادِي لِطَيَّتِهِ … عَلَى عُذَافِرَةٍ فِي سَيْرِهَا قُحَمُ أَبْلِغْ قُرَيْشًا عَلَى نَأْيِ الْمَزَارِ بِهَا … بَيْنِي وَبَيْنَ حُسَيْنِ اللَّهُ وَالرَّحِمُ وَمَوْقِفٌ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ أَنْشُدُهُ … عَهْدَ الْإِلَهِ وَمَا تُوفَى بِهِ الذِّمَمُ عَنَّيْتُمُ قَوْمَكُمْ فَخْرًا بِأُمِّكُمُ … أُمٌّ لَعَمْرِي حَصَانٌ بَرَّةٌ كَرَمُ هِيَ الَّتِي لَا يُدَانِي فَضْلَهَا أَحَدٌ … بِنْتُ الرَّسُولِ وَخَيْرُ النَّاسِ قَدْ عَلِمُوا وَفَضْلُهَا لَكُمُ فَضْلٌ وَغَيْرُكُمُ … مِنْ قَوْمِكُمْ لَهُمْ فِي فَضْلِهَا قِسَمُ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَوْ ظَنًّا كَعَالِمِهِ … وَالظَّنُّ يَصْدُقُ أَحْيَانًا فَيَنْتَظِمُ أَنْ سَوْفَ يَتْرُكُكُمْ مَا تَدَّعُونَ بِهَا … قَتْلَى تَهَادَاكُمُ الْعِقْبَانُ وَالرَّخَمُ يَا قَوْمَنَا لَا تُشِبُّوا الْحَرْبَ إِذْ سَكَنَتْ … وَأَمْسِكُوا بِحِبَالِ السِّلْمِ وَاعْتَصِمُوا قَدْ غَرَّتِ الْحَرْبُ مَنْ قَدْ كَانَ قَبْلَكُمُ … مِنَ الْقُرُونِ وَقَدْ بَادَتْ بِهَا الْأُمَمُ فَأَنْصِفُوا قَوْمَكُمْ لَا تَهْلِكُوا بَذَخًا … فَرُبَّ ذِي بَذَخٍ زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمُ

قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ خُرُوجُ الْحُسَيْنِ لِأَمْرٍ تَكْرَهُهُ، وَلَسْتُ أَدَعُ النَّصِيحَةَ لَهُ فِي كُلِّ مَا يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ الْأُلْفَةَ وَتُطْفَى بِهِ النَّائِرَةُ. وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْحُسَيْنِ، فَكَلَّمَهُ لَيْلًا طَوِيلًا، وَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَهْلِكَ غَدًا بِحَالِ مَضِيعَةٍ، لَا تَأْتِ الْعِرَاقَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَأَقِمْ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْمَوْسِمُ، وَتَلْقَى النَّاسَ وَتَعْلَمَ مَا يُصْدِرُونَ، ثُمَّ تَرَى رَأْيَكَ. وَذَلِكَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ.

فَأَبَى الْحُسَيْنُ إِلَّا أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ سَتُقْتَلُ غَدًا بَيْنَ نِسَائِكَ وَبَنَاتِكَ، كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ بَيْنَ نِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ الَّذِي يُقَادُ بِهِ عُثْمَانُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَقَالَ: أَبَا الْعَبَّاسِ، إِنَّكَ شَيْخٌ قَدْ كَبِرْتَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ يُزْرِيَ ذَلِكَ بِي أَوْ بِكَ لَنَشِبْتُ يَدِي فِي رَأْسِكَ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّا إِذَا تَنَاصَيْنَا أَقَمْتَ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ لَا إِخَالُ ذَلِكَ نَافِعِي. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: لَأَنْ أُقْتَلَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُسْتَحَلَّ بِي.

يَعْنِي مَكَّةَ، قَالَ: فَبَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: أَقْرَرْتَ عَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ الَّذِي سَلَا نَفْسِي عَنْهُ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يا ابْنَ الزُّبَيْرِ، قَدْ أَتَى مَا أَحْبَبْتَ، قَرَّتْ عَيْنُكَ، هَذَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَخْرُجُ وَيَتْرُكُكَ وَالْحِجَازَ. ثُمَّ قَالَ:

يَا لَكِ مِنْ قُنْبَرَةٍ بِمَعْمَرِ … خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي

استدعاء أهله والاستعداد للخروج

قَالَ: وَبَعَثَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِ مَنْ خَفَّ مَعَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ مِنْ إِخْوَانِهِ وَبَنَاتِهِ وَنِسَائِهِمْ، وَتَبِعَهُمْ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَأَدْرَكَ حُسَيْنًا بِمَكَّةَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْخُرُوجَ لَيْسَ لَهُ بِرَأْيِ يَوْمِهِ هَذَا، فَأَبَى الْحُسَيْنُ أَنْ يَقْبَلَ، فَحَبَسَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَدَهُ، فَلَمْ يَبْعَثْ مَعَهُ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى وَجَدَ الْحُسَيْنُ فِي نَفْسِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: تَرْغَبُ بِوَلَدِكَ عَنْ مَوْضِعٍ أُصَابُ فِيهِ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَا حَاجَتِي أَنْ تُصَابَ، وَيُصَابُونَ مَعَكَ؟

وَإِنْ كَانَتْ مُصِيبَتُكَ أَعْظَمَ عِنْدَنَا مِنْهُمْ. قَالُوا: وَبَعَثَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى الْحُسَيْنِ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْعِرَاقِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَسِتِّينَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتِّينَ. فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ، وَهُوَ الْحُسَيْنُ ابْنُ فَاطِمَةَ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِاللَّهِ مَا أَحَدٌ يُسَلِّمُهُ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنَ الْحُسَيْنِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُهَيِّجَ عَلَى نَفْسِكَ مَا لَا يَسُدُّهُ شَيْءٌ، وَلَا تَنْسَاهُ الْعَامَّةُ وَلَا تَدَعُ ذِكْرَهُ، وَالسَّلَامُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ الْحُسَيْنُ، وَفِي مِثْلِهَا تُعْتَقُ أَوْ تَكُونُ عَبْدًا تُسْتَرَقُّ كَمَا تُسْتَرَقُّ الْعَبِيدُ.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ يَزِيدُ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، أَنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ حُسَيْنًا قَدْ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ زَمَانُكَ مِنْ بَيْنِ الْأَزْمَانِ، وَبَلَدُكَ مِنْ بَيْنِ الْبُلْدَانِ، وَابْتُلِيتَ بِهِ أَنْتَ مِنْ بَيْنِ الْعُمَّالِ، وَعِنْدَهَا تُعْتَقُ أَوْ تَعُودُ عَبْدًا كَمَا تُعْتَبَدُ الْعَبِيدُ. فَقَتَلَهُ ابْنُ زِيَادٍ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ.

قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ إِلَى الشَّامِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْعِرَاقِ. فَضَعِ الْمَنَاظِرَ وَالْمَسَالِحَ، وَاحْتَرِسْ وَاحْبِسْ عَلَى الظِّنَّةِ وَخُذْ عَلَى التُّهْمَةِ، غَيْرَ أَنْ لَا تَقْتُلَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ فِي كُلِّ مَا يَحْدُثُ مِنْ خَبَرٍ، وَالسَّلَامُ.

قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: خَرَجَ الْحُسَيْنُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا مَرَّ بِبَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ:

لَا ذَعَرْتُ السَّوَامَ فِي فَلَقِ الصُّبْ … حِ مُغِيرًا وَلَا دُعِيتُ يَزِيدَا يَوْمَ أُعْطَى مَخَافَةَ الْمَوْتِ ضَيْمًا … وَالْمَنَايَا تَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدَا

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
سبحان الله وبحمده