«مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٨

الحديث رقم ١٠٨ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إثم من كذب على النبي ﷺ.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٨ في صحيح البخاري

«مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

إسناد حديث البخاري رقم ١٠٨

١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ : إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ: مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَمْدَ. وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً، وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ إِذْ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ، فَمَنْ خَشِيَ مِنْ الإِكْثَارِ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ. وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ، أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ. .

قَوْلُهُ: (فَلْيَتَبَوَّأْ) أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا، يُقَالُ: تَبَوَّأَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ إِذَا اتَّخَذَهُ سَكَنًا، وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْضًا، أَوْ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ، أَوْ بِمَعْنَى التَّهَكُّمِ، أَوْ دُعَاءٌ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، أَيْ: بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ كَذَبَ فَلْيَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالتَّبَوُّءِ وَيَلْزَمْ عَلَيْهِ كَذَا، قَالَ: وَأَوَّلُهَا أَوْلَاهَا، فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الْقَصْدِ فِي الذَّنْبِ وَجَزَائِهِ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ قَصَدَ فِي الْكَذِبِ التَّعَمُّدَ فَلْيَقْصِدْ بِجَزَائِهِ التَّبَوُّءَ.

١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمُقْعَدُ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٌ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (حَدِيثًا) الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْحَدِيثِ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ بِالْكَثْرَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي، وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنَسٌ مِمَّا خَشِيَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِكْثَارِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِيهِ، فَكَانَ التَّقْلِيلُ مِنْهُمْ لِلِاحْتِرَازِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَسٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ؛ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْكِتْمَانَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ لَكَانَ أَضْعَافَ مَا حَدَّثَ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَتَّابٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ - مَوْلَى هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكَ بِأَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا مَا تَحَقَّقَهُ وَيَتْرُكُ مَا يَشُكُّ فِيهِ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِاللَّفْظِ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أُخْطِئَ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَنَسٍ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ صَرِيحًا، وَقَدْ وُجِدَ فِي رِوَايَاتِهِ ذَلِكَ كَالْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الْمَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ.

قَوْلُهُ: (كَذِبًا) هُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ.

١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) هُوَ اسْمٌ وَلَيْسَ بِنَسَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، سَمِعَ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

سببًا للعمل بما لم يقله الشَّارع، فمن خشيَ من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يُؤمَن عليه الإثمُ إذا تعمَّد الإكثار، فمن ثمَّ توقَّف الزُّبير وغيره من الصَّحابة عن الإكثار من التَّحديث، وأمَّا من أكثر منهم فمحمولٌ على أنَّهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتَّثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتِيج إلى ما عندهم، فسُئلوا فلم يُمْكِنْهُمُ الكتمانُ، قاله الحافظ ابن حجرٍ.

١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العَيْن المُهْمَلة، عبد الله بن عمرو المنقريُّ البصريُّ المعروف بالمُقعَد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ (١) البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ الأعمى البصريِّ، أنَّه (٢) قال: (قَالَ أَنَسٌ) أي: ابن مالكٍ ، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت بإسقاط: «قال» الأولى: (إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ) بكسر همزة «إنَّ» الأولى مع التَّشديد وفتح الثَّانية مع التَّخفيف، أي: ليمنعني تحديثكم (حَدِيثًا كَثِيرًا) بالنَّصب فيهما، والمُرَاد: جنس (٣) الحديث، ومن ثمَّ وصفه بالكثرة (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا) عامٌّ في جميع أنواع الكذب لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كالنَّكرة في سياق النَّفيِ في إفادة العموم، والمُختَار أنَّ الكذب عدمُ مُطابقةِ الخبر للواقع، ولا يُشتَرَط في كونه كذبًا تعمُّدُه، والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى مُتعمَّدٍ وغيره (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) فأفاد

أنسٌ أن توقِّيه من التَّحديث لم يكن للامتناع من أصل التَّحديث؛ للأمر بالتَّبليغ، وإنَّما هو؛ لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ، وقد ذهب الجوينيُّ إلى كفرِ مَنْ كَذَبَ متعمِّدًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وردَّ (١) عليه ولده إمام الحرمين، وقال: إنَّه من هفوات والده (٢)، وتبعه من بعده فضعَّفوه، وانتصر له ابن المُنَيِّر: بأنَّ خصوصيَّة الوعيد توجب ذلك؛ إذ لو كان بمُطلَق النَّار لكان كلُّ كاذبٍ كذلك، عليه وعلى غيره، فإنَّما الوعيد بالخلود، قال (٣): ولهذا قال (٤): «فليتبوَّأ» أي: فَلْيَتَّخِذْهَا مَبَاءَةً ومَسْكَنًا، وذلك هو الخلود، وبأنَّ الكاذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا لا ينفكُّ عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفرٌ، والحمل على الكفر كفرٌ، وأُجِيب عن الأوَّل: بأنَّ دلالة التَّبوُّؤ على الخلود غير مُسلَّمةٍ، ولو سُلِّمَ، فلا نُسلِّم (٥) أنَّ الوعيد بالخلود مُقتَضٍ للكفر بدليل متعمِّد القتل الحرام، وأُجِيب عن الثَّاني: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ الكذب عليه ملازمٌ لاستحلاله أو (٦) لاستحلال مُتعلّقه، فقد يكذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا، مع قطعه بأنَّ الكذب عليه حرامٌ، وأنَّ ذلك الحرام ليس بِمُسْتَحَلٍّ، كما تُقْدِمُ العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها. انتهى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ: مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَمْدَ. وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً، وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ إِذْ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ، فَمَنْ خَشِيَ مِنْ الإِكْثَارِ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ. وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ، أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ. .

قَوْلُهُ: (فَلْيَتَبَوَّأْ) أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا، يُقَالُ: تَبَوَّأَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ إِذَا اتَّخَذَهُ سَكَنًا، وَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْضًا، أَوْ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ، أَوْ بِمَعْنَى التَّهَكُّمِ، أَوْ دُعَاءٌ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، أَيْ: بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ كَذَبَ فَلْيَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالتَّبَوُّءِ وَيَلْزَمْ عَلَيْهِ كَذَا، قَالَ: وَأَوَّلُهَا أَوْلَاهَا، فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى الْقَصْدِ فِي الذَّنْبِ وَجَزَائِهِ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ قَصَدَ فِي الْكَذِبِ التَّعَمُّدَ فَلْيَقْصِدْ بِجَزَائِهِ التَّبَوُّءَ.

١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمُقْعَدُ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٌ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (حَدِيثًا) الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْحَدِيثِ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ بِالْكَثْرَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي، وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنَسٌ مِمَّا خَشِيَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِكْثَارِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِيهِ، فَكَانَ التَّقْلِيلُ مِنْهُمْ لِلِاحْتِرَازِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَسٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ؛ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْكِتْمَانَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ لَكَانَ أَضْعَافَ مَا حَدَّثَ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَتَّابٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ - مَوْلَى هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكَ بِأَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا مَا تَحَقَّقَهُ وَيَتْرُكُ مَا يَشُكُّ فِيهِ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِاللَّفْظِ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أُخْطِئَ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَنَسٍ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ صَرِيحًا، وَقَدْ وُجِدَ فِي رِوَايَاتِهِ ذَلِكَ كَالْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الْمَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ.

قَوْلُهُ: (كَذِبًا) هُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ.

١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ) هُوَ اسْمٌ وَلَيْسَ بِنَسَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، سَمِعَ مِنْ سَبْعَةَ عَشْرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

سببًا للعمل بما لم يقله الشَّارع، فمن خشيَ من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يُؤمَن عليه الإثمُ إذا تعمَّد الإكثار، فمن ثمَّ توقَّف الزُّبير وغيره من الصَّحابة عن الإكثار من التَّحديث، وأمَّا من أكثر منهم فمحمولٌ على أنَّهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتَّثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتِيج إلى ما عندهم، فسُئلوا فلم يُمْكِنْهُمُ الكتمانُ، قاله الحافظ ابن حجرٍ.

١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العَيْن المُهْمَلة، عبد الله بن عمرو المنقريُّ البصريُّ المعروف بالمُقعَد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ (١) البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ الأعمى البصريِّ، أنَّه (٢) قال: (قَالَ أَنَسٌ) أي: ابن مالكٍ ، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت بإسقاط: «قال» الأولى: (إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ) بكسر همزة «إنَّ» الأولى مع التَّشديد وفتح الثَّانية مع التَّخفيف، أي: ليمنعني تحديثكم (حَدِيثًا كَثِيرًا) بالنَّصب فيهما، والمُرَاد: جنس (٣) الحديث، ومن ثمَّ وصفه بالكثرة (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا) عامٌّ في جميع أنواع الكذب لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كالنَّكرة في سياق النَّفيِ في إفادة العموم، والمُختَار أنَّ الكذب عدمُ مُطابقةِ الخبر للواقع، ولا يُشتَرَط في كونه كذبًا تعمُّدُه، والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى مُتعمَّدٍ وغيره (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) فأفاد

أنسٌ أن توقِّيه من التَّحديث لم يكن للامتناع من أصل التَّحديث؛ للأمر بالتَّبليغ، وإنَّما هو؛ لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ، وقد ذهب الجوينيُّ إلى كفرِ مَنْ كَذَبَ متعمِّدًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وردَّ (١) عليه ولده إمام الحرمين، وقال: إنَّه من هفوات والده (٢)، وتبعه من بعده فضعَّفوه، وانتصر له ابن المُنَيِّر: بأنَّ خصوصيَّة الوعيد توجب ذلك؛ إذ لو كان بمُطلَق النَّار لكان كلُّ كاذبٍ كذلك، عليه وعلى غيره، فإنَّما الوعيد بالخلود، قال (٣): ولهذا قال (٤): «فليتبوَّأ» أي: فَلْيَتَّخِذْهَا مَبَاءَةً ومَسْكَنًا، وذلك هو الخلود، وبأنَّ الكاذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا لا ينفكُّ عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفرٌ، والحمل على الكفر كفرٌ، وأُجِيب عن الأوَّل: بأنَّ دلالة التَّبوُّؤ على الخلود غير مُسلَّمةٍ، ولو سُلِّمَ، فلا نُسلِّم (٥) أنَّ الوعيد بالخلود مُقتَضٍ للكفر بدليل متعمِّد القتل الحرام، وأُجِيب عن الثَّاني: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ الكذب عليه ملازمٌ لاستحلاله أو (٦) لاستحلال مُتعلّقه، فقد يكذب عليه في تحليل حرامٍ مثلًا، مع قطعه بأنَّ الكذب عليه حرامٌ، وأنَّ ذلك الحرام ليس بِمُسْتَحَلٍّ، كما تُقْدِمُ العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها. انتهى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد