«كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥

الحديث رقم ٦٥ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كتب النبي ﷺ كتابا أو أراد أن يكتب فقيل له…

«كَتَبَ النَّبِيُّ كِتَابًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ».

سند حديث: ٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ…

٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كتب النبي ﷺ كتابا أو أراد أن يكتب فقيل له…

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أمر النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب ليكتب له كتابًا إلى العجم أو إلى الروم، فقيل له: إن الروم أو العجم لا يقرؤون كتابًا إلا ‌أن يكون عليه ختم، فأمر عليه الصلاة والسلام بصياغة خاتم من فضة، منقوش عليه: محمَّدٌ رسول الله، قال أنس: كأني أرى بياض بريقه في يده الشريفة، قال شعبة: فقلت لقتادة: من قال: نقشه محمَّدٌ رسول الله؟ قال: أنس قاله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز كتابة العالم بالعلم إلى البلدان.
  • جواز الكتابة إلى الكفار.
  • مشروعية ختم الكتاب للسلطان والقضاة والحكام.
  • جواز استعمال الفضة للرجال في لبس الخاتم.
  • جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كتب النبي ﷺ كتابا أو أراد أن يكتب فقيل له…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَيْكَ كِتَابَهُ فَيَقُولُ: ارْوِ هَذَا عَنِّي.

قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ) هَذَا الْمُحْتَجُّ هُوَ الْحُمَيْدِيُّ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النَّوَادِرِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمُنَاوَلَةِ) أَيْ: فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَمْ يُورِدْهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وهو صَحِيحٌ، وَقَدْ وَجَدْتُهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مُرْسَلَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَأَبُو الْيَمَانِ فِي نُسْخَتِهِ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَالْأُخْرَى مَوْصُولَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ الْبَجَلِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي التَّفْسِيرِ. فَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ يَكُونُ صَحِيحًا. وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ أَخُو زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ تَأْمِيرُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) هَكَذَا فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ عَلَى الْإِبْهَامِ. وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِذَا سِرْتَ يَوْمَيْنِ فَافْتَحِ الْكِتَابَ. قَالَا: فَفَتَحَهُ هُنَاكَ فَإِذَا فِيهِ أَنِ امْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً فَتَأْتِيَنَا مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ، وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا قَالَ فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ: فَرَجَعَ رَجُلَانِ وَمَضَى الْبَاقُونَ فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ عِيرٌ - أَيْ: تِجَارَةٌ لِقُرَيْشٍ - فَقَتَلُوهُ.

فَكَانَ أَوَّلَ مَقْتُولٍ مِنَ الْكُفَّارِ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَغَنِمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ فَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَعَابَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الْآيَةَ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّهُ نَاوَلَهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، فَفِيهِ الْمُنَاوَلَةُ وَمَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ بِهِ لِعَدَمِ تَوَهُّمِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ لِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَقُولُ: شَرْطُ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا وَحَامِلُهُ مُؤْتَمَنًا وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الشَّيْخِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الدَّافِعَةِ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ كَمَا سَمَّاهُ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي. وَكِسْرَى هُوَ أَبَرْوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ، وَوَهِمَ مَنْ قال: هو أَنُوشِرْوَانُ. وَعَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى بِالْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُمَالَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَحَسِبْتُ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَقِصَّةُ الْكِتَابِ عِنْدَهُ مَوْصُولَةٌ وَقِصَّةُ الدُّعَاءِ مُرْسَلَةٌ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمُنَاوَلَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ نَاوَلَ الْكِتَابَ لِرَسُولِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَظِيمَ الْبَحْرَيْنِ بِأَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ.

٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قال: أخبرنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ كِتَابًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ.

[الحديث ٦٥ - أطرافه في: ٧١٦٢، ٥٨٧٧، ٥٨٧٥، ٥٨٧٤، ٥٨٧٢، ٥٨٧٠، ٢٩٣٨]

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (كَتَبَ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَنِسْبَةُ الْكِتَابَةِ إِلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّمزيق، فسلَّط الله على كسرى ابنه شيرويه فقتله بأنْ مزَّق بطنه سنة سبعٍ، فتمزَّق مُلْكُه كلَّ مُمَزَّقٍ، وزال من جميع الأرض، واضمحلَّ بدعوته ، ووجه الدَّلالة من الحديث -كما قال ابن المُنَيِّر-: أنَّه لم يقرأ الكتاب على رسوله، ولكنْ ناوله إيَّاه، وأجاز له أن يُسْنِدَ ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله ، ويلزم المبعوث إليه العمل بما فيه، وهذه ثمرة الإجازة في الأحاديث.

وفي هذا الحديث من اللَّطائف: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٢٤] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٤] وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٣٩]، وهو من أفراده عن مسلمٍ، وأخرجه النَّسائيُّ في «السِّير».

٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بصيغة الفاعل مِنَ المُقاتَلة؛ بالقاف والمُثنَّاة الفوقيَّة، وكنيته (أَبُو الحَسَنِ) المُتوفَّى في آخر سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، ولابن عساكر: «أبو الحسن المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك؛ لأنَّه إذا أُطْلِقَ عبدُ الله فيمن بعد الصَّحابة فالمُرَاد هو (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر «ابن مالكٍ» (قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ) أي: كتب الكاتب (١) بأمره (كِتَابًا) إلى العجم أو إلى الرُّوم، كما صرِّح بهما في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٧٢] [خ¦٥٨٧٥] عند المؤلِّف (أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ) أي: أراد الكتابة، فـ «أن»: مصدريَّةٌ، وهو شكٌّ مِنَ الرَّاوي أنسٍ (فَقِيلَ لَهُ) : (إِنَّهُمْ) أي: الرُّوم أو العجم (لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) خوفًا من كشف أسرارهم، و «مختومًا»: نُصِبَ

على الاستثناء؛ لأنَّه من كلامٍ غير موجبٍ (فَاتَّخَذَ) (خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ) بسكون القاف: مبتدأٌ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملة خبرٌ عن الأوَّل، والرَّابط كونُ الخبرِ عينَ المُبتدَأ، كأنَّه قِيلَ: نقشه هذا المذكورُ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ) حال كونه (فِي يَدِهِ) الكريمة، وهو من باب: إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، وإلَّا فالخاتم ليس في اليد، بل في إصبعها، وفيه القلب؛ لأنَّ الأصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبع، ومثله: عرضت النَّاقة على الحوض، قال شعبة: (فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ) بن دعامةَ: (مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ؟ (قَالَ: أَنَسٌ) قاله.

(٨) (بابُ) حكم (مَنْ قَعَدَ حَيْثُ) بالبناء على الضَّمِّ، وموضعه نصبٌ على الظَّرفيَّة (يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء «فُعْلَةٌ» بمعنى: المفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض (فِي الحَلْقَةِ) بإسكان اللَّام لا بفتحها على المشهور، قال العسكريُّ: هي كلُّ مستديرٍ خالي الوسط،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

شُعْبَة: سيد أهل الْبَصْرَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: كَانَ من خِيَار النَّاس، سمع الْحسن وَابْن سِيرِين وثابت الْبنانِيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَوْله (وَعلي بن عبد الحميد) عطف على مُوسَى، وروى الحَدِيث الْمَذْكُور أَيْضا عَليّ بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا من طَرِيقه، وَأخرجه الدَّارمِيّ عَن عَليّ بن عبد الحميد ... الخ، وَهُوَ عَليّ بن عبد الحميد بن مُصعب أَبُو الْحُسَيْن المعني، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء النِّسْبَة، نِسْبَة إِلَى معن بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس. قَالَ الرشاطي: المعني فِي الأزد وَفِي طي وَفِي ربيعَة. فَالَّذِي فِي أَزْد: معن بن مَالك. وَالَّذِي فِي طي: معن بن عتود بن غَسَّان بن سلامان بن نفل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَالَّذِي فِي ربيعَة: معن بن زَائِدَة بن عبد اللَّه بن زَائِدَة بن مطر بن شريك. وروى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالا: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: روى عَنهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. قلت: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَأما ثَابت الْبنانِيّ فَهُوَ ابْن أسلم، أَبُو حَامِد الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ العابد، سمع ابْن الزبير وَابْن عمر وأنساً وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، روى عَنهُ خلق كثير، وَقَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَلَا خلاف فِيهِ. توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى بنانة بطن من قُرَيْش. وَقَالَ الزبير بن بكار: كَانَت بنانة أمة لسعد بن لؤَي حضنت بنيه فنسبوا إِلَيْهَا. وَقَالَ الْخَطِيب: بنانة هم بَنو سعد بن غلب، وَأم سعد بنانة. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَشَارَ إِلَى معنى الحَدِيث الْمَذْكُور، لِأَن اللَّفْظ مُخْتَلف فَافْهَم.

٧ - (بَاب مَا يُذْكَرُ فِي المُناوَلَةِ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي المناولة، وَهِي فِي اللُّغَة من: ناولته الشَّيْء فتناوله، من النوال. وَهُوَ الْعَطاء. وَفِي اصْطِلَاح الْمُحدثين هِيَ على نَوْعَيْنِ: احدهما: المقرونة بِالْإِجَازَةِ، كَمَا أَن يرفع الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب أصل سَمَاعه مثلا، وَيَقُول: هَذَا سَمَاعي، وأجزت لَك رِوَايَته عني، وَهَذِه حَالَة السماع عِنْد مَالك وَالزهْرِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، فَيجوز إِطْلَاق: حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهَا، وَالصَّحِيح أَنه منحط عَن دَرَجَته، وَعَلِيهِ أَكثر الْأَئِمَّة، وَالْآخر المناولة الْمُجَرَّدَة عَن الْإِجَازَة بِأَن يناوله أصل السماع، كَمَا تقدم، وَلَا يَقُول لَهُ: أجزت لَك الرِّوَايَة عني، وَهَذِه لَا تجوز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح، وَمُرَاد البُخَارِيّ من الْبَاب الْقسم الأول. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَفِي هَذَا الْبَاب وُجُوه التَّحَمُّل الْمُعْتَبرَة عِنْد الْجُمْهُور، والأبواب الثَّلَاثَة أَنْوَاع شَيْء وَاحِد وَلَا تُوجد مُنَاسبَة أقوى من هَذَا.

وكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ

وَكتاب: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله فِي: المناولة، وَالتَّقْدِير: وَمَا يذكر فِي كتاب أهل الْعلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ الْكتاب يحْتَمل عطفه على المناولة، وعَلى مَا يذكر، قلت: الْفرق بَينهمَا أَن لفظ الْكتاب يكون مجروراً فِي الأول: بِحرف الْجَرّ، وَفِي الثَّانِي: بِالْإِضَافَة، وَالْكتاب هُنَا مصدر وَكلمَة إِلَى، الَّتِي للغاية تتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: (إِلَى الْبلدَانِ) ، فِيهِ حذف، أَي: إِلَى أهل الْبلدَانِ، وَهُوَ جمع بلد، وَهَذَا على سَبِيل الْمِثَال دون الْقَيْد، لِأَن الحكم عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل الْقرى والصحارى وَغَيرهمَا. ثمَّ اعْلَم أَن الْمُكَاتبَة هِيَ أَن يكْتب الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب شَيْئا من حَدِيثه، وَهِي أَيْضا نَوْعَانِ: إِحْدَاهمَا: المقرونة بِالْإِجَازَةِ، وَالْأُخْرَى: المتجردة عَنْهَا. وَالْأولَى: فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة شَبيهَة بالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ. وَأما الثَّانِيَة: فَالصَّحِيح الْمَشْهُور فِيهَا أَنَّهَا تجوز الرِّوَايَة بهَا، بِأَن يَقُول: كتب إِلَيّ فلَان قَالَ: حَدثنَا بِكَذَا، وَقَالَ بَعضهم: يجوز حَدثنَا واخبرنا فِيهَا، وَقد سوى البُخَارِيّ الْكِتَابَة المقرونة بِالْإِجَازَةِ بالمناولة، وَرجح قوم المناولة عَلَيْهَا لحُصُول المشافهة بهَا، بِالْإِذْنِ دون الْمُكَاتبَة، وَقد جوز جمَاعَة من القدماء الْأَخْبَار فيهمَا، وَالْأول مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من اشْتِرَاط بَيَان ذَلِك.

وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمانُ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِها إِلَى الآفاقِ.

أنس: هُوَ ابْن مَالك الصَّحَابِيّ، خَادِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعُثْمَان: هُوَ ابْن عَفَّان، أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، رَضِي الله عَنْهُم، والمصاحف بِفَتْح الْمِيم، جمع مصحف، وَيجوز فِي ميمه الحركات الثَّلَاث عَن ثَعْلَب، قَالَ: الْفَتْح: لُغَة صَحِيحَة فصيحة، وَقَالَ الْفراء: قد استثقلت الْعَرَب الضمة فِي حُرُوف، وكسروا ميمها، وَأَصلهَا الضَّم، من ذَلِك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل

ومجسد، لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة فِي الْمَعْنى من: أصحفت، أَي: جمعت فِيهِ الصُّحُف، وأطرف، أَي جعل فِي طَرفَيْهِ علما، وأجسد، أَي: ألصق بالجسد، وَكَذَلِكَ المغزل، إِنَّمَا هُوَ أدير وفتل، وَقَالَ أَبُو زيد: تَمِيم تَقول بِكَسْر الْمِيم، وَقيس تَقول بضَمهَا. ثمَّ قُلْنَا: إِن الْمُصحف مَا جمعت فِيهِ الصُّحُف، والصحف، بِضَمَّتَيْنِ، جمع صحيفَة، والصحيفة: الْكتاب. قَالَ الله تَعَالَى {صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى} (الْأَعْلَى: ١٩) يَعْنِي: الْكتب الَّتِي أنزلت عَلَيْهِمَا، وأصل التَّرْكِيب يدل على انبساط فِي الشَّيْء وسعة، ثمَّ هَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ من قَوْله: قَالَ أنس: نسخ عُثْمَان الْمَصَاحِف، قِطْعَة من حَدِيث لأنس، رَضِي الله عَنهُ، ذكره البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أنس: أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية، وَفِيه: فَفَزعَ حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة، فَقَالَ لعُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ: أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة، رَضِي الله عَنْهَا، أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف، ثمَّ نردها إِلَيْك. فَأرْسلت بهَا حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، فَأمر زيد بن ثَابت، وَعبد اللَّه بن الزبير، وَسَعِيد بن الْعَاصِ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، رَضِي الله عَنْهُم، فنسخوها فِي الْمَصَاحِف، وَفِيه: حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف، رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة وَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا. وَفِي غير البُخَارِيّ: أَن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، بعث مُصحفا إِلَى الشَّام، ومصحفاً إِلَى الْحجاز، ومصحفاً إِلَى الْيمن، ومصحفاً إِلَى الْبَحْرين، وَأبقى عِنْده مُصحفا ليجتمع النَّاس على قِرَاءَة مَا يعلم ويتيقن. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الداني: أَكثر الْعلمَاء على أَن عُثْمَان كتب أَربع نسخ، فَبعث إِحْدَاهُنَّ إِلَى الْبَصْرَة، وَأُخْرَى إِلَى الْكُوفَة، وَأُخْرَى إِلَى الشَّام، وَحبس عِنْده أُخْرَى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: كتب سَبْعَة، فَبعث إِلَى مَكَّة وَاحِدًا، وَإِلَى الشَّام آخر، وَإِلَى الْيمن آخر وَإِلَى الْبَحْرين آخر، وَإِلَى الْبَصْرَة آخر، وَإِلَى الْكُوفَة آخر، وَدلَالَة هَذَا على تَجْوِيز الرِّوَايَة بالمكاتبة ظَاهِرَة، فَإِن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، أَمرهم بالاعتماد على مَا فِي تِلْكَ الْمَصَاحِف، وَمُخَالفَة مَا عَداهَا. والمستفاد من بَعثه الْمَصَاحِف إِنَّمَا هُوَ قبُول إِسْنَاد صُورَة الْمَكْتُوب بهَا، لَا أصل ثُبُوت الْقُرْآن، فَإِنَّهُ متواتر.

وَرَأَى عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ ومالِكٌ ذَلكَ جَائِزا.

أَي: عبد اللَّه بن عمر بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، أَبُو عبد الرحمان الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَمَالك بن أنس الْمدنِي. أما عبد اللَّه ابْن عمر هَذَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: كنت أرى الزُّهْرِيّ يَأْتِيهِ الرجل بِكِتَاب لم يقرأه عَلَيْهِ، وَلم يقْرَأ عَلَيْهِ، فَيَقُول: أرويه عَنْك؟ فَيَقُول: نعم. وَقَالَ: مَا أَخذنَا نَحن وَلَا مَالك عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا عرضا. وَأما يحيى وَمَالك فَإِن الْأَثر عَنْهُمَا بذلك أخرجه الْحَاكِم فِي (عُلُوم الحَدِيث) من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. قَالَ: سَمِعت خَالِي، مَالك بن أنس، يَقُول: قَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق: الْتقط لي مائَة حَدِيث من حَدِيث ابْن شهَاب، حَتَّى أرويها عَنْك! قَالَ مَالك: فكتبتها، ثمَّ بعثتها إِلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: عبد اللَّه بن عمر هَذَا، كنت أَظُنهُ، الْعمريّ الْمدنِي، ثمَّ ظهر لي، من قرينَة تَقْدِيمه فِي الذّكر على يحيى بن سعيد، أَنه لَيْسَ إِيَّاه، لِأَن يحيى بن سعيد أكبر مِنْهُ سنا وَقدرا، فتتبعته فَلم أَجِدهُ. عَن عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب صَرِيحًا، وَلَكِن وجدت فِي (كتاب الْوَصِيَّة) لِابْنِ الْقَاسِم بن مَنْدَه من طَرِيق البُخَارِيّ بِسَنَد لَهُ صَحِيح إِلَى أبي عبد اللَّه الحبلي، بِضَم الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة، أَنه أَتَى عبد اللَّه بِكِتَاب فِيهِ أَحَادِيث، فَقَالَ انْظُر فِي هَذَا الْكتاب، فَمَا عرفت مِنْهُ أتركه، وَمَا لم تعرفه امحه. وَعبد اللَّه: يحْتَمل أَن يكون هوّ ابْن عمر بن الْخطاب فَأن الحبلي سمع مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَإِن الحبلي مَشْهُور بالرواية مِنْهُ. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن تَقْدِيم عبد اللَّه بن عمر الْمَذْكُور على يحيى بن سعيد لَا يسْتَلْزم أَن يكون هُوَ الْعمريّ الْمدنِي الْمَذْكُور، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ بَيَان الْمُلَازمَة. الثَّانِي: أَن قَول الحبلي: إِنَّه أَتَى عبد اللَّه، لَا يدل بِحَسب الِاصْطِلَاح إلَاّ على عبد اللَّه بن مَسْعُود، فَإِنَّهُ إِذا أطلق عبد اللَّه غير مَنْسُوب يفهم مِنْهُ عبد اللَّه بن مَسْعُود إِن كَانَ مَذْكُورا بَين الصَّحَابَة، وَعبد اللَّه بن الْمُبَارك إِن كَانَ فِيمَا بعدهمْ. الثَّالِث: أَنه إِن أَرَادَ من قَوْله: وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، أَن يكون المُرَاد من قَول البُخَارِيّ من: عبد اللَّه بن عمر، عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَذَاك غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يثبت فِي نُسْخَة من نسخ البُخَارِيّ إِلَّا عبد اللَّه بن عمر، بِدُونِ الْوَاو، وَالَّذِي يظْهر لي أَن عبد اللَّه بن عمر هَذَا هُوَ الْعمريّ الْمدنِي كَمَا

جزم بِهِ الْكرْمَانِي، مَعَ الِاحْتِمَال الْقوي أَنه عبد اللَّه بن عمر بن الْخَاطِب، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَلَا يلْزم من عدم وجدان هَذَا الْقَائِل مَعَ تتبعه عَن عبد اللَّه بن عمر فِي ذَلِك شَيْئا صَرِيحًا أَن لَا يكون عَنهُ رِوَايَة فِي هَذَا الْبَاب، وَأَن لَا يكون هُوَ عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (ذَلِك جَائِزا) إِشَارَة إِلَى كل وَاحِد من: المناولة وَالْكِتَابَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، وَقد وَردت الْإِشَارَة بذلك إِلَى الْمثنى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {عوان بَين ذَلِك} (الْبَقَرَة: ٦٨) .

ثمَّ اعْلَم أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله، بوب على أَعلَى الْإِجَازَة، وَنبهَ على جنس الْإِجَازَة بِذكر نَوْعَيْنِ مِنْهَا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أوجه لأصول الرِّوَايَة، وَقد تقدّمت الثَّلَاثَة الأول فِي الْبَابَيْنِ الْأَوَّلين. وَأما الرَّابِع: فالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ، وَصورتهَا أَن يَقُول الشَّيْخ: هَذِه روايتي، أَو حَدِيثي عَن فلَان، فاروه عني، أَو: أجزت لَك رِوَايَته عني، ثمَّ يملكهُ الْكتاب. أَو يَقُول: خُذْهُ وانسخه، وقابل بِهِ ثمَّ رده إِلَيّ، أَو نَحوه، أَو يَأْتِي إِلَيْهِ بِكِتَاب فيتأمله الشَّيْخ الْعَارِف المتيقظ ويعيده إِلَيْهِ، فَيَقُول لَهُ: وقفت على مَا فِيهِ وَهُوَ رِوَايَته، فاروه عني. أَو: أجزت لَك ذَلِك، وَهَذَا كالسماع بِالْقُوَّةِ عِنْد جمَاعَة، حَكَاهُ الْحَاكِم عَنْهُم، مِنْهُم: الزُّهْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَيحيى الْأنْصَارِيّ، وَمُجاهد، وَابْن الزبير، وَابْن عُيَيْنَة فِي جمَاعَة من المكيين و: عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَقَتَادَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وَغَيرهم، وروى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد اللَّه الْعمريّ أَنه قَالَ: دفع إِلَيّ ابْن شهَاب صحيفَة فَقَالَ: إنسخ مَا فِيهَا وَحدث بِهِ عني. قلت: أَو يجوز ذَلِك؟ قَالَ: نعم، ألم تَرَ إِلَى الرجل يشْهد على الْوَصِيَّة وَلَا يفتحها، فَيجوز ذَلِك وَيُؤْخَذ بِهِ. قَالَ أَبُو عمر وَابْن الصّلاح: وَالصَّحِيح أَنَّهَا منحطة عَن السماع وَالْقِرَاءَة، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، والبويطي والمزني صَاحِبيهِ، وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى، وَمِنْه أَن يناول الشَّيْخ الطَّالِب سَمَاعه ويخبره بِهِ، ثمَّ يمسِكهُ الشَّيْخ، وَهَذِه دونه، لكنه يجوز الرِّوَايَة بهَا إِذا وجد الْكتاب أَو مَا قوبل بِهِ كَمَا يعْتَبر فِي الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة فِي معِين. الْخَامِس: المناولة الْمُجَرَّدَة، مثل أَن يناوله مُقْتَصرا على قَوْله: هَذَا سَمَاعي، وَلَا يَقُول إروه عني، أَو أجزت لَك رِوَايَته، وَنَحْوه. قَالَ ابْن الصّلاح: لَا يجوز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح، وَقد أجَاز بهَا الرِّوَايَة جمَاعَة. السَّادِس: الْكِتَابَة المقرونة، مثل أَن يكْتب مسموعه لغَائِب أَو حَاضر بِخَطِّهِ أَو بأَمْره، وَيَقُول: أجزت لَك مَا كتبت إِلَيْك، وَنَحْوه، وَهِي مثل المناولة فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة. السَّابِع: الْكِتَابَة الْمُجَرَّدَة، أجازها الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم أَيُّوب وَمَنْصُور وَاللَّيْث وَأَصْحَاب الْأُصُول وَغَيرهم، وعدوه من الْمَوْصُول لإشعاره بِمَعْنى الْإِجَازَة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: هِيَ أقوى من الْإِجَازَة، واكتفوا فِيهَا بِمَعْرِِفَة الْخط. وَالصَّحِيح أَنه يَقُول فِي الرِّوَايَة بهَا: كتب إِلَيّ فلَان، أَو أَخْبرنِي كِتَابَة، وَنَحْوه. وَلَا يجوز إِطْلَاق: حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهِ، وأجازهما اللَّيْث وَمَنْصُور وَغَيرهم. الثَّامِن: الْإِجَازَة، وأقواها أَن يُجِيز معينا لمُعين، كأجزتك البُخَارِيّ وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فهرسته، وَالصَّحِيح جَوَاز الرِّوَايَة وَالْعَمَل، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَا خلاف فِي جَوَاز الرِّوَايَة وَالْعَمَل بِالْإِجَازَةِ، وَادّعى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْعَمَل. وَقَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: وَالصَّحِيح ثُبُوت الْخلاف، وَجَوَاز الرِّوَايَة بهَا، إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول جمَاعَة. وَقَالَ شُعْبَة: لَو صحت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم قَالَ: سَأَلت مَالِكًا عَن الْإِجَازَة، فَقَالَ: لَا أرى ذَلِك، وَإِنَّمَا يُرِيد أحدهم أَن يُقيم الْمقَام الْيَسِير وَيحمل الْعلم الْكثير. وَقَالَ الْخَطِيب: قد ثَبت عَن مَالك أَنه كَانَ يصحح الرِّوَايَة وَالْإِجَازَة بهَا، وَيحمل هَذَا القَوْل من مَالك على كَرَاهَة أَن يُجِيز الْعلم لمن لَيْسَ من أَهله وَلَا خدمه. وَمِنْهَا: أَن يُجِيز غير معيّن بِوَصْف الْعُمُوم، كأجزت الْمُسلمين، وَأهل زماني. فَفِيهِ خلاف الْمُتَأَخِّرين.

واحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحجَازِ فِي المُناوَلَةِ بِحَدِيثِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيثُ كَتبَ لأَمِيرِ السَّريَّةِ كِتَاباً وَقَالَ: (لَا تقْرَأْهُ حتَّى تَبْلُغَ مَكانَ كَذَا وكَذا) فَلمَّا بَلَغَ ذَلكَ المَكانَ قَرَأَهُ على النَّاسِ وأخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

المُرَاد من بعض أهل الْحجاز هُوَ الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ احْتج فِي المناولة أَي فِي صِحَة المناولة، بِحَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه مَوْصُولا. وَله طَرِيقَانِ: أَحدهمَا مُرْسل ذكره ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن زيد بن بن رُومَان، وَأَبُو الْيَمَان فِي نسخته عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، كِلَاهُمَا عَن عُرْوَة بن الزبير. وَالْآخر مَوْصُول: أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث البَجلِيّ بِإِسْنَاد حسن، وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ

الطَّبَرَانِيّ فِي تَفْسِيره. الثَّانِي: وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه جَازَ لَهُ الْإِخْبَار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا فِيهِ، وَإِن كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لم يقرأه وَلَا هُوَ قَرَأَ عَلَيْهِ، فلولا أَنه حجَّة لم يجب قبُوله، فَفِيهِ المناولة وَمعنى الْكِتَابَة وَيُقَال: فِيهِ نظر، لِأَن الْحجَّة إِنَّمَا وَجَبت بِهِ لعدم توهم التبديل والتغيير فِيهِ لعدالة الصَّحَابَة، بِخِلَاف من بعدهمْ. حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قلت: شَرط قيام الْحجَّة بِالْكِتَابَةِ أَن يكون الْكتاب مَخْتُومًا، وحامله مؤتمناً، والمكتوب إِلَيْهِ يعرف الشَّيْخ، إِلَى غير ذَلِك من الشُّرُوط، لتوهم التَّغْيِير. الثَّالِث: قَوْله: أهل الْحجاز، هِيَ بِلَاد سميت بِهِ لِأَنَّهَا حجزت بَين نجد والغور، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة ويمامة ومخاليفها، أَي: قراها: كخيبر للمدينة، والطائف لمَكَّة شرفها الله تَعَالَى. قَوْله: (امير السّريَّة) اسْمه عبد اللَّه بن جحش الْأَسدي، أَخُو زَيْنَب، أم الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: عبد اللَّه بن جحش ابْن ربَاب، أَخُو أبي أَحْمد وَزَيْنَب زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأم حَبِيبَة وَحمْنَة أخوهم عبيد اللَّه، تنصر بِأَرْض الْحَبَشَة. وَعبد اللَّه وَأَبُو أَحْمد كَانَا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين. وَعبد اللَّه يُقَال لَهُ: المجدع، شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم أحد بعد أَن قطع أَنفه وَأذنه. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: كَانَت هَذِه السّريَّة أول سَرِيَّة غنم فِيهَا الْمُسلمُونَ، وَكَانَت فِي رَجَب من السّنة الثَّانِيَة قبل بدر الْكُبْرَى، بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ ثَمَانِيَة رَهْط من الْمُهَاجِرين، وَكتب لَهُ كتابا وَأمره أَن لَا ينظر حَتَّى يسير يَوْمَيْنِ، ثمَّ ينظر فِيهِ، فيمضي لما أَمر بِهِ، وَلَا يستكره من أَصْحَابه أحدا، فَلَمَّا سَار يَوْمَيْنِ فَتحه، فَإِذا فِيهِ: إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فأمضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة، بَين مَكَّة والطائف، فترصد بهَا قُريْشًا، وَتعلم لنا أخبارهم، وَفِيه: وَقتلُوا عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ فِي أول يَوْم من رَجَب واستأسروا اثْنَيْنِ، فَأنْكر عَلَيْهِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ: مَا أَمرتكُم بِقِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام. وَقَالَت قُرَيْش: قد اسْتحلَّ مُحَمَّد الشَّهْر الْحَرَام، فَأنْزل الله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير} (الْبَقَرَة: ٢١٧) فَهَذِهِ أول غنيمَة، وَأول أَسِير، وَأول قَتِيل قَتله الْمُسلمُونَ انْتهى. والسرية، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: قِطْعَة من الْجَيْش.

٦٤ - حدّثنا إسمْاعِيلُ بن عبدِ اللَّه قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعودٍ أنّ عبدَاللَّه بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنْ رسولَ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعَثَ بِكِتابِهِ رَجُلاً وأَمَرَهُ أَن يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البْحَرَيْنِ، فدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْن إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أنّ ابنَ المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعا عَلَيْهِم رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ..

مُطَابقَة الحَدِيث لجزئي التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، أما للجزء الأول فَمن حَيْثُ إِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ناول الْكتاب لرَسُوله، وَأمر أَن يخبر عَظِيم الْبَحْرين أَن هَذَا الْكتاب كتاب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن لم يكن سمع مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ، وَأما للجزء الثَّانِي فَمن حَيْثُ إِنَّه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب كتابا وَبَعثه إِلَى عَظِيم الْبَحْرين ليَبْعَثهُ إِلَى كسْرَى، وَلَا شكّ أَنه كتاب من سَيِّدي ذَوي الْعُلُوم إِلَى بعض الْبلدَانِ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة، الأول: إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، وَهُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد، سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان الْغِفَارِيّ الْمدنِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس، وَالْكل قد مر ذكرهم.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث، بِالْجمعِ والإفراد، والعنعنة والإخبار. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن يُونُس، وَفِي الْجِهَاد عَن عبد اللَّه بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن عقيل، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي السّير عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، قَاضِي دمشق، عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان وَابْن أخي الزُّهْرِيّ، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بكتابه رجلا) أَي: بعث رجلا ملتبساً بكتابه مصاحباً لَهُ، وانتصاب رجلا، على المفعولية. قَوْله:

(وَأمره) عطف على: بعث. قَوْله: (أَن يَدْفَعهُ) ، أَي: بِأَن يَدْفَعهُ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بِدَفْعِهِ. قَوْله: (فَدفعهُ) ، مَعْطُوف على مُقَدّر: أَي: فَذهب إِلَى عَظِيم الْبَحْرين فَدفعهُ إِلَيْهِ، ثمَّ بَعثه الْعَظِيم إِلَى كسْرَى فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى: فَاء: الفصيحة. قَوْله: (مزقه) ، جَوَاب: لما. قَوْله: (إِن ابْن الْمسيب) ، فِي مَحل النصب على أَنه أحد مفعولي: حسبت. قَوْله: (قَالَ) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول ثَان: لحسبت. قَوْله: (فَدَعَا) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: لما مزقه، وَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك غضب فَدَعَا، والمحذوف هُوَ مقول القَوْل. قَوْله: (أَن يمزقوا) ، أَي: بِأَن يمزقوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: بالتمزيق. قَوْله: (كل ممزق) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على النِّيَابَة عَن الْمصدر، كَمَا فِي قَوْله.

(يظنان كل الظَّن أَن لَا تلاقيا)

والممزق، بِفَتْح الزَّاي، مصدر على وزن اسْم الْمَفْعُول بِمَعْنى: التمزيق.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (رجلا) ، هُوَ عبد اللَّه بن حذافة السَّهْمِي، وَقد سَمَّاهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي، وحذافة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء، ابْن قيس بن عدي بن سعد، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي، أَخُو خُنَيْس بن حذافة، زوج حَفْصَة. أَصَابَته جِرَاحَة بِأحد، فَمَاتَ مِنْهَا، وَخلف عَلَيْهَا بعده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعبد اللَّه هُوَ الَّذِي قَالَ: (يَا رَسُول الله من أبي؟ قَالَ: أَبوك حذافة، أسلم قَدِيما وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، وَكَانَت فِيهِ دعابة) . وَقيل: إِنَّه شهد بَدْرًا، وَلم يذكرهُ الزُّهْرِيّ وَلَا مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وأسره الرّوم فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فأرادوه على الْكفْر. وَله فِي ذَلِك قصَّة طَوِيلَة، وَآخِرهَا: أَنه قَالَ لَهُ ملكهم: قبِّل رَأْسِي أطلقك. قَالَ: لَا، قَالَ لَهُ: وَأطلق من مَعَك من أسرى الْمُسلمين، فَقبل رَأسه، فَأطلق مَعَه ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين. فَكَانَ الصَّحَابَة يَقُولُونَ لَهُ: قبَّلت رَأس علج. فَيَقُول: اطلق الله بِتِلْكَ الْقبْلَة ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين. توفّي عبد اللَّه فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (عَظِيم الْبَحْرين) هُوَ الْمُنْذر بن ساوي، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، والبحرين بلد بَين الْبَصْرَة وعمان، هَكَذَا يُقَال، بِالْيَاءِ، وَفِي (الْعباب) : قَالَ الحذاق: يُقَال هَذِه البحران، وانتهينا إِلَى الْبَحْرين. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِنَّمَا ثنوا الْبَحْرين لِأَن فِي نَاحيَة قراها بحيرة على بَاب الأحساء، وقرى هَجَر بَينهَا وَبَين الْبَحْر الْأَخْضَر عشرَة فراسخ، قَالَ: وقدرت الْبحيرَة بِثَلَاثَة أَمْيَال فِي مثلهَا، وَلَا يغيض مَاؤُهَا راكد زعاق، وَالنِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين: بحراني. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي: سَأَلَني الْمهْدي، وَسَأَلَ الْكسَائي عَن النِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين، وَإِلَى حصنين: لم قَالُوا: بحراني وحصني؟ فَقَالَ الْكسَائي: كَرهُوا أَن يَقُولُوا: حصناني، لِاجْتِمَاع النونين. وَقلت: إِنَّمَا كَرهُوا أَن يَقُولُوا: بحري، فَيُشبه النِّسْبَة إِلَى الْبَحْر. قلت: قد صَالح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الْبَحْرين، وَأمر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ، وَبعث أَبَا عُبَيْدَة فَأتى بجزيتها، وَقد ذكرنَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذر بن ساوي الْعَبْدي، ملك الْبَحْرين، فَصدق واسلم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: إِلَى ملك الْبَحْرين؟ وَقَالَ: عَظِيم الْبَحْرين؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا ملك وَلَا سلطنة للْكفَّار، إِذْ الْكل لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلمن ولاه. قَوْله: (إِلَى كسْرَى) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الجواليقي: الْكسر أفْصح، وَهُوَ فَارسي مُعرب: خسرو، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَجمعه أكاسرة، على غير قِيَاس، لِأَن قِيَاسه: كسرون، بِفَتْح الرَّاء. وَقد ذكرنَا فِي قصَّة هِرقل أَن: كسْرَى، لقب لكل من ملك الْفرس، كَمَا أَن: قَيْصر، لقبٌ لكل من ملك الرّوم. وَالَّذِي مزق الْكتاب من الأكاسرة هُوَ برويز بن هُرْمُز بن أنوشروان، وَلما مزق الْكتاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مزق ملكه) . وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا مَاتَ كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده) . قَالَ الْوَاقِدِيّ: فَسلط على كسْرَى ابْنه شرويه وَقَتله سنة سبع، فتمزق ملكه كل ممزق، وَزَالَ من جَمِيع الأَرْض واضمحل بدعوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ أنو شرْوَان هُوَ الَّذِي ملك النُّعْمَان بن الْمُنْذر على الْعَرَب، وَهُوَ الَّذِي قَصده سيف بن ذِي يزن يستنصره على الْحَبَشَة، فَبعث مَعَه قائداً من قواده، فنفوا السودَان. وَكَانَ ملكه سبعا وَأَرْبَعين سنة وَسَبْعَة أشهر. وَقَالَ ابْن سعد: لما مزق كسْرَى كتاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعث إِلَى باذان، عَامله فِي الْيمن، أَن ابْعَثْ من عنْدك رجلَيْنِ جلدين إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي بالحجاز فليأتياني بِخَبَرِهِ، فَبعث باذان قهرمانه ورجلاً آخر، وَكتب مَعَهُمَا كتابا، فَقدما الْمَدِينَة فدفعا كتاب باذان إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَتَبَسَّمَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ودعاهما إِلَى الْإِسْلَام وفرائصهما ترْعد، وَقَالَ لَهما: (أبلغا صاحبكما أَن رَبِّي قتل ربه كسْرَى فِي هَذِه اللَّيْلَة لسبع سَاعَات مَضَت مِنْهَا) ، وَهِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء لعشر مضين من جُمَادَى الأولى سنة سبع، وَأَن الله سلط عَلَيْهِ ابْنه شرويه فَقتله. وَقَالَ ابْن هِشَام: لما مَاتَ وهرز الَّذِي كَانَ بِالْيمن على جَيش الْفرس، أَمر كسْرَى ابْنه، يَعْنِي ابْن وهرز، ثمَّ عَزله وَولى باذان، فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى بعث الله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: فبلغني عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: كتب كسْرَى إِلَى

باذان: إِنَّه بَلغنِي أَن رجلا من قُرَيْش يزْعم أَنه نَبِي، فسر إِلَيْهِ فاستتبه، فَإِن تَابَ وإلَاّ فَابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْسِهِ. فَبعث باذان بكتابه إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله وَعَدَني بقتل كسْرَى فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا من شهر كَذَا وَكَذَا) . فَلَمَّا أَتَى باذانَ الكتابُ قَالَ: إِن كَانَ نَبيا سَيكون مَا قَالَ. فَقتل الله كسْرَى فِي الْيَوْم الَّذِي قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا بلغ باذان بعث بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام من مَعَه من الْفرس. قَوْله: (فحسبت) الْقَائِل هُوَ: ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، رَاوِي الحَدِيث. أَي قَالَ الزُّهْرِيّ. ظَنَنْت أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ ... إِلَى آخِره.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الدُّعَاء على الْكفَّار إِذا أساؤوا الْأَدَب وأهانوا الدّين. الثَّالِث: فِيهِ أَن الرجل الْوَاحِد يجزىء فِي حمل كتاب الْحَاكِم إِلَى الْحَاكِم، وَلَيْسَ من شَرطه أَن يحملهُ شَاهِدَانِ كَمَا تصنع الْقُضَاة الْيَوْم، قَالَه ابْن بطال. قلت: إِنَّمَا حملُوا على شَاهِدين لما دخل على النَّاس من الْفساد، فاحتيط لتحصين الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال بِشَاهِدين.

٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أُبو الحَسَنِ أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ قَالَ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ عَن قَتادَةَ عَن أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كِتَاباً أَو أَرادَ أنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إنِّهمْ لَا يقْرَأُنَ كِتاباً إلَاّ مَخْتُوماً، فاتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله، كأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمدٌ رسولُ الله؟ قَالَ أنَسٌ..

هَذَا يُطَابق الْجُزْء الْأَخير للتَّرْجَمَة، وَهُوَ ظَاهر.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مقَاتل، بِصِيغَة الْفَاعِل، من الْمُقَاتلَة بِالْقَافِ وبالمثناة من فَوق، الْمروزِي، شيخ البُخَارِيّ، انْفَرد بِهِ عَن الْأَئِمَّة الْخَمْسَة، روى عَن ابْن الْمُبَارك ووكيع، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن عبد الرحمان النَّسَائِيّ. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، توفّي آخر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد اللَّه بن الْمُبَارك، وَقد تقدم ذكره. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي. الْخَامِس: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ، وَقد تقدمُوا.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: وَمِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وواسطي وبصري، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن الْجَعْد، وَفِي اللبَاس عَن آدم، وَفِي الْأَحْكَام عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة، وَفِي السّير، وَفِي الْعلم، وَفِي التَّفْسِير عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل، خمستهم عَنهُ بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (مَخْتُومًا) ، من ختمت الشَّيْء ختماً فَهُوَ مختوم، ومختم، شدد للْمُبَالَغَة، وَختم الله لَهُ بِالْخَيرِ، وختمت الْقُرْآن: بلغت آخِره، واختتمت الشَّيْء نقيض افتتحت. قَوْله: (خَاتمًا) فِيهِ لُغَات، الْمَشْهُور مِنْهَا أَرْبَعَة: فتح التَّاء، وَكسرهَا، وخاتام، وخيتام، وَالْجمع: الْخَوَاتِم. وتختمت إِذا لبسته، والختام الَّذِي يخْتم بِهِ. قَوْله: (نقشه) ، من نقشت الشَّيْء فَهُوَ منقوش، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: النقش نقشك الشَّيْء بلونين، أَو ألوان كَائِنا مَا كَانَ، والنقاش الَّذِي ينقشه والنقاشة حرفته.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (كتابا) مفعول كتب، وَهُوَ مفعول بِهِ لِأَن الْكتاب هُنَا اسْم غير مصدر. قَوْله: (أَن يكْتب) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول: أَرَادَ، وَأَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الْكِتَابَة. قَوْله: (إلَاّ مَخْتُومًا) ، نصب على الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ من كَلَام غير مُوجب. قَوْله: (خَاتمًا) مفعول إتخذ، وَكلمَة: من، فِي: من فضَّة، بَيَانِيَّة. قَوْله: (نقشه) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (مُحَمَّد رَسُول الله) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، خبر الْمُبْتَدَأ. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا لَا بُد لَهَا من عَائِد. قلت: إِذا كَانَ الْخَبَر عين الْمُبْتَدَأ لَا حَاجَة إِلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهِي وَإِن كَانَت جملَة، وَلكنهَا فِي تَقْدِير الْمُفْرد، تَقْدِيره: نقشه هَذِه الْكَلِمَات. قلت: هَذِه الْكَلِمَات، أَيْضا جملَة، لِأَنَّهَا مُبْتَدأ وَخبر. قَوْله: (كَأَنِّي) أصل: كَأَن، للتشبيه لَكِنَّهَا هَهُنَا للتحقيق، ذكره الْكُوفِيُّونَ والزجاج، وَمَعَ هَذَا لَا يَخْلُو عَن معنى التَّشْبِيه. قَوْله: (أنظر إِلَى بياضه) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: كَأَن. قَوْله: (فِي يَده) حَال إِمَّا من الْبيَاض، أَو من الْمُضَاف إِلَيْهِ، أَي كَأَنِّي انْظُر إِلَى بَيَاض الْخَاتم حَال كَون الْخَاتم فِي يَد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: الْخَاتم لَيْسَ فِي الْيَد، بل فِي

الاصبع. قلت: هَذَا من قبيل إِطْلَاق الْكل وارادة الْجُزْء. فَإِن قلت: الإصبع فِي خَاتم لَا الْخَاتم فِي الإصبع. قلت: هُوَ من بَاب الْقلب، نَحْو: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. قَوْله: (مَنْ قَالَ) ، جملَة إسمية: وَمن، إستفهامية. لَا وَقَوله: (نقشه: مُحَمَّد رَسُول الله) ، مقول القَوْل. قَوْله: (قَالَ: أنس) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، ومقول القَوْل مَحْذُوف، أَي: قَالَ أنس: نقشه مُحَمَّد رَسُول الله.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كتابا) أَي: إِلَى الْعَجم أَو إِلَى الرّوم، فقد جَاءَ الرِّوَايَتَانِ صريحتين بهما فِي كتاب اللبَاس. قَوْله: (أَو أَرَادَ أَن يكْتب) شكّ من الرَّاوِي، وَقيل: هُوَ أنس. قَوْله: (إِنَّهُم) أَي: إِن الرّوم والعجم، وَلَا يُقَال: إِنَّه، إضمارٌ قبل الذّكر لقِيَام الْقَرِينَة، وَهِي قَوْله: (لَا يقرأون الْكتاب إلَاّ مَخْتُومًا) ، وَكَانُوا لَا يقرأون إِلَّا مَخْتُومًا خوفًا من كشف أسرارهم، وإشعاراً بِأَن الْأَحْوَال المعروضة عَلَيْهِم يَنْبَغِي أَن يكون مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهَا غَيرهم، وَعَن أنس: إِن ختم كتاب السُّلْطَان والقضاة سنة متبعة. وَقد قَالَ بَعضهم: هُوَ سنة لفعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قيل فِي قَوْله تعالي: {إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم} (النَّمْل: ٢٩) إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَت ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ مَخْتُومًا. وَفِي ذَلِك أَيْضا مخالقة النَّاس بأخلاقهم، واستئلاف الْعَدو بِمَا لَا يضر، وَقد جَاءَ فِي بعض طرقه عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، لما أَرَادَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يكْتب إِلَى الرّوم، وَفِي بَعْضهَا إِلَى الرَّهْط أَو النَّاس من الْأَعَاجِم، وَفِي مُسلم (أَرَادَ أَن يكْتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي، فَقيل لَهُ: إِنَّهُم لَا يقبلُونَ كتابا إلَاّ مَخْتُومًا)

وَذكر الحَدِيث. فَإِن قلت: مَا كَانَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يكْتب؟ فَكيف قَالَ: كتب النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ باسناد الْكِتَابَة إِلَيْهِ. قلت: قد نقل أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب بِيَدِهِ، وَسَيَجِيءُ، إِن شَاءَ الله فِي كتاب الْجِهَاد، وَإِن ثَبت أَنه لم يكْتب أصلا يكون الْإِسْنَاد فِيهِ مجازياً، نَحْو: كتب الْأَمِير كتابا، أَي: كتبه الْكَاتِب بأَمْره، والقرينة للمجاز الْعرف، لِأَن الْعرف أَن الْأَمِير لَا يكْتب الْكتاب بِنَفسِهِ. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ: شُعْبَة.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ. الثَّانِي: جَوَاز الْكِتَابَة إِلَى الْكفَّار. الثَّالِث: فِيهِ ختم الْكتاب للسُّلْطَان والقضاة والحكام. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز اسْتِعْمَال الْفضة للرِّجَال عِنْد التَّخَتُّم، وَقَالَ عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على جَوَاز اتِّخَاذ الْخَوَاتِم من الْوَرق وَهِي الْفضة للرِّجَال إلَاّ مَا رُوِيَ عَن بعض أهل الشَّام من كَرَاهَة لبسه إلَاّ لذِي سُلْطَان، وَهُوَ شَاذ مَرْدُود، وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم خَاتم الذَّهَب على الرِّجَال، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن أبي بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم إِبَاحَته، وَرُوِيَ عَن بَعضهم كَرَاهَته. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَانِ النقلان باطلان، وَحكى الْخطابِيّ أَنه يكره للنِّسَاء التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ من زِيّ الرِّجَال، ورد عَلَيْهِ ذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب أَنه لَا يكره لَهَا ذَلِك، وَقَول الْخطابِيّ ضَعِيف أَو بَاطِل لَا أصل لَهُ.

وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: فِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد. مِنْهَا: نسخ جَوَاز لبس خَاتم الذَّهَب بعد أَن كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لبسه، وَلَا يُعَارض ذَلِك مَا جَاءَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم عَن أنس أَنه رأى فِي يَد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاتمًا من ورق يَوْمًا وَاحِدًا، ثمَّ إِن النَّاس اصطنعوا الْخَاتم من ورق فَلَبِسُوهَا، فَطرح رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاتمه، فَطرح النَّاس خواتيمهم، رَوَاهُ يُونُس وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَزِيَاد، وزاده أَبُو دَاوُد وَابْن مُسَافر، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة من رُوَاة الزُّهْرِيّ الثِّقَات يَقُولُونَ عَنهُ: من ورق، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اجْمَعْ أهل الحَدِيث أَن هَذَا وهم من ابْن شهَاب، من خَاتم الذَّهَب إِلَى خَاتم الْوَرق، وَالْمَعْرُوف من رِوَايَة أنس من غير طَرِيق ابْن شهَاب اتِّخَاذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتم فضَّة، وَأَنه لم يطرحه، وَإِنَّمَا طرح خَاتم الذَّهَب. وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره: وَقد يُمكن أَن يتَأَوَّل لِابْنِ شهَاب مَا يَنْفِي عَنهُ الْوَهم، وَإِن كَانَ الْوَهم أظهر بِاحْتِمَال أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما عزم على طرح خَاتم الذَّهَب اصْطنع خَاتم الْفضة، بِدَلِيل أَنه لَا يَسْتَغْنِي عَن الْخَتْم بِهِ على الْكتب إِلَى الْبلدَانِ، وأجوبة الْعمَّال وَغَيرهمَا، فَلَمَّا لبس خَاتم الْفضة أرَاهُ النَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم ليعلمهم إِبَاحَته، وَأَن يصطنعوا مثله ثمَّ طرح خَاتم الذَّهَب وأعلمهم تَحْرِيمه، فَطرح النَّاس خَوَاتِيم الذَّهَب. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز نقش الْخَاتم، وَنقش اسْم صَاحب الْخَاتم، وَنقش اسْم الله تَعَالَى فِيهِ، بل فِيهِ كَونه مَنْدُوبًا، وَهُوَ قَول مَالك وَابْن الْمسيب وَغَيرهمَا، وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين. وَأما نَهْيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن ينقش أحد على نقش خَاتمه، فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا نقش فِيهِ ذَلِك ليختم بِهِ كتبه إِلَى الْمُلُوك، فَلَو نقش على نقشه لدخلت الْمفْسدَة وَحصل الْخلَل.

٨ - (بَاب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها)

الْكَلَام فِيهِ على نَوْعَيْنِ: الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من قعد ... إِلَى آخِره، وَهُوَ مَرْفُوع على الخبرية مُضَاف إِلَى من، وَهِي مَوْصُولَة، و: قعد، جملَة الْفِعْل وَالْفَاعِل صلتها، و: حَيْثُ، ظرف للمكان مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة محلا، وَبني على الضَّم تَشْبِيها بالغايات. وَمن الْعَرَب من يعربه. قَوْله: (الْمجْلس) ، مَرْفُوع بقوله: يَنْتَهِي. قَوْله: (وَمن رأى) عطف على: من قعد، و (الفرجة) بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، لُغَتَانِ، وَهِي الْخلَل بَين الشَّيْئَيْنِ؛ قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ النّحاس: الفرجة، بِالْفَتْح، فِي الْأَمر، والفرجة بِالضَّمِّ فِيمَا يرى من الْحَائِط وَنَحْوه، وَفِي (الْعباب) : الفرجة، بِالْكَسْرِ، والفرجة بِالضَّمِّ لُغَتَانِ فِي فُرْجَة الْهم. وَقَالَ أَيْضا: الفرجة يَعْنِي، بِالْفَتْح: التفصي من الْهم. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفرجة: الرَّاحَة من الْغم، وَذكر فِيهَا فتح الْفَاء وَضمّهَا وَكسرهَا، وَقد فرج لَهُ فِي الْحلقَة والصف وَنَحْو ذَلِك، بِفَتْح الْعين، يفرج بضَمهَا، وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ غير الضَّم، وَفِي التفصي من الْهم غير الْفَتْح، وَأنْشد عَلَيْهِ:

(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ... ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال)

(وَالْحَلقَة) ، هُنَا بِإِسْكَان اللَّام، وَحكى الْجَوْهَرِي فتحهَا، وَالْأول أشهر. وَفِي (الْعباب) : الْحلقَة، بالتسكين: الدروع، وَكَذَلِكَ حَلقَة الْبَاب، وحلقة الْقَوْم، وَالْجمع الْحلق على غير قِيَاس، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجمع الْحلق، مِثَال: بدرة وَبدر، وقصعة وقصع. وَنهى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الْحلق قبل الصَّلَاة، يَعْنِي صَلَاة الْجُمُعَة، نَهَاهُم عَن التحليق والاجتماع على مذاكرة الْعلم قبل الصَّلَاة، وَحكى يُونُس عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: حَلقَة، فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ. وَالْجمع: حلق وحلقات. وَقَالَ ثَعْلَب: كلهم يُجِيز ذَلِك على ضعف. وَقَالَ الْفراء فِي نوادره: الْحلقَة، بِكَسْر اللَّام، لُغَة لِلْحَارِثِ بن كَعْب فِي الْحلقَة وَالْحَلقَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يَقُول: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب حَلقَة، بِالتَّحْرِيكِ، إلَاّ فِي قَوْلهم: هَؤُلَاءِ حَلقَة، للَّذين يحلقون الشّعْر جمع حالق. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول فِيهِ ذكر المناولة، وَهِي تكون فِي مجْلِس الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان شَأْن من يَأْتِي إِلَى الْمجْلس كَيفَ يقْعد، وَالْمرَاد مِنْهُ مجْلِس الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْعلم من جِهَة أَن المُرَاد بالحلقة: حَلقَة الْعلم، فَيدْخل فِي آدَاب الطَّالِب من هَذَا الْوَجْه. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا بَيَان وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْعلم، وَلَيْسَ الْقُوَّة إلَاّ فِي بَيَان وُجُوه الْمُنَاسبَة بَين الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة فِي كتب هَذَا الْكتاب، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هَذَا الْبَاب حَقه أَن يَأْتِي عقب بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، أَو عقب بَاب: طرح الْمَسْأَلَة، لِأَن كليهمَا من آدَاب الْعَالم، وَهَذَا الْبَاب من آدَاب المتعلم، وَمَا بعد هَذَا الْبَاب يُنَاسب الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رب مبلَّغٍ أوعى من سامع) . لِأَن فِيهِ معنى التَّحَمُّل عَن غير الْعَارِف، وَغير الْفَقِيه. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ أنسب لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان مناولة الْعَالم فِي مجْلِس علمه، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان أدب من يحضر هَذَا الْمجْلس، كَمَا ذكرنَا.

٦٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه أبي طَلْحَةَ أنّ أَبَا مُرَّة، مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ، أخْبَرَهُ عنْ أبي واقِدٍ اللَّيثَّي أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينَمَا هُو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاس مَعَهُ إِذ أَقَبَلَ ثَلَاثةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إِلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وذَهَبَ واحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفا على رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمّا أحدُهمُا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَس فِيهَا، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وأمّا الثالِثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا أُخُبِرُكُمْ عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمّا أحدُهُمْ فَأَوَى إِلَى الله فآوَاهُ الله، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاسْتحيْا الله مِنُه، وأمّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأَعْرَضَ الله عَنهُ) .

(الحَدِيث ٦٦ طرفه فِي ٤٧٤) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَن قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وفيمن رأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا

، والْحَدِيث مُشْتَمل على ذكر الْحلقَة والفرجة، وعَلى من جلس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وَلأَجل هَذَا قَالَ: فِي الْحلقَة، وَلم يقل: وَمن رأى فُرْجَة فِي الْمجْلس، ليطابق مَا فِي الْبَاب من ذكر الْحلقَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الأول بِلَفْظ الْمجْلس للإشعار بِأَن حكمهمَا وَاحِد هَهُنَا.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام. الثَّالِث: إِسْحَاق بن عبد اللَّه بن أبي طَلْحَة زيد بن سُهَيْل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ النجاري، ابْن أخي أنس لأمه كَانَ يسكن دَار جده بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَابِعِيّ، سمع أَبَاهُ وَعَمه لأمه أنس بن مَالك وَغَيرهمَا، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، وَهُوَ أشهر أخوته وَأَكْثَرهم حَدِيثا. وهم: عبد اللَّه وَيَعْقُوب وَإِسْمَاعِيل وَعمر بَنو عبد اللَّه، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق فِي الحَدِيث أحدا، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، اسْمه يزِيد، مولى عقيل بن أبي طَالب، وَقيل: مولى أَخِيه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: مولى اختهما أم هانىء. روى عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي وَاقد، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَالَ ابْن مَيْمُونَة: كَانَ شَيخا قَدِيما. الْخَامِس: أَبُو وَاقد، بِالْقَافِ الْمَكْسُورَة وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: اسْمه الْحَارِث بن عَوْف، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك. وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. قَالَ أَبُو عَمْرو: الأول أصح، ابْن أسيد بن جَابر بن عويرة بن عبد مَنَاة ابْن شجع بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة بن خُزَيْمَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ بَعضهم: شهد بَدْرًا وَلم يذكرهُ مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَذكر بَعضهم أَنه كَانَ قديم الْإِسْلَام، وَيُقَال: أسلم يَوْم الْفَتْح، وَأخْبر عَن نَفسه أَنه شهد حنيناً. قَالَ: وَكنت حَدِيث عهد بِكفْر، وَهَذَا يدل على تَأَخّر إِسْلَامه. وَشهد بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اليرموك، ثمَّ جاور بِمَكَّة سنة، وَتُوفِّي بهَا، وَدفن بمقبرة الْمُهَاجِرين. روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا، اتفقَا على حَدِيث، وَهُوَ هَذَا، وَزَاد مُسلم حَدِيثا آخر، وَهُوَ مَا كَانَ يقْرَأ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَضْحَى. وَقيل: إِنَّه ولد فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ ابْن عَبَّاس، قَالَ الْمَقْدِسِي: وَفِي هَذَا وشهوده بَدْرًا نظر، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَفِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية ثَلَاثَة، هَذَا أحدهم، وثانيهم: أَبُو واقدٍ مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، روى عَنهُ أَبُو عمر زَاذَان. وثالثهم: أَبُو وَاقد النميري، روى عَنهُ نَافِع بن سرجس والليثي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة، نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر الْمَذْكُور.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة والاخبار. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن أبي وَاقد غير هَذَا الحَدِيث، لم يروه عَنهُ إلَاّ أَبُو مرّة، وَلم يرو عَن أبي مرّة إلَاّ ابْن إِسْحَاق، وَقد صرح النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ من طَرِيق يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق، فَقَالَ عَن أبي مرّة: إِن أَبَا وَاقد حَدثهُ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه ابْن يُوسُف عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن الْمُنْذر عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَرْب بن شَدَّاد وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال عَن أبان بن يزِيد، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق بن عبد الله بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، عَن معن بن مَالك وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَليّ بن سعيد بن جرير عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (نفر) ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: عدَّة رجال، من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَفِي (الْعباب) : النَّفر والنفير عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَجمع النَّفر: أَنْفَار وانفرة ونفراء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: نفر الرجل رهطه. فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير أقل مَا يفهم مِنْهُ هَهُنَا تِسْعَة رجال، لِأَن أقل النَّفر ثَلَاثَة؟ لكنه لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لم يكن المقبلون إلَاّ رجَالًا ثَلَاثَة. قلت: مَعْنَاهُ ثَلَاثَة هِيَ نفر، كَأَن النَّفر هُوَ بَيَان للثَّلَاثَة، أَو المُرَاد من النَّفر مَعْنَاهُ الْعرفِيّ، إِذْ هُوَ بِحَسب الْعرف يُطلق على الرجل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَة رجال. فَإِن قلت: مُمَيّز الثَّلَاثَة لَا بُد أَن يكون جمعا، والنفر لَيْسَ بِجمع. قلت: النَّفر إسم جمع فِي وُقُوعه تمييزاً كالجمع. نَحْو قَوْله تَعَالَى: {تِسْعَة رَهْط} (النَّمْل: ٤٨) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا جَاءَ تَمْيِيز التِّسْعَة بالرهط لِأَنَّهُ فِي معنى الْجَمَاعَة،

فَكَأَنَّهُ قيل: تِسْعَة أنفسٍ، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر: أَن الرَّهْط من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، أَو من السَّبْعَة إِلَى الْعشْرَة، والنفر من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَلَا يخفى مُخَالفَته لما فِي (الصِّحَاح) . قَوْله: (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وَهُوَ التولي. قَوْله: (فأوى إِلَى الله) بِالْهَمْزَةِ الْمَقْصُورَة. وَقَوله: (فآواه الله) بِالْهَمْزَةِ الممدودة، وَيُقَال بالمقصورة أَيْضا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة قصر الأول وَمد الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَفِي الْقُرْآن: {إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف} (الْكَهْف: ١٠) بِالْقصرِ، {وآويناهما إِلَى ربوة} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠) بِالْمدِّ. وَقَالَ القَاضِي: حكى بَعضهم فيهمَا اللغتين: الْقصر وَالْمدّ، وَالْمَشْهُور الْفرق وَفِي (الْمطَالع) قَوْله: (فأوى إِلَى الله) مَقْصُور الْألف، فآواه الله، مَمْدُود الْألف هَذَا هُوَ الْأَشْهر فِيمَا روينَاهُ. وَقد جَاءَ الْمَدّ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَالْقصر فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، لَكِن الْمَدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر، وَالْقصر فِي اللَّازِم أشهر، وَمعنى: آواه الله: جعل الله لَهُ فِيهِ مَكَانا وفسحة لما انْضَمَّ إِلَيْهِ، أَعنِي مجْلِس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: قربه إِلَى مَوضِع نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: يؤويه إِلَى ظلّ عَرْشه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أوياً، على فعول، وآويته إيواءً وأويته: إِذا انزلته بك. فعلت وأفعلت بِمَعْنى.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) قد مر غير مرّة أَن: بَيْنَمَا، أَصله: بَين، زيدت فِيهِ لَفْظَة: مَا. وَهُوَ من الظروف الَّتِي لَزِمت إضافتها إِلَى الْجُمْلَة، وَفِي بعض النّسخ: بَينا، بِغَيْر لَفْظَة: مَا، وأصل: بَينا، أَيْضا بَين، فاشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة المستفادة من لَفْظَة: إِذْ أقبل، وَقد قُلْنَا: إِن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح مَجِيء إِذا وَإِذ فِي جَوَاب بَين. قَوْله: (هُوَ) ، مُبْتَدأ و: جَالس، خَبره. وَقَوله: (فِي الْمَسْجِد) حَال، كَذَا قَوْله: (وَالنَّاس مَعَه) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذْ أقبل) جَوَاب: بَيْنَمَا. وَقَوله: (ثَلَاثَة نفر) فَاعل أقبل. قَوْله: (وَذهب وَاحِد) ، جملَة فعلية عطف على قَوْله: (فَأقبل اثْنَان) . قَوْله: (فوقفا) عطف على قَوْله: (أقبل اثْنَان) قَوْله: (فَأَما) ، كلمة: اما، للتفصيل، و: أحدهم، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: فَرَأى فُرْجَة، وَإِنَّمَا دخلت: الْفَاء، لتضمن: اما، معنى الشَّرْط. وَإِنَّمَا أخرت إِلَى الْخَبَر كَرَاهَة أَن يوالى بَين حرفي الشَّرْط وَالْجَزَاء لفظا. قَوْله: (فَجَلَسَ فِيهَا) عطف على قَوْله: (فَرَأى) ، وَالْكَلَام فِي إِعْرَاب: (وَأما الآخر فَجَلَسَ خَلفهم) ، كَالْكَلَامِ فِي الأول، وخلفهم، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَكَذَا الْكَلَام فِي: أدبر. قَوْله: (ذَاهِبًا) . حَال. قَوْله: (قَالَ: ألَا) جَوَاب لما، وَألا، حرف التَّنْبِيه سَوَاء فِيهِ مَا كَانَ الْمُخَاطب بِهِ مُفردا أَو مثنى أَو مجموعاً، وَيحْتَمل أَن تكون الْهمزَة للاستفهام، و: لَا، للنَّفْي. قَوْله: (أما أحدهم) الْكَلَام فِي إعرابه، وَفِي إِعْرَاب: أما، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مثل الْكَلَام فِي إِعْرَاب: أما أَحدهمَا فَرَأى فُرْجَة.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِذْ أقبل ثَلَاثَة نفر) : اعْلَم أَن هَهُنَا إقبالين: أَحدهمَا: إقبالهم أَولا من الطَّرِيق، أَقبلُوا ودخلوا الْمَسْجِد مارين، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ: (فَإِذا ثَلَاثَة نفر يَمرونَ) ، وَالْآخر: إقبال الِاثْنَيْنِ مِنْهُم حِين رَأَوْا مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الثَّالِث فَإِنَّهُ اسْتمرّ ذَاهِبًا. وَبِهَذَا التَّقْدِير سقط سُؤال من قَالَ: كَيفَ قَالَ أَولا: أقبل ثَلَاثَة؟ ثمَّ قَالَ: فَأقبل اثْنَان؟ وَالْحَال لَا يَخْلُو من أَن يكون الْمقبل اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة. قَوْله: (فوقفا) زَاد فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) : (فَلَمَّا وَقفا سلما) ، وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يذكر البُخَارِيّ هَهُنَا، وَلَا فِي الصَّلَاة، السَّلَام وَكَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة مُسلم. وَمعنى قَوْله: (فوقفا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقفا على مجْلِس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَعْنَاهُ: أشرفا عَلَيْهِ، وَمِنْه وقفته على ذَنبه أَي: أطلعته عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: على، بِمَعْنى: عِنْد. قلت: لم تجىء: على، بِمَعْنى: عِنْد، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان من كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (وَأما الآخر) ، بِفَتْح الْخَاء بِمَعْنى: وَأما الثَّانِي، لِأَن الآخر، بِالْفَتْح، أحد الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ اسْم أفعل، وَالْأُنْثَى: أُخْرَى إلَاّ أنّ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن أفعل من كَذَا لَا يكون إلَاّ فِي الصّفة. وَأما الآخر بِكَسْر الْخَاء، فَهُوَ بعد الأول، وَهُوَ صفة، يُقَال: جَاءَ آخرا، أَي: أخيراً. وَتَقْدِيره فَاعل، وَالْأُنْثَى آخِرَة، وَالْجمع أَوَاخِر. قَوْله: (فَلَمَّا فرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: عَمَّا كَانَ مشتغلاً بِهِ من الْخطْبَة، وَتَعْلِيم الْعلم أَو الذّكر، وَنَحْوه. قَوْله: (أما أحدهم) فِيهِ حذف تَقْدِيره قَالُوا: أخبرنَا، فَقَالَ: أما أحدهم فاوى إِلَى الله أَي: لَجأ إِلَى الله. وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ: دخل مجْلِس ذكر الله. قَوْله: (فآواه الله) ، من بَاب المشاكلة. والمقابلة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: ٥٤) فَسمى مجازاته باسم فعله بطرِيق الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الإيواء هُوَ الْإِنْزَال عنْدك، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر وَنَحْوه، فَيكون من ذكر الْمَلْزُوم، وَإِرَادَة اللَّازِم. وَيُقَال: مَعْنَاهُ فآواه الله إِلَى جنته. قَوْله: (وَأما الآخر فاستحيى) أَي: ترك الْمُزَاحمَة كَمَا فعل رَفِيقه حَيَاء من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والحاضرين. قَالَه القَاضِي عِيَاض.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَيْكَ كِتَابَهُ فَيَقُولُ: ارْوِ هَذَا عَنِّي.

قَوْلُهُ: (وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ) هَذَا الْمُحْتَجُّ هُوَ الْحُمَيْدِيُّ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النَّوَادِرِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فِي الْمُنَاوَلَةِ) أَيْ: فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَمْ يُورِدْهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وهو صَحِيحٌ، وَقَدْ وَجَدْتُهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مُرْسَلَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَأَبُو الْيَمَانِ فِي نُسْخَتِهِ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَالْأُخْرَى مَوْصُولَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ الْبَجَلِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي التَّفْسِيرِ. فَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ يَكُونُ صَحِيحًا. وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ أَخُو زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ تَأْمِيرُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) هَكَذَا فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ عَلَى الْإِبْهَامِ. وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِذَا سِرْتَ يَوْمَيْنِ فَافْتَحِ الْكِتَابَ. قَالَا: فَفَتَحَهُ هُنَاكَ فَإِذَا فِيهِ أَنِ امْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً فَتَأْتِيَنَا مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ، وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا قَالَ فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ: فَرَجَعَ رَجُلَانِ وَمَضَى الْبَاقُونَ فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ عِيرٌ - أَيْ: تِجَارَةٌ لِقُرَيْشٍ - فَقَتَلُوهُ.

فَكَانَ أَوَّلَ مَقْتُولٍ مِنَ الْكُفَّارِ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَغَنِمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ فَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَعَابَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الْآيَةَ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّهُ نَاوَلَهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، فَفِيهِ الْمُنَاوَلَةُ وَمَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ بِهِ لِعَدَمِ تَوَهُّمِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ لِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَقُولُ: شَرْطُ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا وَحَامِلُهُ مُؤْتَمَنًا وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الشَّيْخِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الدَّافِعَةِ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ كَمَا سَمَّاهُ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي. وَكِسْرَى هُوَ أَبَرْوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ، وَوَهِمَ مَنْ قال: هو أَنُوشِرْوَانُ. وَعَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى بِالْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُمَالَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَحَسِبْتُ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَقِصَّةُ الْكِتَابِ عِنْدَهُ مَوْصُولَةٌ وَقِصَّةُ الدُّعَاءِ مُرْسَلَةٌ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمُنَاوَلَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ نَاوَلَ الْكِتَابَ لِرَسُولِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَظِيمَ الْبَحْرَيْنِ بِأَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ.

٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قال: أخبرنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ كِتَابًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ.

[الحديث ٦٥ - أطرافه في: ٧١٦٢، ٥٨٧٧، ٥٨٧٥، ٥٨٧٤، ٥٨٧٢، ٥٨٧٠، ٢٩٣٨]

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (كَتَبَ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَنِسْبَةُ الْكِتَابَةِ إِلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّمزيق، فسلَّط الله على كسرى ابنه شيرويه فقتله بأنْ مزَّق بطنه سنة سبعٍ، فتمزَّق مُلْكُه كلَّ مُمَزَّقٍ، وزال من جميع الأرض، واضمحلَّ بدعوته ، ووجه الدَّلالة من الحديث -كما قال ابن المُنَيِّر-: أنَّه لم يقرأ الكتاب على رسوله، ولكنْ ناوله إيَّاه، وأجاز له أن يُسْنِدَ ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله ، ويلزم المبعوث إليه العمل بما فيه، وهذه ثمرة الإجازة في الأحاديث.

وفي هذا الحديث من اللَّطائف: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٤٤٢٤] وفي «خبر الواحد» [خ¦٧٢٦٤] وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٣٩]، وهو من أفراده عن مسلمٍ، وأخرجه النَّسائيُّ في «السِّير».

٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بصيغة الفاعل مِنَ المُقاتَلة؛ بالقاف والمُثنَّاة الفوقيَّة، وكنيته (أَبُو الحَسَنِ) المُتوفَّى في آخر سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، ولابن عساكر: «أبو الحسن المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك؛ لأنَّه إذا أُطْلِقَ عبدُ الله فيمن بعد الصَّحابة فالمُرَاد هو (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكر «ابن مالكٍ» (قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ) أي: كتب الكاتب (١) بأمره (كِتَابًا) إلى العجم أو إلى الرُّوم، كما صرِّح بهما في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٧٢] [خ¦٥٨٧٥] عند المؤلِّف (أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ) أي: أراد الكتابة، فـ «أن»: مصدريَّةٌ، وهو شكٌّ مِنَ الرَّاوي أنسٍ (فَقِيلَ لَهُ) : (إِنَّهُمْ) أي: الرُّوم أو العجم (لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) خوفًا من كشف أسرارهم، و «مختومًا»: نُصِبَ

على الاستثناء؛ لأنَّه من كلامٍ غير موجبٍ (فَاتَّخَذَ) (خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ) بسكون القاف: مبتدأٌ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملة خبرٌ عن الأوَّل، والرَّابط كونُ الخبرِ عينَ المُبتدَأ، كأنَّه قِيلَ: نقشه هذا المذكورُ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ) حال كونه (فِي يَدِهِ) الكريمة، وهو من باب: إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، وإلَّا فالخاتم ليس في اليد، بل في إصبعها، وفيه القلب؛ لأنَّ الأصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبع، ومثله: عرضت النَّاقة على الحوض، قال شعبة: (فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ) بن دعامةَ: (مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ؟ (قَالَ: أَنَسٌ) قاله.

(٨) (بابُ) حكم (مَنْ قَعَدَ حَيْثُ) بالبناء على الضَّمِّ، وموضعه نصبٌ على الظَّرفيَّة (يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء «فُعْلَةٌ» بمعنى: المفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض (فِي الحَلْقَةِ) بإسكان اللَّام لا بفتحها على المشهور، قال العسكريُّ: هي كلُّ مستديرٍ خالي الوسط،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

شُعْبَة: سيد أهل الْبَصْرَة. وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: كَانَ من خِيَار النَّاس، سمع الْحسن وَابْن سِيرِين وثابت الْبنانِيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَوْله (وَعلي بن عبد الحميد) عطف على مُوسَى، وروى الحَدِيث الْمَذْكُور أَيْضا عَليّ بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا من طَرِيقه، وَأخرجه الدَّارمِيّ عَن عَليّ بن عبد الحميد ... الخ، وَهُوَ عَليّ بن عبد الحميد بن مُصعب أَبُو الْحُسَيْن المعني، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء النِّسْبَة، نِسْبَة إِلَى معن بن مَالك بن فهم بن غنم بن دوس. قَالَ الرشاطي: المعني فِي الأزد وَفِي طي وَفِي ربيعَة. فَالَّذِي فِي أَزْد: معن بن مَالك. وَالَّذِي فِي طي: معن بن عتود بن غَسَّان بن سلامان بن نفل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي، وَالَّذِي فِي ربيعَة: معن بن زَائِدَة بن عبد اللَّه بن زَائِدَة بن مطر بن شريك. وروى عَنهُ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالا: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر: روى عَنهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. قلت: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَأما ثَابت الْبنانِيّ فَهُوَ ابْن أسلم، أَبُو حَامِد الْبنانِيّ الْبَصْرِيّ العابد، سمع ابْن الزبير وَابْن عمر وأنساً وَغَيرهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، روى عَنهُ خلق كثير، وَقَالَ أَحْمد وَيحيى وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَلَا خلاف فِيهِ. توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى بنانة بطن من قُرَيْش. وَقَالَ الزبير بن بكار: كَانَت بنانة أمة لسعد بن لؤَي حضنت بنيه فنسبوا إِلَيْهَا. وَقَالَ الْخَطِيب: بنانة هم بَنو سعد بن غلب، وَأم سعد بنانة. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَشَارَ إِلَى معنى الحَدِيث الْمَذْكُور، لِأَن اللَّفْظ مُخْتَلف فَافْهَم.

٧ - (بَاب مَا يُذْكَرُ فِي المُناوَلَةِ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي المناولة، وَهِي فِي اللُّغَة من: ناولته الشَّيْء فتناوله، من النوال. وَهُوَ الْعَطاء. وَفِي اصْطِلَاح الْمُحدثين هِيَ على نَوْعَيْنِ: احدهما: المقرونة بِالْإِجَازَةِ، كَمَا أَن يرفع الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب أصل سَمَاعه مثلا، وَيَقُول: هَذَا سَمَاعي، وأجزت لَك رِوَايَته عني، وَهَذِه حَالَة السماع عِنْد مَالك وَالزهْرِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، فَيجوز إِطْلَاق: حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهَا، وَالصَّحِيح أَنه منحط عَن دَرَجَته، وَعَلِيهِ أَكثر الْأَئِمَّة، وَالْآخر المناولة الْمُجَرَّدَة عَن الْإِجَازَة بِأَن يناوله أصل السماع، كَمَا تقدم، وَلَا يَقُول لَهُ: أجزت لَك الرِّوَايَة عني، وَهَذِه لَا تجوز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح، وَمُرَاد البُخَارِيّ من الْبَاب الْقسم الأول. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَفِي هَذَا الْبَاب وُجُوه التَّحَمُّل الْمُعْتَبرَة عِنْد الْجُمْهُور، والأبواب الثَّلَاثَة أَنْوَاع شَيْء وَاحِد وَلَا تُوجد مُنَاسبَة أقوى من هَذَا.

وكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ

وَكتاب: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله فِي: المناولة، وَالتَّقْدِير: وَمَا يذكر فِي كتاب أهل الْعلم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ الْكتاب يحْتَمل عطفه على المناولة، وعَلى مَا يذكر، قلت: الْفرق بَينهمَا أَن لفظ الْكتاب يكون مجروراً فِي الأول: بِحرف الْجَرّ، وَفِي الثَّانِي: بِالْإِضَافَة، وَالْكتاب هُنَا مصدر وَكلمَة إِلَى، الَّتِي للغاية تتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: (إِلَى الْبلدَانِ) ، فِيهِ حذف، أَي: إِلَى أهل الْبلدَانِ، وَهُوَ جمع بلد، وَهَذَا على سَبِيل الْمِثَال دون الْقَيْد، لِأَن الحكم عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل الْقرى والصحارى وَغَيرهمَا. ثمَّ اعْلَم أَن الْمُكَاتبَة هِيَ أَن يكْتب الشَّيْخ إِلَى الطَّالِب شَيْئا من حَدِيثه، وَهِي أَيْضا نَوْعَانِ: إِحْدَاهمَا: المقرونة بِالْإِجَازَةِ، وَالْأُخْرَى: المتجردة عَنْهَا. وَالْأولَى: فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة شَبيهَة بالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ. وَأما الثَّانِيَة: فَالصَّحِيح الْمَشْهُور فِيهَا أَنَّهَا تجوز الرِّوَايَة بهَا، بِأَن يَقُول: كتب إِلَيّ فلَان قَالَ: حَدثنَا بِكَذَا، وَقَالَ بَعضهم: يجوز حَدثنَا واخبرنا فِيهَا، وَقد سوى البُخَارِيّ الْكِتَابَة المقرونة بِالْإِجَازَةِ بالمناولة، وَرجح قوم المناولة عَلَيْهَا لحُصُول المشافهة بهَا، بِالْإِذْنِ دون الْمُكَاتبَة، وَقد جوز جمَاعَة من القدماء الْأَخْبَار فيهمَا، وَالْأول مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من اشْتِرَاط بَيَان ذَلِك.

وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمانُ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِها إِلَى الآفاقِ.

أنس: هُوَ ابْن مَالك الصَّحَابِيّ، خَادِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعُثْمَان: هُوَ ابْن عَفَّان، أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، رَضِي الله عَنْهُم، والمصاحف بِفَتْح الْمِيم، جمع مصحف، وَيجوز فِي ميمه الحركات الثَّلَاث عَن ثَعْلَب، قَالَ: الْفَتْح: لُغَة صَحِيحَة فصيحة، وَقَالَ الْفراء: قد استثقلت الْعَرَب الضمة فِي حُرُوف، وكسروا ميمها، وَأَصلهَا الضَّم، من ذَلِك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل

ومجسد، لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة فِي الْمَعْنى من: أصحفت، أَي: جمعت فِيهِ الصُّحُف، وأطرف، أَي جعل فِي طَرفَيْهِ علما، وأجسد، أَي: ألصق بالجسد، وَكَذَلِكَ المغزل، إِنَّمَا هُوَ أدير وفتل، وَقَالَ أَبُو زيد: تَمِيم تَقول بِكَسْر الْمِيم، وَقيس تَقول بضَمهَا. ثمَّ قُلْنَا: إِن الْمُصحف مَا جمعت فِيهِ الصُّحُف، والصحف، بِضَمَّتَيْنِ، جمع صحيفَة، والصحيفة: الْكتاب. قَالَ الله تَعَالَى {صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى} (الْأَعْلَى: ١٩) يَعْنِي: الْكتب الَّتِي أنزلت عَلَيْهِمَا، وأصل التَّرْكِيب يدل على انبساط فِي الشَّيْء وسعة، ثمَّ هَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ من قَوْله: قَالَ أنس: نسخ عُثْمَان الْمَصَاحِف، قِطْعَة من حَدِيث لأنس، رَضِي الله عَنهُ، ذكره البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن أنس: أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية، وَفِيه: فَفَزعَ حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة، فَقَالَ لعُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ: أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة، رَضِي الله عَنْهَا، أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف، ثمَّ نردها إِلَيْك. فَأرْسلت بهَا حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، فَأمر زيد بن ثَابت، وَعبد اللَّه بن الزبير، وَسَعِيد بن الْعَاصِ، وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، رَضِي الله عَنْهُم، فنسخوها فِي الْمَصَاحِف، وَفِيه: حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف، رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة وَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا. وَفِي غير البُخَارِيّ: أَن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، بعث مُصحفا إِلَى الشَّام، ومصحفاً إِلَى الْحجاز، ومصحفاً إِلَى الْيمن، ومصحفاً إِلَى الْبَحْرين، وَأبقى عِنْده مُصحفا ليجتمع النَّاس على قِرَاءَة مَا يعلم ويتيقن. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الداني: أَكثر الْعلمَاء على أَن عُثْمَان كتب أَربع نسخ، فَبعث إِحْدَاهُنَّ إِلَى الْبَصْرَة، وَأُخْرَى إِلَى الْكُوفَة، وَأُخْرَى إِلَى الشَّام، وَحبس عِنْده أُخْرَى. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: كتب سَبْعَة، فَبعث إِلَى مَكَّة وَاحِدًا، وَإِلَى الشَّام آخر، وَإِلَى الْيمن آخر وَإِلَى الْبَحْرين آخر، وَإِلَى الْبَصْرَة آخر، وَإِلَى الْكُوفَة آخر، وَدلَالَة هَذَا على تَجْوِيز الرِّوَايَة بالمكاتبة ظَاهِرَة، فَإِن عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، أَمرهم بالاعتماد على مَا فِي تِلْكَ الْمَصَاحِف، وَمُخَالفَة مَا عَداهَا. والمستفاد من بَعثه الْمَصَاحِف إِنَّمَا هُوَ قبُول إِسْنَاد صُورَة الْمَكْتُوب بهَا، لَا أصل ثُبُوت الْقُرْآن، فَإِنَّهُ متواتر.

وَرَأَى عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ ومالِكٌ ذَلكَ جَائِزا.

أَي: عبد اللَّه بن عمر بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، أَبُو عبد الرحمان الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَمَالك بن أنس الْمدنِي. أما عبد اللَّه ابْن عمر هَذَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: كنت أرى الزُّهْرِيّ يَأْتِيهِ الرجل بِكِتَاب لم يقرأه عَلَيْهِ، وَلم يقْرَأ عَلَيْهِ، فَيَقُول: أرويه عَنْك؟ فَيَقُول: نعم. وَقَالَ: مَا أَخذنَا نَحن وَلَا مَالك عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا عرضا. وَأما يحيى وَمَالك فَإِن الْأَثر عَنْهُمَا بذلك أخرجه الْحَاكِم فِي (عُلُوم الحَدِيث) من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. قَالَ: سَمِعت خَالِي، مَالك بن أنس، يَقُول: قَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق: الْتقط لي مائَة حَدِيث من حَدِيث ابْن شهَاب، حَتَّى أرويها عَنْك! قَالَ مَالك: فكتبتها، ثمَّ بعثتها إِلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: عبد اللَّه بن عمر هَذَا، كنت أَظُنهُ، الْعمريّ الْمدنِي، ثمَّ ظهر لي، من قرينَة تَقْدِيمه فِي الذّكر على يحيى بن سعيد، أَنه لَيْسَ إِيَّاه، لِأَن يحيى بن سعيد أكبر مِنْهُ سنا وَقدرا، فتتبعته فَلم أَجِدهُ. عَن عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب صَرِيحًا، وَلَكِن وجدت فِي (كتاب الْوَصِيَّة) لِابْنِ الْقَاسِم بن مَنْدَه من طَرِيق البُخَارِيّ بِسَنَد لَهُ صَحِيح إِلَى أبي عبد اللَّه الحبلي، بِضَم الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة، أَنه أَتَى عبد اللَّه بِكِتَاب فِيهِ أَحَادِيث، فَقَالَ انْظُر فِي هَذَا الْكتاب، فَمَا عرفت مِنْهُ أتركه، وَمَا لم تعرفه امحه. وَعبد اللَّه: يحْتَمل أَن يكون هوّ ابْن عمر بن الْخطاب فَأن الحبلي سمع مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَإِن الحبلي مَشْهُور بالرواية مِنْهُ. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن تَقْدِيم عبد اللَّه بن عمر الْمَذْكُور على يحيى بن سعيد لَا يسْتَلْزم أَن يكون هُوَ الْعمريّ الْمدنِي الْمَذْكُور، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ بَيَان الْمُلَازمَة. الثَّانِي: أَن قَول الحبلي: إِنَّه أَتَى عبد اللَّه، لَا يدل بِحَسب الِاصْطِلَاح إلَاّ على عبد اللَّه بن مَسْعُود، فَإِنَّهُ إِذا أطلق عبد اللَّه غير مَنْسُوب يفهم مِنْهُ عبد اللَّه بن مَسْعُود إِن كَانَ مَذْكُورا بَين الصَّحَابَة، وَعبد اللَّه بن الْمُبَارك إِن كَانَ فِيمَا بعدهمْ. الثَّالِث: أَنه إِن أَرَادَ من قَوْله: وَيحْتَمل أَن يكون هُوَ عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، أَن يكون المُرَاد من قَول البُخَارِيّ من: عبد اللَّه بن عمر، عبد اللَّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَذَاك غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يثبت فِي نُسْخَة من نسخ البُخَارِيّ إِلَّا عبد اللَّه بن عمر، بِدُونِ الْوَاو، وَالَّذِي يظْهر لي أَن عبد اللَّه بن عمر هَذَا هُوَ الْعمريّ الْمدنِي كَمَا

جزم بِهِ الْكرْمَانِي، مَعَ الِاحْتِمَال الْقوي أَنه عبد اللَّه بن عمر بن الْخَاطِب، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَلَا يلْزم من عدم وجدان هَذَا الْقَائِل مَعَ تتبعه عَن عبد اللَّه بن عمر فِي ذَلِك شَيْئا صَرِيحًا أَن لَا يكون عَنهُ رِوَايَة فِي هَذَا الْبَاب، وَأَن لَا يكون هُوَ عبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (ذَلِك جَائِزا) إِشَارَة إِلَى كل وَاحِد من: المناولة وَالْكِتَابَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور، وَقد وَردت الْإِشَارَة بذلك إِلَى الْمثنى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {عوان بَين ذَلِك} (الْبَقَرَة: ٦٨) .

ثمَّ اعْلَم أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله، بوب على أَعلَى الْإِجَازَة، وَنبهَ على جنس الْإِجَازَة بِذكر نَوْعَيْنِ مِنْهَا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أوجه لأصول الرِّوَايَة، وَقد تقدّمت الثَّلَاثَة الأول فِي الْبَابَيْنِ الْأَوَّلين. وَأما الرَّابِع: فالمناولة المقرونة بِالْإِجَازَةِ، وَصورتهَا أَن يَقُول الشَّيْخ: هَذِه روايتي، أَو حَدِيثي عَن فلَان، فاروه عني، أَو: أجزت لَك رِوَايَته عني، ثمَّ يملكهُ الْكتاب. أَو يَقُول: خُذْهُ وانسخه، وقابل بِهِ ثمَّ رده إِلَيّ، أَو نَحوه، أَو يَأْتِي إِلَيْهِ بِكِتَاب فيتأمله الشَّيْخ الْعَارِف المتيقظ ويعيده إِلَيْهِ، فَيَقُول لَهُ: وقفت على مَا فِيهِ وَهُوَ رِوَايَته، فاروه عني. أَو: أجزت لَك ذَلِك، وَهَذَا كالسماع بِالْقُوَّةِ عِنْد جمَاعَة، حَكَاهُ الْحَاكِم عَنْهُم، مِنْهُم: الزُّهْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَيحيى الْأنْصَارِيّ، وَمُجاهد، وَابْن الزبير، وَابْن عُيَيْنَة فِي جمَاعَة من المكيين و: عَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَقَتَادَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب وَغَيرهم، وروى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد اللَّه الْعمريّ أَنه قَالَ: دفع إِلَيّ ابْن شهَاب صحيفَة فَقَالَ: إنسخ مَا فِيهَا وَحدث بِهِ عني. قلت: أَو يجوز ذَلِك؟ قَالَ: نعم، ألم تَرَ إِلَى الرجل يشْهد على الْوَصِيَّة وَلَا يفتحها، فَيجوز ذَلِك وَيُؤْخَذ بِهِ. قَالَ أَبُو عمر وَابْن الصّلاح: وَالصَّحِيح أَنَّهَا منحطة عَن السماع وَالْقِرَاءَة، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، والبويطي والمزني صَاحِبيهِ، وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى، وَمِنْه أَن يناول الشَّيْخ الطَّالِب سَمَاعه ويخبره بِهِ، ثمَّ يمسِكهُ الشَّيْخ، وَهَذِه دونه، لكنه يجوز الرِّوَايَة بهَا إِذا وجد الْكتاب أَو مَا قوبل بِهِ كَمَا يعْتَبر فِي الْإِجَازَة الْمُجَرَّدَة فِي معِين. الْخَامِس: المناولة الْمُجَرَّدَة، مثل أَن يناوله مُقْتَصرا على قَوْله: هَذَا سَمَاعي، وَلَا يَقُول إروه عني، أَو أجزت لَك رِوَايَته، وَنَحْوه. قَالَ ابْن الصّلاح: لَا يجوز الرِّوَايَة بهَا على الصَّحِيح، وَقد أجَاز بهَا الرِّوَايَة جمَاعَة. السَّادِس: الْكِتَابَة المقرونة، مثل أَن يكْتب مسموعه لغَائِب أَو حَاضر بِخَطِّهِ أَو بأَمْره، وَيَقُول: أجزت لَك مَا كتبت إِلَيْك، وَنَحْوه، وَهِي مثل المناولة فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة. السَّابِع: الْكِتَابَة الْمُجَرَّدَة، أجازها الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم أَيُّوب وَمَنْصُور وَاللَّيْث وَأَصْحَاب الْأُصُول وَغَيرهم، وعدوه من الْمَوْصُول لإشعاره بِمَعْنى الْإِجَازَة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ: هِيَ أقوى من الْإِجَازَة، واكتفوا فِيهَا بِمَعْرِِفَة الْخط. وَالصَّحِيح أَنه يَقُول فِي الرِّوَايَة بهَا: كتب إِلَيّ فلَان، أَو أَخْبرنِي كِتَابَة، وَنَحْوه. وَلَا يجوز إِطْلَاق: حَدثنَا وَأخْبرنَا فِيهِ، وأجازهما اللَّيْث وَمَنْصُور وَغَيرهم. الثَّامِن: الْإِجَازَة، وأقواها أَن يُجِيز معينا لمُعين، كأجزتك البُخَارِيّ وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فهرسته، وَالصَّحِيح جَوَاز الرِّوَايَة وَالْعَمَل، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَا خلاف فِي جَوَاز الرِّوَايَة وَالْعَمَل بِالْإِجَازَةِ، وَادّعى الْإِجْمَاع فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْعَمَل. وَقَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره: وَالصَّحِيح ثُبُوت الْخلاف، وَجَوَاز الرِّوَايَة بهَا، إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول جمَاعَة. وَقَالَ شُعْبَة: لَو صحت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم قَالَ: سَأَلت مَالِكًا عَن الْإِجَازَة، فَقَالَ: لَا أرى ذَلِك، وَإِنَّمَا يُرِيد أحدهم أَن يُقيم الْمقَام الْيَسِير وَيحمل الْعلم الْكثير. وَقَالَ الْخَطِيب: قد ثَبت عَن مَالك أَنه كَانَ يصحح الرِّوَايَة وَالْإِجَازَة بهَا، وَيحمل هَذَا القَوْل من مَالك على كَرَاهَة أَن يُجِيز الْعلم لمن لَيْسَ من أَهله وَلَا خدمه. وَمِنْهَا: أَن يُجِيز غير معيّن بِوَصْف الْعُمُوم، كأجزت الْمُسلمين، وَأهل زماني. فَفِيهِ خلاف الْمُتَأَخِّرين.

واحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحجَازِ فِي المُناوَلَةِ بِحَدِيثِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيثُ كَتبَ لأَمِيرِ السَّريَّةِ كِتَاباً وَقَالَ: (لَا تقْرَأْهُ حتَّى تَبْلُغَ مَكانَ كَذَا وكَذا) فَلمَّا بَلَغَ ذَلكَ المَكانَ قَرَأَهُ على النَّاسِ وأخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

المُرَاد من بعض أهل الْحجاز هُوَ الْحميدِي شيخ البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ احْتج فِي المناولة أَي فِي صِحَة المناولة، بِحَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي كِتَابه مَوْصُولا. وَله طَرِيقَانِ: أَحدهمَا مُرْسل ذكره ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن زيد بن بن رُومَان، وَأَبُو الْيَمَان فِي نسخته عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، كِلَاهُمَا عَن عُرْوَة بن الزبير. وَالْآخر مَوْصُول: أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث البَجلِيّ بِإِسْنَاد حسن، وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ

الطَّبَرَانِيّ فِي تَفْسِيره. الثَّانِي: وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه جَازَ لَهُ الْإِخْبَار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا فِيهِ، وَإِن كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، لم يقرأه وَلَا هُوَ قَرَأَ عَلَيْهِ، فلولا أَنه حجَّة لم يجب قبُوله، فَفِيهِ المناولة وَمعنى الْكِتَابَة وَيُقَال: فِيهِ نظر، لِأَن الْحجَّة إِنَّمَا وَجَبت بِهِ لعدم توهم التبديل والتغيير فِيهِ لعدالة الصَّحَابَة، بِخِلَاف من بعدهمْ. حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قلت: شَرط قيام الْحجَّة بِالْكِتَابَةِ أَن يكون الْكتاب مَخْتُومًا، وحامله مؤتمناً، والمكتوب إِلَيْهِ يعرف الشَّيْخ، إِلَى غير ذَلِك من الشُّرُوط، لتوهم التَّغْيِير. الثَّالِث: قَوْله: أهل الْحجاز، هِيَ بِلَاد سميت بِهِ لِأَنَّهَا حجزت بَين نجد والغور، وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة ويمامة ومخاليفها، أَي: قراها: كخيبر للمدينة، والطائف لمَكَّة شرفها الله تَعَالَى. قَوْله: (امير السّريَّة) اسْمه عبد اللَّه بن جحش الْأَسدي، أَخُو زَيْنَب، أم الْمُؤمنِينَ. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: عبد اللَّه بن جحش ابْن ربَاب، أَخُو أبي أَحْمد وَزَيْنَب زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأم حَبِيبَة وَحمْنَة أخوهم عبيد اللَّه، تنصر بِأَرْض الْحَبَشَة. وَعبد اللَّه وَأَبُو أَحْمد كَانَا من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين. وَعبد اللَّه يُقَال لَهُ: المجدع، شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم أحد بعد أَن قطع أَنفه وَأذنه. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: كَانَت هَذِه السّريَّة أول سَرِيَّة غنم فِيهَا الْمُسلمُونَ، وَكَانَت فِي رَجَب من السّنة الثَّانِيَة قبل بدر الْكُبْرَى، بَعثه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ ثَمَانِيَة رَهْط من الْمُهَاجِرين، وَكتب لَهُ كتابا وَأمره أَن لَا ينظر حَتَّى يسير يَوْمَيْنِ، ثمَّ ينظر فِيهِ، فيمضي لما أَمر بِهِ، وَلَا يستكره من أَصْحَابه أحدا، فَلَمَّا سَار يَوْمَيْنِ فَتحه، فَإِذا فِيهِ: إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فأمضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة، بَين مَكَّة والطائف، فترصد بهَا قُريْشًا، وَتعلم لنا أخبارهم، وَفِيه: وَقتلُوا عَمْرو بن الْحَضْرَمِيّ فِي أول يَوْم من رَجَب واستأسروا اثْنَيْنِ، فَأنْكر عَلَيْهِم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ: مَا أَمرتكُم بِقِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام. وَقَالَت قُرَيْش: قد اسْتحلَّ مُحَمَّد الشَّهْر الْحَرَام، فَأنْزل الله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير} (الْبَقَرَة: ٢١٧) فَهَذِهِ أول غنيمَة، وَأول أَسِير، وَأول قَتِيل قَتله الْمُسلمُونَ انْتهى. والسرية، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: قِطْعَة من الْجَيْش.

٦٤ - حدّثنا إسمْاعِيلُ بن عبدِ اللَّه قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعودٍ أنّ عبدَاللَّه بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنْ رسولَ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعَثَ بِكِتابِهِ رَجُلاً وأَمَرَهُ أَن يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البْحَرَيْنِ، فدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْن إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أنّ ابنَ المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعا عَلَيْهِم رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ..

مُطَابقَة الحَدِيث لجزئي التَّرْجَمَة ظَاهِرَة، أما للجزء الأول فَمن حَيْثُ إِن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ناول الْكتاب لرَسُوله، وَأمر أَن يخبر عَظِيم الْبَحْرين أَن هَذَا الْكتاب كتاب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِن لم يكن سمع مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ، وَأما للجزء الثَّانِي فَمن حَيْثُ إِنَّه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب كتابا وَبَعثه إِلَى عَظِيم الْبَحْرين ليَبْعَثهُ إِلَى كسْرَى، وَلَا شكّ أَنه كتاب من سَيِّدي ذَوي الْعُلُوم إِلَى بعض الْبلدَانِ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة، الأول: إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّه، وَهُوَ ابْن أبي أويس الْمدنِي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد، سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان الْغِفَارِيّ الْمدنِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. السَّادِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس، وَالْكل قد مر ذكرهم.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث، بِالْجمعِ والإفراد، والعنعنة والإخبار. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح، وَفِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن يُونُس، وَفِي الْجِهَاد عَن عبد اللَّه بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن عقيل، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي السّير عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، قَاضِي دمشق، عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان وَابْن أخي الزُّهْرِيّ، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بكتابه رجلا) أَي: بعث رجلا ملتبساً بكتابه مصاحباً لَهُ، وانتصاب رجلا، على المفعولية. قَوْله:

(وَأمره) عطف على: بعث. قَوْله: (أَن يَدْفَعهُ) ، أَي: بِأَن يَدْفَعهُ، و: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بِدَفْعِهِ. قَوْله: (فَدفعهُ) ، مَعْطُوف على مُقَدّر: أَي: فَذهب إِلَى عَظِيم الْبَحْرين فَدفعهُ إِلَيْهِ، ثمَّ بَعثه الْعَظِيم إِلَى كسْرَى فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَمثل هَذِه الْفَاء تسمى: فَاء: الفصيحة. قَوْله: (مزقه) ، جَوَاب: لما. قَوْله: (إِن ابْن الْمسيب) ، فِي مَحل النصب على أَنه أحد مفعولي: حسبت. قَوْله: (قَالَ) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول ثَان: لحسبت. قَوْله: (فَدَعَا) مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: لما مزقه، وَبلغ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك غضب فَدَعَا، والمحذوف هُوَ مقول القَوْل. قَوْله: (أَن يمزقوا) ، أَي: بِأَن يمزقوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: بالتمزيق. قَوْله: (كل ممزق) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على النِّيَابَة عَن الْمصدر، كَمَا فِي قَوْله.

(يظنان كل الظَّن أَن لَا تلاقيا)

والممزق، بِفَتْح الزَّاي، مصدر على وزن اسْم الْمَفْعُول بِمَعْنى: التمزيق.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (رجلا) ، هُوَ عبد اللَّه بن حذافة السَّهْمِي، وَقد سَمَّاهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي، وحذافة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء، ابْن قيس بن عدي بن سعد، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي، أَخُو خُنَيْس بن حذافة، زوج حَفْصَة. أَصَابَته جِرَاحَة بِأحد، فَمَاتَ مِنْهَا، وَخلف عَلَيْهَا بعده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعبد اللَّه هُوَ الَّذِي قَالَ: (يَا رَسُول الله من أبي؟ قَالَ: أَبوك حذافة، أسلم قَدِيما وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، وَكَانَت فِيهِ دعابة) . وَقيل: إِنَّه شهد بَدْرًا، وَلم يذكرهُ الزُّهْرِيّ وَلَا مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وأسره الرّوم فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فأرادوه على الْكفْر. وَله فِي ذَلِك قصَّة طَوِيلَة، وَآخِرهَا: أَنه قَالَ لَهُ ملكهم: قبِّل رَأْسِي أطلقك. قَالَ: لَا، قَالَ لَهُ: وَأطلق من مَعَك من أسرى الْمُسلمين، فَقبل رَأسه، فَأطلق مَعَه ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين. فَكَانَ الصَّحَابَة يَقُولُونَ لَهُ: قبَّلت رَأس علج. فَيَقُول: اطلق الله بِتِلْكَ الْقبْلَة ثَمَانِينَ أَسِيرًا من الْمُسلمين. توفّي عبد اللَّه فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (عَظِيم الْبَحْرين) هُوَ الْمُنْذر بن ساوي، بِالسِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، والبحرين بلد بَين الْبَصْرَة وعمان، هَكَذَا يُقَال، بِالْيَاءِ، وَفِي (الْعباب) : قَالَ الحذاق: يُقَال هَذِه البحران، وانتهينا إِلَى الْبَحْرين. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِنَّمَا ثنوا الْبَحْرين لِأَن فِي نَاحيَة قراها بحيرة على بَاب الأحساء، وقرى هَجَر بَينهَا وَبَين الْبَحْر الْأَخْضَر عشرَة فراسخ، قَالَ: وقدرت الْبحيرَة بِثَلَاثَة أَمْيَال فِي مثلهَا، وَلَا يغيض مَاؤُهَا راكد زعاق، وَالنِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين: بحراني. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي: سَأَلَني الْمهْدي، وَسَأَلَ الْكسَائي عَن النِّسْبَة إِلَى الْبَحْرين، وَإِلَى حصنين: لم قَالُوا: بحراني وحصني؟ فَقَالَ الْكسَائي: كَرهُوا أَن يَقُولُوا: حصناني، لِاجْتِمَاع النونين. وَقلت: إِنَّمَا كَرهُوا أَن يَقُولُوا: بحري، فَيُشبه النِّسْبَة إِلَى الْبَحْر. قلت: قد صَالح النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الْبَحْرين، وَأمر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ، وَبعث أَبَا عُبَيْدَة فَأتى بجزيتها، وَقد ذكرنَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ إِلَى الْمُنْذر بن ساوي الْعَبْدي، ملك الْبَحْرين، فَصدق واسلم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: إِلَى ملك الْبَحْرين؟ وَقَالَ: عَظِيم الْبَحْرين؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا ملك وَلَا سلطنة للْكفَّار، إِذْ الْكل لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلمن ولاه. قَوْله: (إِلَى كسْرَى) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الجواليقي: الْكسر أفْصح، وَهُوَ فَارسي مُعرب: خسرو، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَجمعه أكاسرة، على غير قِيَاس، لِأَن قِيَاسه: كسرون، بِفَتْح الرَّاء. وَقد ذكرنَا فِي قصَّة هِرقل أَن: كسْرَى، لقب لكل من ملك الْفرس، كَمَا أَن: قَيْصر، لقبٌ لكل من ملك الرّوم. وَالَّذِي مزق الْكتاب من الأكاسرة هُوَ برويز بن هُرْمُز بن أنوشروان، وَلما مزق الْكتاب قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مزق ملكه) . وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا مَاتَ كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده) . قَالَ الْوَاقِدِيّ: فَسلط على كسْرَى ابْنه شرويه وَقَتله سنة سبع، فتمزق ملكه كل ممزق، وَزَالَ من جَمِيع الأَرْض واضمحل بدعوة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ أنو شرْوَان هُوَ الَّذِي ملك النُّعْمَان بن الْمُنْذر على الْعَرَب، وَهُوَ الَّذِي قَصده سيف بن ذِي يزن يستنصره على الْحَبَشَة، فَبعث مَعَه قائداً من قواده، فنفوا السودَان. وَكَانَ ملكه سبعا وَأَرْبَعين سنة وَسَبْعَة أشهر. وَقَالَ ابْن سعد: لما مزق كسْرَى كتاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعث إِلَى باذان، عَامله فِي الْيمن، أَن ابْعَثْ من عنْدك رجلَيْنِ جلدين إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي بالحجاز فليأتياني بِخَبَرِهِ، فَبعث باذان قهرمانه ورجلاً آخر، وَكتب مَعَهُمَا كتابا، فَقدما الْمَدِينَة فدفعا كتاب باذان إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَتَبَسَّمَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ودعاهما إِلَى الْإِسْلَام وفرائصهما ترْعد، وَقَالَ لَهما: (أبلغا صاحبكما أَن رَبِّي قتل ربه كسْرَى فِي هَذِه اللَّيْلَة لسبع سَاعَات مَضَت مِنْهَا) ، وَهِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء لعشر مضين من جُمَادَى الأولى سنة سبع، وَأَن الله سلط عَلَيْهِ ابْنه شرويه فَقتله. وَقَالَ ابْن هِشَام: لما مَاتَ وهرز الَّذِي كَانَ بِالْيمن على جَيش الْفرس، أَمر كسْرَى ابْنه، يَعْنِي ابْن وهرز، ثمَّ عَزله وَولى باذان، فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى بعث الله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ: فبلغني عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: كتب كسْرَى إِلَى

باذان: إِنَّه بَلغنِي أَن رجلا من قُرَيْش يزْعم أَنه نَبِي، فسر إِلَيْهِ فاستتبه، فَإِن تَابَ وإلَاّ فَابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْسِهِ. فَبعث باذان بكتابه إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله وَعَدَني بقتل كسْرَى فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا من شهر كَذَا وَكَذَا) . فَلَمَّا أَتَى باذانَ الكتابُ قَالَ: إِن كَانَ نَبيا سَيكون مَا قَالَ. فَقتل الله كسْرَى فِي الْيَوْم الَّذِي قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا بلغ باذان بعث بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَام من مَعَه من الْفرس. قَوْله: (فحسبت) الْقَائِل هُوَ: ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، رَاوِي الحَدِيث. أَي قَالَ الزُّهْرِيّ. ظَنَنْت أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ ... إِلَى آخِره.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الدُّعَاء على الْكفَّار إِذا أساؤوا الْأَدَب وأهانوا الدّين. الثَّالِث: فِيهِ أَن الرجل الْوَاحِد يجزىء فِي حمل كتاب الْحَاكِم إِلَى الْحَاكِم، وَلَيْسَ من شَرطه أَن يحملهُ شَاهِدَانِ كَمَا تصنع الْقُضَاة الْيَوْم، قَالَه ابْن بطال. قلت: إِنَّمَا حملُوا على شَاهِدين لما دخل على النَّاس من الْفساد، فاحتيط لتحصين الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال بِشَاهِدين.

٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أُبو الحَسَنِ أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ قَالَ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ عَن قَتادَةَ عَن أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كِتَاباً أَو أَرادَ أنْ يَكْتُبَ فَقِيلَ لَهُ: إنِّهمْ لَا يقْرَأُنَ كِتاباً إلَاّ مَخْتُوماً، فاتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله، كأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمدٌ رسولُ الله؟ قَالَ أنَسٌ..

هَذَا يُطَابق الْجُزْء الْأَخير للتَّرْجَمَة، وَهُوَ ظَاهر.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مقَاتل، بِصِيغَة الْفَاعِل، من الْمُقَاتلَة بِالْقَافِ وبالمثناة من فَوق، الْمروزِي، شيخ البُخَارِيّ، انْفَرد بِهِ عَن الْأَئِمَّة الْخَمْسَة، روى عَن ابْن الْمُبَارك ووكيع، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن عبد الرحمان النَّسَائِيّ. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، توفّي آخر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد اللَّه بن الْمُبَارك، وَقد تقدم ذكره. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة السدُوسِي. الْخَامِس: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ، وَقد تقدمُوا.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: وَمِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وواسطي وبصري، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن الْجَعْد، وَفِي اللبَاس عَن آدم، وَفِي الْأَحْكَام عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة، وَفِي السّير، وَفِي الْعلم، وَفِي التَّفْسِير عَن حميد بن مسْعدَة عَن بشر بن الْمفضل، خمستهم عَنهُ بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (مَخْتُومًا) ، من ختمت الشَّيْء ختماً فَهُوَ مختوم، ومختم، شدد للْمُبَالَغَة، وَختم الله لَهُ بِالْخَيرِ، وختمت الْقُرْآن: بلغت آخِره، واختتمت الشَّيْء نقيض افتتحت. قَوْله: (خَاتمًا) فِيهِ لُغَات، الْمَشْهُور مِنْهَا أَرْبَعَة: فتح التَّاء، وَكسرهَا، وخاتام، وخيتام، وَالْجمع: الْخَوَاتِم. وتختمت إِذا لبسته، والختام الَّذِي يخْتم بِهِ. قَوْله: (نقشه) ، من نقشت الشَّيْء فَهُوَ منقوش، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: النقش نقشك الشَّيْء بلونين، أَو ألوان كَائِنا مَا كَانَ، والنقاش الَّذِي ينقشه والنقاشة حرفته.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (كتابا) مفعول كتب، وَهُوَ مفعول بِهِ لِأَن الْكتاب هُنَا اسْم غير مصدر. قَوْله: (أَن يكْتب) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول: أَرَادَ، وَأَن، مَصْدَرِيَّة أَي: الْكِتَابَة. قَوْله: (إلَاّ مَخْتُومًا) ، نصب على الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ من كَلَام غير مُوجب. قَوْله: (خَاتمًا) مفعول إتخذ، وَكلمَة: من، فِي: من فضَّة، بَيَانِيَّة. قَوْله: (نقشه) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ. وَقَوله: (مُحَمَّد رَسُول الله) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، خبر الْمُبْتَدَأ. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا لَا بُد لَهَا من عَائِد. قلت: إِذا كَانَ الْخَبَر عين الْمُبْتَدَأ لَا حَاجَة إِلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهِي وَإِن كَانَت جملَة، وَلكنهَا فِي تَقْدِير الْمُفْرد، تَقْدِيره: نقشه هَذِه الْكَلِمَات. قلت: هَذِه الْكَلِمَات، أَيْضا جملَة، لِأَنَّهَا مُبْتَدأ وَخبر. قَوْله: (كَأَنِّي) أصل: كَأَن، للتشبيه لَكِنَّهَا هَهُنَا للتحقيق، ذكره الْكُوفِيُّونَ والزجاج، وَمَعَ هَذَا لَا يَخْلُو عَن معنى التَّشْبِيه. قَوْله: (أنظر إِلَى بياضه) جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: كَأَن. قَوْله: (فِي يَده) حَال إِمَّا من الْبيَاض، أَو من الْمُضَاف إِلَيْهِ، أَي كَأَنِّي انْظُر إِلَى بَيَاض الْخَاتم حَال كَون الْخَاتم فِي يَد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: الْخَاتم لَيْسَ فِي الْيَد، بل فِي

الاصبع. قلت: هَذَا من قبيل إِطْلَاق الْكل وارادة الْجُزْء. فَإِن قلت: الإصبع فِي خَاتم لَا الْخَاتم فِي الإصبع. قلت: هُوَ من بَاب الْقلب، نَحْو: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. قَوْله: (مَنْ قَالَ) ، جملَة إسمية: وَمن، إستفهامية. لَا وَقَوله: (نقشه: مُحَمَّد رَسُول الله) ، مقول القَوْل. قَوْله: (قَالَ: أنس) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، ومقول القَوْل مَحْذُوف، أَي: قَالَ أنس: نقشه مُحَمَّد رَسُول الله.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (كتابا) أَي: إِلَى الْعَجم أَو إِلَى الرّوم، فقد جَاءَ الرِّوَايَتَانِ صريحتين بهما فِي كتاب اللبَاس. قَوْله: (أَو أَرَادَ أَن يكْتب) شكّ من الرَّاوِي، وَقيل: هُوَ أنس. قَوْله: (إِنَّهُم) أَي: إِن الرّوم والعجم، وَلَا يُقَال: إِنَّه، إضمارٌ قبل الذّكر لقِيَام الْقَرِينَة، وَهِي قَوْله: (لَا يقرأون الْكتاب إلَاّ مَخْتُومًا) ، وَكَانُوا لَا يقرأون إِلَّا مَخْتُومًا خوفًا من كشف أسرارهم، وإشعاراً بِأَن الْأَحْوَال المعروضة عَلَيْهِم يَنْبَغِي أَن يكون مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهَا غَيرهم، وَعَن أنس: إِن ختم كتاب السُّلْطَان والقضاة سنة متبعة. وَقد قَالَ بَعضهم: هُوَ سنة لفعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قيل فِي قَوْله تعالي: {إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم} (النَّمْل: ٢٩) إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَت ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ مَخْتُومًا. وَفِي ذَلِك أَيْضا مخالقة النَّاس بأخلاقهم، واستئلاف الْعَدو بِمَا لَا يضر، وَقد جَاءَ فِي بعض طرقه عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، لما أَرَادَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يكْتب إِلَى الرّوم، وَفِي بَعْضهَا إِلَى الرَّهْط أَو النَّاس من الْأَعَاجِم، وَفِي مُسلم (أَرَادَ أَن يكْتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَالنَّجَاشِي، فَقيل لَهُ: إِنَّهُم لَا يقبلُونَ كتابا إلَاّ مَخْتُومًا)

وَذكر الحَدِيث. فَإِن قلت: مَا كَانَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يكْتب؟ فَكيف قَالَ: كتب النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ باسناد الْكِتَابَة إِلَيْهِ. قلت: قد نقل أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتب بِيَدِهِ، وَسَيَجِيءُ، إِن شَاءَ الله فِي كتاب الْجِهَاد، وَإِن ثَبت أَنه لم يكْتب أصلا يكون الْإِسْنَاد فِيهِ مجازياً، نَحْو: كتب الْأَمِير كتابا، أَي: كتبه الْكَاتِب بأَمْره، والقرينة للمجاز الْعرف، لِأَن الْعرف أَن الْأَمِير لَا يكْتب الْكتاب بِنَفسِهِ. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ: شُعْبَة.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ جَوَاز الْكِتَابَة بِالْعلمِ إِلَى الْبلدَانِ. الثَّانِي: جَوَاز الْكِتَابَة إِلَى الْكفَّار. الثَّالِث: فِيهِ ختم الْكتاب للسُّلْطَان والقضاة والحكام. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز اسْتِعْمَال الْفضة للرِّجَال عِنْد التَّخَتُّم، وَقَالَ عِيَاض: أجمع الْعلمَاء على جَوَاز اتِّخَاذ الْخَوَاتِم من الْوَرق وَهِي الْفضة للرِّجَال إلَاّ مَا رُوِيَ عَن بعض أهل الشَّام من كَرَاهَة لبسه إلَاّ لذِي سُلْطَان، وَهُوَ شَاذ مَرْدُود، وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم خَاتم الذَّهَب على الرِّجَال، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن أبي بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم إِبَاحَته، وَرُوِيَ عَن بَعضهم كَرَاهَته. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَانِ النقلان باطلان، وَحكى الْخطابِيّ أَنه يكره للنِّسَاء التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ من زِيّ الرِّجَال، ورد عَلَيْهِ ذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَاب أَنه لَا يكره لَهَا ذَلِك، وَقَول الْخطابِيّ ضَعِيف أَو بَاطِل لَا أصل لَهُ.

وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: فِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد. مِنْهَا: نسخ جَوَاز لبس خَاتم الذَّهَب بعد أَن كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لبسه، وَلَا يُعَارض ذَلِك مَا جَاءَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم عَن أنس أَنه رأى فِي يَد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاتمًا من ورق يَوْمًا وَاحِدًا، ثمَّ إِن النَّاس اصطنعوا الْخَاتم من ورق فَلَبِسُوهَا، فَطرح رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَاتمه، فَطرح النَّاس خواتيمهم، رَوَاهُ يُونُس وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَزِيَاد، وزاده أَبُو دَاوُد وَابْن مُسَافر، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة من رُوَاة الزُّهْرِيّ الثِّقَات يَقُولُونَ عَنهُ: من ورق، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اجْمَعْ أهل الحَدِيث أَن هَذَا وهم من ابْن شهَاب، من خَاتم الذَّهَب إِلَى خَاتم الْوَرق، وَالْمَعْرُوف من رِوَايَة أنس من غير طَرِيق ابْن شهَاب اتِّخَاذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتم فضَّة، وَأَنه لم يطرحه، وَإِنَّمَا طرح خَاتم الذَّهَب. وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره: وَقد يُمكن أَن يتَأَوَّل لِابْنِ شهَاب مَا يَنْفِي عَنهُ الْوَهم، وَإِن كَانَ الْوَهم أظهر بِاحْتِمَال أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما عزم على طرح خَاتم الذَّهَب اصْطنع خَاتم الْفضة، بِدَلِيل أَنه لَا يَسْتَغْنِي عَن الْخَتْم بِهِ على الْكتب إِلَى الْبلدَانِ، وأجوبة الْعمَّال وَغَيرهمَا، فَلَمَّا لبس خَاتم الْفضة أرَاهُ النَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم ليعلمهم إِبَاحَته، وَأَن يصطنعوا مثله ثمَّ طرح خَاتم الذَّهَب وأعلمهم تَحْرِيمه، فَطرح النَّاس خَوَاتِيم الذَّهَب. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز نقش الْخَاتم، وَنقش اسْم صَاحب الْخَاتم، وَنقش اسْم الله تَعَالَى فِيهِ، بل فِيهِ كَونه مَنْدُوبًا، وَهُوَ قَول مَالك وَابْن الْمسيب وَغَيرهمَا، وَكَرِهَهُ ابْن سِيرِين. وَأما نَهْيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن ينقش أحد على نقش خَاتمه، فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا نقش فِيهِ ذَلِك ليختم بِهِ كتبه إِلَى الْمُلُوك، فَلَو نقش على نقشه لدخلت الْمفْسدَة وَحصل الْخلَل.

٨ - (بَاب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها)

الْكَلَام فِيهِ على نَوْعَيْنِ: الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من قعد ... إِلَى آخِره، وَهُوَ مَرْفُوع على الخبرية مُضَاف إِلَى من، وَهِي مَوْصُولَة، و: قعد، جملَة الْفِعْل وَالْفَاعِل صلتها، و: حَيْثُ، ظرف للمكان مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة محلا، وَبني على الضَّم تَشْبِيها بالغايات. وَمن الْعَرَب من يعربه. قَوْله: (الْمجْلس) ، مَرْفُوع بقوله: يَنْتَهِي. قَوْله: (وَمن رأى) عطف على: من قعد، و (الفرجة) بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، لُغَتَانِ، وَهِي الْخلَل بَين الشَّيْئَيْنِ؛ قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ النّحاس: الفرجة، بِالْفَتْح، فِي الْأَمر، والفرجة بِالضَّمِّ فِيمَا يرى من الْحَائِط وَنَحْوه، وَفِي (الْعباب) : الفرجة، بِالْكَسْرِ، والفرجة بِالضَّمِّ لُغَتَانِ فِي فُرْجَة الْهم. وَقَالَ أَيْضا: الفرجة يَعْنِي، بِالْفَتْح: التفصي من الْهم. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفرجة: الرَّاحَة من الْغم، وَذكر فِيهَا فتح الْفَاء وَضمّهَا وَكسرهَا، وَقد فرج لَهُ فِي الْحلقَة والصف وَنَحْو ذَلِك، بِفَتْح الْعين، يفرج بضَمهَا، وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ غير الضَّم، وَفِي التفصي من الْهم غير الْفَتْح، وَأنْشد عَلَيْهِ:

(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ... ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال)

(وَالْحَلقَة) ، هُنَا بِإِسْكَان اللَّام، وَحكى الْجَوْهَرِي فتحهَا، وَالْأول أشهر. وَفِي (الْعباب) : الْحلقَة، بالتسكين: الدروع، وَكَذَلِكَ حَلقَة الْبَاب، وحلقة الْقَوْم، وَالْجمع الْحلق على غير قِيَاس، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجمع الْحلق، مِثَال: بدرة وَبدر، وقصعة وقصع. وَنهى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الْحلق قبل الصَّلَاة، يَعْنِي صَلَاة الْجُمُعَة، نَهَاهُم عَن التحليق والاجتماع على مذاكرة الْعلم قبل الصَّلَاة، وَحكى يُونُس عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: حَلقَة، فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ. وَالْجمع: حلق وحلقات. وَقَالَ ثَعْلَب: كلهم يُجِيز ذَلِك على ضعف. وَقَالَ الْفراء فِي نوادره: الْحلقَة، بِكَسْر اللَّام، لُغَة لِلْحَارِثِ بن كَعْب فِي الْحلقَة وَالْحَلقَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يَقُول: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب حَلقَة، بِالتَّحْرِيكِ، إلَاّ فِي قَوْلهم: هَؤُلَاءِ حَلقَة، للَّذين يحلقون الشّعْر جمع حالق. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول فِيهِ ذكر المناولة، وَهِي تكون فِي مجْلِس الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان شَأْن من يَأْتِي إِلَى الْمجْلس كَيفَ يقْعد، وَالْمرَاد مِنْهُ مجْلِس الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْعلم من جِهَة أَن المُرَاد بالحلقة: حَلقَة الْعلم، فَيدْخل فِي آدَاب الطَّالِب من هَذَا الْوَجْه. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا بَيَان وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْعلم، وَلَيْسَ الْقُوَّة إلَاّ فِي بَيَان وُجُوه الْمُنَاسبَة بَين الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة فِي كتب هَذَا الْكتاب، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هَذَا الْبَاب حَقه أَن يَأْتِي عقب بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، أَو عقب بَاب: طرح الْمَسْأَلَة، لِأَن كليهمَا من آدَاب الْعَالم، وَهَذَا الْبَاب من آدَاب المتعلم، وَمَا بعد هَذَا الْبَاب يُنَاسب الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رب مبلَّغٍ أوعى من سامع) . لِأَن فِيهِ معنى التَّحَمُّل عَن غير الْعَارِف، وَغير الْفَقِيه. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ أنسب لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان مناولة الْعَالم فِي مجْلِس علمه، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان أدب من يحضر هَذَا الْمجْلس، كَمَا ذكرنَا.

٦٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه أبي طَلْحَةَ أنّ أَبَا مُرَّة، مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ، أخْبَرَهُ عنْ أبي واقِدٍ اللَّيثَّي أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينَمَا هُو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاس مَعَهُ إِذ أَقَبَلَ ثَلَاثةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إِلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وذَهَبَ واحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفا على رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمّا أحدُهمُا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَس فِيهَا، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وأمّا الثالِثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا أُخُبِرُكُمْ عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمّا أحدُهُمْ فَأَوَى إِلَى الله فآوَاهُ الله، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاسْتحيْا الله مِنُه، وأمّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأَعْرَضَ الله عَنهُ) .

(الحَدِيث ٦٦ طرفه فِي ٤٧٤) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَن قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وفيمن رأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا

، والْحَدِيث مُشْتَمل على ذكر الْحلقَة والفرجة، وعَلى من جلس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وَلأَجل هَذَا قَالَ: فِي الْحلقَة، وَلم يقل: وَمن رأى فُرْجَة فِي الْمجْلس، ليطابق مَا فِي الْبَاب من ذكر الْحلقَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الأول بِلَفْظ الْمجْلس للإشعار بِأَن حكمهمَا وَاحِد هَهُنَا.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام. الثَّالِث: إِسْحَاق بن عبد اللَّه بن أبي طَلْحَة زيد بن سُهَيْل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ النجاري، ابْن أخي أنس لأمه كَانَ يسكن دَار جده بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَابِعِيّ، سمع أَبَاهُ وَعَمه لأمه أنس بن مَالك وَغَيرهمَا، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، وَهُوَ أشهر أخوته وَأَكْثَرهم حَدِيثا. وهم: عبد اللَّه وَيَعْقُوب وَإِسْمَاعِيل وَعمر بَنو عبد اللَّه، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق فِي الحَدِيث أحدا، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، اسْمه يزِيد، مولى عقيل بن أبي طَالب، وَقيل: مولى أَخِيه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: مولى اختهما أم هانىء. روى عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي وَاقد، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَالَ ابْن مَيْمُونَة: كَانَ شَيخا قَدِيما. الْخَامِس: أَبُو وَاقد، بِالْقَافِ الْمَكْسُورَة وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: اسْمه الْحَارِث بن عَوْف، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك. وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. قَالَ أَبُو عَمْرو: الأول أصح، ابْن أسيد بن جَابر بن عويرة بن عبد مَنَاة ابْن شجع بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة بن خُزَيْمَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ بَعضهم: شهد بَدْرًا وَلم يذكرهُ مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَذكر بَعضهم أَنه كَانَ قديم الْإِسْلَام، وَيُقَال: أسلم يَوْم الْفَتْح، وَأخْبر عَن نَفسه أَنه شهد حنيناً. قَالَ: وَكنت حَدِيث عهد بِكفْر، وَهَذَا يدل على تَأَخّر إِسْلَامه. وَشهد بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اليرموك، ثمَّ جاور بِمَكَّة سنة، وَتُوفِّي بهَا، وَدفن بمقبرة الْمُهَاجِرين. روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا، اتفقَا على حَدِيث، وَهُوَ هَذَا، وَزَاد مُسلم حَدِيثا آخر، وَهُوَ مَا كَانَ يقْرَأ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَضْحَى. وَقيل: إِنَّه ولد فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ ابْن عَبَّاس، قَالَ الْمَقْدِسِي: وَفِي هَذَا وشهوده بَدْرًا نظر، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَفِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية ثَلَاثَة، هَذَا أحدهم، وثانيهم: أَبُو واقدٍ مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، روى عَنهُ أَبُو عمر زَاذَان. وثالثهم: أَبُو وَاقد النميري، روى عَنهُ نَافِع بن سرجس والليثي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة، نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر الْمَذْكُور.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة والاخبار. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن أبي وَاقد غير هَذَا الحَدِيث، لم يروه عَنهُ إلَاّ أَبُو مرّة، وَلم يرو عَن أبي مرّة إلَاّ ابْن إِسْحَاق، وَقد صرح النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ من طَرِيق يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق، فَقَالَ عَن أبي مرّة: إِن أَبَا وَاقد حَدثهُ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه ابْن يُوسُف عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن الْمُنْذر عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَرْب بن شَدَّاد وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال عَن أبان بن يزِيد، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق بن عبد الله بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، عَن معن بن مَالك وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَليّ بن سعيد بن جرير عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (نفر) ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: عدَّة رجال، من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَفِي (الْعباب) : النَّفر والنفير عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَجمع النَّفر: أَنْفَار وانفرة ونفراء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: نفر الرجل رهطه. فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير أقل مَا يفهم مِنْهُ هَهُنَا تِسْعَة رجال، لِأَن أقل النَّفر ثَلَاثَة؟ لكنه لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لم يكن المقبلون إلَاّ رجَالًا ثَلَاثَة. قلت: مَعْنَاهُ ثَلَاثَة هِيَ نفر، كَأَن النَّفر هُوَ بَيَان للثَّلَاثَة، أَو المُرَاد من النَّفر مَعْنَاهُ الْعرفِيّ، إِذْ هُوَ بِحَسب الْعرف يُطلق على الرجل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَة رجال. فَإِن قلت: مُمَيّز الثَّلَاثَة لَا بُد أَن يكون جمعا، والنفر لَيْسَ بِجمع. قلت: النَّفر إسم جمع فِي وُقُوعه تمييزاً كالجمع. نَحْو قَوْله تَعَالَى: {تِسْعَة رَهْط} (النَّمْل: ٤٨) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا جَاءَ تَمْيِيز التِّسْعَة بالرهط لِأَنَّهُ فِي معنى الْجَمَاعَة،

فَكَأَنَّهُ قيل: تِسْعَة أنفسٍ، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر: أَن الرَّهْط من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، أَو من السَّبْعَة إِلَى الْعشْرَة، والنفر من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَلَا يخفى مُخَالفَته لما فِي (الصِّحَاح) . قَوْله: (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وَهُوَ التولي. قَوْله: (فأوى إِلَى الله) بِالْهَمْزَةِ الْمَقْصُورَة. وَقَوله: (فآواه الله) بِالْهَمْزَةِ الممدودة، وَيُقَال بالمقصورة أَيْضا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة قصر الأول وَمد الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَفِي الْقُرْآن: {إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف} (الْكَهْف: ١٠) بِالْقصرِ، {وآويناهما إِلَى ربوة} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠) بِالْمدِّ. وَقَالَ القَاضِي: حكى بَعضهم فيهمَا اللغتين: الْقصر وَالْمدّ، وَالْمَشْهُور الْفرق وَفِي (الْمطَالع) قَوْله: (فأوى إِلَى الله) مَقْصُور الْألف، فآواه الله، مَمْدُود الْألف هَذَا هُوَ الْأَشْهر فِيمَا روينَاهُ. وَقد جَاءَ الْمَدّ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَالْقصر فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، لَكِن الْمَدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر، وَالْقصر فِي اللَّازِم أشهر، وَمعنى: آواه الله: جعل الله لَهُ فِيهِ مَكَانا وفسحة لما انْضَمَّ إِلَيْهِ، أَعنِي مجْلِس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: قربه إِلَى مَوضِع نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: يؤويه إِلَى ظلّ عَرْشه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أوياً، على فعول، وآويته إيواءً وأويته: إِذا انزلته بك. فعلت وأفعلت بِمَعْنى.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) قد مر غير مرّة أَن: بَيْنَمَا، أَصله: بَين، زيدت فِيهِ لَفْظَة: مَا. وَهُوَ من الظروف الَّتِي لَزِمت إضافتها إِلَى الْجُمْلَة، وَفِي بعض النّسخ: بَينا، بِغَيْر لَفْظَة: مَا، وأصل: بَينا، أَيْضا بَين، فاشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة المستفادة من لَفْظَة: إِذْ أقبل، وَقد قُلْنَا: إِن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح مَجِيء إِذا وَإِذ فِي جَوَاب بَين. قَوْله: (هُوَ) ، مُبْتَدأ و: جَالس، خَبره. وَقَوله: (فِي الْمَسْجِد) حَال، كَذَا قَوْله: (وَالنَّاس مَعَه) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذْ أقبل) جَوَاب: بَيْنَمَا. وَقَوله: (ثَلَاثَة نفر) فَاعل أقبل. قَوْله: (وَذهب وَاحِد) ، جملَة فعلية عطف على قَوْله: (فَأقبل اثْنَان) . قَوْله: (فوقفا) عطف على قَوْله: (أقبل اثْنَان) قَوْله: (فَأَما) ، كلمة: اما، للتفصيل، و: أحدهم، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: فَرَأى فُرْجَة، وَإِنَّمَا دخلت: الْفَاء، لتضمن: اما، معنى الشَّرْط. وَإِنَّمَا أخرت إِلَى الْخَبَر كَرَاهَة أَن يوالى بَين حرفي الشَّرْط وَالْجَزَاء لفظا. قَوْله: (فَجَلَسَ فِيهَا) عطف على قَوْله: (فَرَأى) ، وَالْكَلَام فِي إِعْرَاب: (وَأما الآخر فَجَلَسَ خَلفهم) ، كَالْكَلَامِ فِي الأول، وخلفهم، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَكَذَا الْكَلَام فِي: أدبر. قَوْله: (ذَاهِبًا) . حَال. قَوْله: (قَالَ: ألَا) جَوَاب لما، وَألا، حرف التَّنْبِيه سَوَاء فِيهِ مَا كَانَ الْمُخَاطب بِهِ مُفردا أَو مثنى أَو مجموعاً، وَيحْتَمل أَن تكون الْهمزَة للاستفهام، و: لَا، للنَّفْي. قَوْله: (أما أحدهم) الْكَلَام فِي إعرابه، وَفِي إِعْرَاب: أما، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مثل الْكَلَام فِي إِعْرَاب: أما أَحدهمَا فَرَأى فُرْجَة.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِذْ أقبل ثَلَاثَة نفر) : اعْلَم أَن هَهُنَا إقبالين: أَحدهمَا: إقبالهم أَولا من الطَّرِيق، أَقبلُوا ودخلوا الْمَسْجِد مارين، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ: (فَإِذا ثَلَاثَة نفر يَمرونَ) ، وَالْآخر: إقبال الِاثْنَيْنِ مِنْهُم حِين رَأَوْا مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الثَّالِث فَإِنَّهُ اسْتمرّ ذَاهِبًا. وَبِهَذَا التَّقْدِير سقط سُؤال من قَالَ: كَيفَ قَالَ أَولا: أقبل ثَلَاثَة؟ ثمَّ قَالَ: فَأقبل اثْنَان؟ وَالْحَال لَا يَخْلُو من أَن يكون الْمقبل اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة. قَوْله: (فوقفا) زَاد فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) : (فَلَمَّا وَقفا سلما) ، وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يذكر البُخَارِيّ هَهُنَا، وَلَا فِي الصَّلَاة، السَّلَام وَكَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة مُسلم. وَمعنى قَوْله: (فوقفا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقفا على مجْلِس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَعْنَاهُ: أشرفا عَلَيْهِ، وَمِنْه وقفته على ذَنبه أَي: أطلعته عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: على، بِمَعْنى: عِنْد. قلت: لم تجىء: على، بِمَعْنى: عِنْد، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان من كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (وَأما الآخر) ، بِفَتْح الْخَاء بِمَعْنى: وَأما الثَّانِي، لِأَن الآخر، بِالْفَتْح، أحد الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ اسْم أفعل، وَالْأُنْثَى: أُخْرَى إلَاّ أنّ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن أفعل من كَذَا لَا يكون إلَاّ فِي الصّفة. وَأما الآخر بِكَسْر الْخَاء، فَهُوَ بعد الأول، وَهُوَ صفة، يُقَال: جَاءَ آخرا، أَي: أخيراً. وَتَقْدِيره فَاعل، وَالْأُنْثَى آخِرَة، وَالْجمع أَوَاخِر. قَوْله: (فَلَمَّا فرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: عَمَّا كَانَ مشتغلاً بِهِ من الْخطْبَة، وَتَعْلِيم الْعلم أَو الذّكر، وَنَحْوه. قَوْله: (أما أحدهم) فِيهِ حذف تَقْدِيره قَالُوا: أخبرنَا، فَقَالَ: أما أحدهم فاوى إِلَى الله أَي: لَجأ إِلَى الله. وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ: دخل مجْلِس ذكر الله. قَوْله: (فآواه الله) ، من بَاب المشاكلة. والمقابلة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: ٥٤) فَسمى مجازاته باسم فعله بطرِيق الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الإيواء هُوَ الْإِنْزَال عنْدك، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر وَنَحْوه، فَيكون من ذكر الْمَلْزُوم، وَإِرَادَة اللَّازِم. وَيُقَال: مَعْنَاهُ فآواه الله إِلَى جنته. قَوْله: (وَأما الآخر فاستحيى) أَي: ترك الْمُزَاحمَة كَمَا فعل رَفِيقه حَيَاء من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والحاضرين. قَالَه القَاضِي عِيَاض.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد