«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦

الحديث رقم ٦٦ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ».

سند حديث: ٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ…

٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد…

في الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في المسجد، والناس معه، إذ أقبل ثلاثَةُ رجال، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد؛ فوقفا عند حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما أحدهما فرأى مكاناً فارغاً في الْحَلْقَةِ فجلس فيها، والحلقة رجال جالسون على شكل دائرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فرجع وانصرف، فلما فرغ وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديثه الذي كان فيه، قال للصحابة ألا أُخْبِرُكُم عن الرجال الثلاثة: أما أحدهم فأَوَى إلى الله فآوَاهُ الله إليه أي جلس في المكان الفارغ يستمع ذكر الله فأكرمه الله بفضيلة ذلك المجلس المبارك، وأما الآخر فاسْتَحْيا فاسْتَحْيَا الله منه أي امتنع من المزاحمة؛ فجلس خلف الحلقة فلم يُمنع من بركة المجلس، وأما الآخر فأعْرَضَ، فأعرضَ اللهُ عنه أي ذهب بلا عذر فمُنع بركة المجلس.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب الجلوس في مجالس العلم.
  • استحباب الجلوس في المكان الفارغ لسد الخلل.
  • استحباب التحلق في مجالس العلم.
  • بيان فضيلة الحياء وعدم مضايقة الناس إذا لم يجد مكانًا فارغًا.
  • إثبات صفة الحياء لله -تعالى- بما يليق به سبحانه وليست كحياء المخلوقين.
  • الإعراض عن مجالس العلم بغير عذر سبب في إعراض الله عن العبد.
  • يستحب لطالب العلم أن يجلس حيث ينتهي به المجلس إذا لم يجد فراغاً.
  • جواز الإخبار عن أهل المعاصي وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّبِيِّ مَجَازِيَّةٌ، أَيْ: كَتَبَ الْكَاتِبَ بِأَمْرِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) يُعْرَفُ مِنْ هَذَا فَائِدَةُ إِيرَادِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا لِيَحْصُلَ الْأَمْنُ مِنْ تَوَهُّمِ تَغْيِيرِهِ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ خَتْمِهِ إِذَا كَانَ الْحَامِلُ عَدْلًا مُؤْتَمَنًا.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ) الْقَائِلُ هُوَ شُعْبَةُ، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجِهَادِ وَفِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَائِدَةٌ): لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ الْإِجَازَةَ الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ أَوِ الْمُكَاتَبَةِ، وَلَا الْوِجَادَةَ وَلَا الْوَصِيَّةَ وَلَا الْإِعْلَامَ الْمُجَرَّدَاتِ عَنِ الْإِجَازَةِ، وَكَأَنَّهُ لَا يَرَى بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدِ ادَّعَى ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: قَالَ لِي فَهِيَ إِجَازَةٌ، وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ بِدَلِيلِ أَنِّي اسْتَقْرَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الْجَامِعُ قَالَ لِي فَوَجَدْتُهُ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ يَقُولُ فِيهَا حَدَّثَنَا، وَالْبُخَارِيُّ لَا يَسْتَجِيزُ فِي الْإِجَازَةِ إِطْلَاقَ التَّحْدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَسْمُوعِ، لَكِنْ سَبَبَ اسْتِعْمَالِهِ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَبْلُغُ شَرْطَهُ وَمَا لَا يَبْلُغُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٨ - بَاب مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا

٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: حدثنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ.

[الحديث ٦٦ - طرفه في: ٤٧٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ) مُنَاسَبَةُ هَذَا لِكِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجْلِسِ وَبِالْحَلْقَةِ حَلْقَةُ الْعِلْمِ وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ. فَيَدْخُلُ فِي أَدَبِ الطَّالِبِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَالتَّرَاجِمُ الْمَاضِيَةُ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الْعَالِمِ.

قَوْلُهُ: (مَوْلَى عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَقِيلَ لِأَبِي مُرَّةَ ذَلِكَ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلَى أُخْتِهِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي مُرَّةَ أَنَّ أَبَا وَاقِدٍ حَدَّثَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اسْمَ أَبِي وَاقِدٍ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ، وَقِيلَ ابْنُ عَوْفٍ، وَقِيلَ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ مَدَنِيُّونَ، وهو فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ إِلَّا أَبُو مُرَّةَ. وَلَا عَنْهُ إِلَّا إِسْحَاقُ، وَأَبُو مُرَّةَ الرَّاوِي عَنْهُ تَابِعِيَّانِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) النَّفَرُ بِالتَّحْرِيكِ لِلرِّجَالِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَالْمَعْنَى ثَلَاثَةٌ هُمْ نَفَرٌ، وَالنَّفَرُ اسْمُ جَمْعٍ وَلِهَذَا وَقَعَ مُمَيَّزًا لِلْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾

قَوْلُهُ: (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) بَعْدَ قَوْلِهِ: أَقْبَلَ ثَلَاثَةٌ هُمَا إِقْبَالَانِ، كَأَنَّهُمْ أَقْبَلُوا أَوَّلًا مِنَ الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ مَارِّينَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمُرُّونَ، فَلَمَّا رَأَوْا مَجْلِسَ النَّبِيِّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ اثْنَانِ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ الثَّالِثُ ذَاهِبًا.

قَوْلُهُ: (فَوَقَفَا) زَادَ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ: فَلَمَّا وَقَفَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والجمع حَلَقٌ؛ بفتح الحاء واللَّام (فَجَلَسَ فِيهَا) أي: في الفرجة، وفي روايةٍ: «إليها»، وإنَّما قال: «في الحلقة» دون أن يقول: في المجلس؛ ليطابق لفظ الحديث، وقال في الأوَّل: «به المجلس» لأنَّ الحكم فيهما واحدٌ ههنا (١).

٦٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ البخاريِّ، ابن أخي أنسٍ لأمِّه، التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، اسمه: يزيدُ (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بالقاف المكسورة والدَّال المُهمَلَة، اسمه الحارث بن مالكٍ، أو ابن عوفٍ الصَّحابيِّ (اللَّيْثِيِّ) بالمُثلَّثة البدريِّ في قول بعضهم، المُتوفَّى بمكَّة (٢) سنة ثمانٍ وستِّين، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وقد صرَّح أبو مُرَّة في رواية النَّسائيِّ من طريق (٣) يحيى بن أبي كثيرٍ عن إسحاق، فقال: عن أبي مرَّة أنَّ أبا واقدٍ حدَّثه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَمَا) بزيادة الميم (هُوَ) مبتدأٌ، خبره (جَالِسٌ) حال كونه (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِذْ أَقْبَلَ) جوابُ «بينما» (ثَلَاثَةُ

نَفَرٍ) بالتَّحريك، ولم يُسَمَّ (١) واحدٌ من الثَّلاثة، أي: ثلاثة رجالٍ من الطَّريق، «فدخلوا المسجد» كما في حديث أنسٍ: فإذا ثلاثة نفرٍ مارِّين (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى) مجلس (رَسُولِ اللهِ ) و «على» هنا بمعنى: عند، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري» بأنَّه لم تَجِئْ بمعناها، وزاد التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأكثر رواة «المُوطَّأ»: فلمَّا وقفا سلَّما (فَأَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم تفصيليَّةٌ (أَحَدُهُمَا) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (فَرَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء (فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا) وأتى بالفاء في قوله: «فرأى» لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، ولابن عساكر: «فَرْجةً» بفتح الفاء، وهي والضَّمُّ لغتان؛ وهي: الخلل بين الشَّيئين، قاله النَّوويُّ فيما نقله في «عمدة القاري» (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء، أي: الثَّاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا) أي: أدبر مُستمِرًّا في ذهابه ولم يرجع، وإلَّا «فأدبر» بمعنى: مرَّ ذاهبًا (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ) ممَّا كان مشتغلًا به من تعليم القرآن، أوِ (٢) العلم، أوِ الذِّكر، أوِ الخطبة، أو نحو ذلك (قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف؛ حرفُ تنبيهٍ، والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام، و «لا» للنَّفي

(أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ) فقالوا: أَخْبِرْنا عنهم يا رسول الله؛ فقال: (أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى) بقصر الهمزة، أي: لجأ (إِلَى اللهِ) تعالى، أوِ انضمَّ إلى مجلس الرَّسول (فَآوَاهُ الله) إليه؛ بالمدِّ، أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجازٌ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمُرَاد لازِمه (١)؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويُسمَّى هذا المجازُ مجازَ المُشاكَلَة والمُقابَلَة (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا) أي: ترك المُزاحَمَة حياءً من الرَّسول ومن أصحابه، وعند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء، فجلس» قال في «الفتح»: فالمعنى أنَّه استحيا من الذَّهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثَّالث (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ) بأن رَحِمَه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المُشاكَلَة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا مُحال على الله تعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قَبِيل ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم (وَأَمَّا الآخَرُ) وهو الثالث (فَأَعْرَضَ) عن مجلس رسول الله ولم يلتفت إليه، بل ولَّى مُدْبِرًا (فَأَعْرَضَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أي: جازاه بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب (٢) المُشاكَلَة؛ لأنَّ الإعراض هو الالتفات إلى جهةٍ أخرى، وذلك لا يليق بالباري تعالى، فيكون مجازًا عن السُّخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ على أمره (٣).

ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، وتابعيّ عن مثله، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٤٧٤]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «العلم».

(٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : رُبَّ مُبَلَّغٍ) -بفتح اللَّام لا بكسرها- إليه (١) عَنِّي يكون (أَوْعَى) أي: أَفْهَمَ لِمَا أقوله (مِنْ سَامِعٍ) منِّي، و «قول»: مجرورٌ بالإضافة، و «رُبَّ»: حرف جرٍّ يفيد التَّقليل، لكنَّه كَثُرَ في الاستعمال للتَّكثير، بحيث غلب حتَّى صارت كأنَّها حقيقةٌ فيه، وتنفرد عن أحرف الجرِّ: بوجوب تصديرها، وتنكيرِ مجرورها، ونعتِه إن كان ظاهرًا، وغلبةِ حذف مُعَدَّاها ومُضِيِّه، وبزيادتها في الإعراب دون المعنى، ومحلُّ مجرورها رفعٌ على الابتداء؛ نحو قوله هنا: «مُبلَّغٍ (٢)» فإنَّه وإن كان مجرورًا بالإضافة، ولكنَّه مرفوعٌ على الابتدائيَّة محلًّا، وخبره يكون المُقدَّر، و «أوعى»: صفةٌ للمجرور (٣)، وأمَّا في (٤) نحو: رُبَّ رجلٍ لقيت، فَنَصْبٌ على المفعوليَّة، وفي نحو: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيت، فَرَفْعٌ أو نَصْبٌ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٨ - (بَاب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها)

الْكَلَام فِيهِ على نَوْعَيْنِ: الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من قعد ... إِلَى آخِره، وَهُوَ مَرْفُوع على الخبرية مُضَاف إِلَى من، وَهِي مَوْصُولَة، و: قعد، جملَة الْفِعْل وَالْفَاعِل صلتها، و: حَيْثُ، ظرف للمكان مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة محلا، وَبني على الضَّم تَشْبِيها بالغايات. وَمن الْعَرَب من يعربه. قَوْله: (الْمجْلس) ، مَرْفُوع بقوله: يَنْتَهِي. قَوْله: (وَمن رأى) عطف على: من قعد، و (الفرجة) بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، لُغَتَانِ، وَهِي الْخلَل بَين الشَّيْئَيْنِ؛ قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ النّحاس: الفرجة، بِالْفَتْح، فِي الْأَمر، والفرجة بِالضَّمِّ فِيمَا يرى من الْحَائِط وَنَحْوه، وَفِي (الْعباب) : الفرجة، بِالْكَسْرِ، والفرجة بِالضَّمِّ لُغَتَانِ فِي فُرْجَة الْهم. وَقَالَ أَيْضا: الفرجة يَعْنِي، بِالْفَتْح: التفصي من الْهم. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفرجة: الرَّاحَة من الْغم، وَذكر فِيهَا فتح الْفَاء وَضمّهَا وَكسرهَا، وَقد فرج لَهُ فِي الْحلقَة والصف وَنَحْو ذَلِك، بِفَتْح الْعين، يفرج بضَمهَا، وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ غير الضَّم، وَفِي التفصي من الْهم غير الْفَتْح، وَأنْشد عَلَيْهِ:

(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ... ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال)

(وَالْحَلقَة) ، هُنَا بِإِسْكَان اللَّام، وَحكى الْجَوْهَرِي فتحهَا، وَالْأول أشهر. وَفِي (الْعباب) : الْحلقَة، بالتسكين: الدروع، وَكَذَلِكَ حَلقَة الْبَاب، وحلقة الْقَوْم، وَالْجمع الْحلق على غير قِيَاس، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجمع الْحلق، مِثَال: بدرة وَبدر، وقصعة وقصع. وَنهى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الْحلق قبل الصَّلَاة، يَعْنِي صَلَاة الْجُمُعَة، نَهَاهُم عَن التحليق والاجتماع على مذاكرة الْعلم قبل الصَّلَاة، وَحكى يُونُس عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: حَلقَة، فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ. وَالْجمع: حلق وحلقات. وَقَالَ ثَعْلَب: كلهم يُجِيز ذَلِك على ضعف. وَقَالَ الْفراء فِي نوادره: الْحلقَة، بِكَسْر اللَّام، لُغَة لِلْحَارِثِ بن كَعْب فِي الْحلقَة وَالْحَلقَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يَقُول: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب حَلقَة، بِالتَّحْرِيكِ، إلَاّ فِي قَوْلهم: هَؤُلَاءِ حَلقَة، للَّذين يحلقون الشّعْر جمع حالق. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول فِيهِ ذكر المناولة، وَهِي تكون فِي مجْلِس الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان شَأْن من يَأْتِي إِلَى الْمجْلس كَيفَ يقْعد، وَالْمرَاد مِنْهُ مجْلِس الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْعلم من جِهَة أَن المُرَاد بالحلقة: حَلقَة الْعلم، فَيدْخل فِي آدَاب الطَّالِب من هَذَا الْوَجْه. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا بَيَان وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْعلم، وَلَيْسَ الْقُوَّة إلَاّ فِي بَيَان وُجُوه الْمُنَاسبَة بَين الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة فِي كتب هَذَا الْكتاب، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هَذَا الْبَاب حَقه أَن يَأْتِي عقب بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، أَو عقب بَاب: طرح الْمَسْأَلَة، لِأَن كليهمَا من آدَاب الْعَالم، وَهَذَا الْبَاب من آدَاب المتعلم، وَمَا بعد هَذَا الْبَاب يُنَاسب الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رب مبلَّغٍ أوعى من سامع) . لِأَن فِيهِ معنى التَّحَمُّل عَن غير الْعَارِف، وَغير الْفَقِيه. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ أنسب لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان مناولة الْعَالم فِي مجْلِس علمه، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان أدب من يحضر هَذَا الْمجْلس، كَمَا ذكرنَا.

٦٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه أبي طَلْحَةَ أنّ أَبَا مُرَّة، مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ، أخْبَرَهُ عنْ أبي واقِدٍ اللَّيثَّي أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينَمَا هُو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاس مَعَهُ إِذ أَقَبَلَ ثَلَاثةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إِلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وذَهَبَ واحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفا على رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمّا أحدُهمُا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَس فِيهَا، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وأمّا الثالِثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا أُخُبِرُكُمْ عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمّا أحدُهُمْ فَأَوَى إِلَى الله فآوَاهُ الله، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاسْتحيْا الله مِنُه، وأمّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأَعْرَضَ الله عَنهُ) .

(الحَدِيث ٦٦ طرفه فِي ٤٧٤) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَن قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وفيمن رأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا

، والْحَدِيث مُشْتَمل على ذكر الْحلقَة والفرجة، وعَلى من جلس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وَلأَجل هَذَا قَالَ: فِي الْحلقَة، وَلم يقل: وَمن رأى فُرْجَة فِي الْمجْلس، ليطابق مَا فِي الْبَاب من ذكر الْحلقَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الأول بِلَفْظ الْمجْلس للإشعار بِأَن حكمهمَا وَاحِد هَهُنَا.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام. الثَّالِث: إِسْحَاق بن عبد اللَّه بن أبي طَلْحَة زيد بن سُهَيْل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ النجاري، ابْن أخي أنس لأمه كَانَ يسكن دَار جده بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَابِعِيّ، سمع أَبَاهُ وَعَمه لأمه أنس بن مَالك وَغَيرهمَا، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، وَهُوَ أشهر أخوته وَأَكْثَرهم حَدِيثا. وهم: عبد اللَّه وَيَعْقُوب وَإِسْمَاعِيل وَعمر بَنو عبد اللَّه، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق فِي الحَدِيث أحدا، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، اسْمه يزِيد، مولى عقيل بن أبي طَالب، وَقيل: مولى أَخِيه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: مولى اختهما أم هانىء. روى عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي وَاقد، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَالَ ابْن مَيْمُونَة: كَانَ شَيخا قَدِيما. الْخَامِس: أَبُو وَاقد، بِالْقَافِ الْمَكْسُورَة وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: اسْمه الْحَارِث بن عَوْف، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك. وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. قَالَ أَبُو عَمْرو: الأول أصح، ابْن أسيد بن جَابر بن عويرة بن عبد مَنَاة ابْن شجع بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة بن خُزَيْمَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ بَعضهم: شهد بَدْرًا وَلم يذكرهُ مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَذكر بَعضهم أَنه كَانَ قديم الْإِسْلَام، وَيُقَال: أسلم يَوْم الْفَتْح، وَأخْبر عَن نَفسه أَنه شهد حنيناً. قَالَ: وَكنت حَدِيث عهد بِكفْر، وَهَذَا يدل على تَأَخّر إِسْلَامه. وَشهد بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اليرموك، ثمَّ جاور بِمَكَّة سنة، وَتُوفِّي بهَا، وَدفن بمقبرة الْمُهَاجِرين. روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا، اتفقَا على حَدِيث، وَهُوَ هَذَا، وَزَاد مُسلم حَدِيثا آخر، وَهُوَ مَا كَانَ يقْرَأ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَضْحَى. وَقيل: إِنَّه ولد فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ ابْن عَبَّاس، قَالَ الْمَقْدِسِي: وَفِي هَذَا وشهوده بَدْرًا نظر، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَفِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية ثَلَاثَة، هَذَا أحدهم، وثانيهم: أَبُو واقدٍ مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، روى عَنهُ أَبُو عمر زَاذَان. وثالثهم: أَبُو وَاقد النميري، روى عَنهُ نَافِع بن سرجس والليثي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة، نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر الْمَذْكُور.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة والاخبار. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن أبي وَاقد غير هَذَا الحَدِيث، لم يروه عَنهُ إلَاّ أَبُو مرّة، وَلم يرو عَن أبي مرّة إلَاّ ابْن إِسْحَاق، وَقد صرح النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ من طَرِيق يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق، فَقَالَ عَن أبي مرّة: إِن أَبَا وَاقد حَدثهُ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه ابْن يُوسُف عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن الْمُنْذر عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَرْب بن شَدَّاد وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال عَن أبان بن يزِيد، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق بن عبد الله بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، عَن معن بن مَالك وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَليّ بن سعيد بن جرير عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (نفر) ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: عدَّة رجال، من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَفِي (الْعباب) : النَّفر والنفير عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَجمع النَّفر: أَنْفَار وانفرة ونفراء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: نفر الرجل رهطه. فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير أقل مَا يفهم مِنْهُ هَهُنَا تِسْعَة رجال، لِأَن أقل النَّفر ثَلَاثَة؟ لكنه لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لم يكن المقبلون إلَاّ رجَالًا ثَلَاثَة. قلت: مَعْنَاهُ ثَلَاثَة هِيَ نفر، كَأَن النَّفر هُوَ بَيَان للثَّلَاثَة، أَو المُرَاد من النَّفر مَعْنَاهُ الْعرفِيّ، إِذْ هُوَ بِحَسب الْعرف يُطلق على الرجل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَة رجال. فَإِن قلت: مُمَيّز الثَّلَاثَة لَا بُد أَن يكون جمعا، والنفر لَيْسَ بِجمع. قلت: النَّفر إسم جمع فِي وُقُوعه تمييزاً كالجمع. نَحْو قَوْله تَعَالَى: {تِسْعَة رَهْط} (النَّمْل: ٤٨) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا جَاءَ تَمْيِيز التِّسْعَة بالرهط لِأَنَّهُ فِي معنى الْجَمَاعَة،

فَكَأَنَّهُ قيل: تِسْعَة أنفسٍ، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر: أَن الرَّهْط من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، أَو من السَّبْعَة إِلَى الْعشْرَة، والنفر من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَلَا يخفى مُخَالفَته لما فِي (الصِّحَاح) . قَوْله: (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وَهُوَ التولي. قَوْله: (فأوى إِلَى الله) بِالْهَمْزَةِ الْمَقْصُورَة. وَقَوله: (فآواه الله) بِالْهَمْزَةِ الممدودة، وَيُقَال بالمقصورة أَيْضا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة قصر الأول وَمد الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَفِي الْقُرْآن: {إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف} (الْكَهْف: ١٠) بِالْقصرِ، {وآويناهما إِلَى ربوة} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠) بِالْمدِّ. وَقَالَ القَاضِي: حكى بَعضهم فيهمَا اللغتين: الْقصر وَالْمدّ، وَالْمَشْهُور الْفرق وَفِي (الْمطَالع) قَوْله: (فأوى إِلَى الله) مَقْصُور الْألف، فآواه الله، مَمْدُود الْألف هَذَا هُوَ الْأَشْهر فِيمَا روينَاهُ. وَقد جَاءَ الْمَدّ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَالْقصر فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، لَكِن الْمَدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر، وَالْقصر فِي اللَّازِم أشهر، وَمعنى: آواه الله: جعل الله لَهُ فِيهِ مَكَانا وفسحة لما انْضَمَّ إِلَيْهِ، أَعنِي مجْلِس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: قربه إِلَى مَوضِع نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: يؤويه إِلَى ظلّ عَرْشه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أوياً، على فعول، وآويته إيواءً وأويته: إِذا انزلته بك. فعلت وأفعلت بِمَعْنى.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) قد مر غير مرّة أَن: بَيْنَمَا، أَصله: بَين، زيدت فِيهِ لَفْظَة: مَا. وَهُوَ من الظروف الَّتِي لَزِمت إضافتها إِلَى الْجُمْلَة، وَفِي بعض النّسخ: بَينا، بِغَيْر لَفْظَة: مَا، وأصل: بَينا، أَيْضا بَين، فاشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة المستفادة من لَفْظَة: إِذْ أقبل، وَقد قُلْنَا: إِن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح مَجِيء إِذا وَإِذ فِي جَوَاب بَين. قَوْله: (هُوَ) ، مُبْتَدأ و: جَالس، خَبره. وَقَوله: (فِي الْمَسْجِد) حَال، كَذَا قَوْله: (وَالنَّاس مَعَه) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذْ أقبل) جَوَاب: بَيْنَمَا. وَقَوله: (ثَلَاثَة نفر) فَاعل أقبل. قَوْله: (وَذهب وَاحِد) ، جملَة فعلية عطف على قَوْله: (فَأقبل اثْنَان) . قَوْله: (فوقفا) عطف على قَوْله: (أقبل اثْنَان) قَوْله: (فَأَما) ، كلمة: اما، للتفصيل، و: أحدهم، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: فَرَأى فُرْجَة، وَإِنَّمَا دخلت: الْفَاء، لتضمن: اما، معنى الشَّرْط. وَإِنَّمَا أخرت إِلَى الْخَبَر كَرَاهَة أَن يوالى بَين حرفي الشَّرْط وَالْجَزَاء لفظا. قَوْله: (فَجَلَسَ فِيهَا) عطف على قَوْله: (فَرَأى) ، وَالْكَلَام فِي إِعْرَاب: (وَأما الآخر فَجَلَسَ خَلفهم) ، كَالْكَلَامِ فِي الأول، وخلفهم، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَكَذَا الْكَلَام فِي: أدبر. قَوْله: (ذَاهِبًا) . حَال. قَوْله: (قَالَ: ألَا) جَوَاب لما، وَألا، حرف التَّنْبِيه سَوَاء فِيهِ مَا كَانَ الْمُخَاطب بِهِ مُفردا أَو مثنى أَو مجموعاً، وَيحْتَمل أَن تكون الْهمزَة للاستفهام، و: لَا، للنَّفْي. قَوْله: (أما أحدهم) الْكَلَام فِي إعرابه، وَفِي إِعْرَاب: أما، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مثل الْكَلَام فِي إِعْرَاب: أما أَحدهمَا فَرَأى فُرْجَة.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِذْ أقبل ثَلَاثَة نفر) : اعْلَم أَن هَهُنَا إقبالين: أَحدهمَا: إقبالهم أَولا من الطَّرِيق، أَقبلُوا ودخلوا الْمَسْجِد مارين، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ: (فَإِذا ثَلَاثَة نفر يَمرونَ) ، وَالْآخر: إقبال الِاثْنَيْنِ مِنْهُم حِين رَأَوْا مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الثَّالِث فَإِنَّهُ اسْتمرّ ذَاهِبًا. وَبِهَذَا التَّقْدِير سقط سُؤال من قَالَ: كَيفَ قَالَ أَولا: أقبل ثَلَاثَة؟ ثمَّ قَالَ: فَأقبل اثْنَان؟ وَالْحَال لَا يَخْلُو من أَن يكون الْمقبل اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة. قَوْله: (فوقفا) زَاد فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) : (فَلَمَّا وَقفا سلما) ، وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يذكر البُخَارِيّ هَهُنَا، وَلَا فِي الصَّلَاة، السَّلَام وَكَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة مُسلم. وَمعنى قَوْله: (فوقفا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقفا على مجْلِس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَعْنَاهُ: أشرفا عَلَيْهِ، وَمِنْه وقفته على ذَنبه أَي: أطلعته عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: على، بِمَعْنى: عِنْد. قلت: لم تجىء: على، بِمَعْنى: عِنْد، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان من كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (وَأما الآخر) ، بِفَتْح الْخَاء بِمَعْنى: وَأما الثَّانِي، لِأَن الآخر، بِالْفَتْح، أحد الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ اسْم أفعل، وَالْأُنْثَى: أُخْرَى إلَاّ أنّ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن أفعل من كَذَا لَا يكون إلَاّ فِي الصّفة. وَأما الآخر بِكَسْر الْخَاء، فَهُوَ بعد الأول، وَهُوَ صفة، يُقَال: جَاءَ آخرا، أَي: أخيراً. وَتَقْدِيره فَاعل، وَالْأُنْثَى آخِرَة، وَالْجمع أَوَاخِر. قَوْله: (فَلَمَّا فرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: عَمَّا كَانَ مشتغلاً بِهِ من الْخطْبَة، وَتَعْلِيم الْعلم أَو الذّكر، وَنَحْوه. قَوْله: (أما أحدهم) فِيهِ حذف تَقْدِيره قَالُوا: أخبرنَا، فَقَالَ: أما أحدهم فاوى إِلَى الله أَي: لَجأ إِلَى الله. وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ: دخل مجْلِس ذكر الله. قَوْله: (فآواه الله) ، من بَاب المشاكلة. والمقابلة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: ٥٤) فَسمى مجازاته باسم فعله بطرِيق الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الإيواء هُوَ الْإِنْزَال عنْدك، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر وَنَحْوه، فَيكون من ذكر الْمَلْزُوم، وَإِرَادَة اللَّازِم. وَيُقَال: مَعْنَاهُ فآواه الله إِلَى جنته. قَوْله: (وَأما الآخر فاستحيى) أَي: ترك الْمُزَاحمَة كَمَا فعل رَفِيقه حَيَاء من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والحاضرين. قَالَه القَاضِي عِيَاض.

وَيُقَال: مَعْنَاهُ استحيى من الذّهاب عَن الْمجْلس، كَمَا فعل رَفِيقه الثَّالِث، وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الثَّانِي: (فَلبث ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ) . قَوْله: (فاستحيى مِنْهُ) . أَي: جازاه بِمثل فعله بِأَن رَحمَه وَلم يُعَاقِبهُ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يذم بِهِ، وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن ترك الْعقَاب للاستحياء، فَيكون هَذَا أَيْضا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. قَوْله: (وَأما الآخر فاعرض) أَي: عَن مجْلِس رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ، بل ولى مُدبرا. قَوْله: (فاعرض الله عَنهُ) أَي: جازاه بِأَن سخط عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاض هُوَ الِالْتِفَات إِلَى جِهَة أُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يَلِيق فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن السخط وَالْغَضَب الْمجَاز عَن إِرَادَة الانتقام. وَالْقَاعِدَة فِي مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي لَا يُمكن حملهَا على ظواهرها أَن يُرَاد بِهِ غاياتها ولوازمها، والعلاقة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمعْنَى الْمجَازِي: اللُّزُوم والقرينة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة هُوَ الْعقل، إِذا لَا يتَصَوَّر الْعقل صُدُور هَذِه الْأَشْيَاء من الله تَعَالَى. فَإِن قلت: هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة إِخْبَار أَو دُعَاء. قلت: يحْتَمل الْمَعْنيين فِي لَفْظَة: الإيواء والإعراض، وَلَكِن مَا وَقع فِي رِوَايَة أنس: (وَأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عَنهُ) ، يُؤَيّد معنى الْإِخْبَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب التَّشْبِيه، أَي: يفعل الله تَعَالَى كَمَا يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (آل عمرَان: ٥٤) فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ وصف الْقَدِيم بالاستحياء؟ قلت: هُوَ جَار على سَبِيل التَّمْثِيل، وَمثل تَركه يتْرك من يتْرك شَيْئا حَيَاء مِنْهُ.

ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: (فاعرض الله) ، مَحْمُول على من ذهب معرضًا، لَا لعذر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: من أعرض عَن نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وزهد مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَإِن كَانَ هَذَا مُؤمنا وَذهب لحَاجَة دنياوية أَو ضَرُورِيَّة فإعراض الله عَنهُ ترك رَحمته وعفوه، فَلَا يثبت لَهُ حَسَنَة وَلَا يمحو عَنهُ سَيِّئَة. قلت: وَإِن كَانَ ذَاك منافقاً كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اطلع على أمره، فَلذَلِك قَالَ: فاعرض الله عَنهُ.

بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن من جلس إِلَى حَلقَة علم أَنه فِي كنف الله تَعَالَى وَفِي ايوائه، وَهُوَ مِمَّن تضع لَهُ الْمَلَائِكَة اجنحتها. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ يجب على الْعَالم أَن يؤوي المتعلم لقَوْله: (فآواه الله) . الثَّانِي: أَن فِيهِ أَن من قصد الْعَالم ومجالسته فاستحيى مِمَّن قَصده فَإِن الله يستحيي مِنْهُ فَلَا يعذبه. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أعرض عَن مجالسة الْعَالم فَإِن الله يعرض عَنهُ، وَمن أعرض الله عَنهُ فقد تعرض لسخطه. الرَّابِع: اسْتِحْبَاب التحلق للْعلم وَالذكر فِي الْمَسْجِد. الْخَامِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْقرب من الْكَبِير فِي الْحلقَة ليسمع كَلَامه. السَّادِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الثَّنَاء على من فعل جميلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الْإِنْسَان إِذا فعل قبيحاً أَو مذموماً وباح بِهِ جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن من حسن الْأَدَب أَن يجلس الْمَرْء حَيْثُ انْتهى مَجْلِسه، وَلَا يُقيم أحدا. وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي الحَدِيث أَيْضا. التَّاسِع: فِيهِ ابْتِدَاء الْعَالم جلساءه بِالْعلمِ قبل أَن يسْأَل عَنهُ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن من سبق إِلَى مَوضِع فِي مجْلِس كَانَ هُوَ أَحَق بِهِ، لتَعلق حَقه بِهِ فِي الْجُلُوس. الْحَادِي عشر: فِيهِ سد خلل الْحلقَة، كَمَا ورد التَّرْغِيب فِي سد خلل الصُّفُوف فِي الصَّلَاة. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز التخطي لسد الْخلَل مَا لم يؤذ أحدا، فَإِن خشِي اسْتحبَّ أَن يجلس حَيْثُ يَنْتَهِي. الثَّالِث عشر: فِيهِ الثَّنَاء على من زاحم فِي طلب الْخَيْر.

٩ - (بَاب قَولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ)

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه: الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رب مبلغ اوعى من سامع) ، وَالْبَاب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمبلغ، بِفَتْح اللَّام، وَمن جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْجَالِس فِي الْحلقَة، وَهُوَ أَيْضا من جملَة المبلغين، لِأَن حَلقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت مُشْتَمِلَة على الْعُلُوم، وَالْأَمر بتعلمها والتبليغ إِلَى الغائبين، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّبْوِيب الِاسْتِدْلَال على جَوَاز الْحمل على من لَيْسَ بفقيه من الشُّيُوخ الَّذين لَا علم عِنْدهم وَلَا فقه، إِذا ضبط مَا يحدث بِهِ. قلت: هَذَا بَيَان وَجه وضع هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح

تعرض لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُعَلّقا، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الحَدِيث الَّذِي ذكره بعده بِالْإِسْنَادِ، فَهُوَ من بَاب نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَإِمَّا أَنه ثَبت عِنْده بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق آخر. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد جَاءَت لَفْظَة التَّرْجَمَة فِي التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الرحمان بن عبد اللَّه بن مَسْعُود عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نضر الله أمرأ سمع منَّا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سمع، فَرب مبلغ اوعى من سامع) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: كل مِنْهُمَا قد أبعد وتعسف، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال هُوَ: إِن هَذَا حَدِيث مُعَلّق، أورد البُخَارِيّ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَأما لَفظه: فَهُوَ مَوْصُول عِنْده فِي: بَاب الْخطْبَة بمنى، من كتاب الْحَج، أخرجه من طَرِيق قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم النَّحْر، قَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟) وَفِي آخِره هَذَا اللَّفْظ. وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ. فِي (جَامعه) وَابْن حباب وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نصر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها فأداها إِلَى من لم يسْمعهَا، فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَوْله: (نضر) بِالتَّشْدِيدِ أَكثر من التَّخْفِيف، أَي: حسن، وَيُقَال: نضر الله وَجهه، ونضر، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي. قلت: وَجَاء: نضر، بِالْفَتْح أَيْضا، حَكَاهُ أَبُو عبيد. والمصدر: نضارة ونضرة أَيْضا، وَهُوَ: الْحسن والرونق. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ التِّرْمِذِيّ لحَدِيث ابْن مَسْعُود: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد تكلم النَّاس فِي سَماع عبد الرحمان عَن أَبِيه، فَقَالُوا: كَانَ صَغِيرا؟ وَقَالَ يحيى بن معِين: عبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة ابْنا عبد اللَّه ابْن مَسْعُود لم يسمعا من أَبِيهِمَا. وَقَالَ أَحْمد: مَاتَ عبد اللَّه ولعَبْد الرَّحْمَن ابْنه سِتّ سِنِين أَو نَحْوهَا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يعبأ بِمَا قيل فِي عدم سَماع عبد الرَّحْمَن من أَبِيه لصغره، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: لم يخرج البُخَارِيّ لأبي عُبَيْدَة شَيْئا، وَأخرج هُوَ وَمُسلم لعبد الرَّحْمَن عَن مَسْرُوق، فَلَمَّا كَانَ الحَدِيث لَيْسَ من شَرطه جعله فِي التَّرْجَمَة. قلت: هَذَا بِنَاء على تعسفه فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالَّذِي جعله فِي التَّرْجَمَة قد ذكره فِي كتاب الْحَج على مَا ذكرنَا. الرَّابِع: قَوْله: (رب) هُوَ للتقليل، لكنه كثر فِي الِاسْتِعْمَال للتكثير بِحَيْثُ غلب حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ، وَهِي حرف خلافًا للكوفيين فِي دَعْوَى إسميته، وَقَالُوا: قد أخبر عَنهُ الشَّاعِر فِي قَوْله.

(وَرب قتل عَار)

وَأجِيب: بِأَن عَار، خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة صفة للمجرور، أَو خبر للمجرور، إِذْ هُوَ فِي مَوضِع مُبْتَدأ، وينفرد: رب، بِوُجُوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إِن كَانَ ظَاهرا، وإفراده وتذكيره وتمييزه بِمَا يُطَابق الْمَعْنى إِن كَانَ ضميراً، وَغَلَبَة حذف معداها ومضيه، وَوُجُوب كَون فعلهَا مَاضِيا لفظا أَو معنى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وفيهَا لُغَات عشر، ثمَّ عدهَا. قلت: فِيهَا سِتّ عشرَة لُغَة: ضم الرَّاء، وَفتحهَا، وَكِلَاهُمَا مَعَ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف، وَالْأَوْجه الْأَرْبَعَة مَعَ تَاء التَّأْنِيث الساكنة أَو المتحركة، أَو مَعَ التجرد مِنْهَا، فَهَذِهِ اثْنَتَيْ عشرَة، وَالضَّم وَالْفَتْح مَعَ إسكان الْبَاء، وَضم الحرفين مَعَ التَّشْدِيد وَمَعَ التَّخْفِيف. قَوْله: (مبلغ) ، بِفَتْح اللَّام أَي: مبلغ إِلَيْهِ، فَحذف الْجَار وَالْمَجْرُور كَمَا يُقَال الْمُشْتَرك وَيُرَاد بِهِ الْمُشْتَرك فِيهِ. قَوْله: (أوعى) أفعل التَّفْضِيل من الوعي، وَهُوَ الْحِفْظ. فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام؟ قلت: إعرابه على مَذْهَب الْكُوفِيّين: أَن (رب مبلغ) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله (أوعى من سامع) خَبره، وَالْمعْنَى: رب مبلغ إِلَيْهِ عني أفهم وأضبط لما أَقُول من سامع مني، وَلَا بُد من هَذَا الْقَيْد لِأَن الْمَقْصُود ذَلِك، وَقد صرح بذلك ابْن مَنْدَه فِي رِوَايَته من طَرِيق هودة عَن ابْن عون، وَلَفظه: (فَإِنَّهُ عَسى أَن يكون بعض من لم يشْهد أوعى لما أَقُول من بعض من شهد) . وَأما على مَذْهَب الْبَصرِيين، فَإِن قَوْله: (مبلغ) ، وَإِن كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة، وَلكنه مَرْفُوع على الِابْتِدَاء محلا. وَقَوله: (أوعى) صفة لَهُ، وَالْخَبَر مَحْذُوف وَتَقْدِيره: يكون أَو يُوجد، أَو نَحْوهمَا. وَقَالَ النُّحَاة فِي نَحْو: رب رجل صَالح عِنْدِي، مَحل مجرورها رفع على الابتدائية وَفِي نَحْو: رب رجل لَقيته، نصب على المفعولية، وَفِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته، رفع أَو نصب كَمَا فِي قَوْلك: هَذَا لَقيته.

٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدّثنا بِشْرُ قَالَ: حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عَن ابنِ سِيرِينَ عَن عبدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عَن أبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قعَدَ على بَعِيرِهِ وأمْسَك إنسانٌ بِخِطامِهِ

أوْ بِزِمامِهِ قَالَ: (أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) فَسَكَتْنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِيهِ سِوَى اسمِهِ؟ قَالَ: (ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فأَيّ شَهُرٍ هَذَا) فَسَكتنا حتَّى ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَميِّهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، فَقَالَ: (ألَيْسَ بِذِى الحِجةِ؟) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فإنّ دِماءَكُمْ وَأَمُوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامُ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ فإنّ الشاهدَ عَسَى أَن يُبَلِّغَ مَن هُو أوْعَى لهُ مِنهُ) ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا ذَكرْنَاهُ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن الْمفضل بن لَاحق الرقاشِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، سمع ابْن الْمُنْكَدر وَعبد اللَّه بن عون وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَحْمد، وَقَالَ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث عثمانياً، توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقَالَ: إِنَّه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة. يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد اللَّه بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وأرطبان مولى عبد اللَّه بن مُغفل الصَّحَابِيّ، رأى أنس بن مَالك وَلم يثبت لَهُ مِنْهُ سَماع، وَسمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، روى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ، وَعَن خَارِجَة قَالَ: صَحِبت ابْن عون أَرْبعا وَعشْرين سنة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَمَات وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ، وَيُقَال: توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث أَبُو عمر الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، أَخُو عبيد اللَّه وَمُسلم ووراد، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع عشرَة، سمع أَبَاهُ وعلياً وَغَيرهمَا، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي غير مَوضِع عَن ابْن سِيرِين وَعبد الْملك بن عُمَيْر وخَالِد الْحذاء، وَعنهُ عَن أَبِيه قَالَ ابْن معِين: توفّي سنة تسع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو بكرَة، واسْمه نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، ابْن الْحَارِث وَقد تقدم.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم: عبد اللَّه ابْن عون، وَابْن سِيرِين، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، وَزَاد فِي آخِره: قَالَ عبد الرَّحْمَن: حَدَّثتنِي أُمِّي عَن أبي بكرَة أَنه قَالَ: لَو دخلُوا عَليّ مَا نهشت لَهُم بقصبة، وَفِي الْحَج عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد عَليّ أبي عَامر الْعَقدي عَن قُرَّة بن خَالِد بِإِسْنَادِهِ نَحوه، وسمى الرجل حميد بن عبد الرَّحْمَن وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى، وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن سَلام كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَفِي الْعلم وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن عبد اللَّه بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب، وَأخرجه مُسلم فِي الدِّيات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن حبيب ابْن عَرَبِيّ، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ، وَعَن نصر بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَعَن أبي مُوسَى عَن حَمَّاد بن مسْعدَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون بِهِ، وَزَاد فِي آخِره: ثمَّ انكفأ إِلَى كبشين أملحين فذبحهما إِلَى جريعة من الْغنم، فَقَسمهَا بَيْننَا. وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد نَحوه، وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَعَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو بن جبلة، وَأحمد بن الْحسن بن خرَاش، كِلَاهُمَا عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وسمى حميد بن عبد الرحمان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بن بشر بن الْمفضل نَحوه، وَعَن يحيى بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع نَحوه، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وَذكر حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن سُلَيْمَان بن مُسلم عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي عون. واخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُم، بِنَحْوِهِ، وَله طرق تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَذكره ابْن مَنْدَه فِي (مستخرجه) من حَدِيث سَبْعَة عشر صحابياً.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على بعيره) الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد يكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بَعِيري. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس، إِذا

رَأَيْت جملا على الْبعد. قلت: هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة، وَيجمع على: أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعر وبعران. وَفِي (الْعباب) : يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير، بِكَسْر الْبَاء والشين وَالْفَتْح هُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا جذع، وَالْجمع أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران هَذِه عَن الْفراء. قَوْله: (أمسك إِنْسَان بخطامه) أَي: تمسك بِهِ، ومسكت بِهِ مثل أَمْسَكت بِهِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب} (الْأَعْرَاف: ١٧٠) أَي: يتمسكون بِهِ، وَقَرَأَ البصريون: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} (الممتحنه: ١٠) بِالتَّشْدِيدِ، والخطام، بِكَسْر الْخَاء: الزِّمَام الَّذِي يشد فِيهِ الْبرة، بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء؛ حَلقَة من صفر تجْعَل فِي لحم أنف الْبَعِير. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تجْعَل فِي إِحْدَى جَانِبي المنخرين. قَوْله: (بِذِي الْحجَّة) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر افصح، وَيجمع على: ذَوَات الْحجَّة، وَذي الْقعدَة، بِكَسْر الْقَاف، وَيجمع على ذَوَات الْعقْدَة. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض، بِكَسْر الْعين، وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه. وَقيل: الْعرض الْحسب، وَقيل: الْخلق، وَقيل: النَّفس. وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الشَّاهِد) أَي الْحَاضِر، من: شهد إِذا حضر. قَوْله: (أوعى) أَي: أحفظ، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ والفهم.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ذكر النَّبِي) ، بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ مفعول: ذكر، وَالضَّمِير فِي ذكر يرجع إِلَى الرَّاوِي. الْمَعْنى عَن أبي بكرَة أَنه كَانَ يُحَدِّثهُمْ، فَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: (قعد على بعيره) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (قعد) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، عَن أبي بكرَة، قَالَ وَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فالواو: وَاو الْحَال، وَيجوز أَن تكون وَاو الْعَطف، على أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ محذوفاً. فَافْهَم. قَوْله: (قعد على بعيره) جملَة وَقعت مقول قَالَ الْمُقدر. قَوْله: (وَأمْسك) يجوز أَن تكون الْوَاو، فِيهِ للْحَال. وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا تجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، وَلَكِن لَا بُد من قد، ظَاهِرَة أَو مقدرَة، وَيجوز أَن تكون للْعَطْف على قعد. قَوْله: (أَي يَوْم هَذَا؟) جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فسكتنا) عطف على: قَالَ. قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى. قَوْله: (أَنه) ، بِفَتْح الْهمزَة فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (سيسميه) : السِّين فِيهِ تفِيد توكيد النِّسْبَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ سيرحمهم الله} (التَّوْبَة: ٧١) السِّين مفيدة وجود الرَّحْمَة لَا محَالة، فَهِيَ تؤكد الْوَعْد كَمَا تؤكد الْوَعيد إِذا قلت: سأنتقم مِنْك. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) الْهمزَة فِيهِ لَيست للاستفهام الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد نفي مَا بعْدهَا، وَمَا بعْدهَا هَهُنَا منفي، فَتكون إِثْبَاتًا. لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمَعْنى: هُوَ يَوْم النَّحْر. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده} (الزمر: ٣٩) أَي: الله كَاف عَبده، وَكَذَلِكَ قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} (الإنشراح: ١) فَمَعْنَاه: شرحنا صدرك، وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ قَوْله: {ووضعنا} (الإنشراح: ٢) . قَوْله: (فَقُلْنَا) عطف على قَوْله: قَالَ. قَوْله: (بلَى) مقول القَوْل أقيم مقَام الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ مقول القَوْل، وَهِي حرف يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إِبْطَاله سَوَاء كَانَ مُجَردا نَحْو: {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي} (التغابن: ٧) أَو مَقْرُونا بالاستفهام حَقِيقِيًّا كَانَ نَحْو: أَلَيْسَ زيد بقائم، فَتَقول: بلَى، أَو توبيخاً نَحْو: {أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى} (الزخرف: ٨٠) . {أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى} (الْقِيَامَة: ٣) . أَو تقريراً نَحْو: {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى} (الْملك: ٨ ٩) . {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْدِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو قَالُوا: نعم كفرُوا، لِأَن: نعم، تَصْدِيق للْخَبَر بِنَفْي أَو إِيجَاب، وَلذَلِك قَالَت جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف؟ فَقَالَ: بلَى، لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم، لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا، وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، قَوْله: (ليبلغ) ، بِكَسْر الْغَيْن، لِأَنَّهُ أَمر، وَلكنه لما وصل بِمَا بعده حرك بِالْكَسْرِ، لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ. قَوْله: (عَسى أَن يبلغ) ، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن، وَقد علم أَن لعسى استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون فَاعله إسماً نَحْو: عَسى زيد أَن يخرج، فزيد مَرْفُوع بالفاعلية، و: أَن يخرج، فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة: قَارب زيد الْخُرُوج. وَالْآخر: أَن تكون أَن مَعَ صلتها فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو: عَسى أَن يخرج زيد، فَيكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة: قرب أَن يخرج، أَي: خُرُوجه. وَمَا فِي الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (مِنْهُ) ، صلَة لأَفْعَل التَّفْضِيل، أَعنِي قَوْله: (أوعى) . فَإِن قلت: صلته كالمضاف إِلَيْهِ، فَكيف جَازَ الْفَصْل بَينهمَا بِلَفْظَة: لَهُ؟ قلت: جَازَ، لِأَن فِي الظّرْف سَعَة كَمَا جَازَ الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِهِ، قَالَ.

(فرشني بِخَير لأكونن ومدحتي ... كناحت يَوْمًا صَخْرَة بعسيل)

فَإِن قَوْله: يَوْمًا، فصل بَين: ناحت، الَّذِي هُوَ مُضَاف، وَبَين صَخْرَة، الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ. وَقَوله: (فرشني) أَمر من راش

يريش، يُقَال: رَشَّتْ فلَانا إِذا أصلحت حَاله، والعسيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة، مكنسة الْعَطَّار الَّذِي يجمع بِهِ الْعطر.

بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (قعد على بعيره) ، وَذَلِكَ كَانَ بمنى فِي يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَأمْسك إِنْسَان بخطامه) قيل: هَذَا الممسك كَانَ بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أم الْحصين، قَالَت: حججْت فَرَأَيْت بِلَالًا يَقُود بِخِطَام رَاحِلَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: كَانَ الممسك عَمْرو بن خَارِجَة، فَإِنَّهُ وَقع فِي السّنَن من حَدِيثه، قَالَ: كنت آخذ بزمام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكر الْخطْبَة. قيل: هُوَ أولى أَن يُفَسر بِهِ الْمُبْهم، لِأَنَّهُ أخبر عَن نَفسه أَنه كَانَ ممسكاً بزمام نَاقَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيُقَال: كَانَ الممسك هُوَ أَبَا بكرَة الرَّاوِي، لما روى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحُسَيْن عَن سُفْيَان عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك عَن أبي عون بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكرَة. قَالَ: (خطب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على رَاحِلَته يَوْم النَّحْر، وَأَمْسَكت، إِمَّا قَالَ: بخطامها أَو بزمامها) . قَوْله: (أَي يَوْم) ، هَذَا؟ لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والأصيلي والحموي السُّؤَال عَن الشَّهْر، وَالْجَوَاب الَّذِي قبله وَلَفْظهمَا: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وكريمة بالسؤال عَن الشَّهْر وَالْجَوَاب الَّذِي قبله، وَهِي أَيْضا كَذَلِك فِي مُسلم وَغَيره، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم وَغَيره السُّؤَال عَن الْبَلَد، فَهَذِهِ ثَلَاثَة اسئلة عَن الْيَوْم والشهر والبلد، وَهِي ثَابِتَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْأَضَاحِي من رِوَايَة أَيُّوب، وَفِي الْحَج أَيْضا من رِوَايَة قُرَّة، كِلَاهُمَا عَن ابْن سِيرِين. وَذكر فِي أول حَدِيثه: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟ قُلْنَا: الله وَرَسُوله أعلم، فَسكت حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه) . وَذكر قَوْله: الله وَرَسُوله أعلم فِي الْجَواب عَن الأسئلة الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ أوردهُ من رِوَايَة ابْن عمر، وَجَاء من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْم حرَام. قَالَ: فَأَي بلد هَذَا؟ قَالُوا: بلد حرَام. قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ قَالُوا: شهر حرَام) . فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس يشْعر بِأَنَّهُم أجابوه بقَوْلهمْ: هَذَا يَوْم حرَام وبلد حرَام وَشهر حرَام، وَهُوَ مُخَالف للمذكور هُنَا من حَدِيث أبي بكرَة، وَمن حَدِيث ابْن عمر أَيْضا أَنهم سكتوا حَتَّى ظنُّوا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، الْجَواب أَنه يحْتَمل أَن تكون الْخطْبَة مُتعَدِّدَة، فَأجَاب فِي الثَّانِيَة من علم فِي الأولى، وَلم يجب من لم يعلم فَنقل كل من الروَاة مَا سمع، وَيُقَال: إِن حَدِيث أبي بكرَة من رِوَايَة مُسَدّد وَقع نَاقِصا مخروماً لنسيان وَقع من بعض الروَاة. قَوْله: (فَإِن دماءكم) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سفك دمائكم، وَكَذَا فِي: أَمْوَالكُم، التَّقْدِير: أَخذ أَمْوَالكُم، وَكَذَا فِي: أعراضكم، التَّقْدِير: سلب أعراضكم. قَوْله: (ليبلغ الشَّاهِد) ، أَي الْحَاضِر فِي الْمجْلس الْغَائِب عَنهُ، وَالْمرَاد مِنْهُ إِمَّا تَبْلِيغ القَوْل الْمَذْكُور، أَو تَبْلِيغ جَمِيع الْأَحْكَام. فَافْهَم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: هُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن الْعَالم يجب عَلَيْهِ تَبْلِيغ الْعلم لمن لم يبلغهُ، وتبيينه لمن لَا يفهمهُ، وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله تَعَالَى على الْعلمَاء. {ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} (آل عمرَان: ١٨٧) . الثَّانِي: فِيهِ أَنه يَأْتِي فِي آخر الزَّمَان من يكون لَهُ من الْفَهم فِي الْعلم من لَيْسَ لمن تقدمه، وَأَن ذَلِك يكون فِي الْأَقَل، لِأَن: رب، مَوْضُوعَة للتقليل، و: عَسى، موضعهَا الإطماع، وَلَيْسَت لتحقيق الشَّيْء. الثَّالِث: فِيهِ أَن حَامِل الحَدِيث يجوز أَن يُؤْخَذ عَنهُ، وَإِن كَانَ جَاهِلا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مَأْخُوذ من تبليغه، مَحْسُوب فِي زمرة أهل الْعلم. الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا كَانَ حَرَامًا يجب على الْعَالم أَن يُؤَكد حرمته، ويغلظ عَلَيْهِ بأبلغ مَا يُوجد، كَمَا فعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي المتشابهات. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْقعُود على ظهر الدَّوَابّ إِذا احْتِيجَ إِلَى ذَلِك، لَا للأشر والبطر، وَالنَّهْي فِي قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُور الدَّوَابّ مجَالِس) ، مَخْصُوص بِغَيْر الْحَاجة. السَّادِس: فِيهِ الْخطْبَة على مَوضِع عَال ليَكُون أبلغ فِي سماعهَا للنَّاس، ورؤيتهم إِيَّاه. السَّابِع: فِيهِ مُسَاوَاة المَال وَالدَّم وَالْعرض فِي الْحُرْمَة. الثَّامِن: فِيهِ تَشْبِيه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض بِالْيَوْمِ وبالشهر وبالبلد فِي الْحُرْمَة دَلِيل على اسْتِحْبَاب ضرب الْأَمْثَال، وإلحاق النظير بالنظير قِيَاسا، قَالَه النَّوَوِيّ.

الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ شبه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض فِي الْحُرْمَة بِالْيَوْمِ والشهر والبلد فِي غير هَذِه الرِّوَايَة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم كَانُوا لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة هَذِه الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال، وَكَانَ تَحْرِيمهَا ثَابتا فِي نُفُوسهم مقرراً عِنْدهم بِخِلَاف الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض، فَإِنَّهُم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يستبيحونها. وَقَالَ بَعضهم: أعلمهم الشَّارِع بِأَن تَحْرِيم دم الْمُسلم وَمَاله وَعرضه أعظم من تَحْرِيم الْبَلَد والشهر وَالْيَوْم، فَلَا يرد كَون الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَقع

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّبِيِّ مَجَازِيَّةٌ، أَيْ: كَتَبَ الْكَاتِبَ بِأَمْرِهِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) يُعْرَفُ مِنْ هَذَا فَائِدَةُ إِيرَادِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا لِيَحْصُلَ الْأَمْنُ مِنْ تَوَهُّمِ تَغْيِيرِهِ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ خَتْمِهِ إِذَا كَانَ الْحَامِلُ عَدْلًا مُؤْتَمَنًا.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ) الْقَائِلُ هُوَ شُعْبَةُ، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْجِهَادِ وَفِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(فَائِدَةٌ): لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ الْإِجَازَةَ الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ أَوِ الْمُكَاتَبَةِ، وَلَا الْوِجَادَةَ وَلَا الْوَصِيَّةَ وَلَا الْإِعْلَامَ الْمُجَرَّدَاتِ عَنِ الْإِجَازَةِ، وَكَأَنَّهُ لَا يَرَى بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدِ ادَّعَى ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: قَالَ لِي فَهِيَ إِجَازَةٌ، وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ بِدَلِيلِ أَنِّي اسْتَقْرَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الْجَامِعُ قَالَ لِي فَوَجَدْتُهُ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ يَقُولُ فِيهَا حَدَّثَنَا، وَالْبُخَارِيُّ لَا يَسْتَجِيزُ فِي الْإِجَازَةِ إِطْلَاقَ التَّحْدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَسْمُوعِ، لَكِنْ سَبَبَ اسْتِعْمَالِهِ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَبْلُغُ شَرْطَهُ وَمَا لَا يَبْلُغُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٨ - بَاب مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا

٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: حدثنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ.

[الحديث ٦٦ - طرفه في: ٤٧٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ) مُنَاسَبَةُ هَذَا لِكِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجْلِسِ وَبِالْحَلْقَةِ حَلْقَةُ الْعِلْمِ وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ. فَيَدْخُلُ فِي أَدَبِ الطَّالِبِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَالتَّرَاجِمُ الْمَاضِيَةُ كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الْعَالِمِ.

قَوْلُهُ: (مَوْلَى عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَقِيلَ لِأَبِي مُرَّةَ ذَلِكَ لِلُزُومِهِ إِيَّاهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلَى أُخْتِهِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ فَقَالَ: عَنْ أَبِي مُرَّةَ أَنَّ أَبَا وَاقِدٍ حَدَّثَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اسْمَ أَبِي وَاقِدٍ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ، وَقِيلَ ابْنُ عَوْفٍ، وَقِيلَ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ مَدَنِيُّونَ، وهو فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ إِلَّا أَبُو مُرَّةَ. وَلَا عَنْهُ إِلَّا إِسْحَاقُ، وَأَبُو مُرَّةَ الرَّاوِي عَنْهُ تَابِعِيَّانِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) النَّفَرُ بِالتَّحْرِيكِ لِلرِّجَالِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَالْمَعْنَى ثَلَاثَةٌ هُمْ نَفَرٌ، وَالنَّفَرُ اسْمُ جَمْعٍ وَلِهَذَا وَقَعَ مُمَيَّزًا لِلْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾

قَوْلُهُ: (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) بَعْدَ قَوْلِهِ: أَقْبَلَ ثَلَاثَةٌ هُمَا إِقْبَالَانِ، كَأَنَّهُمْ أَقْبَلُوا أَوَّلًا مِنَ الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ مَارِّينَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمُرُّونَ، فَلَمَّا رَأَوْا مَجْلِسَ النَّبِيِّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ اثْنَانِ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ الثَّالِثُ ذَاهِبًا.

قَوْلُهُ: (فَوَقَفَا) زَادَ أَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ: فَلَمَّا وَقَفَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والجمع حَلَقٌ؛ بفتح الحاء واللَّام (فَجَلَسَ فِيهَا) أي: في الفرجة، وفي روايةٍ: «إليها»، وإنَّما قال: «في الحلقة» دون أن يقول: في المجلس؛ ليطابق لفظ الحديث، وقال في الأوَّل: «به المجلس» لأنَّ الحكم فيهما واحدٌ ههنا (١).

٦٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ البخاريِّ، ابن أخي أنسٍ لأمِّه، التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، اسمه: يزيدُ (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بالقاف المكسورة والدَّال المُهمَلَة، اسمه الحارث بن مالكٍ، أو ابن عوفٍ الصَّحابيِّ (اللَّيْثِيِّ) بالمُثلَّثة البدريِّ في قول بعضهم، المُتوفَّى بمكَّة (٢) سنة ثمانٍ وستِّين، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وقد صرَّح أبو مُرَّة في رواية النَّسائيِّ من طريق (٣) يحيى بن أبي كثيرٍ عن إسحاق، فقال: عن أبي مرَّة أنَّ أبا واقدٍ حدَّثه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَمَا) بزيادة الميم (هُوَ) مبتدأٌ، خبره (جَالِسٌ) حال كونه (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِذْ أَقْبَلَ) جوابُ «بينما» (ثَلَاثَةُ

نَفَرٍ) بالتَّحريك، ولم يُسَمَّ (١) واحدٌ من الثَّلاثة، أي: ثلاثة رجالٍ من الطَّريق، «فدخلوا المسجد» كما في حديث أنسٍ: فإذا ثلاثة نفرٍ مارِّين (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى) مجلس (رَسُولِ اللهِ ) و «على» هنا بمعنى: عند، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري» بأنَّه لم تَجِئْ بمعناها، وزاد التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأكثر رواة «المُوطَّأ»: فلمَّا وقفا سلَّما (فَأَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم تفصيليَّةٌ (أَحَدُهُمَا) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (فَرَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء (فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا) وأتى بالفاء في قوله: «فرأى» لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، ولابن عساكر: «فَرْجةً» بفتح الفاء، وهي والضَّمُّ لغتان؛ وهي: الخلل بين الشَّيئين، قاله النَّوويُّ فيما نقله في «عمدة القاري» (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء، أي: الثَّاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا) أي: أدبر مُستمِرًّا في ذهابه ولم يرجع، وإلَّا «فأدبر» بمعنى: مرَّ ذاهبًا (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ) ممَّا كان مشتغلًا به من تعليم القرآن، أوِ (٢) العلم، أوِ الذِّكر، أوِ الخطبة، أو نحو ذلك (قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف؛ حرفُ تنبيهٍ، والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام، و «لا» للنَّفي

(أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ) فقالوا: أَخْبِرْنا عنهم يا رسول الله؛ فقال: (أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى) بقصر الهمزة، أي: لجأ (إِلَى اللهِ) تعالى، أوِ انضمَّ إلى مجلس الرَّسول (فَآوَاهُ الله) إليه؛ بالمدِّ، أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجازٌ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمُرَاد لازِمه (١)؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويُسمَّى هذا المجازُ مجازَ المُشاكَلَة والمُقابَلَة (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا) أي: ترك المُزاحَمَة حياءً من الرَّسول ومن أصحابه، وعند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء، فجلس» قال في «الفتح»: فالمعنى أنَّه استحيا من الذَّهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثَّالث (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ) بأن رَحِمَه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المُشاكَلَة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا مُحال على الله تعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قَبِيل ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم (وَأَمَّا الآخَرُ) وهو الثالث (فَأَعْرَضَ) عن مجلس رسول الله ولم يلتفت إليه، بل ولَّى مُدْبِرًا (فَأَعْرَضَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أي: جازاه بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب (٢) المُشاكَلَة؛ لأنَّ الإعراض هو الالتفات إلى جهةٍ أخرى، وذلك لا يليق بالباري تعالى، فيكون مجازًا عن السُّخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ على أمره (٣).

ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، وتابعيّ عن مثله، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٤٧٤]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «العلم».

(٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : رُبَّ مُبَلَّغٍ) -بفتح اللَّام لا بكسرها- إليه (١) عَنِّي يكون (أَوْعَى) أي: أَفْهَمَ لِمَا أقوله (مِنْ سَامِعٍ) منِّي، و «قول»: مجرورٌ بالإضافة، و «رُبَّ»: حرف جرٍّ يفيد التَّقليل، لكنَّه كَثُرَ في الاستعمال للتَّكثير، بحيث غلب حتَّى صارت كأنَّها حقيقةٌ فيه، وتنفرد عن أحرف الجرِّ: بوجوب تصديرها، وتنكيرِ مجرورها، ونعتِه إن كان ظاهرًا، وغلبةِ حذف مُعَدَّاها ومُضِيِّه، وبزيادتها في الإعراب دون المعنى، ومحلُّ مجرورها رفعٌ على الابتداء؛ نحو قوله هنا: «مُبلَّغٍ (٢)» فإنَّه وإن كان مجرورًا بالإضافة، ولكنَّه مرفوعٌ على الابتدائيَّة محلًّا، وخبره يكون المُقدَّر، و «أوعى»: صفةٌ للمجرور (٣)، وأمَّا في (٤) نحو: رُبَّ رجلٍ لقيت، فَنَصْبٌ على المفعوليَّة، وفي نحو: ربَّ رجلٍ صالحٍ لقيت، فَرَفْعٌ أو نَصْبٌ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٨ - (بَاب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها)

الْكَلَام فِيهِ على نَوْعَيْنِ: الأول: أَن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَأْن من قعد ... إِلَى آخِره، وَهُوَ مَرْفُوع على الخبرية مُضَاف إِلَى من، وَهِي مَوْصُولَة، و: قعد، جملَة الْفِعْل وَالْفَاعِل صلتها، و: حَيْثُ، ظرف للمكان مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة محلا، وَبني على الضَّم تَشْبِيها بالغايات. وَمن الْعَرَب من يعربه. قَوْله: (الْمجْلس) ، مَرْفُوع بقوله: يَنْتَهِي. قَوْله: (وَمن رأى) عطف على: من قعد، و (الفرجة) بِضَم الْفَاء وَفتحهَا، لُغَتَانِ، وَهِي الْخلَل بَين الشَّيْئَيْنِ؛ قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ النّحاس: الفرجة، بِالْفَتْح، فِي الْأَمر، والفرجة بِالضَّمِّ فِيمَا يرى من الْحَائِط وَنَحْوه، وَفِي (الْعباب) : الفرجة، بِالْكَسْرِ، والفرجة بِالضَّمِّ لُغَتَانِ فِي فُرْجَة الْهم. وَقَالَ أَيْضا: الفرجة يَعْنِي، بِالْفَتْح: التفصي من الْهم. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الفرجة: الرَّاحَة من الْغم، وَذكر فِيهَا فتح الْفَاء وَضمّهَا وَكسرهَا، وَقد فرج لَهُ فِي الْحلقَة والصف وَنَحْو ذَلِك، بِفَتْح الْعين، يفرج بضَمهَا، وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ غير الضَّم، وَفِي التفصي من الْهم غير الْفَتْح، وَأنْشد عَلَيْهِ:

(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ... ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال)

(وَالْحَلقَة) ، هُنَا بِإِسْكَان اللَّام، وَحكى الْجَوْهَرِي فتحهَا، وَالْأول أشهر. وَفِي (الْعباب) : الْحلقَة، بالتسكين: الدروع، وَكَذَلِكَ حَلقَة الْبَاب، وحلقة الْقَوْم، وَالْجمع الْحلق على غير قِيَاس، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجمع الْحلق، مِثَال: بدرة وَبدر، وقصعة وقصع. وَنهى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الْحلق قبل الصَّلَاة، يَعْنِي صَلَاة الْجُمُعَة، نَهَاهُم عَن التحليق والاجتماع على مذاكرة الْعلم قبل الصَّلَاة، وَحكى يُونُس عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: حَلقَة، فِي الْوَاحِد بِالتَّحْرِيكِ. وَالْجمع: حلق وحلقات. وَقَالَ ثَعْلَب: كلهم يُجِيز ذَلِك على ضعف. وَقَالَ الْفراء فِي نوادره: الْحلقَة، بِكَسْر اللَّام، لُغَة لِلْحَارِثِ بن كَعْب فِي الْحلقَة وَالْحَلقَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يَقُول: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب حَلقَة، بِالتَّحْرِيكِ، إلَاّ فِي قَوْلهم: هَؤُلَاءِ حَلقَة، للَّذين يحلقون الشّعْر جمع حالق. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول فِيهِ ذكر المناولة، وَهِي تكون فِي مجْلِس الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان شَأْن من يَأْتِي إِلَى الْمجْلس كَيفَ يقْعد، وَالْمرَاد مِنْهُ مجْلِس الْعلم، وَقَالَ بَعضهم: مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب لكتاب الْعلم من جِهَة أَن المُرَاد بالحلقة: حَلقَة الْعلم، فَيدْخل فِي آدَاب الطَّالِب من هَذَا الْوَجْه. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا بَيَان وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان وَجه مُنَاسبَة إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْعلم، وَلَيْسَ الْقُوَّة إلَاّ فِي بَيَان وُجُوه الْمُنَاسبَة بَين الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة فِي كتب هَذَا الْكتاب، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هَذَا الْبَاب حَقه أَن يَأْتِي عقب بَاب: من رفع صَوته بِالْعلمِ، أَو عقب بَاب: طرح الْمَسْأَلَة، لِأَن كليهمَا من آدَاب الْعَالم، وَهَذَا الْبَاب من آدَاب المتعلم، وَمَا بعد هَذَا الْبَاب يُنَاسب الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ قَوْله: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رب مبلَّغٍ أوعى من سامع) . لِأَن فِيهِ معنى التَّحَمُّل عَن غير الْعَارِف، وَغير الْفَقِيه. قلت: الَّذِي ذَكرْنَاهُ أنسب لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان مناولة الْعَالم فِي مجْلِس علمه، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان أدب من يحضر هَذَا الْمجْلس، كَمَا ذكرنَا.

٦٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه أبي طَلْحَةَ أنّ أَبَا مُرَّة، مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ، أخْبَرَهُ عنْ أبي واقِدٍ اللَّيثَّي أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينَمَا هُو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاس مَعَهُ إِذ أَقَبَلَ ثَلَاثةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إِلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وذَهَبَ واحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفا على رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمّا أحدُهمُا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَس فِيهَا، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وأمّا الثالِثُ فأدْبَرَ ذاهِباً. فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أَلا أُخُبِرُكُمْ عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمّا أحدُهُمْ فَأَوَى إِلَى الله فآوَاهُ الله، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاسْتحيْا الله مِنُه، وأمّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأَعْرَضَ الله عَنهُ) .

(الحَدِيث ٦٦ طرفه فِي ٤٧٤) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَن قعد حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وفيمن رأى فُرْجَة فِي الْحلقَة فَجَلَسَ فِيهَا

، والْحَدِيث مُشْتَمل على ذكر الْحلقَة والفرجة، وعَلى من جلس حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمجْلس، وَلأَجل هَذَا قَالَ: فِي الْحلقَة، وَلم يقل: وَمن رأى فُرْجَة فِي الْمجْلس، ليطابق مَا فِي الْبَاب من ذكر الْحلقَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الأول بِلَفْظ الْمجْلس للإشعار بِأَن حكمهمَا وَاحِد هَهُنَا.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام. الثَّالِث: إِسْحَاق بن عبد اللَّه بن أبي طَلْحَة زيد بن سُهَيْل بن الْأسود بن حرَام الْأنْصَارِيّ النجاري، ابْن أخي أنس لأمه كَانَ يسكن دَار جده بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ تَابِعِيّ، سمع أَبَاهُ وَعَمه لأمه أنس بن مَالك وَغَيرهمَا، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، وَهُوَ أشهر أخوته وَأَكْثَرهم حَدِيثا. وهم: عبد اللَّه وَيَعْقُوب وَإِسْمَاعِيل وَعمر بَنو عبد اللَّه، وَكَانَ مَالك لَا يقدم على إِسْحَاق فِي الحَدِيث أحدا، توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، اسْمه يزِيد، مولى عقيل بن أبي طَالب، وَقيل: مولى أَخِيه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَقيل: مولى اختهما أم هانىء. روى عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي وَاقد، روى لَهُ الْجَمَاعَة. قَالَ ابْن مَيْمُونَة: كَانَ شَيخا قَدِيما. الْخَامِس: أَبُو وَاقد، بِالْقَافِ الْمَكْسُورَة وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته، وَاخْتلف فِي اسْمه، فَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: اسْمه الْحَارِث بن عَوْف، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْحَارِث بن مَالك. وَقَالَ غَيرهمَا: عَوْف بن الْحَارِث. قَالَ أَبُو عَمْرو: الأول أصح، ابْن أسيد بن جَابر بن عويرة بن عبد مَنَاة ابْن شجع بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن عَليّ بن كنَانَة بن خُزَيْمَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ بَعضهم: شهد بَدْرًا وَلم يذكرهُ مُوسَى بن عقبَة، وَلَا ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ، وَذكر بَعضهم أَنه كَانَ قديم الْإِسْلَام، وَيُقَال: أسلم يَوْم الْفَتْح، وَأخْبر عَن نَفسه أَنه شهد حنيناً. قَالَ: وَكنت حَدِيث عهد بِكفْر، وَهَذَا يدل على تَأَخّر إِسْلَامه. وَشهد بعد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اليرموك، ثمَّ جاور بِمَكَّة سنة، وَتُوفِّي بهَا، وَدفن بمقبرة الْمُهَاجِرين. روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا، اتفقَا على حَدِيث، وَهُوَ هَذَا، وَزَاد مُسلم حَدِيثا آخر، وَهُوَ مَا كَانَ يقْرَأ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَضْحَى. وَقيل: إِنَّه ولد فِي الْعَام الَّذِي ولد فِيهِ ابْن عَبَّاس، قَالَ الْمَقْدِسِي: وَفِي هَذَا وشهوده بَدْرًا نظر، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَفِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية ثَلَاثَة، هَذَا أحدهم، وثانيهم: أَبُو واقدٍ مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، روى عَنهُ أَبُو عمر زَاذَان. وثالثهم: أَبُو وَاقد النميري، روى عَنهُ نَافِع بن سرجس والليثي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة، نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر الْمَذْكُور.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِي إِسْنَاده التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة والاخبار. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا: أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ عَن أبي وَاقد غير هَذَا الحَدِيث، لم يروه عَنهُ إلَاّ أَبُو مرّة، وَلم يرو عَن أبي مرّة إلَاّ ابْن إِسْحَاق، وَقد صرح النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ من طَرِيق يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق، فَقَالَ عَن أبي مرّة: إِن أَبَا وَاقد حَدثهُ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه ابْن يُوسُف عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن أَحْمد بن الْمُنْذر عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَرْب بن شَدَّاد وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن حبَان بن هِلَال عَن أبان بن يزِيد، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن أبي كثير عَن إِسْحَاق بن عبد الله بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، عَن معن بن مَالك وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَعَن عَليّ بن سعيد بن جرير عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (نفر) ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: عدَّة رجال، من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَفِي (الْعباب) : النَّفر والنفير عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَجمع النَّفر: أَنْفَار وانفرة ونفراء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: نفر الرجل رهطه. فَإِن قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير أقل مَا يفهم مِنْهُ هَهُنَا تِسْعَة رجال، لِأَن أقل النَّفر ثَلَاثَة؟ لكنه لَيْسَ كَذَلِك، إِذْ لم يكن المقبلون إلَاّ رجَالًا ثَلَاثَة. قلت: مَعْنَاهُ ثَلَاثَة هِيَ نفر، كَأَن النَّفر هُوَ بَيَان للثَّلَاثَة، أَو المُرَاد من النَّفر مَعْنَاهُ الْعرفِيّ، إِذْ هُوَ بِحَسب الْعرف يُطلق على الرجل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَة رجال. فَإِن قلت: مُمَيّز الثَّلَاثَة لَا بُد أَن يكون جمعا، والنفر لَيْسَ بِجمع. قلت: النَّفر إسم جمع فِي وُقُوعه تمييزاً كالجمع. نَحْو قَوْله تَعَالَى: {تِسْعَة رَهْط} (النَّمْل: ٤٨) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا جَاءَ تَمْيِيز التِّسْعَة بالرهط لِأَنَّهُ فِي معنى الْجَمَاعَة،

فَكَأَنَّهُ قيل: تِسْعَة أنفسٍ، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر: أَن الرَّهْط من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، أَو من السَّبْعَة إِلَى الْعشْرَة، والنفر من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَلَا يخفى مُخَالفَته لما فِي (الصِّحَاح) . قَوْله: (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وَهُوَ التولي. قَوْله: (فأوى إِلَى الله) بِالْهَمْزَةِ الْمَقْصُورَة. وَقَوله: (فآواه الله) بِالْهَمْزَةِ الممدودة، وَيُقَال بالمقصورة أَيْضا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة قصر الأول وَمد الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَفِي الْقُرْآن: {إِذْ أَوَى الْفتية إِلَى الْكَهْف} (الْكَهْف: ١٠) بِالْقصرِ، {وآويناهما إِلَى ربوة} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠) بِالْمدِّ. وَقَالَ القَاضِي: حكى بَعضهم فيهمَا اللغتين: الْقصر وَالْمدّ، وَالْمَشْهُور الْفرق وَفِي (الْمطَالع) قَوْله: (فأوى إِلَى الله) مَقْصُور الْألف، فآواه الله، مَمْدُود الْألف هَذَا هُوَ الْأَشْهر فِيمَا روينَاهُ. وَقد جَاءَ الْمَدّ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَالْقصر فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا، لَكِن الْمَدّ فِي الْمُتَعَدِّي أشهر، وَالْقصر فِي اللَّازِم أشهر، وَمعنى: آواه الله: جعل الله لَهُ فِيهِ مَكَانا وفسحة لما انْضَمَّ إِلَيْهِ، أَعنِي مجْلِس النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقيل: قربه إِلَى مَوضِع نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيل: يؤويه إِلَى ظلّ عَرْشه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَوَى فلَان إِلَى منزله يأوي أوياً، على فعول، وآويته إيواءً وأويته: إِذا انزلته بك. فعلت وأفعلت بِمَعْنى.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (بَيْنَمَا) قد مر غير مرّة أَن: بَيْنَمَا، أَصله: بَين، زيدت فِيهِ لَفْظَة: مَا. وَهُوَ من الظروف الَّتِي لَزِمت إضافتها إِلَى الْجُمْلَة، وَفِي بعض النّسخ: بَينا، بِغَيْر لَفْظَة: مَا، وأصل: بَينا، أَيْضا بَين، فاشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف، وَالْعَامِل فِيهِ معنى المفاجأة المستفادة من لَفْظَة: إِذْ أقبل، وَقد قُلْنَا: إِن الْأَصْمَعِي لَا يستفصح مَجِيء إِذا وَإِذ فِي جَوَاب بَين. قَوْله: (هُوَ) ، مُبْتَدأ و: جَالس، خَبره. وَقَوله: (فِي الْمَسْجِد) حَال، كَذَا قَوْله: (وَالنَّاس مَعَه) جملَة حَالية. قَوْله: (إِذْ أقبل) جَوَاب: بَيْنَمَا. وَقَوله: (ثَلَاثَة نفر) فَاعل أقبل. قَوْله: (وَذهب وَاحِد) ، جملَة فعلية عطف على قَوْله: (فَأقبل اثْنَان) . قَوْله: (فوقفا) عطف على قَوْله: (أقبل اثْنَان) قَوْله: (فَأَما) ، كلمة: اما، للتفصيل، و: أحدهم، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: فَرَأى فُرْجَة، وَإِنَّمَا دخلت: الْفَاء، لتضمن: اما، معنى الشَّرْط. وَإِنَّمَا أخرت إِلَى الْخَبَر كَرَاهَة أَن يوالى بَين حرفي الشَّرْط وَالْجَزَاء لفظا. قَوْله: (فَجَلَسَ فِيهَا) عطف على قَوْله: (فَرَأى) ، وَالْكَلَام فِي إِعْرَاب: (وَأما الآخر فَجَلَسَ خَلفهم) ، كَالْكَلَامِ فِي الأول، وخلفهم، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَكَذَا الْكَلَام فِي: أدبر. قَوْله: (ذَاهِبًا) . حَال. قَوْله: (قَالَ: ألَا) جَوَاب لما، وَألا، حرف التَّنْبِيه سَوَاء فِيهِ مَا كَانَ الْمُخَاطب بِهِ مُفردا أَو مثنى أَو مجموعاً، وَيحْتَمل أَن تكون الْهمزَة للاستفهام، و: لَا، للنَّفْي. قَوْله: (أما أحدهم) الْكَلَام فِي إعرابه، وَفِي إِعْرَاب: أما، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مثل الْكَلَام فِي إِعْرَاب: أما أَحدهمَا فَرَأى فُرْجَة.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إِذْ أقبل ثَلَاثَة نفر) : اعْلَم أَن هَهُنَا إقبالين: أَحدهمَا: إقبالهم أَولا من الطَّرِيق، أَقبلُوا ودخلوا الْمَسْجِد مارين، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ: (فَإِذا ثَلَاثَة نفر يَمرونَ) ، وَالْآخر: إقبال الِاثْنَيْنِ مِنْهُم حِين رَأَوْا مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الثَّالِث فَإِنَّهُ اسْتمرّ ذَاهِبًا. وَبِهَذَا التَّقْدِير سقط سُؤال من قَالَ: كَيفَ قَالَ أَولا: أقبل ثَلَاثَة؟ ثمَّ قَالَ: فَأقبل اثْنَان؟ وَالْحَال لَا يَخْلُو من أَن يكون الْمقبل اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة. قَوْله: (فوقفا) زَاد فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) : (فَلَمَّا وَقفا سلما) ، وَكَذَا عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَلم يذكر البُخَارِيّ هَهُنَا، وَلَا فِي الصَّلَاة، السَّلَام وَكَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة مُسلم. وَمعنى قَوْله: (فوقفا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَقفا على مجْلِس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو مَعْنَاهُ: أشرفا عَلَيْهِ، وَمِنْه وقفته على ذَنبه أَي: أطلعته عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: على، بِمَعْنى: عِنْد. قلت: لم تجىء: على، بِمَعْنى: عِنْد، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان من كَلَام الْعَرَب. قَوْله: (وَأما الآخر) ، بِفَتْح الْخَاء بِمَعْنى: وَأما الثَّانِي، لِأَن الآخر، بِالْفَتْح، أحد الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ اسْم أفعل، وَالْأُنْثَى: أُخْرَى إلَاّ أنّ فِيهِ معنى الصّفة، لِأَن أفعل من كَذَا لَا يكون إلَاّ فِي الصّفة. وَأما الآخر بِكَسْر الْخَاء، فَهُوَ بعد الأول، وَهُوَ صفة، يُقَال: جَاءَ آخرا، أَي: أخيراً. وَتَقْدِيره فَاعل، وَالْأُنْثَى آخِرَة، وَالْجمع أَوَاخِر. قَوْله: (فَلَمَّا فرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: عَمَّا كَانَ مشتغلاً بِهِ من الْخطْبَة، وَتَعْلِيم الْعلم أَو الذّكر، وَنَحْوه. قَوْله: (أما أحدهم) فِيهِ حذف تَقْدِيره قَالُوا: أخبرنَا، فَقَالَ: أما أحدهم فاوى إِلَى الله أَي: لَجأ إِلَى الله. وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ: دخل مجْلِس ذكر الله. قَوْله: (فآواه الله) ، من بَاب المشاكلة. والمقابلة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ومكروا ومكر الله} (آل عمرَان: ٥٤) فَسمى مجازاته باسم فعله بطرِيق الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الإيواء هُوَ الْإِنْزَال عنْدك، وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر وَنَحْوه، فَيكون من ذكر الْمَلْزُوم، وَإِرَادَة اللَّازِم. وَيُقَال: مَعْنَاهُ فآواه الله إِلَى جنته. قَوْله: (وَأما الآخر فاستحيى) أَي: ترك الْمُزَاحمَة كَمَا فعل رَفِيقه حَيَاء من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، والحاضرين. قَالَه القَاضِي عِيَاض.

وَيُقَال: مَعْنَاهُ استحيى من الذّهاب عَن الْمجْلس، كَمَا فعل رَفِيقه الثَّالِث، وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الثَّانِي: (فَلبث ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ) . قَوْله: (فاستحيى مِنْهُ) . أَي: جازاه بِمثل فعله بِأَن رَحمَه وَلم يُعَاقِبهُ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يذم بِهِ، وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن ترك الْعقَاب للاستحياء، فَيكون هَذَا أَيْضا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. قَوْله: (وَأما الآخر فاعرض) أَي: عَن مجْلِس رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ، بل ولى مُدبرا. قَوْله: (فاعرض الله عَنهُ) أَي: جازاه بِأَن سخط عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاض هُوَ الِالْتِفَات إِلَى جِهَة أُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يَلِيق فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن السخط وَالْغَضَب الْمجَاز عَن إِرَادَة الانتقام. وَالْقَاعِدَة فِي مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي لَا يُمكن حملهَا على ظواهرها أَن يُرَاد بِهِ غاياتها ولوازمها، والعلاقة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمعْنَى الْمجَازِي: اللُّزُوم والقرينة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة هُوَ الْعقل، إِذا لَا يتَصَوَّر الْعقل صُدُور هَذِه الْأَشْيَاء من الله تَعَالَى. فَإِن قلت: هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة إِخْبَار أَو دُعَاء. قلت: يحْتَمل الْمَعْنيين فِي لَفْظَة: الإيواء والإعراض، وَلَكِن مَا وَقع فِي رِوَايَة أنس: (وَأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عَنهُ) ، يُؤَيّد معنى الْإِخْبَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب التَّشْبِيه، أَي: يفعل الله تَعَالَى كَمَا يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (آل عمرَان: ٥٤) فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ وصف الْقَدِيم بالاستحياء؟ قلت: هُوَ جَار على سَبِيل التَّمْثِيل، وَمثل تَركه يتْرك من يتْرك شَيْئا حَيَاء مِنْهُ.

ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: (فاعرض الله) ، مَحْمُول على من ذهب معرضًا، لَا لعذر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: من أعرض عَن نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وزهد مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَإِن كَانَ هَذَا مُؤمنا وَذهب لحَاجَة دنياوية أَو ضَرُورِيَّة فإعراض الله عَنهُ ترك رَحمته وعفوه، فَلَا يثبت لَهُ حَسَنَة وَلَا يمحو عَنهُ سَيِّئَة. قلت: وَإِن كَانَ ذَاك منافقاً كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اطلع على أمره، فَلذَلِك قَالَ: فاعرض الله عَنهُ.

بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن من جلس إِلَى حَلقَة علم أَنه فِي كنف الله تَعَالَى وَفِي ايوائه، وَهُوَ مِمَّن تضع لَهُ الْمَلَائِكَة اجنحتها. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ يجب على الْعَالم أَن يؤوي المتعلم لقَوْله: (فآواه الله) . الثَّانِي: أَن فِيهِ أَن من قصد الْعَالم ومجالسته فاستحيى مِمَّن قَصده فَإِن الله يستحيي مِنْهُ فَلَا يعذبه. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أعرض عَن مجالسة الْعَالم فَإِن الله يعرض عَنهُ، وَمن أعرض الله عَنهُ فقد تعرض لسخطه. الرَّابِع: اسْتِحْبَاب التحلق للْعلم وَالذكر فِي الْمَسْجِد. الْخَامِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْقرب من الْكَبِير فِي الْحلقَة ليسمع كَلَامه. السَّادِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الثَّنَاء على من فعل جميلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الْإِنْسَان إِذا فعل قبيحاً أَو مذموماً وباح بِهِ جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن من حسن الْأَدَب أَن يجلس الْمَرْء حَيْثُ انْتهى مَجْلِسه، وَلَا يُقيم أحدا. وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي الحَدِيث أَيْضا. التَّاسِع: فِيهِ ابْتِدَاء الْعَالم جلساءه بِالْعلمِ قبل أَن يسْأَل عَنهُ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن من سبق إِلَى مَوضِع فِي مجْلِس كَانَ هُوَ أَحَق بِهِ، لتَعلق حَقه بِهِ فِي الْجُلُوس. الْحَادِي عشر: فِيهِ سد خلل الْحلقَة، كَمَا ورد التَّرْغِيب فِي سد خلل الصُّفُوف فِي الصَّلَاة. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز التخطي لسد الْخلَل مَا لم يؤذ أحدا، فَإِن خشِي اسْتحبَّ أَن يجلس حَيْثُ يَنْتَهِي. الثَّالِث عشر: فِيهِ الثَّنَاء على من زاحم فِي طلب الْخَيْر.

٩ - (بَاب قَولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ)

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه: الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رب مبلغ اوعى من سامع) ، وَالْبَاب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمبلغ، بِفَتْح اللَّام، وَمن جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْجَالِس فِي الْحلقَة، وَهُوَ أَيْضا من جملَة المبلغين، لِأَن حَلقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت مُشْتَمِلَة على الْعُلُوم، وَالْأَمر بتعلمها والتبليغ إِلَى الغائبين، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّبْوِيب الِاسْتِدْلَال على جَوَاز الْحمل على من لَيْسَ بفقيه من الشُّيُوخ الَّذين لَا علم عِنْدهم وَلَا فقه، إِذا ضبط مَا يحدث بِهِ. قلت: هَذَا بَيَان وَجه وضع هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح

تعرض لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُعَلّقا، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الحَدِيث الَّذِي ذكره بعده بِالْإِسْنَادِ، فَهُوَ من بَاب نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَإِمَّا أَنه ثَبت عِنْده بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق آخر. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد جَاءَت لَفْظَة التَّرْجَمَة فِي التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الرحمان بن عبد اللَّه بن مَسْعُود عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نضر الله أمرأ سمع منَّا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سمع، فَرب مبلغ اوعى من سامع) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: كل مِنْهُمَا قد أبعد وتعسف، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال هُوَ: إِن هَذَا حَدِيث مُعَلّق، أورد البُخَارِيّ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَأما لَفظه: فَهُوَ مَوْصُول عِنْده فِي: بَاب الْخطْبَة بمنى، من كتاب الْحَج، أخرجه من طَرِيق قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم النَّحْر، قَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟) وَفِي آخِره هَذَا اللَّفْظ. وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ. فِي (جَامعه) وَابْن حباب وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نصر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها فأداها إِلَى من لم يسْمعهَا، فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَوْله: (نضر) بِالتَّشْدِيدِ أَكثر من التَّخْفِيف، أَي: حسن، وَيُقَال: نضر الله وَجهه، ونضر، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي. قلت: وَجَاء: نضر، بِالْفَتْح أَيْضا، حَكَاهُ أَبُو عبيد. والمصدر: نضارة ونضرة أَيْضا، وَهُوَ: الْحسن والرونق. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ التِّرْمِذِيّ لحَدِيث ابْن مَسْعُود: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد تكلم النَّاس فِي سَماع عبد الرحمان عَن أَبِيه، فَقَالُوا: كَانَ صَغِيرا؟ وَقَالَ يحيى بن معِين: عبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة ابْنا عبد اللَّه ابْن مَسْعُود لم يسمعا من أَبِيهِمَا. وَقَالَ أَحْمد: مَاتَ عبد اللَّه ولعَبْد الرَّحْمَن ابْنه سِتّ سِنِين أَو نَحْوهَا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يعبأ بِمَا قيل فِي عدم سَماع عبد الرَّحْمَن من أَبِيه لصغره، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: لم يخرج البُخَارِيّ لأبي عُبَيْدَة شَيْئا، وَأخرج هُوَ وَمُسلم لعبد الرَّحْمَن عَن مَسْرُوق، فَلَمَّا كَانَ الحَدِيث لَيْسَ من شَرطه جعله فِي التَّرْجَمَة. قلت: هَذَا بِنَاء على تعسفه فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالَّذِي جعله فِي التَّرْجَمَة قد ذكره فِي كتاب الْحَج على مَا ذكرنَا. الرَّابِع: قَوْله: (رب) هُوَ للتقليل، لكنه كثر فِي الِاسْتِعْمَال للتكثير بِحَيْثُ غلب حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ، وَهِي حرف خلافًا للكوفيين فِي دَعْوَى إسميته، وَقَالُوا: قد أخبر عَنهُ الشَّاعِر فِي قَوْله.

(وَرب قتل عَار)

وَأجِيب: بِأَن عَار، خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة صفة للمجرور، أَو خبر للمجرور، إِذْ هُوَ فِي مَوضِع مُبْتَدأ، وينفرد: رب، بِوُجُوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إِن كَانَ ظَاهرا، وإفراده وتذكيره وتمييزه بِمَا يُطَابق الْمَعْنى إِن كَانَ ضميراً، وَغَلَبَة حذف معداها ومضيه، وَوُجُوب كَون فعلهَا مَاضِيا لفظا أَو معنى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وفيهَا لُغَات عشر، ثمَّ عدهَا. قلت: فِيهَا سِتّ عشرَة لُغَة: ضم الرَّاء، وَفتحهَا، وَكِلَاهُمَا مَعَ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف، وَالْأَوْجه الْأَرْبَعَة مَعَ تَاء التَّأْنِيث الساكنة أَو المتحركة، أَو مَعَ التجرد مِنْهَا، فَهَذِهِ اثْنَتَيْ عشرَة، وَالضَّم وَالْفَتْح مَعَ إسكان الْبَاء، وَضم الحرفين مَعَ التَّشْدِيد وَمَعَ التَّخْفِيف. قَوْله: (مبلغ) ، بِفَتْح اللَّام أَي: مبلغ إِلَيْهِ، فَحذف الْجَار وَالْمَجْرُور كَمَا يُقَال الْمُشْتَرك وَيُرَاد بِهِ الْمُشْتَرك فِيهِ. قَوْله: (أوعى) أفعل التَّفْضِيل من الوعي، وَهُوَ الْحِفْظ. فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام؟ قلت: إعرابه على مَذْهَب الْكُوفِيّين: أَن (رب مبلغ) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله (أوعى من سامع) خَبره، وَالْمعْنَى: رب مبلغ إِلَيْهِ عني أفهم وأضبط لما أَقُول من سامع مني، وَلَا بُد من هَذَا الْقَيْد لِأَن الْمَقْصُود ذَلِك، وَقد صرح بذلك ابْن مَنْدَه فِي رِوَايَته من طَرِيق هودة عَن ابْن عون، وَلَفظه: (فَإِنَّهُ عَسى أَن يكون بعض من لم يشْهد أوعى لما أَقُول من بعض من شهد) . وَأما على مَذْهَب الْبَصرِيين، فَإِن قَوْله: (مبلغ) ، وَإِن كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة، وَلكنه مَرْفُوع على الِابْتِدَاء محلا. وَقَوله: (أوعى) صفة لَهُ، وَالْخَبَر مَحْذُوف وَتَقْدِيره: يكون أَو يُوجد، أَو نَحْوهمَا. وَقَالَ النُّحَاة فِي نَحْو: رب رجل صَالح عِنْدِي، مَحل مجرورها رفع على الابتدائية وَفِي نَحْو: رب رجل لَقيته، نصب على المفعولية، وَفِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته، رفع أَو نصب كَمَا فِي قَوْلك: هَذَا لَقيته.

٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدّثنا بِشْرُ قَالَ: حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عَن ابنِ سِيرِينَ عَن عبدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عَن أبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قعَدَ على بَعِيرِهِ وأمْسَك إنسانٌ بِخِطامِهِ

أوْ بِزِمامِهِ قَالَ: (أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) فَسَكَتْنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِيهِ سِوَى اسمِهِ؟ قَالَ: (ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فأَيّ شَهُرٍ هَذَا) فَسَكتنا حتَّى ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَميِّهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، فَقَالَ: (ألَيْسَ بِذِى الحِجةِ؟) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فإنّ دِماءَكُمْ وَأَمُوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامُ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ فإنّ الشاهدَ عَسَى أَن يُبَلِّغَ مَن هُو أوْعَى لهُ مِنهُ) ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا ذَكرْنَاهُ.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن الْمفضل بن لَاحق الرقاشِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، سمع ابْن الْمُنْكَدر وَعبد اللَّه بن عون وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَحْمد، وَقَالَ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث عثمانياً، توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقَالَ: إِنَّه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة. يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد اللَّه بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وأرطبان مولى عبد اللَّه بن مُغفل الصَّحَابِيّ، رأى أنس بن مَالك وَلم يثبت لَهُ مِنْهُ سَماع، وَسمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، روى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ، وَعَن خَارِجَة قَالَ: صَحِبت ابْن عون أَرْبعا وَعشْرين سنة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَمَات وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ، وَيُقَال: توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث أَبُو عمر الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، أَخُو عبيد اللَّه وَمُسلم ووراد، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع عشرَة، سمع أَبَاهُ وعلياً وَغَيرهمَا، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي غير مَوضِع عَن ابْن سِيرِين وَعبد الْملك بن عُمَيْر وخَالِد الْحذاء، وَعنهُ عَن أَبِيه قَالَ ابْن معِين: توفّي سنة تسع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو بكرَة، واسْمه نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، ابْن الْحَارِث وَقد تقدم.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم: عبد اللَّه ابْن عون، وَابْن سِيرِين، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، وَزَاد فِي آخِره: قَالَ عبد الرَّحْمَن: حَدَّثتنِي أُمِّي عَن أبي بكرَة أَنه قَالَ: لَو دخلُوا عَليّ مَا نهشت لَهُم بقصبة، وَفِي الْحَج عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد عَليّ أبي عَامر الْعَقدي عَن قُرَّة بن خَالِد بِإِسْنَادِهِ نَحوه، وسمى الرجل حميد بن عبد الرَّحْمَن وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى، وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن سَلام كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَفِي الْعلم وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن عبد اللَّه بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب، وَأخرجه مُسلم فِي الدِّيات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن حبيب ابْن عَرَبِيّ، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ، وَعَن نصر بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَعَن أبي مُوسَى عَن حَمَّاد بن مسْعدَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون بِهِ، وَزَاد فِي آخِره: ثمَّ انكفأ إِلَى كبشين أملحين فذبحهما إِلَى جريعة من الْغنم، فَقَسمهَا بَيْننَا. وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد نَحوه، وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَعَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو بن جبلة، وَأحمد بن الْحسن بن خرَاش، كِلَاهُمَا عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وسمى حميد بن عبد الرحمان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بن بشر بن الْمفضل نَحوه، وَعَن يحيى بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع نَحوه، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وَذكر حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن سُلَيْمَان بن مُسلم عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي عون. واخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُم، بِنَحْوِهِ، وَله طرق تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَذكره ابْن مَنْدَه فِي (مستخرجه) من حَدِيث سَبْعَة عشر صحابياً.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على بعيره) الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد يكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بَعِيري. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس، إِذا

رَأَيْت جملا على الْبعد. قلت: هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة، وَيجمع على: أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعر وبعران. وَفِي (الْعباب) : يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير، بِكَسْر الْبَاء والشين وَالْفَتْح هُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا جذع، وَالْجمع أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران هَذِه عَن الْفراء. قَوْله: (أمسك إِنْسَان بخطامه) أَي: تمسك بِهِ، ومسكت بِهِ مثل أَمْسَكت بِهِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب} (الْأَعْرَاف: ١٧٠) أَي: يتمسكون بِهِ، وَقَرَأَ البصريون: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} (الممتحنه: ١٠) بِالتَّشْدِيدِ، والخطام، بِكَسْر الْخَاء: الزِّمَام الَّذِي يشد فِيهِ الْبرة، بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء؛ حَلقَة من صفر تجْعَل فِي لحم أنف الْبَعِير. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تجْعَل فِي إِحْدَى جَانِبي المنخرين. قَوْله: (بِذِي الْحجَّة) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر افصح، وَيجمع على: ذَوَات الْحجَّة، وَذي الْقعدَة، بِكَسْر الْقَاف، وَيجمع على ذَوَات الْعقْدَة. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض، بِكَسْر الْعين، وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه. وَقيل: الْعرض الْحسب، وَقيل: الْخلق، وَقيل: النَّفس. وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الشَّاهِد) أَي الْحَاضِر، من: شهد إِذا حضر. قَوْله: (أوعى) أَي: أحفظ، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ والفهم.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ذكر النَّبِي) ، بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ مفعول: ذكر، وَالضَّمِير فِي ذكر يرجع إِلَى الرَّاوِي. الْمَعْنى عَن أبي بكرَة أَنه كَانَ يُحَدِّثهُمْ، فَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: (قعد على بعيره) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (قعد) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، عَن أبي بكرَة، قَالَ وَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فالواو: وَاو الْحَال، وَيجوز أَن تكون وَاو الْعَطف، على أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ محذوفاً. فَافْهَم. قَوْله: (قعد على بعيره) جملَة وَقعت مقول قَالَ الْمُقدر. قَوْله: (وَأمْسك) يجوز أَن تكون الْوَاو، فِيهِ للْحَال. وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا تجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، وَلَكِن لَا بُد من قد، ظَاهِرَة أَو مقدرَة، وَيجوز أَن تكون للْعَطْف على قعد. قَوْله: (أَي يَوْم هَذَا؟) جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فسكتنا) عطف على: قَالَ. قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى. قَوْله: (أَنه) ، بِفَتْح الْهمزَة فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (سيسميه) : السِّين فِيهِ تفِيد توكيد النِّسْبَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ سيرحمهم الله} (التَّوْبَة: ٧١) السِّين مفيدة وجود الرَّحْمَة لَا محَالة، فَهِيَ تؤكد الْوَعْد كَمَا تؤكد الْوَعيد إِذا قلت: سأنتقم مِنْك. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) الْهمزَة فِيهِ لَيست للاستفهام الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد نفي مَا بعْدهَا، وَمَا بعْدهَا هَهُنَا منفي، فَتكون إِثْبَاتًا. لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمَعْنى: هُوَ يَوْم النَّحْر. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده} (الزمر: ٣٩) أَي: الله كَاف عَبده، وَكَذَلِكَ قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} (الإنشراح: ١) فَمَعْنَاه: شرحنا صدرك، وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ قَوْله: {ووضعنا} (الإنشراح: ٢) . قَوْله: (فَقُلْنَا) عطف على قَوْله: قَالَ. قَوْله: (بلَى) مقول القَوْل أقيم مقَام الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ مقول القَوْل، وَهِي حرف يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إِبْطَاله سَوَاء كَانَ مُجَردا نَحْو: {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي} (التغابن: ٧) أَو مَقْرُونا بالاستفهام حَقِيقِيًّا كَانَ نَحْو: أَلَيْسَ زيد بقائم، فَتَقول: بلَى، أَو توبيخاً نَحْو: {أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى} (الزخرف: ٨٠) . {أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى} (الْقِيَامَة: ٣) . أَو تقريراً نَحْو: {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى} (الْملك: ٨ ٩) . {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْدِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو قَالُوا: نعم كفرُوا، لِأَن: نعم، تَصْدِيق للْخَبَر بِنَفْي أَو إِيجَاب، وَلذَلِك قَالَت جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف؟ فَقَالَ: بلَى، لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم، لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا، وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، قَوْله: (ليبلغ) ، بِكَسْر الْغَيْن، لِأَنَّهُ أَمر، وَلكنه لما وصل بِمَا بعده حرك بِالْكَسْرِ، لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ. قَوْله: (عَسى أَن يبلغ) ، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن، وَقد علم أَن لعسى استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون فَاعله إسماً نَحْو: عَسى زيد أَن يخرج، فزيد مَرْفُوع بالفاعلية، و: أَن يخرج، فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة: قَارب زيد الْخُرُوج. وَالْآخر: أَن تكون أَن مَعَ صلتها فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو: عَسى أَن يخرج زيد، فَيكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة: قرب أَن يخرج، أَي: خُرُوجه. وَمَا فِي الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (مِنْهُ) ، صلَة لأَفْعَل التَّفْضِيل، أَعنِي قَوْله: (أوعى) . فَإِن قلت: صلته كالمضاف إِلَيْهِ، فَكيف جَازَ الْفَصْل بَينهمَا بِلَفْظَة: لَهُ؟ قلت: جَازَ، لِأَن فِي الظّرْف سَعَة كَمَا جَازَ الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِهِ، قَالَ.

(فرشني بِخَير لأكونن ومدحتي ... كناحت يَوْمًا صَخْرَة بعسيل)

فَإِن قَوْله: يَوْمًا، فصل بَين: ناحت، الَّذِي هُوَ مُضَاف، وَبَين صَخْرَة، الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ. وَقَوله: (فرشني) أَمر من راش

يريش، يُقَال: رَشَّتْ فلَانا إِذا أصلحت حَاله، والعسيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة، مكنسة الْعَطَّار الَّذِي يجمع بِهِ الْعطر.

بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (قعد على بعيره) ، وَذَلِكَ كَانَ بمنى فِي يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَأمْسك إِنْسَان بخطامه) قيل: هَذَا الممسك كَانَ بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أم الْحصين، قَالَت: حججْت فَرَأَيْت بِلَالًا يَقُود بِخِطَام رَاحِلَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: كَانَ الممسك عَمْرو بن خَارِجَة، فَإِنَّهُ وَقع فِي السّنَن من حَدِيثه، قَالَ: كنت آخذ بزمام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكر الْخطْبَة. قيل: هُوَ أولى أَن يُفَسر بِهِ الْمُبْهم، لِأَنَّهُ أخبر عَن نَفسه أَنه كَانَ ممسكاً بزمام نَاقَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيُقَال: كَانَ الممسك هُوَ أَبَا بكرَة الرَّاوِي، لما روى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحُسَيْن عَن سُفْيَان عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك عَن أبي عون بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكرَة. قَالَ: (خطب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على رَاحِلَته يَوْم النَّحْر، وَأَمْسَكت، إِمَّا قَالَ: بخطامها أَو بزمامها) . قَوْله: (أَي يَوْم) ، هَذَا؟ لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والأصيلي والحموي السُّؤَال عَن الشَّهْر، وَالْجَوَاب الَّذِي قبله وَلَفْظهمَا: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وكريمة بالسؤال عَن الشَّهْر وَالْجَوَاب الَّذِي قبله، وَهِي أَيْضا كَذَلِك فِي مُسلم وَغَيره، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم وَغَيره السُّؤَال عَن الْبَلَد، فَهَذِهِ ثَلَاثَة اسئلة عَن الْيَوْم والشهر والبلد، وَهِي ثَابِتَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْأَضَاحِي من رِوَايَة أَيُّوب، وَفِي الْحَج أَيْضا من رِوَايَة قُرَّة، كِلَاهُمَا عَن ابْن سِيرِين. وَذكر فِي أول حَدِيثه: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟ قُلْنَا: الله وَرَسُوله أعلم، فَسكت حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه) . وَذكر قَوْله: الله وَرَسُوله أعلم فِي الْجَواب عَن الأسئلة الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ أوردهُ من رِوَايَة ابْن عمر، وَجَاء من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْم حرَام. قَالَ: فَأَي بلد هَذَا؟ قَالُوا: بلد حرَام. قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ قَالُوا: شهر حرَام) . فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس يشْعر بِأَنَّهُم أجابوه بقَوْلهمْ: هَذَا يَوْم حرَام وبلد حرَام وَشهر حرَام، وَهُوَ مُخَالف للمذكور هُنَا من حَدِيث أبي بكرَة، وَمن حَدِيث ابْن عمر أَيْضا أَنهم سكتوا حَتَّى ظنُّوا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، الْجَواب أَنه يحْتَمل أَن تكون الْخطْبَة مُتعَدِّدَة، فَأجَاب فِي الثَّانِيَة من علم فِي الأولى، وَلم يجب من لم يعلم فَنقل كل من الروَاة مَا سمع، وَيُقَال: إِن حَدِيث أبي بكرَة من رِوَايَة مُسَدّد وَقع نَاقِصا مخروماً لنسيان وَقع من بعض الروَاة. قَوْله: (فَإِن دماءكم) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سفك دمائكم، وَكَذَا فِي: أَمْوَالكُم، التَّقْدِير: أَخذ أَمْوَالكُم، وَكَذَا فِي: أعراضكم، التَّقْدِير: سلب أعراضكم. قَوْله: (ليبلغ الشَّاهِد) ، أَي الْحَاضِر فِي الْمجْلس الْغَائِب عَنهُ، وَالْمرَاد مِنْهُ إِمَّا تَبْلِيغ القَوْل الْمَذْكُور، أَو تَبْلِيغ جَمِيع الْأَحْكَام. فَافْهَم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: هُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن الْعَالم يجب عَلَيْهِ تَبْلِيغ الْعلم لمن لم يبلغهُ، وتبيينه لمن لَا يفهمهُ، وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله تَعَالَى على الْعلمَاء. {ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} (آل عمرَان: ١٨٧) . الثَّانِي: فِيهِ أَنه يَأْتِي فِي آخر الزَّمَان من يكون لَهُ من الْفَهم فِي الْعلم من لَيْسَ لمن تقدمه، وَأَن ذَلِك يكون فِي الْأَقَل، لِأَن: رب، مَوْضُوعَة للتقليل، و: عَسى، موضعهَا الإطماع، وَلَيْسَت لتحقيق الشَّيْء. الثَّالِث: فِيهِ أَن حَامِل الحَدِيث يجوز أَن يُؤْخَذ عَنهُ، وَإِن كَانَ جَاهِلا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مَأْخُوذ من تبليغه، مَحْسُوب فِي زمرة أهل الْعلم. الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا كَانَ حَرَامًا يجب على الْعَالم أَن يُؤَكد حرمته، ويغلظ عَلَيْهِ بأبلغ مَا يُوجد، كَمَا فعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي المتشابهات. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْقعُود على ظهر الدَّوَابّ إِذا احْتِيجَ إِلَى ذَلِك، لَا للأشر والبطر، وَالنَّهْي فِي قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُور الدَّوَابّ مجَالِس) ، مَخْصُوص بِغَيْر الْحَاجة. السَّادِس: فِيهِ الْخطْبَة على مَوضِع عَال ليَكُون أبلغ فِي سماعهَا للنَّاس، ورؤيتهم إِيَّاه. السَّابِع: فِيهِ مُسَاوَاة المَال وَالدَّم وَالْعرض فِي الْحُرْمَة. الثَّامِن: فِيهِ تَشْبِيه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض بِالْيَوْمِ وبالشهر وبالبلد فِي الْحُرْمَة دَلِيل على اسْتِحْبَاب ضرب الْأَمْثَال، وإلحاق النظير بالنظير قِيَاسا، قَالَه النَّوَوِيّ.

الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ شبه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض فِي الْحُرْمَة بِالْيَوْمِ والشهر والبلد فِي غير هَذِه الرِّوَايَة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم كَانُوا لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة هَذِه الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال، وَكَانَ تَحْرِيمهَا ثَابتا فِي نُفُوسهم مقرراً عِنْدهم بِخِلَاف الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض، فَإِنَّهُم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يستبيحونها. وَقَالَ بَعضهم: أعلمهم الشَّارِع بِأَن تَحْرِيم دم الْمُسلم وَمَاله وَعرضه أعظم من تَحْرِيم الْبَلَد والشهر وَالْيَوْم، فَلَا يرد كَون الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَقع

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد