الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٧
الحديث رقم ٧٧ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب متى يصح سماع الصغير.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ:
قال محمود بن الربيع وهو من صغار الصحابة رضي الله عنهم: عقلت أي عرفت وحفظت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة، والمج إرسال الماء من الفم بالنفخ، وقيل لا يكون مجًّا حتى تُباعِد به، وكذلك مَجَّ لعابَه، والمجاجة والمجاج الريق الذي تمجه من فيك، مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين، وقد توفي النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن خمس سنين، واستفيد من هذه الرواية أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ابن خمس سنين يصحُّ أن يتحمَّل العلم، من دلو أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الماء من الدلو، وهذه مداعبة نبوية، وقد لا تكون مقبولة من كل الناس، ولكن كان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على آثاره إرادة بركته عليه الصلاة والسلام لهم ولأولادهم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَدَخَلْتُ بِالْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) قِيلَ فِيهِ جَوَازُ تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْخَفِيفَةِ ; لِأَنَّ الْمُرُورَ مَفْسَدَةٌ خَفِيفَةٌ، وَالدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْجَوَازِ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ لِانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ إِذْ ذَاكَ، وَلَا يُقَالُ: مَنَعَ مِنَ الْإِنْكَارِ اشْتِغَالُهُمْ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْإِنْكَارَ مُطْلَقًا فَتَنَاوَلَ مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَأَيْضًا فَكَانَ الْإِنْكَارُ يُمْكِنُ بِالْإِشَارَةِ. وَفِيهِ مَا تُرْجِمَ لَهُ أَنَّ التَّحَمُّلَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْأَدَاءِ. وَيُلْحَقُ بِالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْفَاسِقُ وَالْكَافِرُ. وَقَامَتْ حِكَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرُهُ مَقَامُ حِكَايَةِ قَوْلِهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فِي شَرَائِطِ الْأَدَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقْيِيدُ بِالصَّبِيِّ وَالصَّغِيرِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا يُطَابِقُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّغِيرِ غَيْرُ الْبَالِغِ، وَذِكْرَ الصَّبِيَّ مَعَهُ مِنْ بَابِ التَّوْضِيحِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الصَّغِيرِ يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ مَحْمُودٍ، وَلَفْظُ الصَّبِيِّ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مَعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَاقِي مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.
[الحديث ٧٧ - أطرافه في: ٦٤٢٢، ٦٣٥٤، ١١٨٥، ٨٣٩، ١٨٩،]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْفِرْيَابِيُّ فَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو مُسْهِرٍ شَيْخُ الشَّامِيِّينَ فِي زَمَانِهِ، وَقَدْ لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُرَابِطِ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ رَشِيدٍ عَنْهُ أَنَّ أَبَا مُسْهِرٍ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ فَإِنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُصَفَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَوْصَاءَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَلِيلِ، وَأَبِي التَّقِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْقَافِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ أَبِي مُسْهِرٍ، رَوَوْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ فَكَأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى الزُّهْرِيِّ شَامِيُّونَ. وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ وَشَيْخُهُ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُرَاقَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ وَحَدِيثُهُ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ الْآتِي فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَفِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي مَحْمُودٌ.
قَوْلُهُ: (عَقَلْتُ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: حَفِظْتُ.
قَوْلُهُ: (مَجَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَالْمَجُّ هُوَ إِرْسَالُ الْمَاءِ مِنَ الْفَمِ، وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى مَجًّا إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ. وَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ مَحْمُودٍ إِمَّا مُدَاعَبَةً مِنْهُ، أَوْ لِيُبَارَكَ عَلَيْهِ بِهَا كَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ مَعَ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) لَمْ أَرَ التَّقْيِيدَ بِالسِّنِّ عِنْدَ تَحَمُّلِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ لَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَانِيدِ إِلَّا فِي طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ، وَالزُّبَيْدِيُّ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَتَّى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُفَضِّلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ خَطَأٌ. وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ - وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْوَاقِعَةَ الَّتِي ضَبَطَهَا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بفتح الكاف (ذَلِكَ عَلَيَّ) أي: لم ينكره عليَّ رسول الله ﷺ ولا غيره، واستدلَّ المؤلِّف بسياق هذا على ما ترجم له وهو أنَّ التَّحمُّل لا يُشتَرط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشتَرط عند الأداء، ويلحق بالصَّبيِّ في ذلك العبدُ، والفاسق، والكافر، وأدخل المصنِّف هذا الحديث في ترجمة «سماع الصَّبيِّ»، وليس فيه سماعٌ لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله: إنَّه جائزٌ، والمُرَاد من الصَّغير غيرُ البالغ، وذكره مع الصَّبيِّ من باب التَّوضيح والبيان (١).
٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو البيكنديُّ، كما جزم به (٢) البيهقيُّ وغيره، وقِيلَ: هو الفريابيُّ، ورُدَّ: بأنَّه لا رواية له عن أبي مُسْهرٍ الآتي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المُهمَلَة وكسر الهاء وآخره راءٌ، عبد الأعلى بن مُسْهرٍ الغسَّانيُّ الدِّمشقيُّ، المُتوفَّى ببغداد (٣) سنة ثمانِ عشْرةَ ومئتين، وقد لقيه المؤلِّفُ وسمع منه شيئًا يسيرًا، لكنَّه حدَّث عنه هنا بواسطةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء وسكون الرَّاء المُهمَلَتين آخره مُوحَّدةٌ، الخولانيُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ، وقد شارك أبا مُسْهِرٍ في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن حربٍ هذا محمَّدُ بن المُصفَّى، كما عند النَّسائيِّ وابن جوصا عن سلمة بن الخليل وأبي (٤) التَّقيِّ، كلاهما عن محمَّد
بن حربٍ، كما في «المدخل» للبيهقيِّ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِرٍ عن ابن حربٍ، فاندفع دعوى تفرُّد أبي مُسْهِرٍ به عنه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، أبو الهذيل محمَّد بن الوليد بن عامرٍ الشَّاميُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئةٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى ببيت المقدس سنة تسعٍ وتسعين، عن ثلاثٍ وتسعين سنةً أنَّه (قَالَ: عَقَلْتُ) بفتح القاف من «باب ضرَب يضرِب» أي: عرفت أو حفظت (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً) بالنَّصب على المفعوليَّة (مَجَّهَا) مِنْ فِيْهِ، أي: رمى بها حال كونها (فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) جملة من المُبتدَأ والخبر وقعت حالًا؛ إمَّا من الضَّمير المرفوع في «عقلت»، أو من الياء في «وجهي» (مِنْ) ماءِ (دَلْوٍ) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله ﵊ لذلك على جهة المُدَاعبَة، أو التَّبريك عليه كما كان ﷺ يفعل مع أولاد الصَّحابة، ثمَّ نقله (١) لذلك الفعل المُنزَّل منزلة السَّماع، وكونه سنَّةً مقصودةً دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ: سمع، وقد تعقَّب ابنُ أبي صُفْرَة المؤلِّفَ في كونه لم يذكر في هذه التَّرجمة حديث ابن الزُّبير في رؤيته إيَّاه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السَّماع منه، وكان سنُّه حينئذٍ ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمودٍ، وليس في قصَّة محمودٍ ضبطُه لسماع شيءٍ، فكان ذكر حديث ابن الزُّبير أَوْلَى بهذين المعنيين، وأجاب ابن المُنَيِّر -كما قاله في «فتح الباري» و «مصابيح الجامع» -: بأنَّ المؤلِّف إنَّما أراد نقل السُّنن النَّبويَّة، لا الأحوال الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً (٢) في كون النَّبيِّ ﷺ مجَّ مجَّةً في وجهه، بل في مُجرَّد رؤيته إيَّاه فائدةٌ شرعيَّةٌ ثبت بها كونه صحابيًّا، وأمَّا قصَّة ابن الزُّبير فليس فيها نقل سنَّةٍ من السُّنن النَّبويَّة حتَّى تدخل في هذا الباب، ولا يُقَال -كما قاله
الزَّركشيُّ-: إنَّ قضية (١) ابن الزُّبير تحتاج إلى ثبوت صحَّتها على شرط البخاريِّ، أي: حتَّى يتوجَّه الإيراد، بأنَّه قد أخرجها في «مناقب الزُّبير» [خ¦٣٧٢٠] من كتابه هذا، فنفيُ الورود (٢) حينئذٍ لا يخفى ما فيه.
وفي هذا الحديث من الفقه: جوازُ إحضار الصِّبيان مجالسَ الحديث، واستُدِلَّ به أيضًا على أنَّ تعيينَ وقت السَّماع خمسُ سنين، وعزاه عياضٌ في «الإلماع» لأهل الصَّنعة، وقال ابن الصَّبَّاغ: وعليه قدِ استقرَّ عمل أهل الحديث المتأخِّرين، فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: «سمع»، ولمن لم يَبْلُغْها: «حضر» أو «أُحْضِر»، وحكى القاضي عياضٌ أنَّ محمودًا حين عقل المجَّة كان ابنَ أربعٍ، ومن ثمَّ صحَّح الأكثرون سماع مَنْ بلغ أربعًا، لكن بالنِّسبة لابن العربيِّ خاصَّةً، أمَّا ابن العجميِّ فإذا بلغ سبعًا، قال في «فتح الباري»: وليس في الحديث ما يدلُّ على تسميع مَنْ عُمُرُه خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فَهِمَ الخطاب سُمِّعَ وإن كان دون خمسٍ، وإلَّا فلا.
(١٩) هذا (بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ) أي: السَّفر لأجل طلب العلم (وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ الصَّحابيُّ ﵁ (مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بضمِّ الهمزة مُصغَّرٌ، الجُهَنِيِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ وخمسين في خلافة معاوية ﵁ (فِي) أي: لأجل (حَدِيثٍ وَاحِدٍ) ذكره المؤلِّف في «المظالم» [خ¦٩٧/ ٣٢ - ١١٠٣٤] آخر هذا الصَّحيح بلفظ: ويُذكر عن جابرٍ عن عبد الله بن أُنَيْسٍ: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «يَحشُرُ الله (٣) العباد فيناديهم بصوتٍ … » الحديثَ، ورواه أيضًا في
«الأدب المُفرَد» موصولًا، وفيه: «أنَّ جابرًا بلغه عنه حديثٌ سمعه من رسول الله ﷺ، فاشترى بعيرًا ثمَّ شدَّ رحله، وسار إليه شهرًا حتَّى قدم عليه الشَّام، وسمعه منه … » فَذَكَرَه، ورواه كذلك أحمد وأبو يَعلى، لا يُقَال: إنَّ المؤلِّف نقض قاعدته حيث عبَّر هنا بقوله: «ورحل» بصيغة الجزم المقتضية للتَّصحيح، وفي «باب المظالم» [خ¦٩٧/ ٣٢ - ١١٠٣٤] بقوله: و «يُذكر» بصيغة التَّمريض، كما ذكره الزَّركشيُّ وحكاه عنه صاحب «المصابيح» من غير تعرُّضٍ له؛ لأنَّ المجزوم به هو الرِّحلة لا الحديث، قال في «فتح الباري»: جزم بالارتحال لأنَّ الإسناد حسنٌ وقد اعتضد، ولم يجزم بما ذكره من المتن لأنَّ لفظ الصَّوت ممَّا يُتوقَّف في إطلاق نسبته إلى الرَّبِّ، ويحتاج إلى تأويلٍ، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريقٍ (١) مُختلَفٍ فيها ولو اعتُضِدت. انتهى.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَيْضا فَيحمل على أَن المُرَاد بالحكمة أَيْضا الْقُرْآن، فَيكون بَعضهم رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. وَقَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة} الْآيَة (الْبَقَرَة: ٢٦٩) . إِن الْحِكْمَة الْقُرْآن. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَوتى الْحِكْمَة مرَّتَيْنِ. قلت: يحْتَمل تعدد الْوَاقِعَة فَيكون المُرَاد بِالْكتاب الْقُرْآن، وبالحكمة السّنة، وَقد فسرت الْحِكْمَة بِالسنةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة} (الْبَقَرَة: ١٢٩) قَالُوا: المُرَاد بالحكمة هُنَا السّنة الَّتِي سنّهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِوَحْي من الله تَعَالَى، وَيُؤَيّد ذَلِك رِوَايَة عبد اللَّه بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، الَّتِي أخرجهَا الشَّيْخَانِ بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ فقهه) ، وَزَاد البُخَارِيّ فِي رِوَايَة: (فِي الدّين) . وَذكر الْحميدِي فِي (الْجمع) : أَن أَبَا مَسْعُود ذكر فِي (أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ) ، بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل) . قَالَ الْحميدِي: هَذِه الزِّيَادَة لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهِي فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد أَحْمد وَابْن حبَان، وَوَقع فِي بعض نسخ ابْن مَاجَه من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن خَالِد الْحذاء بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْكتاب) . وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة من هَذَا الْوَجْه، وَقد رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ والإسماعيلي وَغَيرهمَا من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بِدُونِهَا، وروى ابْن سعد من وَجه آخر عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (دَعَاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمسح على ناصيتي وَقَالَ: اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْكتاب) . وَقد رَوَاهُ أَحْمد عَن هشيم عَن خَالِد فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظ: (مسح على رَأْسِي) . فَإِن قلت: مَا معنى تَسْمِيَة الْكتاب وَالسّنة بالحكمة؟ قلت: أما الْكتاب فَلِأَن الله تَعَالَى أحكم فِيهِ لِعِبَادِهِ حَلَاله وَحَرَامه، وَأمره وَنَهْيه. وَأما السّنة فحكمة فصل بهَا بَين الْحق وَالْبَاطِل، وبيَّن بهَا مُجمل الْقُرْآن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل جَازَ أَن لَا يُسْتَجَاب دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، وَإجَابَة الْبَاقِي فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، وَأما هَذَا الدُّعَاء فمما لَا شكّ فِي قبُوله، لِأَنَّهُ كَانَ عَالما بِالْكتاب، حبر الْأمة، بَحر الْعلم، رَئِيس الْمُفَسّرين، ترجمان الْقُرْآن. وَكَونه فِي الدرجَة القصوى فِي الْمحل الْأَعْلَى مِنْهُ، مِمَّا لَا يخفى. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ ابْن عَبَّاس من الْأَحْبَار الراسخين فِي علم الْقُرْآن وَالسّنة، أجيبت فِيهِ الدعْوَة، إِلَى هُنَا كَلَام الْكرْمَانِي. قلت: هَذَا السُّؤَال لَا يُعجبنِي، فَإِن فِيهِ بشاعة، وَأَنا لَا أَشك أَن جَمِيع دعوات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستجابة. وَقَوله: (لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة) ، لَا يَنْفِي ذَلِك، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحصور. فَإِن قلت: مَا كَانَ سَبَب هَذَا الدُّعَاء لِابْنِ عَبَّاس؟ قلت: بيَّن ذَلِك البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: (دخل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضوأ) . زَاد مُسلم: (فَلَمَّا خرج ثمَّ اتفقَا قَالَ: من وضع هَذَا؟ فَأخْبر) . وَلمُسلم: (قَالُوا: ابْن عَبَّاس) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَنهُ أَن مَيْمُونَة هِيَ الَّتِي أخْبرته بذلك،، وَأَن ذَلِك كَانَ فِي بَيتهَا لَيْلًا. قلت: وَلَعَلَّ ذَلِك فِي اللَّيْلَة الَّتِي بَات فِيهَا ابْن عَبَّاس عِنْدهَا ليرى صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
بَيَان استناط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بركَة دُعَائِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وإجابته. الثَّانِي: فِيهِ فضل الْعلم والحض على تعلمه وعَلى حفظ الْقُرْآن وَالدُّعَاء بذلك. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الضَّم، وَهُوَ إِجْمَاع للطفل والقادم من سفر ولغيرهما، ومكروه عِنْد الْبَغَوِيّ، وَالْمُخْتَار جَوَازه، وَمحل ذَلِك إِذا لم يؤد إِلَى تَحْرِيك شَهْوَة. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمذهب أبي حنيفَة أَن ذَلِك يجوز إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَمِيص، وَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور الماتريدي: الْمَكْرُوه من المعانقة مَا كَانَ على وَجه الشَّهْوَة، وَأما على وَجه الْبر والكرامة فَجَائِز.
١٨ - (بَاب متَى يَصِحُّ سَماعُ الصَّغِيرِ)
وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الصَّبِي الصَّغِير، أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَكلمَة: مَتى، للاستفهام. إِذا قلت: مَتى الْقِتَال؟ كَانَ الْمَعْنى الْيَوْم أم غَدا أم بعد غَد. وَبني لتَضَمّنه معنى حرف الِاسْتِفْهَام، كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور. قَالَ الْكرْمَانِي: معنى الصِّحَّة جَوَاز قبُول مسموعه. وَقَالَ بَعضهم هَذَا تَفْسِير لثمرة الصِّحَّة لَا لنَفس الصِّحَّة. قلت: كَأَنَّهُ فهم: أَن الْجَوَاز هُوَ ثَمَرَة الصِّحَّة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْجَوَاز هُوَ الصِّحَّة وَثَمَرَة الصِّحَّة عدم ترَتّب الشَّيْء. عَلَيْهِ عِنْد الْعَمَل فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن مَا ذكر فِي الْبَاب الأول من دُعَائِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِابْنِ عَبَّاس، إِنَّمَا كَانَ وَابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك غُلَام مُمَيّز، وَالْمَذْكُور
فِي هَذَا الْبَاب حَال الْغُلَام الْمُمَيز فِي السماع، على أَن الْقَضِيَّة هَهُنَا لِابْنِ عَبَّاس أَيْضا، كَمَا كَانَت فِي الْبَاب الأول، وَمرَاده الِاسْتِدْلَال على أَن الْبلُوغ لَيْسَ شرطا فِي التَّحَمُّل. وَاخْتلفُوا فِي السن الَّذِي يَصح فِيهِ السماع للصَّغِير، فَقَالَ مُوسَى بن هَارُون الْحَافِظ: إِذا فرق بَين الْبَقَرَة وَالدَّابَّة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا عقل وَضبط. وَقَالَ يحيى بن معِين: أقل سنّ التَّحَمُّل خَمْسَة عشر سنة، لكَون ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، رد يَوْم أُحد، إِذْ لم يبلغهَا، وَلما بلغ أَحْمد أنكر ذَلِك. وَقَالَ: بئس القَوْل. وَقَالَ عِيَاض: حدد أهل الصّفة ذَلِك أَن أَقَله سنّ مَحْمُود بن الرّبيع، ابْن خمس. كَذَا ذكره البُخَارِيّ. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه كَانَ ابْن أَربع، وَقَالَ ابْن الصّلاح: والتحديد بِخمْس هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث من الْمُتَأَخِّرين، فيكتبون لِابْنِ خمس سِنِين فَصَاعِدا سمع ولدون حضر أَو أحضر، وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِك اعْتِبَار التَّمْيِيز، فَإِن فهم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ مُمَيّزا وصحيح السماع، وَإِن كَانَ دون خمس. وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يَصح سَمَاعه وَلَو كَانَ ابْن خمس، بل ابْن خمسين. وَعَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ: رَأَيْت صَبيا، ابْن أَربع سِنِين، قد حمل إِلَى الْمَأْمُون قد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الْآي، غير أَنه إِذا جَاع بَكَى. وَحفظ الْقُرْآن أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّه بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ وَله خمس سِنِين، فامتحنه فِيهِ أَبُو بكر بن الْمقري وَكتب لَهُ بِالسَّمَاعِ وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين، وَحَدِيث مَحْمُود لَا يدل على التَّحْدِيد بِمثل سنه.
٧٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ حدّثني مالِكٌ عَن ابْن شِهابٍ عنْ عُبَيدِ اللَّه ابنِ عَبْدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أقْبَلْتُ راكِباً عَلَى حِمارٍ أَتانٍ، وأنَا يوْمَئِذٍ قَدْ ناهَزْتُ الإحْتِلامَ، ورَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بِمِنَى إِلى غَيْرِ جِدارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِك علَيَّ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْعلمَاء جوزوا الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، إِذا لم يكن ستْرَة، بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس هَذِه، وَابْن عَبَّاس تحمل هَذَا فِي حَالَة الصبى، فَعلم مِنْهُ قبُول سَماع الصَّبِي إِذا أَدَّاهُ بعد الْبلُوغ. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي سَماع الصَّغِير وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث سَماع الصَّبِي. قلت: الْمَقْصُود من السماع هُوَ وَمَا يقوم مقَامه لتقرير الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي مَسْأَلَتنَا لمروره. فَإِن قلت: عقد الْبَاب على الصَّبِي الصَّغِير، أَو الصَّغِير فَقَط، على اخْتِلَاف الرِّوَايَة، والمناهز للاحتلام لَيْسَ صَغِيرا، فَمَا وَجه الْمُطَابقَة؟ قلت: المُرَاد من الصَّغِير غير الْبَالِغ، وَذكره مَعَ الصَّبِي من بَاب التَّوْضِيح وَالْبَيَان.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل هُوَ: ابْن عبد اللَّه الْمَشْهُور بِابْن أبي أويس، ابْن أُخْت مَالك، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه بن يُوسُف والقعنبي، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك، وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ابْن سعد عَن ابْن أخي ابْن شهَاب، وَفِي الْمَغَازِي، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن يحيى بن يحيى، وَعَمْرو النَّاقِد، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن عبد بن حميد كِلَاهُمَا عِنْد عبد الرَّزَّاق عَن معمر، خمستهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمَالِك أبي الشَّوَارِب عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام بن عمار عَن سُفْيَان بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على حمَار) ، قَالَ فِي (الْعباب) : الْحمار العير، وَالْجمع: حمير وحمر وحمر وحمرات واحمرة ومحمور، والحمارة: الأتان، والحمارة أَيْضا: الْفرس الهجين، وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ: يالانى،، واليحمور حمَار الْوَحْش. (أتان) ، بِفَتْح الْهمزَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره نون: وَهِي الْأُنْثَى من الْحمر، وَقد يُقَال، بِكَسْر الْهمزَة، حَكَاهُ الصغاني فِي (شوارده) ،
وَلَا يُقَال: أتانة. وَحكى يُونُس وَغَيره: أتانة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الاتان الحمارة وَلَا يُقَال: أتانة. وَثَلَاث أتن مثل: عنَاق وأعنق، وَالْكثير اتن واتن، والمأتونا الاتن مثل، المعبورا. قَوْله: (ناهزت الِاحْتِلَام) ، أَي: قاربت يُقَال: ناهز الصَّبِي الْبلُوغ إِذا قاربه وداناه. قَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : ناهز الصَّبِي الْفِطَام دنا مِنْهُ، ونهز الشَّيْء أَي: قرب، وَقَالَ شمر: المناهزة الْمُبَادرَة، فَقيل للأسد: نهز، لِأَنَّهُ يُبَادر مَا يفترسه، والنهزة بِالضَّمِّ: الفرصة. ونهزت الشَّيْء دَفعته، ونهزت إِلَيْهِ: نهضت إِلَيْهِ. والاحتلام: الْبلُوغ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ مُشْتَقّ من الحالم بِالضَّمِّ، وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم. قَوْله: (بمنى) ، مَقْصُور: مَوضِع بِمَكَّة تذبح فِيهِ الْهَدَايَا وترمى فِيهِ الجمرات. قَالَ الْجَوْهَرِي: مُذَكّر مَصْرُوف؛ قلت: لِأَنَّهُ علم للمكان فَلم يُوجد فِيهِ شَرط الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ لُغَتَانِ: الصّرْف وَالْمَنْع، وَلِهَذَا يكْتب بِالْألف وَالْيَاء، والأجود صرفهَا وكتابتها بِالْألف، سميت بهَا لما يمنى بهَا من الدِّمَاء أَي: تراق. قَوْله: (ترتع) ، بتاءين مثناتين من فَوق مفتوحتين وَضم الْعين أَي: تَأْكُل مَا تشَاء، من: رتعت الْمَاشِيَة ترتع رتوعاً. وَقيل: تسرع فِي الْمَشْي وَجَاء أَيْضا، بِكَسْر الْعين على وزن تفتعل، من: الرَّعْي: وَأَصله: ترتعي، وَلَكِن حذفت الْيَاء تَخْفِيفًا، وَالْأول أصوب وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْحَج: نزلت عَنْهَا فرتعت.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَقبلت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. قَوْله: (رَاكِبًا) نصب على الْحَال. (وعَلى حمَار) يتَعَلَّق بِهِ قَوْله: (أتان) : صفة للحمار أَو بدل مِنْهُ. فَإِن قلت: من أَي قسم من أَقسَام الْبَدَل؟ قلت: قيل: إِنَّه بدل غلط، وَقَالَ القَاضِي: وَعِنْدِي أَنه بدل الْبَعْض من الْكل، إِذْ قد يُطلق الْحمار على الْجِنْس فَيشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى، كَمَا قَالُوا: بعير. وَقَالَ النَّوَوِيّ والقرطبي وَغَيرهمَا أَيْضا: إِن الْحمار اسْم جنس للذّكر والانثى، كلفظة الشَّاة وَالْإِنْسَان. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي بعض طرقه: على حمَار، أَرَادَ بِهِ الْجِنْس وَلم يرد الذُّكُورَة، وَفِي بَعْضهَا: أتان. وَجمع البُخَارِيّ بَينهمَا، فَقَالَ: (على حمَار أتان) . وَقَالَ القَاضِي: وَجَاء فِي البُخَارِيّ (على حمَار أتان) ، بِالتَّنْوِينِ فيهمَا، إِمَّا على الْبَدَل أَو الْوَصْف. وَقد ذَكرْنَاهُ، وَرُوِيَ: (على حمَار أتان) ، بِالْإِضَافَة، أَي: حمَار أُنْثَى، كفحل اتن. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا استدرك الحمارة بِالْأُنْثَى ليعلم أَن الْأُنْثَى من الْحمر لَا تقطع الصَّلَاة، فَكَذَلِك لَا تقطعها الْمَرْأَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم قَالَ: على حمارة، فيستغني عَن لفظ: أتان؟ قلت: لِأَن التَّاء فِي حمارة يحْتَمل أَن تكون للوحدة وللتأنيث فَلَا تكون نصا فِي الْأُنُوثَة. قلت: هُنَا قرينَة تدل على تَرْجِيح المُرَاد بأنوثته فَلَا يَقع الْجَواب موقعه، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِي الْجَواب: إِن الحمارة قد تطلق على الْفرس الهجين، كَمَا نَقَلْنَاهُ عَن الصغاني عَن قريب، فَلَو قَالَ: على حمارة، رُبمَا كَانَ يفهم أَنه أقبل على فرس هجين، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، على أَن الْجَوْهَرِي حكى أَن الحمارة فِي الْأُنْثَى شَاذ. قَوْله: (وَأَنا يَوْمئِذٍ) ، الْوَاو: فِيهِ للْحَال و: أَنا، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (قد ناهزت الِاحْتِلَام) . قَوْله: (وَرَسُول الله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَاو: فِيهِ للْحَال، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يُصَلِّي) . قَوْله: (بمنى) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (إِلَى غير جِدَار) فِي مَحل النصب على الْحَال، وَفِيه حذف تَقْدِيره: يُصَلِّي غير مُتَوَجّه إِلَى جِدَار. قَوْله: (وارسلت) ، عطف على: مَرَرْت، و: الأتان، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (ترتع) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة، وَالتَّقْدِير: مُقَدرا رتوعها. قَوْله: (وَدخلت) ، بِالْوَاو عطف على: (أرْسلت) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فد خلت) ، وبالفاء الَّتِي للتعقيب. قَوْله: (فَلم يُنكر) على صِيغَة الْمَعْلُوم، أَي: فَلم يُنكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك عَليّ، وَرُوِيَ بِلَفْظ الْمَجْهُول: أَي لم يُنكر أحد لَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غَيره مِمَّن كَانُوا مَعَه.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَقبلت رَاكِبًا على حمَار) ، وَزَاد البُخَارِيّ فِيهِ فِي الْحَج: (أَقبلت أَسِير على أتان حَتَّى صرت بَين يَدي الصَّفّ ثمَّ نزلت عَنْهَا) . وَلمُسلم: (فَسَار الْحمار بَين يَدي بعض الصَّفّ) . قَوْله: (إِلَى غير جِدَار) يَعْنِي: إِلَى غير ستْرَة. فَإِن قلت: لَفْظَة إِلَى غير جِدَار، لَا يَنْفِي شَيْئا غَيره، فَكيف يُفَسر، بِغَيْر ستْرَة؟ إِخْبَار ابْن عَبَّاس عَن مروره بالقوم وَعَن عدم جِدَار، مَعَ أَنهم لم ينكروا عَلَيْهِ، وَأَنه مَظَنَّة إِنْكَار يدل على حُدُوث أَمر لم يعْهَد قبل ذَلِك، من كَون الْمُرُور مَعَ الستْرَة غير مُنكر، فَلَو فرض ستْرَة أُخْرَى غير الْجِدَار لم يكن لهَذَا الْإِخْبَار فَائِدَة. قَوْله: (بَين يَدي بعض الصَّفّ) : هُوَ مجَاز عَن القدام، لِأَن الصَّفّ لَا يَد لَهُ، وَبَعض الصَّفّ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ صف من الصُّفُوف، أَو بعض من الصَّفّ الْوَاحِد، يَعْنِي المُرَاد بِهِ: إِمَّا جُزْء من الصَّفّ، وَإِمَّا جزئي مِنْهُ. قَوْله: (ناهزت الِاحْتِلَام) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: فِيهِ معنى يَقْتَضِي تَأْكِيد الحكم، وَهُوَ عدم بطلَان الصَّلَاة بمرور الْحمار، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على ذَلِك بِعَدَمِ الْإِنْكَار، وَعدم الْإِنْكَار على من هُوَ فِي مثل هَذَا السن أدل على هَذَا الحكم، فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي سنّ عدم التَّمْيِيز لاحتمل أَن يكون عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِ لعدم مؤاخذته لصِغَر سنه، فَعدم الْإِنْكَار دَلِيل على جَوَاز الْمُرُور،
وَالْجَوَاز دَلِيل على عدم إِفْسَاد الصَّلَاة. وَقَالَ عِيَاض: وَقَوله: (ناهزت الِاحْتِلَام) يصحح قَول الْوَاقِدِيّ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، توفّي وَابْن عَبَّاس ابْن ثَلَاث عشرَة سنة. وَقَول الزبير بن بكار: إِنَّه ولد فِي الشّعب قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين. وَمَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ، توفّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة. قَالَ أَحْمد: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ يرد رِوَايَة من يروي عَنهُ، أَنه قَالَ: توفّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنا ابْن عشر سِنِين. وَقد يتَأَوَّل، إِن صَحَّ، على أَن مَعْنَاهُ رَاجع إِلَى مَا بعده، وَهُوَ قَوْله وَقد قَرَأت (الْمُحكم) .
بَيَان استنباط الاحكام: الأول: فِيهِ جَوَاز سَماع الصَّغِير، وَضَبطه السّنَن والتحمل لَا يشْتَرط فِيهِ كَمَال الْأَهْلِيَّة، وَإِنَّمَا يشْتَرط عِنْد الْأَدَاء. ويلتحق بِالصَّبِيِّ فِي ذَلِك: العَبْد وَالْفَاسِق وَالْكَافِر. وَقَامَت حِكَايَة ابْن عَبَّاس لفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَقْرِيره مقَام حِكَايَة قَوْله. الثَّانِي: فِيهِ إجَازَة من علم الشَّيْء صَغِيرا وَأَدَّاهُ كَبِيرا، وَلَا خلاف فِيهِ، وَأَخْطَأ من حكى فِيهِ خلافًا، وَكَذَا الْفَاسِق وَالْكَافِر إِذا أديا حَال الْكَمَال. الثَّالِث: فِيهِ احْتِمَال بعض الْمَفَاسِد لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، فَإِن الْمُرُور أَمَام الْمُصَلِّين مفْسدَة، وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ مصلحَة راجحة، فاغتفرت الْمفْسدَة للْمصْلحَة الراجحة من غير إِنْكَار. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الرّكُوب إِلَى صَلَاة الْجَمَاعَة. الْخَامِس: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ أَن التَّقَدُّم إِلَى الْقعُود لسَمَاع الْخطْبَة إِذا لم يضر أحدا والخطيب يخْطب جَائِز، بِخِلَاف مَا إِذا تخطى رقابهم. السَّادِس: أَن مُرُور الْحمار لَا يقطع الصَّلَاة، وَعَلِيهِ بوب أَبُو دَاوُد، فِي (سنَنه) ، وَمَا ورد من قطع ذَلِك مَحْمُول على قطع الْخُشُوع. السَّابِع: فِيهِ صِحَة صَلَاة الصَّبِي. الثَّامِن: فِيهِ أَنه إِذا فُعل بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْء وَلم يُنكره فَهُوَ حجَّة. التَّاسِع: جَوَاز إرْسَال الدَّابَّة من غير حَافظ أَو مَعَ حَافظ غير مُكَلّف. الْعَاشِر: قَالَ ابْن بطال وأبوعمر وَالْقَاضِي عِيَاض: فِيهِ دَلِيل على أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، وَكَذَا بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ، وَحكى ابْن بطال وَأَبُو عمر فِيهِ الْإِجْمَاع. قَالَا: وَقد قيل: الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه، وَأما وَجه الدّلَالَة فَقَالَ عِيَاض: قَوْله: فَلم يُنكر ذَلِك أحد، لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَآهُ، وَهُوَ الظَّاهِر لقَوْله، بَين يَدي الصَّفّ فَهُوَ حجَّة لتقريره، وَإِن كَانَ بِموضع لم يره فقد رَآهُ أَصْحَابه بجملتهم فَلم ينكروه، وَلَا أحد مِنْهُم، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ عِنْدهم بمنكر، وَقَالَ غَيره: يحْتَمل أَن لَفْظَة: أحد، تَشْمَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيره، لما فِيهَا من الْعُمُوم، لكنه ضَعِيف بِأَنَّهُ لَا معنى لعدم إِنْكَار غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ حُضُوره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعدم إِنْكَاره أَيْضا، فَيجوز أَن يكون الصَّفّ ممتداً فَلَا يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلِهَذَا أَن ابْن عَبَّاس ذكر الرائين وَلم يذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتِرَازًا مِنْهُ. قلت: فعلى هَذَا لَا يكون من بَاب الْمَرْفُوع قطعا، بل مِمَّا يتَوَجَّه فِيهِ الْخلاف، وَيحْتَمل كَمَا قَالُوا فِي شبهه. وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، هَذَا يخص بِحَدِيث ابْن سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، يرفعهُ: (إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ) . قَالَ: فَحَدِيث أبي سعيد هَذَا يحمل على الإِمَام وَالْمُنْفَرد، فَأَما الْمَأْمُوم فَلَا يضرّهُ من مر بَين يَدَيْهِ لحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُله لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء، وَمِمَّا يُوضحهُ حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بهم الظّهْر، أَو الْعَصْر، فَجَاءَت بَهِيمَة تمر بَين يَدَيْهِ، فَجعل يدرؤها حَتَّى رَأَيْته ألصق مَنْكِبَيْه بالجدار فمرت من خَلفه) . قلت: أخرجه أَبُو دَاوُد من أَبُو دَاوُد من أَوله: كَانَ يُصَلِّي إِلَى جدر، وَفِيه: حَتَّى ألصق بَطْنه بالجدر. وَبَوَّبَ عَلَيْهِ: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. قَالَ: والمرور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَكْرُوه إِذا كَانَ إِمَامًا أَو مُنْفَردا أَو مُصَليا إِلَى ستْرَة، وَأَشد مِنْهُ أَن يدْخل الْمَار بَين الستْرَة وَبَينه، وَأما الْمَأْمُوم فَلَا يضرّهُ من مر بَين يَدَيْهِ، كَمَا أَن الإِمَام أَو الْمُنْفَرد لَا يضر وَاحِد مِنْهُمَا مَا مر من وَرَاء سترته، لِأَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَقد قيل: إِن الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه. قَالَ: وَهَذَا كُله إِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف أَصْحَاب مَالك فِيمَن صلى إِلَى غير ستْرَة فِي فضاء يَأْمَن أَن يمر أحد بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يجوز وَلَا حرج عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون ومطرف: السّنة أَن يُصَلِّي إِلَى ستْرَة مُطلقًا. قَالَ: وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يشْهد لصِحَّة قَول ابْن الْقَاسِم وَهُوَ قَول عَطاء وَسَالم وَعُرْوَة وَالقَاسِم وَالشعْبِيّ وَالْحسن، وَكَانُوا يصلونَ فِي الفضاء إِلَى غير ستْرَة، وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثنا أبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حدّثني مُحمَّدُ بنُ حَرْب حدّثني
الزُّبَيْدِيُّ عنِ الزُّهْرِيّ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبيِعِ قَالَ: عَقَلْتُ منَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مجَّةً مجَّها فِي وجْهي وَأَنا ابنُ خَمْسِ سنِينَ مِنْ دَلْوٍ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ استدلالهم بِهِ على إِبَاحَة مج الرِّيق على الْوَجْه إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة، وعَلى طَهَارَته وَغير ذَلِك، وَلَيْسَ ذَلِك إلَاّ لاعتبارهم نقل مَحْمُود بن الرّبيع، فَدلَّ على أَن سَماع الصَّغِير صَحِيح، والترجمة فِيهِ، بل مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَشد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَإِن من ناهز الِاحْتِلَام لَا يُسمى صَغِيرا عرفا، ومحمود ابْن الرّبيع أخبر بذلك وعمره خمس سِنِين.
بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، أَبُو أَحْمد، نَص عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره، وَذَلِكَ لِأَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن أبي مسْهر. الثَّانِي: أَبُو مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء، واسْمه عبد الْأَعْلَى أَبُو مسْهر الغساني الدِّمَشْقِي. قيل: مَا رُؤي أحد فِي كورة من الكور أعظم قدرا وَلَا أجلّ عِنْد أَهلهَا من أبي مسْهر بِدِمَشْق، وَكَانَ إِذا خرج إِلَى الْمَسْجِد اصطف النَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ، ويقبلون يَده. وَحمله الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد فِي أَيَّام المحنة، فَجرد للْقَتْل على أَن يَقُول بِخلق الْقُرْآن، وَمد رَأسه إِلَى السَّيْف، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك مِنْهُ حمل إِلَى السجْن، فَمَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَدفن بِبَاب التِّين، وَقد لقِيه البُخَارِيّ وَسمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وَحدث هُنَا بِوَاسِطَة، وَذكر ابْن المرابط فِيمَا نَقله ابْن رشيد عَنهُ أَن أَبَا مسْهر تفرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) عَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى عَن مُحَمَّد بن حَرْب، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمدْخل) من رِوَايَة ابْن جوصا، بِفَتْح الْجِيم وَالصَّاد الْمُهْملَة، عَن سَلمَة بن الْخَلِيل وَابْن التقي، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْقَاف، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن حَرْب، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة غير أبي مسْهر رَوَوْهُ عَن مُحَمَّد بن حَرْب، فَكَأَنَّهُ الْمُنْفَرد بِهِ عَن الزبيدِيّ. الثَّالِث: مُحَمَّد بن حَرْب، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: هُوَ الأبرش أَي: الَّذِي يكون فِيهِ نكت صغَار يُخَالف سَائِر لَونه، الْخَولَانِيّ الْحِمصِي أَبُو عبد اللَّه، سمع الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره، وتقضى بِدِمَشْق وَهُوَ ثِقَة، مَاتَ سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عَامر الزبيدِيّ الشَّامي الْحِمصِي قاضيها، الثِّقَة الْكَبِير الْمُفْتِي الْكَبِير، روى عَن مَكْحُول وَالزهْرِيّ وَغَيرهمَا، وَعنهُ مُحَمَّد بن حَرْب وَيحيى بن حَمْزَة، وَهُوَ أثبت أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، مَاتَ بِالشَّام سنة سبع، وَقيل: ثَمَان واربعين وَمِائَة وَهُوَ شَاب، قَالَه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ. وَقَالَ ابْن سعد: ابْن سبعين، سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: مَحْمُود بن الرّبيع بن سراقَة بن عَمْرو بن زيد بن عَبدة ابْن عَامر بن عدي بن كَعْب بن الْخَزْرَج بن الْحَارِث ابْن الْخَزْرَج، الْأنْصَارِيّ الخزرجي، أَبُو نعيم. وَقيل: أَبُو مُحَمَّد، مدنِي مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين عَن ثَلَاث وَتِسْعين، وَهُوَ ختن عبَادَة ابْن الصَّامِت، نزل بَيت الْمُقَدّس وَمَات بهَا.
بَيَان الْأَنْسَاب: الغساني: نِسْبَة إِلَى غَسَّان، مَاء بالمشلل قريب من الْجحْفَة، وَالَّذين شربوا مِنْهُ تسموا بِهِ، وهم من ولد مَازِن بن الأزد، فَإِن مَازِن جماع غَسَّان فَمن نزل من بنيه ذَلِك المَاء فَهُوَ غَسَّان، وَذكر الرشاطي الغساني فِي الأزد. وَقَالَ ابْن هِشَام: نسبوا إِلَى مَاء بسد مأرب كَانَ شرباً لولد مَازِن فسموا بِهِ. الْخَولَانِيّ: فِي قبائل، حكى الْهَمدَانِي فِي كتاب (الإكليل) قَالَ: خولان بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة، وخولان بن عَمْرو بن مَالك بن الْحَارِث بن مرّة بن أدد، قَالَ: وخولان حُضُور، وخولان ردع هُوَ خولان بن قحطان، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب (المعارف) : وخولان بن سعد بن مذْحج. الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى زبيد، قَبيلَة من مذْحج، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة. وَذكر الرشاطي الزبيدِيّ فِي قبائل مذْحج وَغَيرهَا، فَالَّذِي فِي مذْحج: زبيد، واسْمه مُنَبّه الْأَكْبَر بن صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج. قَالَ ابْن دُرَيْد: زبيد تَصْغِير: زبد، والزبد الْعَطِيَّة، زبدته أزبده زبداً. وَفِي الأزد: زبيد بطن، وَهُوَ زبيد بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب ابْن الْحَارِث الغطريف الْأَصْغَر بن عبد اللَّه بن عَامر الغطريف الْأَكْبَر بن بكر بن يشْكر بن بشير بن كَعْب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد اللَّه بن مَالك بن نصر بن الأزد. وَفِي خولان القضاعية: زبيد بطن ابْن الْخِيَار بن زِيَاد بن سُلَيْمَان بن الناجش بن حَرْب بن سعد بن خولان.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته إِلَى الزُّهْرِيّ شَامِيُّونَ.
وَمِنْهَا: أَن هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مصفى عَن مُحَمَّد بن حَرْب بِهِ، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ نَحوه، وَلم يذكر: وَأَنا ابْن خمس سِنِين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (عقلت) أَي: عرفت. وَيُقَال: مَعْنَاهُ حفظت، عَن: عقل يعقل من بَاب: ضرب يضْرب، عقلا ومعقولاً. وَهُوَ مصدر. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَهُوَ صفة، وَكَانَ يَقُول: إِن الْمصدر لَا يَتَأَتَّى على وزن مفعول الْبَتَّةَ. قَوْله: (مجة) يُقَال: مج الشَّرَاب من فِيهِ إِذا رمى بِهِ. وَقَالَ أهل اللُّغَة: المج إرْسَال المَاء من الْفَم مَعَ نفخ. وَقيل لَا يكون مجاً حَتَّى تبَاعد بِهِ. وَكَذَلِكَ مج لعابه والمجاجة والمجاج الرِّيق الَّذِي تمجه من فِيك، ومجاجة الشَّيْء إيضاً عصارته، وَيُقَال: إِن الْمَطَر مجاج المزن وَالْعَسَل مجاج النَّحْل والمجاج أَيْضا اللَّبن، لِأَن الضَّرع يمجه والتركيب يدل على رمي الشَّيْء بِسُرْعَة.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (عقلت) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (مجة) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (مجها) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لمجة، وَالضَّمِير فِيهَا يرجع إِلَى المجة. قَوْله: (فِي وَجْهي) حَال من مجه. قَوْله: (من دلو) ، أَي: من مَاء دلو والدلو يذكر وَيُؤَنث. وَقَوله: (وَأَنا ابْن خمس سِنِين) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مُعْتَرضَة وَقعت حَالا: إمّا من: تَاء، عقلت، أَو من: يَاء وَجْهي.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (وَأَنا ابْن خمس سِنِين) ، قد ذكرنَا أَن الْمُتَأَخِّرين قد حددوا أقل سنّ التَّحَمُّل بِخمْس سِنِين. وَقَالَ ابْن رشيد: الظَّاهِر أَنهم أَرَادوا بتحديد الْخمس أَنَّهَا مَظَنَّة لذَلِك، لَا أَن بُلُوغهَا شَرط لَا بُد من تحَققه، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَلَا فِي غَيرهمَا من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد التَّقْيِيد بِالسِّنِّ عِنْد التَّحَمُّل فِي شَيْء من طرقه إلَاّ فِي طَرِيق الزبيدِيّ هَذِه، وَهُوَ من كبار الْحفاظ المتقنين عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ والخطيب فِي (الْكِفَايَة) ، من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي مَحْمُود بن الرّبيع: وَتُوفِّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، واستفيد من هَذِه الرِّوَايَة أَن الْوَاقِعَة الَّتِي ضَبطهَا كَانَت فِي آخر سنة من حَيَاة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ذكر ابْن حبَان وَغَيره أَنه مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين سنة، وَهُوَ مُطَابق لهَذِهِ الرِّوَايَة. وَذكر عِيَاض فِي (الإلماع) وَغَيره أَن فِي بعض الرِّوَايَات أَنه كَانَ ابْن أَربع سِنِين، وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات شَيْء يُصَرح بذلك، فَكَأَن ذَلِك أَخذ من قَول ابْن عمر أَنه عقل المجة وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أوخمس، وَكَأن الْحَامِل لَهُ على هَذَا التَّرَدُّد قَول الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين سنة لما مَاتَ، وَالْأول أصح. قَوْله: (من دلو) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (من دلو مُعَلّق) ، وَفِي (الرقَاق) من رِوَايَة معمر: (من دلو كَانَت فِي دَارهم) . وَفِي الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَغَيرهمَا: (من بِئْر) ، بدل: (دلو) . وَلَا تعَارض بَينهمَا، لِأَنَّهُ يتَأَوَّل بِأَن المَاء أَخذ بالدلو من الْبِئْر وتناوله النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الدَّلْو.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بركَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ من أَنه يحنك الصّبيان بِأَن يَأْخُذ التمرة يمضغها ويجعلها فِي فَم الصَّبِي، وحنك بهَا: حنكه بالسبابة حَتَّى تحللت فِي حلقه، وَكَانَت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، يحرصون على ذَلِك إِرَادَة بركته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لأولادهم، كَمَا رَأَوْا بركته فِي المحسوسات والأجرام من تَكْثِير المَاء بمجه فِي فرلادين وَفِي بِئْر الْحُدَيْبِيَة. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز سَماع الصَّغِير وَضَبطه بالسنن. الثَّالِث: قَالَ التَّيْمِيّ: فِيهِ جَوَاز مداعبة الصَّبِي، إِذْ داعبه النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأخذ مَاء من الدَّلْو فمجه فِي وَجهه.
فَائِدَة: تعقب ابْن أبي صفرَة على البُخَارِيّ من ذكره حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع فِي اعْتِبَار خمس سِنِين، وإعقاله حَدِيث عبد اللَّه بن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه رأى أَبَاهُ يخْتَلف إِلَى بني قُرَيْظَة فِي يَوْم الخَنْدَق ويراجعهم، فَفِيهِ السماع مِنْهُ وَكَانَ سنه إِذْ ذَاك ثَلَاث سِنِين، أَو أَربع، فَهُوَ أَصْغَر من مَحْمُود، وَلَيْسَ فِي قصَّة مَحْمُود ضَبطه لسَمَاع شَيْء، فَكَانَ ذكره حَدِيث ابْن الزبير أولى لهذين الْمَعْنيين. وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ إِنَّمَا أَرَادَ نقل السّنَن النَّبَوِيَّة لَا الْأَحْوَال
الوجودية، ومحمود نقل سنة مَقْصُودَة فِي كَون النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مج مجة فِي وَجهه لإفادته الْبركَة، بل فِي مُجَرّد رُؤْيَته إِيَّاه فَائِدَة شَرْعِيَّة يثبت بهَا كَونه صحابياً. وَأما قصَّة ابْن الزبير فَلَيْسَ فِيهَا نقل سنة من السّنَن النَّبَوِيَّة حَتَّى يدْخل فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي (تنقيحه) : وَيحْتَاج الْمُهلب إِلَى ثُبُوت أَن قَضِيَّة ابْن الزبير صَحِيحَة على شَرط البُخَارِيّ. قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ، فَإِن قَضِيَّة ابْن الزبير الْمَذْكُورَة أخرجهَا البُخَارِيّ فِي مَنَاقِب الزبير فِي (الصَّحِيح) ، وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. وَالله أعلم.
١٩ - (بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُرُوج لأجل طلب الْعلم، وَأطلق الْخُرُوج ليشْمل سفر الْبَحْر وَالْبر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول إقبال ابْن عَبَّاس إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاة، ودخوله فِيهَا مَعَه، ثمَّ إخْبَاره ذَلِك كُله لمن روى عَنهُ الحَدِيث. وَفِي ذَلِك كُله معنى طلب الْعلم، وَمعنى الْخُرُوج فِي طلبه، وَمَعَ هَذَا كَانَ ذكر هَذَا الْبَاب عقيب بَاب مَا ذكره فِي ذهَاب مُوسَى إِلَى الْخضر فِي الْبَحْر أنسب وأليق على مَا لَا يخفى.
ورَحَلَ جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ واحِدٍ.
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَنه أَرَادَ بِذكر هَذَا الْأَثر الْمُعَلق التَّنْبِيه على فَضِيلَة السّفر والرحلة فِي طلب الْعلم برا وبحراً.
الثَّانِي: أَن جَابر بن عبد اللَّه هُوَ الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَعبد اللَّه بن أنيس، بِضَم الْهمزَة، مصغر أنس ابْن مسعد الْجُهَنِيّ، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء، حَلِيف الْأَنْصَار، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين من الْأَنْصَار، وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَبَعثه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحده سَرِيَّة. وَاخْتلف فِي شُهُوده بَدْرًا. لَهُ خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، روى لَهُ مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا فِي لَيْلَة الْقدر، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة. وَلم يذكرهُ الكلاباذي وَغَيره فِيمَن روى لَهُ البُخَارِيّ، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية) : وَيذكر عَن جَابر بن عبد اللَّه عَن عبد اللَّه بن أنيس، فَذكره. توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَخمسين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ: عَن عبد اللَّه بن أنيس الْأنْصَارِيّ، عَنهُ ابْنه عِيسَى، وَلَعَلَّه الأول. وَفِي الصَّحَابَة، أَو أنيس عبد اللَّه بن أنيس، أَو أنيس. قيل: هُوَ الَّذِي رمى ماعزاً لما رَجَمُوهُ فَقتله، وَعبد اللَّه بن أنيس قتل يَوْم الْيَمَامَة، وَعبد اللَّه بن أنيس العامري لَهُ وفادة، وَمن رِوَايَة يعلى بن الْأَشْدَق وَعبد اللَّه بن أبي أنيسَة، قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم: ثَنَا دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْمَكِّيّ عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل عَن جَابر سَمِعت حَدِيثا فِي الْقصاص لم يبْق أحد يحفظه إلَاّ رجل بِمصْر يُقَال لَهُ، عبد اللَّه بن أبي أنيسَة.
الثَّالِث: قَوْله: (فِي حَدِيث وَاحِد) أَي لأجل حَدِيث وَاحِد، وَكلمَة: فِي، تَجِيء للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ} (يُوسُف: ٣٢) وَقَوله:: {لمسكم فِيمَا افضتم} (النُّور: ١٤) وَفِي الحَدِيث: (أَن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) .
الرَّابِع: قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ بقوله: (فِي حَدِيث وَاحِد) ، حَدِيث السّتْر على الْمُسلم، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يُقَال: إِن أَبَا أَيُّوب خَالِد بن زيدٍ الْأنْصَارِيّ، رَحل إِلَى عقبَة بن عَامر، أخرجه الْحَاكِم: حَدثنَا عَليّ بن حَمَّاد، حَدثنَا بشر بن مُوسَى، حَدثنَا الْحميدِي، حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن أبي سعيد الْأَعْمَى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: خرج أَبُو أَيُّوب إِلَى عقبَة بن عَامر يسْأَله عَن حَدِيث سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يبْق أحد سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره وَغير عقبَة، فَلَمَّا قدم أَبُو أَيُّوب منزل سَلمَة بن مخلد الْأنْصَارِيّ، أَمِير مصر، فاخبره، فَعجل عَلَيْهِ فَخرج إِلَيْهِ فعانقه، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا أَيُّوب؟ قَالَ: حَدِيث سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبْق أحد سَمعه من رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، غَيْرِي وَغَيْرك فِي ستر الْمُؤمن. قَالَ عقبَة: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (من ستر مُؤمنا فِي الدُّنْيَا على عَورَة ستره الله يَوْم الْقِيَامَة) . فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوب: صدقت، ثمَّ انْصَرف أَبُو أَيُّوب إِلَى رَاحِلَته، فركبها رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي (مُسْند عبد اللَّه بن وهب) ، صَاحب مَالك: أَنبأَنَا عبد الْجَبَّار بن عمر، حَدثنَا مُسلم بن أبي حرَّة عَن رجل من الْأَنْصَار عَن رجل من أهل قبا أَنه قدم مصر على مسلمة بن مخلد، فَقَالَ: أرسل معي إِلَى فلَان، رجل من الصَّحَابَة، قَالَ: حسبت أَنه قَالَ: سرق، قَالَ: فَذهب إِلَيْهِ فِي قريته، فَقَالَ: هَل تذكر مَجْلِسا كنت أَنا وَأَنت فِيهِ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ أحد مَعنا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: كَيفَ سمعته يَقُول؟ فَقَالَ: سمعته يَقُول: (من أطلع من أَخِيه على عَورَة ثمَّ سترهَا، جعلهَا الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
حِجَابا من النَّار) . قَالَ: كنت أعرف ذَلِك، وَلَكِن أوهمت الحَدِيث فَكرِهت أَن أحدث بِهِ على غير مَا كَانَ، ثمَّ ركب رَاحِلَته وَرجع. وَقَالَ ابْن وهب: أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث، عَن أَبِيه عَن مولى لخارجة عَن أبي صياد الْأسود الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ عريفهم، أَن رجلا قدم على مسلمة بن مخلد، فَلم ينزل، وَقَالَ: أرسل معي إِلَى عقبَة بن عَامر، فَأرْسل مَعَه أَبَا صياد، فَقَالَ الرجل لعقبة: هَل تذكر مَجْلِسا لنا فِيهِ عِنْد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: (من ستر عَورَة مُؤمن كَانَت لَهُ كموؤودة أَحْيَاهَا) فَقَالَ عقبَة: نعم، فَكبر الرجل، قَالَ: لهَذَا ارتحلت من الْمَدِينَة، ثمَّ رَجَعَ. وَالصَّحِيح أَن المُرَاد من قَوْله: فِي حَدِيث وَاحِد، هُوَ الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية) آخر الْكتاب، فَقَالَ: وَنَذْكُر عَن جَابر بن عبد اللَّه عَن عبد اللَّه بن أنيس: سَمِعت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَقُول: (يحْشر الله الْعباد فيناديهم، بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك أَنا الديَّان) لم يزدْ البُخَارِيّ على هَذَا، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) من طَرِيق عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل أَنه سمع جَابر بن عبد اللَّه يَقُول: بَلغنِي عَن رجل حَدِيث سَمعه عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فاشتريت بَعِيرًا، ثمَّ شددت رحلي فسرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى قدمت الشَّام، فَإِذا عبد اللَّه بن أنيس، فَقلت للبواب: قل لَهُ جَابر بن عبد اللَّه على الْبَاب. فَقَالَ: ابْن عبد اللَّه؟ قلت: نعم. فَخرج فاعتنقني، فَقلت: حَدِيث بَلغنِي عَنْك أَنَّك سمعته من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَخَشِيت أَن أَمُوت قبل أَن أسمعك. فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يحْشر الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة غرلًا بهما، فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك، أَنا الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَاحِد من أهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى يقتصه مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَة قَالَ: وَكَيف، وَإِنَّمَا نأتي عُرَاة غرلًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ والسيئات وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْعلم عَن شَيبَان: حَدثنَا همام، حَدثنَا الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد، حَدثنِي عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل أَن جَابِرا حَدثهُ ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده عَن هدبة عَن همام بِسَنَدِهِ نَحوه. وَأخرجه أَيْضا نصر الْمَقْدِسِي فِي كتاب (الْحجَّة على تَارِك المحجة) عَن عَليّ ابْن طَاهِر: حَدثنَا الْحُسَيْن بن خرَاش، حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، ثَنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، ثَنَا همام إِلَى آخِره. فَإِن قلت: ذكر أَبُو سعيد بن يُونُس بِسَنَدِهِ عَن جَابر قَالَ: بَلغنِي حَدِيث فِي الْقصاص عَن عقبَة بن عَامر، وَهُوَ بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلاً وسرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى أتيت مصر وَذكر الحَدِيث. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين، وَتَمام فِي (فَوَائده) من طَرِيق الْحجَّاج بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر، قَالَ: كَانَ بَلغنِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث فِي الْقصاص، وَكَانَ صَاحب الحَدِيث بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا فسرت حَتَّى وَردت مصر، فقصدت إِلَى بَاب الرجل ... ، فَذكر نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِسْنَاده صَالح. وروى الْخَطِيب فِي كتاب (الرحلة) ، من حَدِيث عبد الوارث بن سعيد عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عقيل عَن جَابر قَالَ: تقدّمت على ابْن أنيس بِمصْر ... وَرَوَاهُ أَيْضا، من طَرِيق عِيسَى الغنجار عَن عمر بن صَالح عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي جارود الْعَبْسِي عَن جَابر، فَأتيت مصر فَإِذا هُوَ بِبَاب الرجل، فَخرج إليَّ وَفِيه: (والرب على عَرْشه يُنَادى بِصَوْت رفيع غير فظيع)
الحَدِيث. قلت: يحْتَمل أَن يَكُونَا وَاقِعَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا لعبد اللَّه بن أنيس، وَالْأُخْرَى: لعقبة بن عَامر، رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عُرَاة) جمع عَار. قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء جمع أغرل وَهُوَ: الأقلف. وَقَوله: (بهما) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: لَيْسَ مَعَهم شَيْء، وَيُقَال أصحاء. قلت: يَعْنِي لَيْسَ فيهم شَيْء من العاهات: كالعمى والعور وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا أجساد صَحِيحَة للخلود، إِمَّا فِي الْجنَّة وَإِمَّا فِي النَّار. والبهم فِي الأَصْل الَّذِي يخالط لَونه لون سَواد. قَوْله: (فيناديهم بِصَوْت) قَالَ القَاضِي الْمَعْنى يَجْعَل ملكا يُنَادي، أَو يخلق صَوتا ليسمعه النَّاس، وَأما كَلَام الله تَعَالَى فَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر (فينادي بِصَوْت) على مَا لم يسم فَاعله.
الْخَامِس: ادَّعَت جمَاعَة أَن البُخَارِيّ قد نقض قَاعِدَته، وَذَلِكَ أَن من قَوَاعِده أَنه يذكر التَّعْلِيق إِذا كَانَ صَحِيحا بِصِيغَة الْجَزْم. وَإِذا كَانَ ضَعِيفا بِصِيغَة التمريض، وَهنا قَالَ: ورحل جَابر بن عبد اللَّه بِصِيغَة الْجَزْم، وَقَالَ فِي أَوَاخِر (صَحِيحَة) : وَيذكر جَابر بِصِيغَة التمريض، وَأجَاب عَنهُ الشَّيْخ قطب الدّين بِأَنَّهُ جزم: بالرحلة دون الحَدِيث، فَعِنْدَ مَا ذكر الحَدِيث اتى بِصِيغَة التمريض، فَقَالَ: وَيذكر عَن جَابر بن عبد اللَّه.
٧٨ - حدّثنا أَبُو القاسِمِ خالِدُ بنُ خلِيٍّ قَالَ: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أخبرنَا الزُهْرَي)
عنْ عُبيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عَن ابْن عَبَّاس أنَّهُ تَمَارَى هُوَ والحُرّ بنُ قَيْسِ بن حصْنٍ الفَزَاريُّ فِي صاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِما أبَيُّ بنُ كَعْبٍ، فَدَعاهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنِّي تَمارَيْتُ أَنا وصاحِبِي هَذا فِي صاحِبِ مُوسى الَّذِي سأَل السَّبِيلَ إلَى لُقِيِّه، هَلْ سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ شَأْنَه؟ فَقَالَ ابَيٌّ: نَعَمْ! سَمعْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ شأْنَهُ يَقُولُ: (بَيْنَما مُوسَى فِي مَلأٍ مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أتَعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ منْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فأَوْحَى الله عَزَّ وجَلَّ إلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنا خضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلىَ لُقِيِّهِ فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيَةً وقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فارْجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقاهُ، فَكان مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَّبِعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَي لِمُوسَى: {أرَأيْتَ إِذْ أوَيْنَا إِلى الصَّخْرَةِ فانِّي نَسيتُ الحُوتَ وَمَا أنْسانِيهِ إِلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ} قَالَ مُوسى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فارْتَدَّا علَى آثارِهِما قَصَصَاً فَوَجدا خَضِراً، فَكان مِنْ شَأنهمَا مَا قَصَّ الله فِي كِتابهِ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد عقد على هَذَا الحَدِيث بَابَيْنِ بترجمتين. الأول: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر. وَالثَّانِي: هَذَا الْبَاب.
والتفاوت فِي بعض الروَاة، فَإِن هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن غرير عَن يَعْقُوب عَن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ: وَهَهُنَا: عَن أبي الْقَاسِم خَالِد بن خلي عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَا التَّفَاوُت فِي بعض الْأَلْفَاظ. فَإِن هُنَاكَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ خضر، بعد قَوْله: فِي صَاحب مُوسَى، وَقبل قَوْله: فَمر بهما أبي بن كَعْب. وَهُنَاكَ: هَل سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَهَهُنَا: هَل سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَهُنَاكَ: قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَهَهُنَا: نعم، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يذكر شَأْنه. وَهُنَاكَ: جَاءَ رجل فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَهَهُنَا: إِذْ جَاءَهُ. وَهُنَاكَ: فَقَالَ: هَل تعلم أحدا؟ وَهَهُنَا: فَقَالَ: تعلم أحدا؟ وَهُنَاكَ: فَكَانَ يتبع الْحُوت، وَهَهُنَا: فَكَانَ مُوسَى يتبع أثر الْحُوت. وَهُنَاكَ: فَقَالَ لمُوسَى فتاه: أريت؟ وَهَهُنَا: فَقَالَ فَتى مُوسَى لمُوسَى: أَرَأَيْت؟ وَوَقع هَهُنَا فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: تمارى وَالْحر بِغَيْر لَفظه هُوَ، وَهُوَ عطف على الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِغَيْر التَّأْكِيد بالمنفصل، وَذَلِكَ جَائِز عِنْد الْكُوفِيّين وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
وَكَذَا الْكَلَام فِي رِجَاله مَا خلا شيخ البُخَارِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ أما شَيْخه فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم خَالِد بن خلي الْحِمصِي الكلَاعِي من حَدِيث عبد الْوَارِث بن سعيد عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عقيل عَن جَابر، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ قَاضِي حمص، صَدُوق، أخرج لَهُ هَهُنَا، وَفِي التَّعْبِير، روى عَن بَقِيَّة وطبقته، وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد وَأَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي، وَأخرج لَهُ من أهل السّنَن: النَّسَائِيّ فَقَط. وخلي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء، على وزن: عَليّ، وَقَالَ بَعضهم: وَقع عِنْد الزَّرْكَشِيّ مضبوطاً بلام مُشَدّدَة، وَهُوَ سبق قلم، أَو خطأ من النَّاسِخ قلت: لَيْسَ الزَّرْكَشِيّ ضَبطه هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَلَام مَكْسُورَة وياء مُشَدّدَة بِوَزْن عَليّ. وَأما الْأَوْزَاعِيّ فَهُوَ أحد الْأَعْلَام أَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن يحمد، وَقيل: كَانَ اسْمه عبد الْعَزِيز فَسمى نَفسه عبد الرَّحْمَن، أحد اتِّبَاع التَّابِعين، كَانَ يسكن دمشق خَارج بَاب الفراديس ثمَّ تحول إِلَى بيروت فسكنها مرابطاً إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَخمسين وَمِائَة، آخر خلَافَة أبي جَعْفَر، دخل الْحمام فَذهب الحمامي فِي حَاجَة وأغلق عَلَيْهِ الْبَاب، ثمَّ جَاءَ فَفتح عَلَيْهِ الْبَاب فَوَجَدَهُ مَيتا متوسداً يَمِينه مُسْتَقْبل الْقبْلَة، رَحمَه الله. وَكَانَ مولده ببعلبك سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَكَانَ أَصله من سبي الْهِنْد، روى عَن عَطاء وَمَكْحُول وَغَيرهمَا، وَرَأى ابْن سِيرِين، وَعنهُ قَتَادَة وَيحيى بن أبي كثير وهما من شُيُوخه، وَكَانَ رَأْسا فِي الْعِبَادَة وَالْعلم، وَكَانَ أهل الشَّام وَالْمغْرب على مذْهبه قبل انتقالهم إِلَى مَذْهَب مَالك، وَسُئِلَ عَن الْفِقْه، يَعْنِي: استفتي، وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة، وَقيل: إِنَّه أفتى فِي ثَمَانِينَ ألف مَسْأَلَة. ونسبته إِلَى الأوزاع، بِفَتْح الْهمزَة، قيل: إِنَّهَا قَرْيَة بِقرب دمشق خَارج بَاب الفراديس، سميت بذلك لِأَنَّهُ سكنها فِي صدر الْإِسْلَام قبائل شَتَّى، وَقيل: الأوزاع، بطن من حمير. وَقيل: من هَمدَان بِسُكُون الْمِيم، وَقيل: هُوَ نِسْبَة إِلَى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَدَخَلْتُ بِالْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) قِيلَ فِيهِ جَوَازُ تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْخَفِيفَةِ ; لِأَنَّ الْمُرُورَ مَفْسَدَةٌ خَفِيفَةٌ، وَالدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْجَوَازِ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ لِانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ إِذْ ذَاكَ، وَلَا يُقَالُ: مَنَعَ مِنَ الْإِنْكَارِ اشْتِغَالُهُمْ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْإِنْكَارَ مُطْلَقًا فَتَنَاوَلَ مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَأَيْضًا فَكَانَ الْإِنْكَارُ يُمْكِنُ بِالْإِشَارَةِ. وَفِيهِ مَا تُرْجِمَ لَهُ أَنَّ التَّحَمُّلَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْأَدَاءِ. وَيُلْحَقُ بِالصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْفَاسِقُ وَالْكَافِرُ. وَقَامَتْ حِكَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرُهُ مَقَامُ حِكَايَةِ قَوْلِهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فِي شَرَائِطِ الْأَدَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّقْيِيدُ بِالصَّبِيِّ وَالصَّغِيرِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا يُطَابِقُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّغِيرِ غَيْرُ الْبَالِغِ، وَذِكْرَ الصَّبِيَّ مَعَهُ مِنْ بَابِ التَّوْضِيحِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الصَّغِيرِ يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ مَحْمُودٍ، وَلَفْظُ الصَّبِيِّ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مَعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَاقِي مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.
[الحديث ٧٧ - أطرافه في: ٦٤٢٢، ٦٣٥٤، ١١٨٥، ٨٣٩، ١٨٩،]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْفِرْيَابِيُّ فَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو مُسْهِرٍ شَيْخُ الشَّامِيِّينَ فِي زَمَانِهِ، وَقَدْ لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ وَسَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُرَابِطِ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ رَشِيدٍ عَنْهُ أَنَّ أَبَا مُسْهِرٍ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ فَإِنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُصَفَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَوْصَاءَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَلِيلِ، وَأَبِي التَّقِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْقَافِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ أَبِي مُسْهِرٍ، رَوَوْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ فَكَأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِهِ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى الزُّهْرِيِّ شَامِيُّونَ. وَقَدْ دَخَلَهَا هُوَ وَشَيْخُهُ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُرَاقَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ وَحَدِيثُهُ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ الْآتِي فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَفِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي مَحْمُودٌ.
قَوْلُهُ: (عَقَلْتُ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: حَفِظْتُ.
قَوْلُهُ: (مَجَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَالْمَجُّ هُوَ إِرْسَالُ الْمَاءِ مِنَ الْفَمِ، وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى مَجًّا إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ. وَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ مَحْمُودٍ إِمَّا مُدَاعَبَةً مِنْهُ، أَوْ لِيُبَارَكَ عَلَيْهِ بِهَا كَمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ مَعَ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) لَمْ أَرَ التَّقْيِيدَ بِالسِّنِّ عِنْدَ تَحَمُّلِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ لَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَانِيدِ إِلَّا فِي طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ هَذِهِ، وَالزُّبَيْدِيُّ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَتَّى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُفَضِّلُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ خَطَأٌ. وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ - وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْوَاقِعَةَ الَّتِي ضَبَطَهَا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةٍ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بفتح الكاف (ذَلِكَ عَلَيَّ) أي: لم ينكره عليَّ رسول الله ﷺ ولا غيره، واستدلَّ المؤلِّف بسياق هذا على ما ترجم له وهو أنَّ التَّحمُّل لا يُشتَرط فيه كمال الأهليَّة، وإنَّما يُشتَرط عند الأداء، ويلحق بالصَّبيِّ في ذلك العبدُ، والفاسق، والكافر، وأدخل المصنِّف هذا الحديث في ترجمة «سماع الصَّبيِّ»، وليس فيه سماعٌ لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله: إنَّه جائزٌ، والمُرَاد من الصَّغير غيرُ البالغ، وذكره مع الصَّبيِّ من باب التَّوضيح والبيان (١).
٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو البيكنديُّ، كما جزم به (٢) البيهقيُّ وغيره، وقِيلَ: هو الفريابيُّ، ورُدَّ: بأنَّه لا رواية له عن أبي مُسْهرٍ الآتي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المُهمَلَة وكسر الهاء وآخره راءٌ، عبد الأعلى بن مُسْهرٍ الغسَّانيُّ الدِّمشقيُّ، المُتوفَّى ببغداد (٣) سنة ثمانِ عشْرةَ ومئتين، وقد لقيه المؤلِّفُ وسمع منه شيئًا يسيرًا، لكنَّه حدَّث عنه هنا بواسطةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء وسكون الرَّاء المُهمَلَتين آخره مُوحَّدةٌ، الخولانيُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ، وقد شارك أبا مُسْهِرٍ في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن حربٍ هذا محمَّدُ بن المُصفَّى، كما عند النَّسائيِّ وابن جوصا عن سلمة بن الخليل وأبي (٤) التَّقيِّ، كلاهما عن محمَّد
بن حربٍ، كما في «المدخل» للبيهقيِّ، فقد رواه ثلاثةٌ غير أبي مُسْهِرٍ عن ابن حربٍ، فاندفع دعوى تفرُّد أبي مُسْهِرٍ به عنه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، أبو الهذيل محمَّد بن الوليد بن عامرٍ الشَّاميُّ الحمصيُّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومئةٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة، ابن سراقة الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى ببيت المقدس سنة تسعٍ وتسعين، عن ثلاثٍ وتسعين سنةً أنَّه (قَالَ: عَقَلْتُ) بفتح القاف من «باب ضرَب يضرِب» أي: عرفت أو حفظت (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً) بالنَّصب على المفعوليَّة (مَجَّهَا) مِنْ فِيْهِ، أي: رمى بها حال كونها (فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) جملة من المُبتدَأ والخبر وقعت حالًا؛ إمَّا من الضَّمير المرفوع في «عقلت»، أو من الياء في «وجهي» (مِنْ) ماءِ (دَلْوٍ) كان من بئرهم التي في دارهم، وكان فعله ﵊ لذلك على جهة المُدَاعبَة، أو التَّبريك عليه كما كان ﷺ يفعل مع أولاد الصَّحابة، ثمَّ نقله (١) لذلك الفعل المُنزَّل منزلة السَّماع، وكونه سنَّةً مقصودةً دليلٌ لأن يُقال لابن خمسٍ: سمع، وقد تعقَّب ابنُ أبي صُفْرَة المؤلِّفَ في كونه لم يذكر في هذه التَّرجمة حديث ابن الزُّبير في رؤيته إيَّاه يوم الخندق يختلف إلى بني قريظة، ففيه السَّماع منه، وكان سنُّه حينئذٍ ثلاث سنين أو أربعًا، فهو أصغر من محمودٍ، وليس في قصَّة محمودٍ ضبطُه لسماع شيءٍ، فكان ذكر حديث ابن الزُّبير أَوْلَى بهذين المعنيين، وأجاب ابن المُنَيِّر -كما قاله في «فتح الباري» و «مصابيح الجامع» -: بأنَّ المؤلِّف إنَّما أراد نقل السُّنن النَّبويَّة، لا الأحوال الوجوديَّة، ومحمودٌ نقل سنَّةً مقصودةً (٢) في كون النَّبيِّ ﷺ مجَّ مجَّةً في وجهه، بل في مُجرَّد رؤيته إيَّاه فائدةٌ شرعيَّةٌ ثبت بها كونه صحابيًّا، وأمَّا قصَّة ابن الزُّبير فليس فيها نقل سنَّةٍ من السُّنن النَّبويَّة حتَّى تدخل في هذا الباب، ولا يُقَال -كما قاله
الزَّركشيُّ-: إنَّ قضية (١) ابن الزُّبير تحتاج إلى ثبوت صحَّتها على شرط البخاريِّ، أي: حتَّى يتوجَّه الإيراد، بأنَّه قد أخرجها في «مناقب الزُّبير» [خ¦٣٧٢٠] من كتابه هذا، فنفيُ الورود (٢) حينئذٍ لا يخفى ما فيه.
وفي هذا الحديث من الفقه: جوازُ إحضار الصِّبيان مجالسَ الحديث، واستُدِلَّ به أيضًا على أنَّ تعيينَ وقت السَّماع خمسُ سنين، وعزاه عياضٌ في «الإلماع» لأهل الصَّنعة، وقال ابن الصَّبَّاغ: وعليه قدِ استقرَّ عمل أهل الحديث المتأخِّرين، فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: «سمع»، ولمن لم يَبْلُغْها: «حضر» أو «أُحْضِر»، وحكى القاضي عياضٌ أنَّ محمودًا حين عقل المجَّة كان ابنَ أربعٍ، ومن ثمَّ صحَّح الأكثرون سماع مَنْ بلغ أربعًا، لكن بالنِّسبة لابن العربيِّ خاصَّةً، أمَّا ابن العجميِّ فإذا بلغ سبعًا، قال في «فتح الباري»: وليس في الحديث ما يدلُّ على تسميع مَنْ عُمُرُه خمس سنين، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فَهِمَ الخطاب سُمِّعَ وإن كان دون خمسٍ، وإلَّا فلا.
(١٩) هذا (بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ) أي: السَّفر لأجل طلب العلم (وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ الصَّحابيُّ ﵁ (مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بضمِّ الهمزة مُصغَّرٌ، الجُهَنِيِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ وخمسين في خلافة معاوية ﵁ (فِي) أي: لأجل (حَدِيثٍ وَاحِدٍ) ذكره المؤلِّف في «المظالم» [خ¦٩٧/ ٣٢ - ١١٠٣٤] آخر هذا الصَّحيح بلفظ: ويُذكر عن جابرٍ عن عبد الله بن أُنَيْسٍ: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: «يَحشُرُ الله (٣) العباد فيناديهم بصوتٍ … » الحديثَ، ورواه أيضًا في
«الأدب المُفرَد» موصولًا، وفيه: «أنَّ جابرًا بلغه عنه حديثٌ سمعه من رسول الله ﷺ، فاشترى بعيرًا ثمَّ شدَّ رحله، وسار إليه شهرًا حتَّى قدم عليه الشَّام، وسمعه منه … » فَذَكَرَه، ورواه كذلك أحمد وأبو يَعلى، لا يُقَال: إنَّ المؤلِّف نقض قاعدته حيث عبَّر هنا بقوله: «ورحل» بصيغة الجزم المقتضية للتَّصحيح، وفي «باب المظالم» [خ¦٩٧/ ٣٢ - ١١٠٣٤] بقوله: و «يُذكر» بصيغة التَّمريض، كما ذكره الزَّركشيُّ وحكاه عنه صاحب «المصابيح» من غير تعرُّضٍ له؛ لأنَّ المجزوم به هو الرِّحلة لا الحديث، قال في «فتح الباري»: جزم بالارتحال لأنَّ الإسناد حسنٌ وقد اعتضد، ولم يجزم بما ذكره من المتن لأنَّ لفظ الصَّوت ممَّا يُتوقَّف في إطلاق نسبته إلى الرَّبِّ، ويحتاج إلى تأويلٍ، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريقٍ (١) مُختلَفٍ فيها ولو اعتُضِدت. انتهى.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَيْضا فَيحمل على أَن المُرَاد بالحكمة أَيْضا الْقُرْآن، فَيكون بَعضهم رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. وَقَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة} الْآيَة (الْبَقَرَة: ٢٦٩) . إِن الْحِكْمَة الْقُرْآن. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أَوتى الْحِكْمَة مرَّتَيْنِ. قلت: يحْتَمل تعدد الْوَاقِعَة فَيكون المُرَاد بِالْكتاب الْقُرْآن، وبالحكمة السّنة، وَقد فسرت الْحِكْمَة بِالسنةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة} (الْبَقَرَة: ١٢٩) قَالُوا: المُرَاد بالحكمة هُنَا السّنة الَّتِي سنّهَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِوَحْي من الله تَعَالَى، وَيُؤَيّد ذَلِك رِوَايَة عبد اللَّه بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، الَّتِي أخرجهَا الشَّيْخَانِ بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ فقهه) ، وَزَاد البُخَارِيّ فِي رِوَايَة: (فِي الدّين) . وَذكر الْحميدِي فِي (الْجمع) : أَن أَبَا مَسْعُود ذكر فِي (أَطْرَاف الصَّحِيحَيْنِ) ، بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل) . قَالَ الْحميدِي: هَذِه الزِّيَادَة لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهِي فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد أَحْمد وَابْن حبَان، وَوَقع فِي بعض نسخ ابْن مَاجَه من طَرِيق عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن خَالِد الْحذاء بِلَفْظ: (اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْكتاب) . وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة من هَذَا الْوَجْه، وَقد رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ والإسماعيلي وَغَيرهمَا من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بِدُونِهَا، وروى ابْن سعد من وَجه آخر عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (دَعَاني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمسح على ناصيتي وَقَالَ: اللَّهُمَّ علمه الْحِكْمَة وَتَأْويل الْكتاب) . وَقد رَوَاهُ أَحْمد عَن هشيم عَن خَالِد فِي حَدِيث الْبَاب بِلَفْظ: (مسح على رَأْسِي) . فَإِن قلت: مَا معنى تَسْمِيَة الْكتاب وَالسّنة بالحكمة؟ قلت: أما الْكتاب فَلِأَن الله تَعَالَى أحكم فِيهِ لِعِبَادِهِ حَلَاله وَحَرَامه، وَأمره وَنَهْيه. وَأما السّنة فحكمة فصل بهَا بَين الْحق وَالْبَاطِل، وبيَّن بهَا مُجمل الْقُرْآن. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل جَازَ أَن لَا يُسْتَجَاب دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة، وَإجَابَة الْبَاقِي فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، وَأما هَذَا الدُّعَاء فمما لَا شكّ فِي قبُوله، لِأَنَّهُ كَانَ عَالما بِالْكتاب، حبر الْأمة، بَحر الْعلم، رَئِيس الْمُفَسّرين، ترجمان الْقُرْآن. وَكَونه فِي الدرجَة القصوى فِي الْمحل الْأَعْلَى مِنْهُ، مِمَّا لَا يخفى. وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ ابْن عَبَّاس من الْأَحْبَار الراسخين فِي علم الْقُرْآن وَالسّنة، أجيبت فِيهِ الدعْوَة، إِلَى هُنَا كَلَام الْكرْمَانِي. قلت: هَذَا السُّؤَال لَا يُعجبنِي، فَإِن فِيهِ بشاعة، وَأَنا لَا أَشك أَن جَمِيع دعوات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستجابة. وَقَوله: (لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة) ، لَا يَنْفِي ذَلِك، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحصور. فَإِن قلت: مَا كَانَ سَبَب هَذَا الدُّعَاء لِابْنِ عَبَّاس؟ قلت: بيَّن ذَلِك البُخَارِيّ وَمُسلم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: (دخل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الْخَلَاء فَوضعت لَهُ وضوأ) . زَاد مُسلم: (فَلَمَّا خرج ثمَّ اتفقَا قَالَ: من وضع هَذَا؟ فَأخْبر) . وَلمُسلم: (قَالُوا: ابْن عَبَّاس) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَنهُ أَن مَيْمُونَة هِيَ الَّتِي أخْبرته بذلك،، وَأَن ذَلِك كَانَ فِي بَيتهَا لَيْلًا. قلت: وَلَعَلَّ ذَلِك فِي اللَّيْلَة الَّتِي بَات فِيهَا ابْن عَبَّاس عِنْدهَا ليرى صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
بَيَان استناط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بركَة دُعَائِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وإجابته. الثَّانِي: فِيهِ فضل الْعلم والحض على تعلمه وعَلى حفظ الْقُرْآن وَالدُّعَاء بذلك. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الضَّم، وَهُوَ إِجْمَاع للطفل والقادم من سفر ولغيرهما، ومكروه عِنْد الْبَغَوِيّ، وَالْمُخْتَار جَوَازه، وَمحل ذَلِك إِذا لم يؤد إِلَى تَحْرِيك شَهْوَة. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي، وَمذهب أبي حنيفَة أَن ذَلِك يجوز إِذا كَانَ عَلَيْهِ قَمِيص، وَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور الماتريدي: الْمَكْرُوه من المعانقة مَا كَانَ على وَجه الشَّهْوَة، وَأما على وَجه الْبر والكرامة فَجَائِز.
١٨ - (بَاب متَى يَصِحُّ سَماعُ الصَّغِيرِ)
وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الصَّبِي الصَّغِير، أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَكلمَة: مَتى، للاستفهام. إِذا قلت: مَتى الْقِتَال؟ كَانَ الْمَعْنى الْيَوْم أم غَدا أم بعد غَد. وَبني لتَضَمّنه معنى حرف الِاسْتِفْهَام، كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور. قَالَ الْكرْمَانِي: معنى الصِّحَّة جَوَاز قبُول مسموعه. وَقَالَ بَعضهم هَذَا تَفْسِير لثمرة الصِّحَّة لَا لنَفس الصِّحَّة. قلت: كَأَنَّهُ فهم: أَن الْجَوَاز هُوَ ثَمَرَة الصِّحَّة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْجَوَاز هُوَ الصِّحَّة وَثَمَرَة الصِّحَّة عدم ترَتّب الشَّيْء. عَلَيْهِ عِنْد الْعَمَل فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن مَا ذكر فِي الْبَاب الأول من دُعَائِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لِابْنِ عَبَّاس، إِنَّمَا كَانَ وَابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك غُلَام مُمَيّز، وَالْمَذْكُور
فِي هَذَا الْبَاب حَال الْغُلَام الْمُمَيز فِي السماع، على أَن الْقَضِيَّة هَهُنَا لِابْنِ عَبَّاس أَيْضا، كَمَا كَانَت فِي الْبَاب الأول، وَمرَاده الِاسْتِدْلَال على أَن الْبلُوغ لَيْسَ شرطا فِي التَّحَمُّل. وَاخْتلفُوا فِي السن الَّذِي يَصح فِيهِ السماع للصَّغِير، فَقَالَ مُوسَى بن هَارُون الْحَافِظ: إِذا فرق بَين الْبَقَرَة وَالدَّابَّة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: إِذا عقل وَضبط. وَقَالَ يحيى بن معِين: أقل سنّ التَّحَمُّل خَمْسَة عشر سنة، لكَون ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، رد يَوْم أُحد، إِذْ لم يبلغهَا، وَلما بلغ أَحْمد أنكر ذَلِك. وَقَالَ: بئس القَوْل. وَقَالَ عِيَاض: حدد أهل الصّفة ذَلِك أَن أَقَله سنّ مَحْمُود بن الرّبيع، ابْن خمس. كَذَا ذكره البُخَارِيّ. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه كَانَ ابْن أَربع، وَقَالَ ابْن الصّلاح: والتحديد بِخمْس هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ عمل أهل الحَدِيث من الْمُتَأَخِّرين، فيكتبون لِابْنِ خمس سِنِين فَصَاعِدا سمع ولدون حضر أَو أحضر، وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِك اعْتِبَار التَّمْيِيز، فَإِن فهم الْخطاب ورد الْجَواب كَانَ مُمَيّزا وصحيح السماع، وَإِن كَانَ دون خمس. وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يَصح سَمَاعه وَلَو كَانَ ابْن خمس، بل ابْن خمسين. وَعَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي قَالَ: رَأَيْت صَبيا، ابْن أَربع سِنِين، قد حمل إِلَى الْمَأْمُون قد قَرَأَ الْقُرْآن وَنظر فِي الْآي، غير أَنه إِذا جَاع بَكَى. وَحفظ الْقُرْآن أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّه بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ وَله خمس سِنِين، فامتحنه فِيهِ أَبُو بكر بن الْمقري وَكتب لَهُ بِالسَّمَاعِ وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين، وَحَدِيث مَحْمُود لَا يدل على التَّحْدِيد بِمثل سنه.
٧٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قَالَ حدّثني مالِكٌ عَن ابْن شِهابٍ عنْ عُبَيدِ اللَّه ابنِ عَبْدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أقْبَلْتُ راكِباً عَلَى حِمارٍ أَتانٍ، وأنَا يوْمَئِذٍ قَدْ ناهَزْتُ الإحْتِلامَ، ورَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بِمِنَى إِلى غَيْرِ جِدارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِك علَيَّ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْعلمَاء جوزوا الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، إِذا لم يكن ستْرَة، بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس هَذِه، وَابْن عَبَّاس تحمل هَذَا فِي حَالَة الصبى، فَعلم مِنْهُ قبُول سَماع الصَّبِي إِذا أَدَّاهُ بعد الْبلُوغ. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي سَماع الصَّغِير وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث سَماع الصَّبِي. قلت: الْمَقْصُود من السماع هُوَ وَمَا يقوم مقَامه لتقرير الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي مَسْأَلَتنَا لمروره. فَإِن قلت: عقد الْبَاب على الصَّبِي الصَّغِير، أَو الصَّغِير فَقَط، على اخْتِلَاف الرِّوَايَة، والمناهز للاحتلام لَيْسَ صَغِيرا، فَمَا وَجه الْمُطَابقَة؟ قلت: المُرَاد من الصَّغِير غير الْبَالِغ، وَذكره مَعَ الصَّبِي من بَاب التَّوْضِيح وَالْبَيَان.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا، وَإِسْمَاعِيل هُوَ: ابْن عبد اللَّه الْمَشْهُور بِابْن أبي أويس، ابْن أُخْت مَالك، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الصَّلَاة عَن عبد اللَّه بن يُوسُف والقعنبي، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك، وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ابْن سعد عَن ابْن أخي ابْن شهَاب، وَفِي الْمَغَازِي، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي يُونُس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك، وَعَن يحيى بن يحيى، وَعَمْرو النَّاقِد، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن عبد بن حميد كِلَاهُمَا عِنْد عبد الرَّزَّاق عَن معمر، خمستهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمَالِك أبي الشَّوَارِب عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ، وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن هِشَام بن عمار عَن سُفْيَان بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على حمَار) ، قَالَ فِي (الْعباب) : الْحمار العير، وَالْجمع: حمير وحمر وحمر وحمرات واحمرة ومحمور، والحمارة: الأتان، والحمارة أَيْضا: الْفرس الهجين، وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ: يالانى،، واليحمور حمَار الْوَحْش. (أتان) ، بِفَتْح الْهمزَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره نون: وَهِي الْأُنْثَى من الْحمر، وَقد يُقَال، بِكَسْر الْهمزَة، حَكَاهُ الصغاني فِي (شوارده) ،
وَلَا يُقَال: أتانة. وَحكى يُونُس وَغَيره: أتانة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الاتان الحمارة وَلَا يُقَال: أتانة. وَثَلَاث أتن مثل: عنَاق وأعنق، وَالْكثير اتن واتن، والمأتونا الاتن مثل، المعبورا. قَوْله: (ناهزت الِاحْتِلَام) ، أَي: قاربت يُقَال: ناهز الصَّبِي الْبلُوغ إِذا قاربه وداناه. قَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : ناهز الصَّبِي الْفِطَام دنا مِنْهُ، ونهز الشَّيْء أَي: قرب، وَقَالَ شمر: المناهزة الْمُبَادرَة، فَقيل للأسد: نهز، لِأَنَّهُ يُبَادر مَا يفترسه، والنهزة بِالضَّمِّ: الفرصة. ونهزت الشَّيْء دَفعته، ونهزت إِلَيْهِ: نهضت إِلَيْهِ. والاحتلام: الْبلُوغ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ مُشْتَقّ من الحالم بِالضَّمِّ، وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم. قَوْله: (بمنى) ، مَقْصُور: مَوضِع بِمَكَّة تذبح فِيهِ الْهَدَايَا وترمى فِيهِ الجمرات. قَالَ الْجَوْهَرِي: مُذَكّر مَصْرُوف؛ قلت: لِأَنَّهُ علم للمكان فَلم يُوجد فِيهِ شَرط الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ لُغَتَانِ: الصّرْف وَالْمَنْع، وَلِهَذَا يكْتب بِالْألف وَالْيَاء، والأجود صرفهَا وكتابتها بِالْألف، سميت بهَا لما يمنى بهَا من الدِّمَاء أَي: تراق. قَوْله: (ترتع) ، بتاءين مثناتين من فَوق مفتوحتين وَضم الْعين أَي: تَأْكُل مَا تشَاء، من: رتعت الْمَاشِيَة ترتع رتوعاً. وَقيل: تسرع فِي الْمَشْي وَجَاء أَيْضا، بِكَسْر الْعين على وزن تفتعل، من: الرَّعْي: وَأَصله: ترتعي، وَلَكِن حذفت الْيَاء تَخْفِيفًا، وَالْأول أصوب وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْحَج: نزلت عَنْهَا فرتعت.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَقبلت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. قَوْله: (رَاكِبًا) نصب على الْحَال. (وعَلى حمَار) يتَعَلَّق بِهِ قَوْله: (أتان) : صفة للحمار أَو بدل مِنْهُ. فَإِن قلت: من أَي قسم من أَقسَام الْبَدَل؟ قلت: قيل: إِنَّه بدل غلط، وَقَالَ القَاضِي: وَعِنْدِي أَنه بدل الْبَعْض من الْكل، إِذْ قد يُطلق الْحمار على الْجِنْس فَيشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى، كَمَا قَالُوا: بعير. وَقَالَ النَّوَوِيّ والقرطبي وَغَيرهمَا أَيْضا: إِن الْحمار اسْم جنس للذّكر والانثى، كلفظة الشَّاة وَالْإِنْسَان. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي بعض طرقه: على حمَار، أَرَادَ بِهِ الْجِنْس وَلم يرد الذُّكُورَة، وَفِي بَعْضهَا: أتان. وَجمع البُخَارِيّ بَينهمَا، فَقَالَ: (على حمَار أتان) . وَقَالَ القَاضِي: وَجَاء فِي البُخَارِيّ (على حمَار أتان) ، بِالتَّنْوِينِ فيهمَا، إِمَّا على الْبَدَل أَو الْوَصْف. وَقد ذَكرْنَاهُ، وَرُوِيَ: (على حمَار أتان) ، بِالْإِضَافَة، أَي: حمَار أُنْثَى، كفحل اتن. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا استدرك الحمارة بِالْأُنْثَى ليعلم أَن الْأُنْثَى من الْحمر لَا تقطع الصَّلَاة، فَكَذَلِك لَا تقطعها الْمَرْأَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم قَالَ: على حمارة، فيستغني عَن لفظ: أتان؟ قلت: لِأَن التَّاء فِي حمارة يحْتَمل أَن تكون للوحدة وللتأنيث فَلَا تكون نصا فِي الْأُنُوثَة. قلت: هُنَا قرينَة تدل على تَرْجِيح المُرَاد بأنوثته فَلَا يَقع الْجَواب موقعه، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِي الْجَواب: إِن الحمارة قد تطلق على الْفرس الهجين، كَمَا نَقَلْنَاهُ عَن الصغاني عَن قريب، فَلَو قَالَ: على حمارة، رُبمَا كَانَ يفهم أَنه أقبل على فرس هجين، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، على أَن الْجَوْهَرِي حكى أَن الحمارة فِي الْأُنْثَى شَاذ. قَوْله: (وَأَنا يَوْمئِذٍ) ، الْوَاو: فِيهِ للْحَال و: أَنا، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (قد ناهزت الِاحْتِلَام) . قَوْله: (وَرَسُول الله) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَاو: فِيهِ للْحَال، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (يُصَلِّي) . قَوْله: (بمنى) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (إِلَى غير جِدَار) فِي مَحل النصب على الْحَال، وَفِيه حذف تَقْدِيره: يُصَلِّي غير مُتَوَجّه إِلَى جِدَار. قَوْله: (وارسلت) ، عطف على: مَرَرْت، و: الأتان، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (ترتع) جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة، وَالتَّقْدِير: مُقَدرا رتوعها. قَوْله: (وَدخلت) ، بِالْوَاو عطف على: (أرْسلت) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فد خلت) ، وبالفاء الَّتِي للتعقيب. قَوْله: (فَلم يُنكر) على صِيغَة الْمَعْلُوم، أَي: فَلم يُنكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك عَليّ، وَرُوِيَ بِلَفْظ الْمَجْهُول: أَي لم يُنكر أحد لَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غَيره مِمَّن كَانُوا مَعَه.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (أَقبلت رَاكِبًا على حمَار) ، وَزَاد البُخَارِيّ فِيهِ فِي الْحَج: (أَقبلت أَسِير على أتان حَتَّى صرت بَين يَدي الصَّفّ ثمَّ نزلت عَنْهَا) . وَلمُسلم: (فَسَار الْحمار بَين يَدي بعض الصَّفّ) . قَوْله: (إِلَى غير جِدَار) يَعْنِي: إِلَى غير ستْرَة. فَإِن قلت: لَفْظَة إِلَى غير جِدَار، لَا يَنْفِي شَيْئا غَيره، فَكيف يُفَسر، بِغَيْر ستْرَة؟ إِخْبَار ابْن عَبَّاس عَن مروره بالقوم وَعَن عدم جِدَار، مَعَ أَنهم لم ينكروا عَلَيْهِ، وَأَنه مَظَنَّة إِنْكَار يدل على حُدُوث أَمر لم يعْهَد قبل ذَلِك، من كَون الْمُرُور مَعَ الستْرَة غير مُنكر، فَلَو فرض ستْرَة أُخْرَى غير الْجِدَار لم يكن لهَذَا الْإِخْبَار فَائِدَة. قَوْله: (بَين يَدي بعض الصَّفّ) : هُوَ مجَاز عَن القدام، لِأَن الصَّفّ لَا يَد لَهُ، وَبَعض الصَّفّ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ صف من الصُّفُوف، أَو بعض من الصَّفّ الْوَاحِد، يَعْنِي المُرَاد بِهِ: إِمَّا جُزْء من الصَّفّ، وَإِمَّا جزئي مِنْهُ. قَوْله: (ناهزت الِاحْتِلَام) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: فِيهِ معنى يَقْتَضِي تَأْكِيد الحكم، وَهُوَ عدم بطلَان الصَّلَاة بمرور الْحمار، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على ذَلِك بِعَدَمِ الْإِنْكَار، وَعدم الْإِنْكَار على من هُوَ فِي مثل هَذَا السن أدل على هَذَا الحكم، فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي سنّ عدم التَّمْيِيز لاحتمل أَن يكون عدم الْإِنْكَار عَلَيْهِ لعدم مؤاخذته لصِغَر سنه، فَعدم الْإِنْكَار دَلِيل على جَوَاز الْمُرُور،
وَالْجَوَاز دَلِيل على عدم إِفْسَاد الصَّلَاة. وَقَالَ عِيَاض: وَقَوله: (ناهزت الِاحْتِلَام) يصحح قَول الْوَاقِدِيّ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، توفّي وَابْن عَبَّاس ابْن ثَلَاث عشرَة سنة. وَقَول الزبير بن بكار: إِنَّه ولد فِي الشّعب قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين. وَمَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ، توفّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة. قَالَ أَحْمد: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ يرد رِوَايَة من يروي عَنهُ، أَنه قَالَ: توفّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَأَنا ابْن عشر سِنِين. وَقد يتَأَوَّل، إِن صَحَّ، على أَن مَعْنَاهُ رَاجع إِلَى مَا بعده، وَهُوَ قَوْله وَقد قَرَأت (الْمُحكم) .
بَيَان استنباط الاحكام: الأول: فِيهِ جَوَاز سَماع الصَّغِير، وَضَبطه السّنَن والتحمل لَا يشْتَرط فِيهِ كَمَال الْأَهْلِيَّة، وَإِنَّمَا يشْتَرط عِنْد الْأَدَاء. ويلتحق بِالصَّبِيِّ فِي ذَلِك: العَبْد وَالْفَاسِق وَالْكَافِر. وَقَامَت حِكَايَة ابْن عَبَّاس لفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَقْرِيره مقَام حِكَايَة قَوْله. الثَّانِي: فِيهِ إجَازَة من علم الشَّيْء صَغِيرا وَأَدَّاهُ كَبِيرا، وَلَا خلاف فِيهِ، وَأَخْطَأ من حكى فِيهِ خلافًا، وَكَذَا الْفَاسِق وَالْكَافِر إِذا أديا حَال الْكَمَال. الثَّالِث: فِيهِ احْتِمَال بعض الْمَفَاسِد لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، فَإِن الْمُرُور أَمَام الْمُصَلِّين مفْسدَة، وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ مصلحَة راجحة، فاغتفرت الْمفْسدَة للْمصْلحَة الراجحة من غير إِنْكَار. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الرّكُوب إِلَى صَلَاة الْجَمَاعَة. الْخَامِس: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ أَن التَّقَدُّم إِلَى الْقعُود لسَمَاع الْخطْبَة إِذا لم يضر أحدا والخطيب يخْطب جَائِز، بِخِلَاف مَا إِذا تخطى رقابهم. السَّادِس: أَن مُرُور الْحمار لَا يقطع الصَّلَاة، وَعَلِيهِ بوب أَبُو دَاوُد، فِي (سنَنه) ، وَمَا ورد من قطع ذَلِك مَحْمُول على قطع الْخُشُوع. السَّابِع: فِيهِ صِحَة صَلَاة الصَّبِي. الثَّامِن: فِيهِ أَنه إِذا فُعل بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْء وَلم يُنكره فَهُوَ حجَّة. التَّاسِع: جَوَاز إرْسَال الدَّابَّة من غير حَافظ أَو مَعَ حَافظ غير مُكَلّف. الْعَاشِر: قَالَ ابْن بطال وأبوعمر وَالْقَاضِي عِيَاض: فِيهِ دَلِيل على أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، وَكَذَا بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ، وَحكى ابْن بطال وَأَبُو عمر فِيهِ الْإِجْمَاع. قَالَا: وَقد قيل: الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه، وَأما وَجه الدّلَالَة فَقَالَ عِيَاض: قَوْله: فَلم يُنكر ذَلِك أحد، لِأَنَّهُ إِن كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَآهُ، وَهُوَ الظَّاهِر لقَوْله، بَين يَدي الصَّفّ فَهُوَ حجَّة لتقريره، وَإِن كَانَ بِموضع لم يره فقد رَآهُ أَصْحَابه بجملتهم فَلم ينكروه، وَلَا أحد مِنْهُم، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ عِنْدهم بمنكر، وَقَالَ غَيره: يحْتَمل أَن لَفْظَة: أحد، تَشْمَل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيره، لما فِيهَا من الْعُمُوم، لكنه ضَعِيف بِأَنَّهُ لَا معنى لعدم إِنْكَار غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ حُضُوره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعدم إِنْكَاره أَيْضا، فَيجوز أَن يكون الصَّفّ ممتداً فَلَا يرَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلِهَذَا أَن ابْن عَبَّاس ذكر الرائين وَلم يذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتِرَازًا مِنْهُ. قلت: فعلى هَذَا لَا يكون من بَاب الْمَرْفُوع قطعا، بل مِمَّا يتَوَجَّه فِيهِ الْخلاف، وَيحْتَمل كَمَا قَالُوا فِي شبهه. وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، هَذَا يخص بِحَدِيث ابْن سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله عَنهُ، يرفعهُ: (إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ) . قَالَ: فَحَدِيث أبي سعيد هَذَا يحمل على الإِمَام وَالْمُنْفَرد، فَأَما الْمَأْمُوم فَلَا يضرّهُ من مر بَين يَدَيْهِ لحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُله لَا خلاف فِيهِ بَين الْعلمَاء، وَمِمَّا يُوضحهُ حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بهم الظّهْر، أَو الْعَصْر، فَجَاءَت بَهِيمَة تمر بَين يَدَيْهِ، فَجعل يدرؤها حَتَّى رَأَيْته ألصق مَنْكِبَيْه بالجدار فمرت من خَلفه) . قلت: أخرجه أَبُو دَاوُد من أَبُو دَاوُد من أَوله: كَانَ يُصَلِّي إِلَى جدر، وَفِيه: حَتَّى ألصق بَطْنه بالجدر. وَبَوَّبَ عَلَيْهِ: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. قَالَ: والمرور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَكْرُوه إِذا كَانَ إِمَامًا أَو مُنْفَردا أَو مُصَليا إِلَى ستْرَة، وَأَشد مِنْهُ أَن يدْخل الْمَار بَين الستْرَة وَبَينه، وَأما الْمَأْمُوم فَلَا يضرّهُ من مر بَين يَدَيْهِ، كَمَا أَن الإِمَام أَو الْمُنْفَرد لَا يضر وَاحِد مِنْهُمَا مَا مر من وَرَاء سترته، لِأَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَقد قيل: إِن الإِمَام نَفسه ستْرَة لمن خَلفه. قَالَ: وَهَذَا كُله إِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف أَصْحَاب مَالك فِيمَن صلى إِلَى غير ستْرَة فِي فضاء يَأْمَن أَن يمر أحد بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يجوز وَلَا حرج عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون ومطرف: السّنة أَن يُصَلِّي إِلَى ستْرَة مُطلقًا. قَالَ: وَحَدِيث ابْن عَبَّاس يشْهد لصِحَّة قَول ابْن الْقَاسِم وَهُوَ قَول عَطاء وَسَالم وَعُرْوَة وَالقَاسِم وَالشعْبِيّ وَالْحسن، وَكَانُوا يصلونَ فِي الفضاء إِلَى غير ستْرَة، وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٧٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثنا أبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حدّثني مُحمَّدُ بنُ حَرْب حدّثني
الزُّبَيْدِيُّ عنِ الزُّهْرِيّ عنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبيِعِ قَالَ: عَقَلْتُ منَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مجَّةً مجَّها فِي وجْهي وَأَنا ابنُ خَمْسِ سنِينَ مِنْ دَلْوٍ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ استدلالهم بِهِ على إِبَاحَة مج الرِّيق على الْوَجْه إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة، وعَلى طَهَارَته وَغير ذَلِك، وَلَيْسَ ذَلِك إلَاّ لاعتبارهم نقل مَحْمُود بن الرّبيع، فَدلَّ على أَن سَماع الصَّغِير صَحِيح، والترجمة فِيهِ، بل مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَشد من حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَإِن من ناهز الِاحْتِلَام لَا يُسمى صَغِيرا عرفا، ومحمود ابْن الرّبيع أخبر بذلك وعمره خمس سِنِين.
بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، أَبُو أَحْمد، نَص عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره، وَذَلِكَ لِأَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ لَيْسَ لَهُ رِوَايَة عَن أبي مسْهر. الثَّانِي: أَبُو مسْهر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء وبالراء، واسْمه عبد الْأَعْلَى أَبُو مسْهر الغساني الدِّمَشْقِي. قيل: مَا رُؤي أحد فِي كورة من الكور أعظم قدرا وَلَا أجلّ عِنْد أَهلهَا من أبي مسْهر بِدِمَشْق، وَكَانَ إِذا خرج إِلَى الْمَسْجِد اصطف النَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ، ويقبلون يَده. وَحمله الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد فِي أَيَّام المحنة، فَجرد للْقَتْل على أَن يَقُول بِخلق الْقُرْآن، وَمد رَأسه إِلَى السَّيْف، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك مِنْهُ حمل إِلَى السجْن، فَمَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَدفن بِبَاب التِّين، وَقد لقِيه البُخَارِيّ وَسمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وَحدث هُنَا بِوَاسِطَة، وَذكر ابْن المرابط فِيمَا نَقله ابْن رشيد عَنهُ أَن أَبَا مسْهر تفرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) عَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى عَن مُحَمَّد بن حَرْب، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمدْخل) من رِوَايَة ابْن جوصا، بِفَتْح الْجِيم وَالصَّاد الْمُهْملَة، عَن سَلمَة بن الْخَلِيل وَابْن التقي، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْقَاف، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن حَرْب، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة غير أبي مسْهر رَوَوْهُ عَن مُحَمَّد بن حَرْب، فَكَأَنَّهُ الْمُنْفَرد بِهِ عَن الزبيدِيّ. الثَّالِث: مُحَمَّد بن حَرْب، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: هُوَ الأبرش أَي: الَّذِي يكون فِيهِ نكت صغَار يُخَالف سَائِر لَونه، الْخَولَانِيّ الْحِمصِي أَبُو عبد اللَّه، سمع الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره، وتقضى بِدِمَشْق وَهُوَ ثِقَة، مَاتَ سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عَامر الزبيدِيّ الشَّامي الْحِمصِي قاضيها، الثِّقَة الْكَبِير الْمُفْتِي الْكَبِير، روى عَن مَكْحُول وَالزهْرِيّ وَغَيرهمَا، وَعنهُ مُحَمَّد بن حَرْب وَيحيى بن حَمْزَة، وَهُوَ أثبت أَصْحَاب الزُّهْرِيّ، مَاتَ بِالشَّام سنة سبع، وَقيل: ثَمَان واربعين وَمِائَة وَهُوَ شَاب، قَالَه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَغْدَادِيّ. وَقَالَ ابْن سعد: ابْن سبعين، سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الْخَامِس: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. السَّادِس: مَحْمُود بن الرّبيع بن سراقَة بن عَمْرو بن زيد بن عَبدة ابْن عَامر بن عدي بن كَعْب بن الْخَزْرَج بن الْحَارِث ابْن الْخَزْرَج، الْأنْصَارِيّ الخزرجي، أَبُو نعيم. وَقيل: أَبُو مُحَمَّد، مدنِي مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين عَن ثَلَاث وَتِسْعين، وَهُوَ ختن عبَادَة ابْن الصَّامِت، نزل بَيت الْمُقَدّس وَمَات بهَا.
بَيَان الْأَنْسَاب: الغساني: نِسْبَة إِلَى غَسَّان، مَاء بالمشلل قريب من الْجحْفَة، وَالَّذين شربوا مِنْهُ تسموا بِهِ، وهم من ولد مَازِن بن الأزد، فَإِن مَازِن جماع غَسَّان فَمن نزل من بنيه ذَلِك المَاء فَهُوَ غَسَّان، وَذكر الرشاطي الغساني فِي الأزد. وَقَالَ ابْن هِشَام: نسبوا إِلَى مَاء بسد مأرب كَانَ شرباً لولد مَازِن فسموا بِهِ. الْخَولَانِيّ: فِي قبائل، حكى الْهَمدَانِي فِي كتاب (الإكليل) قَالَ: خولان بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة، وخولان بن عَمْرو بن مَالك بن الْحَارِث بن مرّة بن أدد، قَالَ: وخولان حُضُور، وخولان ردع هُوَ خولان بن قحطان، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب (المعارف) : وخولان بن سعد بن مذْحج. الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى زبيد، قَبيلَة من مذْحج، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة. وَذكر الرشاطي الزبيدِيّ فِي قبائل مذْحج وَغَيرهَا، فَالَّذِي فِي مذْحج: زبيد، واسْمه مُنَبّه الْأَكْبَر بن صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج. قَالَ ابْن دُرَيْد: زبيد تَصْغِير: زبد، والزبد الْعَطِيَّة، زبدته أزبده زبداً. وَفِي الأزد: زبيد بطن، وَهُوَ زبيد بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب ابْن الْحَارِث الغطريف الْأَصْغَر بن عبد اللَّه بن عَامر الغطريف الْأَكْبَر بن بكر بن يشْكر بن بشير بن كَعْب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عبد اللَّه بن مَالك بن نصر بن الأزد. وَفِي خولان القضاعية: زبيد بطن ابْن الْخِيَار بن زِيَاد بن سُلَيْمَان بن الناجش بن حَرْب بن سعد بن خولان.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته إِلَى الزُّهْرِيّ شَامِيُّونَ.
وَمِنْهَا: أَن هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عَليّ بن عبد اللَّه عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَفِي الدَّعْوَات عَن عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مصفى عَن مُحَمَّد بن حَرْب بِهِ، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ نَحوه، وَلم يذكر: وَأَنا ابْن خمس سِنِين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (عقلت) أَي: عرفت. وَيُقَال: مَعْنَاهُ حفظت، عَن: عقل يعقل من بَاب: ضرب يضْرب، عقلا ومعقولاً. وَهُوَ مصدر. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَهُوَ صفة، وَكَانَ يَقُول: إِن الْمصدر لَا يَتَأَتَّى على وزن مفعول الْبَتَّةَ. قَوْله: (مجة) يُقَال: مج الشَّرَاب من فِيهِ إِذا رمى بِهِ. وَقَالَ أهل اللُّغَة: المج إرْسَال المَاء من الْفَم مَعَ نفخ. وَقيل لَا يكون مجاً حَتَّى تبَاعد بِهِ. وَكَذَلِكَ مج لعابه والمجاجة والمجاج الرِّيق الَّذِي تمجه من فِيك، ومجاجة الشَّيْء إيضاً عصارته، وَيُقَال: إِن الْمَطَر مجاج المزن وَالْعَسَل مجاج النَّحْل والمجاج أَيْضا اللَّبن، لِأَن الضَّرع يمجه والتركيب يدل على رمي الشَّيْء بِسُرْعَة.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (عقلت) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (مجة) بِالنّصب مَفْعُوله، قَوْله: (مجها) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لمجة، وَالضَّمِير فِيهَا يرجع إِلَى المجة. قَوْله: (فِي وَجْهي) حَال من مجه. قَوْله: (من دلو) ، أَي: من مَاء دلو والدلو يذكر وَيُؤَنث. وَقَوله: (وَأَنا ابْن خمس سِنِين) جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر مُعْتَرضَة وَقعت حَالا: إمّا من: تَاء، عقلت، أَو من: يَاء وَجْهي.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (وَأَنا ابْن خمس سِنِين) ، قد ذكرنَا أَن الْمُتَأَخِّرين قد حددوا أقل سنّ التَّحَمُّل بِخمْس سِنِين. وَقَالَ ابْن رشيد: الظَّاهِر أَنهم أَرَادوا بتحديد الْخمس أَنَّهَا مَظَنَّة لذَلِك، لَا أَن بُلُوغهَا شَرط لَا بُد من تحَققه، وَلَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَلَا فِي غَيرهمَا من الْجَوَامِع وَالْمَسَانِيد التَّقْيِيد بِالسِّنِّ عِنْد التَّحَمُّل فِي شَيْء من طرقه إلَاّ فِي طَرِيق الزبيدِيّ هَذِه، وَهُوَ من كبار الْحفاظ المتقنين عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ والخطيب فِي (الْكِفَايَة) ، من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن نمر، بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم، عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي مَحْمُود بن الرّبيع: وَتُوفِّي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، واستفيد من هَذِه الرِّوَايَة أَن الْوَاقِعَة الَّتِي ضَبطهَا كَانَت فِي آخر سنة من حَيَاة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ذكر ابْن حبَان وَغَيره أَنه مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين سنة، وَهُوَ مُطَابق لهَذِهِ الرِّوَايَة. وَذكر عِيَاض فِي (الإلماع) وَغَيره أَن فِي بعض الرِّوَايَات أَنه كَانَ ابْن أَربع سِنِين، وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات شَيْء يُصَرح بذلك، فَكَأَن ذَلِك أَخذ من قَول ابْن عمر أَنه عقل المجة وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أوخمس، وَكَأن الْحَامِل لَهُ على هَذَا التَّرَدُّد قَول الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين سنة لما مَاتَ، وَالْأول أصح. قَوْله: (من دلو) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (من دلو مُعَلّق) ، وَفِي (الرقَاق) من رِوَايَة معمر: (من دلو كَانَت فِي دَارهم) . وَفِي الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَغَيرهمَا: (من بِئْر) ، بدل: (دلو) . وَلَا تعَارض بَينهمَا، لِأَنَّهُ يتَأَوَّل بِأَن المَاء أَخذ بالدلو من الْبِئْر وتناوله النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الدَّلْو.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بركَة النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ من أَنه يحنك الصّبيان بِأَن يَأْخُذ التمرة يمضغها ويجعلها فِي فَم الصَّبِي، وحنك بهَا: حنكه بالسبابة حَتَّى تحللت فِي حلقه، وَكَانَت الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، يحرصون على ذَلِك إِرَادَة بركته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لأولادهم، كَمَا رَأَوْا بركته فِي المحسوسات والأجرام من تَكْثِير المَاء بمجه فِي فرلادين وَفِي بِئْر الْحُدَيْبِيَة. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز سَماع الصَّغِير وَضَبطه بالسنن. الثَّالِث: قَالَ التَّيْمِيّ: فِيهِ جَوَاز مداعبة الصَّبِي، إِذْ داعبه النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأخذ مَاء من الدَّلْو فمجه فِي وَجهه.
فَائِدَة: تعقب ابْن أبي صفرَة على البُخَارِيّ من ذكره حَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع فِي اعْتِبَار خمس سِنِين، وإعقاله حَدِيث عبد اللَّه بن الزبير، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه رأى أَبَاهُ يخْتَلف إِلَى بني قُرَيْظَة فِي يَوْم الخَنْدَق ويراجعهم، فَفِيهِ السماع مِنْهُ وَكَانَ سنه إِذْ ذَاك ثَلَاث سِنِين، أَو أَربع، فَهُوَ أَصْغَر من مَحْمُود، وَلَيْسَ فِي قصَّة مَحْمُود ضَبطه لسَمَاع شَيْء، فَكَانَ ذكره حَدِيث ابْن الزبير أولى لهذين الْمَعْنيين. وَأجِيب: بِأَن البُخَارِيّ إِنَّمَا أَرَادَ نقل السّنَن النَّبَوِيَّة لَا الْأَحْوَال
الوجودية، ومحمود نقل سنة مَقْصُودَة فِي كَون النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مج مجة فِي وَجهه لإفادته الْبركَة، بل فِي مُجَرّد رُؤْيَته إِيَّاه فَائِدَة شَرْعِيَّة يثبت بهَا كَونه صحابياً. وَأما قصَّة ابْن الزبير فَلَيْسَ فِيهَا نقل سنة من السّنَن النَّبَوِيَّة حَتَّى يدْخل فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي (تنقيحه) : وَيحْتَاج الْمُهلب إِلَى ثُبُوت أَن قَضِيَّة ابْن الزبير صَحِيحَة على شَرط البُخَارِيّ. قلت: هَذَا غَفلَة مِنْهُ، فَإِن قَضِيَّة ابْن الزبير الْمَذْكُورَة أخرجهَا البُخَارِيّ فِي مَنَاقِب الزبير فِي (الصَّحِيح) ، وَالْجَوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. وَالله أعلم.
١٩ - (بابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُرُوج لأجل طلب الْعلم، وَأطلق الْخُرُوج ليشْمل سفر الْبَحْر وَالْبر. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول إقبال ابْن عَبَّاس إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاة، ودخوله فِيهَا مَعَه، ثمَّ إخْبَاره ذَلِك كُله لمن روى عَنهُ الحَدِيث. وَفِي ذَلِك كُله معنى طلب الْعلم، وَمعنى الْخُرُوج فِي طلبه، وَمَعَ هَذَا كَانَ ذكر هَذَا الْبَاب عقيب بَاب مَا ذكره فِي ذهَاب مُوسَى إِلَى الْخضر فِي الْبَحْر أنسب وأليق على مَا لَا يخفى.
ورَحَلَ جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ واحِدٍ.
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَنه أَرَادَ بِذكر هَذَا الْأَثر الْمُعَلق التَّنْبِيه على فَضِيلَة السّفر والرحلة فِي طلب الْعلم برا وبحراً.
الثَّانِي: أَن جَابر بن عبد اللَّه هُوَ الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَعبد اللَّه بن أنيس، بِضَم الْهمزَة، مصغر أنس ابْن مسعد الْجُهَنِيّ، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء، حَلِيف الْأَنْصَار، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين من الْأَنْصَار، وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَبَعثه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحده سَرِيَّة. وَاخْتلف فِي شُهُوده بَدْرًا. لَهُ خَمْسَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، روى لَهُ مُسلم حَدِيثا وَاحِدًا فِي لَيْلَة الْقدر، وروى لَهُ الْأَرْبَعَة. وَلم يذكرهُ الكلاباذي وَغَيره فِيمَن روى لَهُ البُخَارِيّ، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية) : وَيذكر عَن جَابر بن عبد اللَّه عَن عبد اللَّه بن أنيس، فَذكره. توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَخمسين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ: عَن عبد اللَّه بن أنيس الْأنْصَارِيّ، عَنهُ ابْنه عِيسَى، وَلَعَلَّه الأول. وَفِي الصَّحَابَة، أَو أنيس عبد اللَّه بن أنيس، أَو أنيس. قيل: هُوَ الَّذِي رمى ماعزاً لما رَجَمُوهُ فَقتله، وَعبد اللَّه بن أنيس قتل يَوْم الْيَمَامَة، وَعبد اللَّه بن أنيس العامري لَهُ وفادة، وَمن رِوَايَة يعلى بن الْأَشْدَق وَعبد اللَّه بن أبي أنيسَة، قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم: ثَنَا دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْمَكِّيّ عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل عَن جَابر سَمِعت حَدِيثا فِي الْقصاص لم يبْق أحد يحفظه إلَاّ رجل بِمصْر يُقَال لَهُ، عبد اللَّه بن أبي أنيسَة.
الثَّالِث: قَوْله: (فِي حَدِيث وَاحِد) أَي لأجل حَدِيث وَاحِد، وَكلمَة: فِي، تَجِيء للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ} (يُوسُف: ٣٢) وَقَوله:: {لمسكم فِيمَا افضتم} (النُّور: ١٤) وَفِي الحَدِيث: (أَن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) .
الرَّابِع: قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ بقوله: (فِي حَدِيث وَاحِد) ، حَدِيث السّتْر على الْمُسلم، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ يُقَال: إِن أَبَا أَيُّوب خَالِد بن زيدٍ الْأنْصَارِيّ، رَحل إِلَى عقبَة بن عَامر، أخرجه الْحَاكِم: حَدثنَا عَليّ بن حَمَّاد، حَدثنَا بشر بن مُوسَى، حَدثنَا الْحميدِي، حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن أبي سعيد الْأَعْمَى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: خرج أَبُو أَيُّوب إِلَى عقبَة بن عَامر يسْأَله عَن حَدِيث سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يبْق أحد سَمعه من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيره وَغير عقبَة، فَلَمَّا قدم أَبُو أَيُّوب منزل سَلمَة بن مخلد الْأنْصَارِيّ، أَمِير مصر، فاخبره، فَعجل عَلَيْهِ فَخرج إِلَيْهِ فعانقه، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا أَيُّوب؟ قَالَ: حَدِيث سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبْق أحد سَمعه من رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، غَيْرِي وَغَيْرك فِي ستر الْمُؤمن. قَالَ عقبَة: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (من ستر مُؤمنا فِي الدُّنْيَا على عَورَة ستره الله يَوْم الْقِيَامَة) . فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوب: صدقت، ثمَّ انْصَرف أَبُو أَيُّوب إِلَى رَاحِلَته، فركبها رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي (مُسْند عبد اللَّه بن وهب) ، صَاحب مَالك: أَنبأَنَا عبد الْجَبَّار بن عمر، حَدثنَا مُسلم بن أبي حرَّة عَن رجل من الْأَنْصَار عَن رجل من أهل قبا أَنه قدم مصر على مسلمة بن مخلد، فَقَالَ: أرسل معي إِلَى فلَان، رجل من الصَّحَابَة، قَالَ: حسبت أَنه قَالَ: سرق، قَالَ: فَذهب إِلَيْهِ فِي قريته، فَقَالَ: هَل تذكر مَجْلِسا كنت أَنا وَأَنت فِيهِ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ أحد مَعنا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: كَيفَ سمعته يَقُول؟ فَقَالَ: سمعته يَقُول: (من أطلع من أَخِيه على عَورَة ثمَّ سترهَا، جعلهَا الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
حِجَابا من النَّار) . قَالَ: كنت أعرف ذَلِك، وَلَكِن أوهمت الحَدِيث فَكرِهت أَن أحدث بِهِ على غير مَا كَانَ، ثمَّ ركب رَاحِلَته وَرجع. وَقَالَ ابْن وهب: أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث، عَن أَبِيه عَن مولى لخارجة عَن أبي صياد الْأسود الْأنْصَارِيّ، وَكَانَ عريفهم، أَن رجلا قدم على مسلمة بن مخلد، فَلم ينزل، وَقَالَ: أرسل معي إِلَى عقبَة بن عَامر، فَأرْسل مَعَه أَبَا صياد، فَقَالَ الرجل لعقبة: هَل تذكر مَجْلِسا لنا فِيهِ عِنْد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: (من ستر عَورَة مُؤمن كَانَت لَهُ كموؤودة أَحْيَاهَا) فَقَالَ عقبَة: نعم، فَكبر الرجل، قَالَ: لهَذَا ارتحلت من الْمَدِينَة، ثمَّ رَجَعَ. وَالصَّحِيح أَن المُرَاد من قَوْله: فِي حَدِيث وَاحِد، هُوَ الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية) آخر الْكتاب، فَقَالَ: وَنَذْكُر عَن جَابر بن عبد اللَّه عَن عبد اللَّه بن أنيس: سَمِعت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَقُول: (يحْشر الله الْعباد فيناديهم، بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك أَنا الديَّان) لم يزدْ البُخَارِيّ على هَذَا، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى فِي (مسنديهما) من طَرِيق عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل أَنه سمع جَابر بن عبد اللَّه يَقُول: بَلغنِي عَن رجل حَدِيث سَمعه عَن رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فاشتريت بَعِيرًا، ثمَّ شددت رحلي فسرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى قدمت الشَّام، فَإِذا عبد اللَّه بن أنيس، فَقلت للبواب: قل لَهُ جَابر بن عبد اللَّه على الْبَاب. فَقَالَ: ابْن عبد اللَّه؟ قلت: نعم. فَخرج فاعتنقني، فَقلت: حَدِيث بَلغنِي عَنْك أَنَّك سمعته من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَخَشِيت أَن أَمُوت قبل أَن أسمعك. فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يحْشر الله النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة غرلًا بهما، فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب: أَنا الْملك، أَنا الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَاحِد من أهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى يقتصه مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَة قَالَ: وَكَيف، وَإِنَّمَا نأتي عُرَاة غرلًا؟ قَالَ: بِالْحَسَنَاتِ والسيئات وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْعلم عَن شَيبَان: حَدثنَا همام، حَدثنَا الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد، حَدثنِي عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عقيل أَن جَابِرا حَدثهُ ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده عَن هدبة عَن همام بِسَنَدِهِ نَحوه. وَأخرجه أَيْضا نصر الْمَقْدِسِي فِي كتاب (الْحجَّة على تَارِك المحجة) عَن عَليّ ابْن طَاهِر: حَدثنَا الْحُسَيْن بن خرَاش، حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، ثَنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، ثَنَا همام إِلَى آخِره. فَإِن قلت: ذكر أَبُو سعيد بن يُونُس بِسَنَدِهِ عَن جَابر قَالَ: بَلغنِي حَدِيث فِي الْقصاص عَن عقبَة بن عَامر، وَهُوَ بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلاً وسرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى أتيت مصر وَذكر الحَدِيث. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين، وَتَمام فِي (فَوَائده) من طَرِيق الْحجَّاج بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر، قَالَ: كَانَ بَلغنِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث فِي الْقصاص، وَكَانَ صَاحب الحَدِيث بِمصْر، فاشتريت بَعِيرًا فسرت حَتَّى وَردت مصر، فقصدت إِلَى بَاب الرجل ... ، فَذكر نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِسْنَاده صَالح. وروى الْخَطِيب فِي كتاب (الرحلة) ، من حَدِيث عبد الوارث بن سعيد عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عقيل عَن جَابر قَالَ: تقدّمت على ابْن أنيس بِمصْر ... وَرَوَاهُ أَيْضا، من طَرِيق عِيسَى الغنجار عَن عمر بن صَالح عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي جارود الْعَبْسِي عَن جَابر، فَأتيت مصر فَإِذا هُوَ بِبَاب الرجل، فَخرج إليَّ وَفِيه: (والرب على عَرْشه يُنَادى بِصَوْت رفيع غير فظيع)
الحَدِيث. قلت: يحْتَمل أَن يَكُونَا وَاقِعَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا لعبد اللَّه بن أنيس، وَالْأُخْرَى: لعقبة بن عَامر، رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عُرَاة) جمع عَار. قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء جمع أغرل وَهُوَ: الأقلف. وَقَوله: (بهما) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: لَيْسَ مَعَهم شَيْء، وَيُقَال أصحاء. قلت: يَعْنِي لَيْسَ فيهم شَيْء من العاهات: كالعمى والعور وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا أجساد صَحِيحَة للخلود، إِمَّا فِي الْجنَّة وَإِمَّا فِي النَّار. والبهم فِي الأَصْل الَّذِي يخالط لَونه لون سَواد. قَوْله: (فيناديهم بِصَوْت) قَالَ القَاضِي الْمَعْنى يَجْعَل ملكا يُنَادي، أَو يخلق صَوتا ليسمعه النَّاس، وَأما كَلَام الله تَعَالَى فَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر (فينادي بِصَوْت) على مَا لم يسم فَاعله.
الْخَامِس: ادَّعَت جمَاعَة أَن البُخَارِيّ قد نقض قَاعِدَته، وَذَلِكَ أَن من قَوَاعِده أَنه يذكر التَّعْلِيق إِذا كَانَ صَحِيحا بِصِيغَة الْجَزْم. وَإِذا كَانَ ضَعِيفا بِصِيغَة التمريض، وَهنا قَالَ: ورحل جَابر بن عبد اللَّه بِصِيغَة الْجَزْم، وَقَالَ فِي أَوَاخِر (صَحِيحَة) : وَيذكر جَابر بِصِيغَة التمريض، وَأجَاب عَنهُ الشَّيْخ قطب الدّين بِأَنَّهُ جزم: بالرحلة دون الحَدِيث، فَعِنْدَ مَا ذكر الحَدِيث اتى بِصِيغَة التمريض، فَقَالَ: وَيذكر عَن جَابر بن عبد اللَّه.
٧٨ - حدّثنا أَبُو القاسِمِ خالِدُ بنُ خلِيٍّ قَالَ: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أخبرنَا الزُهْرَي)
عنْ عُبيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عَن ابْن عَبَّاس أنَّهُ تَمَارَى هُوَ والحُرّ بنُ قَيْسِ بن حصْنٍ الفَزَاريُّ فِي صاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِما أبَيُّ بنُ كَعْبٍ، فَدَعاهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إنِّي تَمارَيْتُ أَنا وصاحِبِي هَذا فِي صاحِبِ مُوسى الَّذِي سأَل السَّبِيلَ إلَى لُقِيِّه، هَلْ سَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ شَأْنَه؟ فَقَالَ ابَيٌّ: نَعَمْ! سَمعْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ شأْنَهُ يَقُولُ: (بَيْنَما مُوسَى فِي مَلأٍ مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أتَعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ منْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فأَوْحَى الله عَزَّ وجَلَّ إلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنا خضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلىَ لُقِيِّهِ فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيَةً وقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فارْجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقاهُ، فَكان مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَّبِعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَي لِمُوسَى: {أرَأيْتَ إِذْ أوَيْنَا إِلى الصَّخْرَةِ فانِّي نَسيتُ الحُوتَ وَمَا أنْسانِيهِ إِلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ} قَالَ مُوسى ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فارْتَدَّا علَى آثارِهِما قَصَصَاً فَوَجدا خَضِراً، فَكان مِنْ شَأنهمَا مَا قَصَّ الله فِي كِتابهِ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد عقد على هَذَا الحَدِيث بَابَيْنِ بترجمتين. الأول: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر. وَالثَّانِي: هَذَا الْبَاب.
والتفاوت فِي بعض الروَاة، فَإِن هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن غرير عَن يَعْقُوب عَن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ: وَهَهُنَا: عَن أبي الْقَاسِم خَالِد بن خلي عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَا التَّفَاوُت فِي بعض الْأَلْفَاظ. فَإِن هُنَاكَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ خضر، بعد قَوْله: فِي صَاحب مُوسَى، وَقبل قَوْله: فَمر بهما أبي بن كَعْب. وَهُنَاكَ: هَل سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَهَهُنَا: هَل سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ وَهُنَاكَ: قَالَ: نعم، سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَهَهُنَا: نعم، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يذكر شَأْنه. وَهُنَاكَ: جَاءَ رجل فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَهَهُنَا: إِذْ جَاءَهُ. وَهُنَاكَ: فَقَالَ: هَل تعلم أحدا؟ وَهَهُنَا: فَقَالَ: تعلم أحدا؟ وَهُنَاكَ: فَكَانَ يتبع الْحُوت، وَهَهُنَا: فَكَانَ مُوسَى يتبع أثر الْحُوت. وَهُنَاكَ: فَقَالَ لمُوسَى فتاه: أريت؟ وَهَهُنَا: فَقَالَ فَتى مُوسَى لمُوسَى: أَرَأَيْت؟ وَوَقع هَهُنَا فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: تمارى وَالْحر بِغَيْر لَفظه هُوَ، وَهُوَ عطف على الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِغَيْر التَّأْكِيد بالمنفصل، وَذَلِكَ جَائِز عِنْد الْكُوفِيّين وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
وَكَذَا الْكَلَام فِي رِجَاله مَا خلا شيخ البُخَارِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ أما شَيْخه فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم خَالِد بن خلي الْحِمصِي الكلَاعِي من حَدِيث عبد الْوَارِث بن سعيد عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عقيل عَن جَابر، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ قَاضِي حمص، صَدُوق، أخرج لَهُ هَهُنَا، وَفِي التَّعْبِير، روى عَن بَقِيَّة وطبقته، وَعنهُ ابْنه مُحَمَّد وَأَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي، وَأخرج لَهُ من أهل السّنَن: النَّسَائِيّ فَقَط. وخلي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء، على وزن: عَليّ، وَقَالَ بَعضهم: وَقع عِنْد الزَّرْكَشِيّ مضبوطاً بلام مُشَدّدَة، وَهُوَ سبق قلم، أَو خطأ من النَّاسِخ قلت: لَيْسَ الزَّرْكَشِيّ ضَبطه هَكَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَلَام مَكْسُورَة وياء مُشَدّدَة بِوَزْن عَليّ. وَأما الْأَوْزَاعِيّ فَهُوَ أحد الْأَعْلَام أَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن يحمد، وَقيل: كَانَ اسْمه عبد الْعَزِيز فَسمى نَفسه عبد الرَّحْمَن، أحد اتِّبَاع التَّابِعين، كَانَ يسكن دمشق خَارج بَاب الفراديس ثمَّ تحول إِلَى بيروت فسكنها مرابطاً إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَخمسين وَمِائَة، آخر خلَافَة أبي جَعْفَر، دخل الْحمام فَذهب الحمامي فِي حَاجَة وأغلق عَلَيْهِ الْبَاب، ثمَّ جَاءَ فَفتح عَلَيْهِ الْبَاب فَوَجَدَهُ مَيتا متوسداً يَمِينه مُسْتَقْبل الْقبْلَة، رَحمَه الله. وَكَانَ مولده ببعلبك سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَكَانَ أَصله من سبي الْهِنْد، روى عَن عَطاء وَمَكْحُول وَغَيرهمَا، وَرَأى ابْن سِيرِين، وَعنهُ قَتَادَة وَيحيى بن أبي كثير وهما من شُيُوخه، وَكَانَ رَأْسا فِي الْعِبَادَة وَالْعلم، وَكَانَ أهل الشَّام وَالْمغْرب على مذْهبه قبل انتقالهم إِلَى مَذْهَب مَالك، وَسُئِلَ عَن الْفِقْه، يَعْنِي: استفتي، وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة، وَقيل: إِنَّه أفتى فِي ثَمَانِينَ ألف مَسْأَلَة. ونسبته إِلَى الأوزاع، بِفَتْح الْهمزَة، قيل: إِنَّهَا قَرْيَة بِقرب دمشق خَارج بَاب الفراديس، سميت بذلك لِأَنَّهُ سكنها فِي صدر الْإِسْلَام قبائل شَتَّى، وَقيل: الأوزاع، بطن من حمير. وَقيل: من هَمدَان بِسُكُون الْمِيم، وَقيل: هُوَ نِسْبَة إِلَى