الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٨
الحديث رقم ٩٨ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عظة الإمام النساء وتعليمهن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَهْدِهِ وَبَعْدِهِ، فَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَظْهَرُ.
وَالْمُرَادُ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا قَوَّى بِهِ الْكِرْمَانِيُّ دَعْوَاهُ بِكَوْنِ السِّيَاقِ مُخْتَلِفًا حَيْثُ قِيلَ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَجُلٌ بِالتَّنْكِيرِ، وَفِي الْعَبْدِ بِالتَّعْرِيفِ، وَحَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ: إِذَا الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَجْرَيْنِ لِمُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَقَعُ فِي الِاسْتِقْبَالِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ مَشَى فِيهِ مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الرُّوَاةِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مُخْتَلِفٌ، فَقَدْ عَبَّرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِإِذَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَعَبَّرَ فِي النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: أَيُّمَا رَجُلٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ مُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى النَّكِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ حُكْمُ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مُطَّرِدٌ فِي جُلِّ الْأَحْكَامِ حَيْثُ يَدْخُلْنَ مَعَ الرِّجَالِ بِالتَّبَعِيَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَمَبَاحِثُ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَجْرَانِ) هُوَ تَكْرِيرٌ لِطُولِ الْكَلَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) - أَيِ الشَّعْبِيُّ - أَعْطَيْنَاكَهَا، ظَاهِرُة أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ صَالِحًا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَلِهَذَا جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ: الْخِطَابُ لِصَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ﵇ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِلَّا فَالْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ حَاصِلٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا) أَيْ: يُرْحَلُ لِأَجْلِ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهَا كَمَا عِنْدَهُ فِي الْجِهَادِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيِ: النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ وَسَكَنُوهَا، فَاكْتَفَى أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِعُلَمَائِهِ إِلَّا مَنْ طَلَبَ التَّوَسُّعَ فِي الْعِلْمِ فَرَحَلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّعْبِيُّ - مَعَ كَوْنِهِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ - بِقَوْلِهِ: كَانَ، وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ. وإِنَّمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِحِفْظِهِ وَأَجْلَبَ لِحِرْصِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ.
٣٢ - بَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ
٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
[الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٧٣٢٥، ٥٨٨٣، ٥٨٨١، ٥٨٨٠، ٥٢٤٩، ٤٨٩٥، ١٤٤٩، ١٤٣١، ٩٨٩، ٩٧٩، ٩٧٧، ٩٧٥، ٩٦٤، ٩٦٢، ٨٦٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ) نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ النَّدْبِ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَهْلَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَهْلِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ. وَاسْتُفِيدَ الْوَعْظُ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَوَعَظَهُنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٩٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباحٍ أسلمَ (١) الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (٢): «رسول الله» (ﷺ، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن (٣) كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء (وَمَعَهُ بِلَالٌ) أي: ابن (٤) رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «معه بلالٌ» بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] (فَظَنَّ) ﷺ (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين (٥) أسمع الرِّجال، فـ «أنَّ» مع اسمها
وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ» وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «أنَّه لم يُسمع» بدون ذكر «النِّساء» (فَوَعَظَهُنَّ) ﵊ بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦٣٠٤] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة (٢) لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه (٣) كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها (وَالخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه ليصرفه ﵊ في مصارفه لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه خبرُه، والجملة حاليَّةٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ «وقال إسماعيل» أي: ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: «قال ابن عبَّاسٍ»: (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩].
(٣٣) هذا (بابُ الحِرْصِ عَلَى) تحصيل (الحَدِيثِ) المُضَاف إلى النَّبيِّ ﷺ، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ورحل، وَلِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ، وَهُوَ من كبار التَّابِعين بقوله: وَقد كَانَ يركب. فَإِن قلت: هَل كَانَ سُؤال الْخُرَاسَانِي من الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا مُجَرّد تعلم هَذِه الْمَسْأَلَة، أم لِمَعْنى آخر؟ قلت: بل لِمَعْنى آخر، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (أَن رجلا من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ، فَقَالَ: يَا عَامر! إِن من قبلنَا من أهل خُرَاسَان يَقُولُونَ فِي الرجل إِذا أعتق أمته ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كالراكب بدنته) . وَفِي طَرِيق: (كالراكب هَدْيه) ، كَأَنَّهُمْ توهموا فِي الْعتْق والتزوج الرُّجُوع بِالنِّكَاحِ فِيمَا خرج عَنهُ بِالْعِتْقِ، فَأَجَابَهُ الشّعبِيّ بِمَا يدل على أَنه محسن إِلَيْهَا إحساناً بعد إِحْسَان، وَأَنه لَيْسَ من الرُّجُوع فِي شَيْء، فَذكر لَهُم الحَدِيث.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من النَّاس لَهُم أَجْرَانِ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْعلَّة فِي التَّخْصِيص بهؤلاء الثَّلَاثَة، وَالْحَال أَن غَيره كَذَلِك أَيْضا مثل من صلى وَصَامَ، فَإِن للصَّلَاة أجرا، وللصوم أجرا آخر، وَكَذَا مثل الْوَلَد إِذا أدّى حق الله وَحقّ وَالِديهِ؟ قلت: الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة وَغَيرهَا أَن الْفَاعِل فِي كل مِنْهَا جَامع بَين أَمريْن بَينهمَا مُخَالفَة عَظِيمَة، كَأَن الْفَاعِل لَهما فَاعل للضدين عَامل بالمتنافيين، بِخِلَاف غَيره عَامل. قلت: هَذَا الْجَواب لَيْسَ بِشَيْء، بل الْجَواب الصَّحِيح أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: التَّنْصِيص بِعَدَد مَحْصُور يدل على نفي الحكم عَن غَيره، وَإِلَيْهِ مَال صَاحب (الْهِدَايَة) ، لِأَن إِثْبَات الحكم فِي غَيره إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم) . فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا الْمَذْكُور. قلت: الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على النَّفْي فِيمَا عداهُ وَإِن كَانَ فِي الْعدَد المحصور، وَالْحكم فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت بِدلَالَة النَّص، فَلَا يُوجب إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، فَافْهَم. الثَّانِي: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على من أحسن فِي مَعْنيين من أَي فعل كَانَ من أَفعَال الْبر فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. الثَّالِث: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي قَول الشّعبِيّ جَوَاز قَول الْعَالم مثله تحريضاً للسامع. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ السّلف عَلَيْهِ من الرحلة إِلَى الْبلدَانِ الْبَعِيدَة فِي حَدِيث وَاحِد، أَو مَسْأَلَة وَاحِدَة. الْخَامِس: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه إِثْبَات فضل الْمَدِينَة، وَأَنَّهَا مَعْدن الْعلم، وإليها كَانَ يرحل فِي طلب الْعلم، وتقصد فِي اقتباسه. وَبَعض الْمَالِكِيَّة خصصواً الْعلم بِالْمَدِينَةِ بقول الشّعبِيّ، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلَا يقبل.
٣٢ - (بَاب عِظَةِ الإِمامِ النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النِّسَاء، وَهُوَ التَّذْكِير بالعواقب. وتعليمه النِّسَاء من الْأُمُور الدِّينِيَّة، والعظة، بِكَسْر الْعين: بِمَعْنى الْوَعْظ، لِأَنَّهُ مصدر من: وعظ يعظ وعظاً، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا الْهَاء.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَعْلِيم الرجل أَهله، وَهُوَ خَاص. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب تَعْلِيم الإِمَام النِّسَاء وَهُوَ عَام، فتناسقا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَالْمرَاد من الإِمَام هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَو من يَنُوب عَنهُ.
٩٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أشْهَدُ علَى النَّبيِّ أَو قَالَ عَطاءٌ: اشْهَدُ علَى ابنِ عَبَّاس، أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ ومَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَت المَرْأةُ تُلْقِي القُرْطَ والخَاتَمَ وبِلالٌ يأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ..
وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوعظهن) ، لِأَن الْوَعْظ يسْتَلْزم العظة، وَكَانَت الموعظة بقوله: (إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار لأنكن تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . فَإِن قلت: أَيْن مطابقته لقَوْله: (وتعليمهن) ؟ قلت: فِي قَوْله: (وأمرهن بِالصَّدَقَةِ) . وَلَا شكّ أَن فِي الْأَمر بِالصَّدَقَةِ التَّعْلِيم بهَا أَنَّهَا تكفر الْخَطَايَا وتدفع البلايا.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَاسم أبي رَبَاح: مُسلم الْمَكِّيّ الْقرشِي، مولى ابْن خَيْثَم الفِهري، وَابْن خَيْثَم عَامل عمر بن الْخطاب على مَكَّة،
ولد فِي آخر خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وروى عَنهُ ابْنه. قَالَ: أَعقل قتل عُثْمَان، وَيُقَال إِنَّه من مولدِي الْجند من مخاليف الْيمن وَنَشَأ بِمَكَّة وَصَارَ مفتيها، وَهُوَ من كبار التَّابِعين، وروى عَن العبادلة وَعَائِشَة وَغَيرهم، وروى عَنهُ اللَّيْث حَدِيثا وَاحِدًا، وجلالته وبراعته وثقته وديانته مُتَّفق عَلَيْهَا، وَحج سبعين حجَّة، وَكَانَت الْحلقَة بعد ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لَهُ. مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل أَربع عشرَة وَمِائَة، عَن ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ حَبَشِيًّا أسود أَعور أفطس أشل أعرج، لامْرَأَة من أهل مَكَّة، ثمَّ عمي بآخرة، وَلَكِن الْعلم وَالْعَمَل بِهِ رَفعه. وَمن غَرَائِبه أَنه يَقُول: إِذا أَرَادَ الْإِنْسَان سفرا لَهُ الْقصر قبل خُرُوجه من بَلَده، وَوَافَقَهُ طَائِفَة من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ الْجُمْهُور. وَمن غَرَائِبه أَيْضا أَنه إِذا وَافق يَوْم عيد يَوْم جُمُعَة يصلى الْعِيد فَقَط، وَلَا ظهر وَلَا جُمُعَة فِي ذَلِك الْيَوْم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابَة اثْنَان. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ لَفْظَة: أشهد تَأْكِيدًا لتحققه ووثوقاً بِوُقُوعِهِ، لِأَن الشَّهَادَة خبر قَاطع، تَقول مِنْهُ: شهد الرجل على كَذَا. وَإِنَّمَا قَالَ: أشهد، بِلَفْظَة: على، لزِيَادَة التَّأْكِيد فِي وثاقته، لِأَنَّهُ يدل على الاستعلاء بِالْعلمِ عَن خُرُوجه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَهُ بِلَال، إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَول ابْن عَبَّاس، أَو على استعلاء الْعلم على سَمَاعه من ابْن عَبَّاس إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَوْله عَطاء. لِأَن الرَّاوِي تردد فِي هَذِه اللَّفْظَة، هَل هِيَ من قَول ابْن عَبَّاس أَو من قَول عَطاء؟ وَرَوَاهُ أَيْضا بِالشَّكِّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب. أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن غنْدر عَن شُعْبَة جَازِمًا بِلَفْظ: أشهد عَن كل مِنْهُمَا.
بَيَان من أخرجه غَيره: وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهَا عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد بن حسان عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن أبي معمر عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، ومسدد، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَارِث عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) ، وَهِي مَا تبذل من المَال لثواب الْآخِرَة، وَهِي تتَنَاوَل الْفَرِيضَة والتطوع، لَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا هُنَا هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (القرط) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: مَا يعلق فِي شحمة الْأذن، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل مَا فِي شحمة الْأذن فَهُوَ قرط سَوَاء كَانَ من ذهب أَو غَيره. وَفِي (البارع) : القرط يكون فِيهِ حَبَّة وَاحِدَة فِي حَلقَة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : وَالْجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط، مِثَال: برد وأبراد وبرود، و: قلب وقلبة، و: رمح ورماح. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وَفتحهَا وخيتام وخاتام، الْكل بِمَعْنى وَاحِد.
بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (خرج) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن، أَي: خرج من بَين صُفُوف الرِّجَال إِلَى صف النِّسَاء. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مَعَه بِلَال) . بِلَا وَاو، وَهُوَ جَائِز بِلَا ضعف، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: ٣٦ والأعراف: ٢٤) وبلال: هُوَ ابْن رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، الحبشي الْقرشِي، يكنى أَبَا عبد اللَّه أَو أَبَا عَمْرو أَو أَبَا عبد الرَّحْمَن أَو أَبَا عبد الْكَرِيم، وشهرته باسم أمه حمامة. قَوْله: (فَظن) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه لم يسمع النِّسَاء) حِين أسمع الرِّجَال، وَفِي بعض النّسخ: فَظن أَنه لم يسمع، بِدُونِ لَفْظَة النِّسَاء، و: أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد مفعولي: ظن. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ تصلح للتَّعْلِيل، (وأمرهن) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) الْألف وَاللَّام فِيهَا للْعهد الْخَارِجِي، وَهِي صَدَقَة التَّطَوُّع، وَإِنَّمَا أمرهن بهَا لما رآهن أَكثر أهل النَّار، على مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح: (تصدقن يَا معشر النِّسَاء، إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار) . وَقيل: أمرهن بهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَقت حَاجَة إِلَى الْمُوَاسَاة، وَالصَّدَََقَة يومئذٍ كَانَت أفضل وُجُوه الْبر. قَوْله: (فَجعلت الْمَرْأَة) جعلت: من أَفعَال المقاربة، وَهِي مثل: كَاد، فِي الِاسْتِعْمَال، ترفع الِاسْم، وَخَبره الْفِعْل الْمُضَارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، وَقَوله: (القرط) بِالنّصب مفعول: (تلقي) من الْإِلْقَاء. (والخاتم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وبلال) مُبْتَدأ (وَيَأْخُذ فِي أَطْرَاف ثَوْبه) خَبره، وَالْجُمْلَة حَالية، ومفعول: يَأْخُذ، مَحْذُوف.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ اسْتِحْبَاب وعظ النِّسَاء وتذكيرهن الْآخِرَة وَأَحْكَام الْإِسْلَام، وحثهن على الصَّدَقَة، وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب على
ذَلِك مفْسدَة أَو خوف فتْنَة على الْوَاعِظ أَو الموعوظ، وَنَحْو ذَلِك. الثَّانِي: فِي قَوْله: (فَظن أَنه لم يسمع النِّسَاء) دَلِيل على أَن على الإِمَام افتقاد رَعيته وتعليمهم ووعظهم. الثَّالِث: فِيهِ أَن صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول، وَيَكْفِي فِيهَا المعاطاة، لِأَنَّهُنَّ ألقين الصَّدَقَة فِي ثوب بِلَال من غير كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا من بِلَال وَلَا من غَيرهمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، رَحمَه الله؛ خلافًا لأكْثر الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابه حَيْثُ قَالُوا: يفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على أَن الصَّدقَات الْعَامَّة إِنَّمَا يصرفهَا مصارفها الإِمَام. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل أَن الصَّدَقَة قد تنجي من النَّار، قَالَه ابْن بطال. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة من مَالهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك على ثلث مَالهَا. وَقَالَ مَالك: لَا تجوز الزِّيَادَة على الثُّلُث إلَاّ بِإِذن الزَّوْج، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يسْأَل: هَل هَذَا بِإِذن أَزوَاجهنَّ أم لَا؟ وَهل هُوَ خَارج من الثُّلُث أَو لَا؟ وَلَو اخْتلف الحكم بذلك لسأل. قَالَ القَاضِي عِيَاض، رَحمَه الله، احتجاجاً لمَذْهَب مَالك: الْغَالِب حُضُور أَزوَاجهنَّ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فتركهم الْإِنْكَار رضى مِنْهُم بفعلهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُنَّ معتزلات لَا يعلم الرِّجَال المتصدقة مِنْهُم من غَيرهَا، وَلَا قدر مَا يتصدقن بِهِ، وَلَو علمُوا فسكوتهم لَيْسَ إِذْنا. فَإِن قلت: احْتج مَالك وَمن تبعه فِي ذَلِك بِمَا خرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يجوز لامْرَأَة أمرٌ فِي مَالهَا إِذا ملك زَوجهَا عصمتها) . وَبِمَا خرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي كَامِل عَن خَالِد، يَعْنِي ابْن الْحَارِث: ثَنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب أَن أَبَاهُ أخبرهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة عَطِيَّة إلَاّ بِإِذن زَوجهَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الطَّرِيق إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب صَحِيح، فَمن أثبت أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب لزمَه إثْبَاته. وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه: أَحدهَا: معارضته بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على الْجَوَاز عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي أقوى مِنْهُ، فَقدمت عَلَيْهِ. وَقد يُقَال: انه وَاقعَة حَال، فَيمكن حملهَا على أَنَّهَا كَانَت قدر الثُّلُث. الثَّانِي: على تَسْلِيم الصِّحَّة إِنَّه مَحْمُول على الأولى، وَالْأَدب ذكره الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ، قَالَ: وَقد أعتقت مَيْمُونَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلم يعب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا. وكما يُقَال: لَيْسَ لَهَا أَن تَصُوم وَزوجهَا حَاضر إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت فصومها جَائِز، وَمثله إِن خرجت بِغَيْر إِذْنه فباعت، فَهُوَ جَائِز. الثَّالِث: الطعْن فِيهِ، قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث سمعناه وَلَيْسَ بِثَابِت، فيلزمنا أَن نقُول بِهِ وَالْقُرْآن يدل على خِلَافه ثمَّ الْأَمر ثمَّ الْمَنْقُول ثمَّ الْمَعْقُول. قيل: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ، قَوْله تَعَالَى: {فَنصف مَا فرضتم إلاّ أَن يعفون} (الْبَقَرَة: ٢٣٧) وَقَوله: {فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئاً} (النِّسَاء: ٤) . وَقَوله: {فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} (الْبَقَرَة: ٢٢٩) وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ١٢) وَقَوله: {وابتلوا الْيَتَامَى} الْآيَة (النِّسَاء: ٦) وَلم يفرق، فدلت هَذِه الْآيَات على نُفُوذ تصرفها فِي مَالهَا دون إِذن زَوجهَا، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلمن لزوجة الزبير رَضِي الله عَنهُ: (إرضخي وَلَا توعي فيوعى الله عَلَيْك) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَقَالَ: (يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة) . واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زَوجهَا من كل شَيْء، فَلم يُنكر ذَلِك ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَقد طعن إِبْنِ حزم فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَن قَالَ: صحيفَة مُنْقَطِعَة، وَقد علمت أَن شعيباً صرح بِعَبْد الله بن عَمْرو، فَلَا انْقِطَاع. وَقد أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد بن أبي هِنْد وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بِهِ، ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، ثمَّ ذكر ابْن حزم من حَدِيث ابْن عمر: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا حق الزَّوْج على زَوجته؟ قَالَ: لَا تصدق إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت كَانَ لَهُ الْأجر وَعَلَيْهَا الْوزر) . ثمَّ قَالَ: هَذَا خَيرهَا لَك، لِأَن فِيهِ مُوسَى بن أعين وَهُوَ مَجْهُول، وَلَيْث بن أبي سليم وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، فَإِن مُوسَى بن أعين روى عَن جمَاعَة وَعنهُ جمَاعَة، وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ. نعم، فِيهِ الْحسن بن عبد الْغفار وَهُوَ مَجْهُول، وليته أعله بِهِ. ثمَّ ذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رَفعه: (لَا تنْفق الْمَرْأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَلِك أفضل أَمْوَالنَا) . ثمَّ إِسْمَاعِيل ضَعِيف، وشرحبيل مَجْهُول لَا يدرى من هُوَ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ. فإسماعيل حجَّة فِيمَا يروي عَن الشاميين، وشرحبيل شَامي، وحاشاه من الْجَهَالَة. روى عَنهُ جمَاعَة. قَالَ أَحْمد: هُوَ من ثِقَات الشاميين، نعم، ضعفه ابْن معِين، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. الرَّابِع: من أوجه الْجَواب، مَا قيل: إِن المُرَاد من مَال زَوجهَا لَا من مَالهَا، وَفِيه نظر.
وَقَالَ إسْماعِيلُ: عنْ أيُّوبَ عنْ عَطَاءُ، وَقَالَ عنِ ابْن عَباسٍ: أشْهَدُ علَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق أَن إِسْمَاعِيل روى عَن أَيُّوب عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أشهد على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْجَزْمِ، لِأَن لَفْظَة: أشهد، من كَلَام ابْن عَبَّاس فَقَط. وَكَذَا جزم بِهِ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) ، وَكَذَا قَالَ وهيب عَن أَيُّوب: ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه تَعْلِيق، لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك إِسْمَاعِيل بن علية، وَهُوَ مَاتَ فِي عَام ولادَة البُخَارِيّ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) عطفا على: (قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة) ، فَيكون المُرَاد مِنْهُ حَدثنَا سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، فَيخرج عَن التَّعْلِيق. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن سُلَيْمَان بن حَرْب لَا رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل أصلا، لَا لهَذَا الحَدِيث وَلَا لغيره، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة مَوْصُولا عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٣ - (بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحِرْص على تَحْصِيل الحَدِيث، والْحَدِيث فِي اللُّغَة: الْجَدِيد، من حدث أَمر أَي: وَقع، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. وَيُقَال: أَخَذَنِي مَا قدُم وَمَا حدُث، لَا يضم: حدث، فِي شَيْء من الْكَلَام إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ لمَكَان: قدم، على الإزدواج. والْحَدِيث: الْخَبَر يَأْتِي على الْقَلِيل وَالْكثير، وَيجمع على: أَحَادِيث، على غير قِيَاس. قَالَ الْفراء: ترى أَن وَاحِد الْأَحَادِيث أحدوثة، ثمَّ جَعَلُوهُ جمعا للْحَدِيث، وَسمي حَدِيثا لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء، والأحدوثة مَا يتحدث بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: {وجعلناهم أَحَادِيث} (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٤) أَي: عبرا يتحدث بهلاكهم، وَالْحَدَث، والحدثى مثل: بشرى والحادثة والحدثان كُله بِمَعْنى، والحدثان أَيْضا: النَّاس. وَالْجمع: الْحدثَان بِالْكَسْرِ، والتركيب يدل على كَون شَيْء لم يكن، والْحَدِيث فِي عرف الْعَامَّة: الْكَلَام، وَفِي عرف الشَّرْع: مَا يتحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَأَنَّهُ لوحظ فِيهِ مُقَابلَته لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا حَدِيث، والْحَدِيث ضد الْقَدِيم، وَيسْتَعْمل فِي قَلِيل الْكَلَام وَكَثِيره، لِأَنَّهُ يحدث شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ذكرنَا.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، وَكَذَلِكَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، لِأَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أجَاب أَبَا هُرَيْرَة فِيمَا سَأَلَهُ بِالْخِطَابِ إِلَيْهِ خَاصَّة، وَالْجَوَاب عَن سُؤال من لَا يعلم جَوَابه تَعْلِيم من الْمُجيب، فَافْهَم.
٩٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ عَمْرو بن أبي عَمْرٍ وعنْ سَعيد بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله! مَنْ أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يوْمَ القِيامةِ؟ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْأَلَنِي عنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ منْ حِرْصِكَ علَى الحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِيِ يَوْمَ القيامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَاّ الله، خالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أوْ نَفْسِهِ) .
(الحَدِيث ٩٩ طرفه فِي: ٦٥٧٠) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث) .
بَيَان رِجَاله:. وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه بن يحيى بن عَمْرو بن أويس بن سعيد بن أبي سرح، بالمهملات، ابْن حُذَيْفَة بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر ابْن لؤَي بن فهر، أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي الْفَقِيه، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى البُخَارِيّ فِي الْإِصْلَاح عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه مَقْرُونا بالفروي عَنهُ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ أَبُو حَاتِم: مدنِي صَدُوق. وَعنهُ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيّ من يحيى بن بكير. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال، أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ القريشي الْمدنِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، بِفَتْح الْعين وبالواو فيهمَا، وَأَبُو عَمْرو اسْمه: ميسرَة، وَعَمْرو يكنى أَبَا عُثْمَان، وميسرة مولى الْمطلب بن عبد اللَّه بن حنْطَب، بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُهْملَة وبالموحدة، المَخْزُومِي الْقرشِي
الْمدنِي، روى عَن أنس بن مَالك وَغَيره، وَعنهُ مَالك والدراوردي. قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَأما يحيى بن معِين فَقَالَ: ضَعِيف لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَيْسَ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ لِأَن مَالِكًا روى عَنهُ، وَلَا يروي إلَاّ عَن صَدُوق ثِقَة. مَاتَ سنة خلَافَة الْمَنْصُور فِي أَولهَا وَكَانَت أول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَزِيَاد بن عبد اللَّه على الْمَدِينَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، بِضَم الْبَاء وَفتحهَا. وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عبد الْعَزِيز، وَفِي صفة الْجنَّة عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ. وَقَالَ الْمزي. روى عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَيْسَ فِي الرِّوَايَة، وَلم يذكرهُ أَبُو الْقَاسِم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَنه قَالَ) بِفَتْح: أَن. وَقَوله: قَالَ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ لَفْظَة: قيل، وَإِنَّمَا هُوَ: (أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله: قيل، وهم، وَالصَّوَاب سُقُوط: قيل، كَمَا جَاءَ عِنْد الْأصيلِيّ والقابسي، لِأَن السَّائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة نَفسه، لقَوْله بعد: (لقد ظَنَنْت أَن لَا يسألني عَن هَذَا أحد أول مِنْك) ، وَالْأول وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ وهم. قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه القَاضِي، فَإِن البُخَارِيّ أخرجه فِي الرقَاق كَذَلِك. وَأخرجه فِي الْجنَّة أَنه قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله) وَهَذَا مِمَّا يُؤَيّد أَن: قلت، تصحف: بقيل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أَنه سَأَلَ) . وَفِي رِوَايَة أبي نعيم أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (يَا رَسُول الله) . قَوْله: (مَنْ أسعد النَّاس) مُبْتَدأ وَخبر، و: من، إستفهامية، (وَيَوْم الْقِيَامَة) كَلَام إضافي نصب على الظّرْف. قَوْله: (لقد ظَنَنْت) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، قَالَه الْكرْمَانِي، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّه لَام التَّأْكِيد.
قَوْله: (يابا هُرَيْرَة) أَصله يَا أَبَا هُرَيْرَة، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَهُوَ معترض بَين ظَنَنْت ومفعوله، وَهُوَ قَوْله: (أَن لَا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث أحد) ، وَيجوز ضم اللَّام فِي: يسألني، وَفتحهَا لِأَن كلمة: أَن، إِذا وَقعت بعد الظَّن يجوز فِي مدخولها الْوَجْهَانِ: الرّفْع وَالنّصب. وَاعْلَم أَن: أَن، الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الساكنة النُّون على وَجْهَيْن: اسْم وحرف، فالحرف على أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون حرفا مصدرياً ناصباً للمضارع، وَتَقَع فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي الِابْتِدَاء، فَتكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَالثَّانِي: بعد لفظ دَال على معنى غير الْيَقِين، فَيكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله} (الْحَدِيد: ١٦) وَنصب نَحْو: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يُفترى من دون الله} (يُونُس: ٣٧) وخفض نَحْو: {أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا} (الْأَعْرَاف: ١٢٩) ومحتملة لَهما نَحْو: {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي} (الشُّعَرَاء: ٨٢) أَصله: فِي أَن يغْفر لي. الثَّانِي: أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، فَتَقَع بعد فعل الْيَقِين أَو مَا نزل مَنْزِلَته، نَحْو: {أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم قولا} (طه: ٨٩) {علم أَن سَيكون} (المزمل: ٢٠) {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} (الْمَائِدَة: ٧١) فِيمَن رفع: تكون، فَإِن هَذِه ثلاثية الْوَضع، وَهِي مَصْدَرِيَّة أَيْضا، وتنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر، خلافًا للكوفيين؛ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تعْمل شَيْئا، وَشرط اسْمهَا أَن يكون محذوفاً، وَرُبمَا ثَبت فِي الضَّرُورَة على الْأَصَح، وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة، وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ. الثَّالِث: أَن تكون مفسرة، بِمَنْزِلَة: أَي، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك} (الْمُؤْمِنُونَ: ٢٧) وَعَن الكوفية إِنْكَار: أَن، التفسيرية أَلْبَتَّة. وَإِذا ولي: أَن، الصَّالِحَة للتفسير مضارع مَعَه: لَا، نَحْو: أَشرت إِلَيْهِ أَن لَا يفعل، جَازَ رَفعه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة. وجزمه على تقديرها ناهية. وَعَلَيْهِمَا فَأن مفسرة، ونصبه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة و: أَن، مَصْدَرِيَّة. فَإِن فقدت: لَا، امْتنع الْجَزْم وَجَاز الرّفْع وَالنّصب. الرَّابِع: أَن تكون زَائِدَة، وَلها مَوَاضِع ذكرت فِي النَّحْو.
قَوْله: (أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: يسألني، قَوْله: (أول مِنْك) ، يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على أَنه صفة لأحد، أَو بدل مِنْهُ. وَالنّصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: على الْمَفْعُول الثَّانِي لظَنَنْت. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: على الْحَال، أَي: لَا يسألني أحد سَابِقًا لَك: قَالَ: وَجَاز نصب الْحَال عَن النكرَة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي فَتكون عاملة كَقَوْلِهِم: مَا كَانَ أحد مثلك. وَاخْتلف فِي: أول، هَل وَزنه: أفعل أَو فوعل، وَالصَّحِيح أَنه: أفعل، واستعماله: بِمن، من جملَة أَدِلَّة صِحَّته. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: أول، تسْتَعْمل إسماً وَصفَة. فَإِن اسْتعْملت صفة كَانَت بِالْألف وَاللَّام، أَو بِالْإِضَافَة أَو: بِمن، ظَاهِرَة أَو مقدرَة. مثل قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ واخفى} (طه: ٧) أَي: اخفى من السِّرّ، فَإِن كَانَت: بِمن، جرت فِي الْأَحْوَال كلهَا على لفظ وَاحِد، تَقول: هِنْد أول من زَيْنَب، والزيدان
أول من العمرين، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الصّفة تَقول: رَأَيْت زيدا أول من عامنا، فَأول بِمَنْزِلَة: قبل، كَأَنَّك قلت: رَأَيْت زيدا عَاما قبل عامنا، فَحكم لَهُ بالظرف حَتَّى قَالُوا: أبدأ بِهَذَا أَوله، وَبَنوهُ على الضَّم كَمَا قَالُوا: أبدأ بِهِ قبل، فَصَارَ كَأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة. وَمن النصب على الظّرْف قَوْله تَعَالَى: {الركب أَسْفَل مِنْكُم} (الْأَنْفَال: ٤٢) كَمَا تَقول: الركب أمامك، وَأَصله الصّفة، وَصَارَ: أَسْفَل، ظرفا. وَالتَّقْدِير: والركب فِي مَكَان أَسْفَل من مَكَانكُمْ، ثمَّ حذف الْمَوْصُوف وأقيمت الصّفة مقَامه، فَصَارَ: أَسْفَل مِنْكُم، بِمَنْزِلَة: تحتكم، وَمن لم يَجْعَل أَولا صلَة صرفه بِمَنْزِلَة: فَكل، الَّذِي هُوَ بِمَعْنى: الرعدة. وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ وزن الْفِعْل. تَقول: مَا ترك لنا أَولا وَلَا آخر، كَقَوْلِك: لَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله (لما رَأَيْت) بِكَسْر اللَّام و: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف. و: من، بَيَانِيَّة تَقْدِيره: للَّذي رَأَيْته من حرصك. أَو تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة و: من، تبعيضية، وَتَكون مفعول: رَأَيْت، وَالتَّقْدِير. لرؤيتي بعض حرصك. قَوْله: (على الحَدِيث) يتَعَلَّق بالحرص. قَوْله: (أسعدُ النَّاس) كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَالْبَاء فِي: (بشفاعتي) يتَعَلَّق بِهِ: (وَيَوْم الْقِيَامَة) نصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَوله: (من قَالَ) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ. و: (من) ، مَوْصُولَة. وَقَوله: (خَالِصا) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (قَالَ) . وَقَوله: (من قلبه) يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله: خَالِصا، أَو بقوله: قَالَ. وَالظَّاهِر أَن يتَعَلَّق: بقال. فَإِذا تعلق: بقال يكون ظرفا لَغوا، وَإِن تعلق بخالصاً، يكون ظرفا مُسْتَقرًّا، إِذْ تَقْدِيره حينئذٍ ناشئاً من قلبه، واللغو لَا مَحل لَهُ من الْإِعْرَاب. والمستقر هُنَا مَنْصُوب على الْحَال.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أسعد النَّاس) أسعد: أفعل، والسعد هُوَ الْيمن، تَقول مِنْهُ: سعد يَوْمنَا يسْعد سعوداً، والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، تَقول مِنْهُ: سعد الرجل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سعيد، مِثَال: سلم فَهُوَ سليم. وَسعد، على مَا لم يسم فَاعله، فَهُوَ: مَسْعُود. فَإِن قلت: أسعد، هُنَا من أَي الْبَاب؟ قلت: من الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي وَالْفَتْح فِي الغابر، وَالْأول من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الغابر. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل يدل على الشّركَة، والمشرك وَالْمُنَافِق لَا سَعَادَة لَهما. قلت: أسعد هَهُنَا بِمَعْنى سعيد، يَعْنِي سعيد النَّاس، كَقَوْلِهِم: النَّاقِص والأشج أعدلا بني مَرْوَان، يَعْنِي عادلا بني مَرْوَان، وَيجوز أَن يكون على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ الْمَشْهُور، والتفضيل بِحَسب الْمَرَاتِب أَي: هُوَ أسعد مِمَّن لم يكن فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِخْلَاص الْمُؤَكّد الْبَالِغ غَايَته، وَكثير من النَّاس يحصل لَهُ سعد بِشَفَاعَتِهِ، لَكِن الْمُؤمن المخلص أَكثر سَعَادَة بهَا، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يشفع فِي الْخلق بإراحتهم من هول الْموقف، ويشفع فِي بعض الْكفَّار بتَخْفِيف الْعَذَاب، كَمَا صَحَّ فِي حق أبي طَالب، ويشفع فِي بعض الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ من النَّار بعد أَن دخلوها، وَفِي بَعضهم بِعَدَمِ دُخُولهَا بعد أَن يستوجبوا دُخُولهَا، وَفِي بَعضهم بِدُخُول الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَفِي بَعضهم بِرَفْع الدَّرَجَات فِيهَا، فَظهر الِاشْتِرَاك فِي مُطلق السَّعَادَة بالشفاعة، وَأَن أسعدهم بهَا الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (بشفاعتك) ، الشَّفَاعَة مُشْتَقَّة من الشفع، وَهُوَ ضم الشَّيْء إِلَى مثله، كَأَن الْمَشْفُوع لَهُ كَانَ فَردا فَجعله الشَّفِيع شفعاً بِضَم نَفسه إِلَيْهِ، والشفاعة: الضَّم إِلَى إِلَى آخر معاوناً لَهُ، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي انضمام من هُوَ أَعلَى مرتبَة إِلَى من هُوَ أدنى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن الشَّفَاعَة إِنَّمَا تكون فِي أهل الْإِخْلَاص خَاصَّة، وهم أهل التَّوْحِيد، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لكل نَبِي دَعْوَة، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) . قلت: هَذَا الحَدِيث مَعَ غَيره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب، الْجَارِيَة مجْرى الْقطع، دَلِيل على ثُبُوت الشَّفَاعَة.
قَالَ عِيَاض: مَذْهَب أهل السّنة جَوَاز الشَّفَاعَة عقلا، ووجوبها بِصَرِيح الْآيَات وَالْأَخْبَار الَّتِي بلغ مجموعها التَّوَاتُر لصحتها فِي الْآخِرَة لمذنبي الْمُؤمنِينَ. وَأجْمع السّلف الصَّالح وَمن بعدهمْ من أهل السّنة على ذَلِك، ومنعت الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهَا، وتأولت الْأَحَادِيث على زيادات الدَّرَجَات وَالثَّوَاب، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: {فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين} (المدثر: ٤٨) {مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع} (غَافِر: ١٨) وَهَذِه إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكفَّار، وَالْأَحَادِيث مصرحة بِأَنَّهَا فِي المذنبين. وَقَالَ: الشَّفَاعَة خَمْسَة أَقسَام. أَولهَا: الإراحة من هول الْموقف. الثَّانِيَة: الشَّفَاعَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَهَذِه أَيْضا وَردت للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي: لَا أعلم هَل هِيَ مُخْتَصَّة أم لَا؟ قلت: يُرِيد القَاضِي بِالصَّحِيحِ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فأنطلق تَحت الْعَرْش فأقع سَاجِدا) ، وَفِيه: (فَيُقَال يَا مُحَمَّد أَدخل من أمتك من لَا حِسَاب عَلَيْهِ من الْبَاب الْأَيْمن من أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَشبهه من الْأَحَادِيث. الثَّالِثَة: قوم استوجبوا النَّار فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدم دُخُولهمْ فِيهَا، قَالَ القَاضِي: وَهَذِه أَيْضا يشفع فِيهَا نَبينَا مُحَمَّد،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَهْدِهِ وَبَعْدِهِ، فَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَظْهَرُ.
وَالْمُرَادُ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا قَوَّى بِهِ الْكِرْمَانِيُّ دَعْوَاهُ بِكَوْنِ السِّيَاقِ مُخْتَلِفًا حَيْثُ قِيلَ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَجُلٌ بِالتَّنْكِيرِ، وَفِي الْعَبْدِ بِالتَّعْرِيفِ، وَحَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ: إِذَا الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَجْرَيْنِ لِمُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَقَعُ فِي الِاسْتِقْبَالِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ مَشَى فِيهِ مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الرُّوَاةِ، بَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مُخْتَلِفٌ، فَقَدْ عَبَّرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِإِذَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَعَبَّرَ فِي النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: أَيُّمَا رَجُلٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ مُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى النَّكِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ حُكْمُ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مُطَّرِدٌ فِي جُلِّ الْأَحْكَامِ حَيْثُ يَدْخُلْنَ مَعَ الرِّجَالِ بِالتَّبَعِيَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَمَبَاحِثُ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَجْرَانِ) هُوَ تَكْرِيرٌ لِطُولِ الْكَلَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ) - أَيِ الشَّعْبِيُّ - أَعْطَيْنَاكَهَا، ظَاهِرُة أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ صَالِحًا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَلِهَذَا جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ: الْخِطَابُ لِصَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ﵇ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ شَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِلَّا فَالْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ حَاصِلٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا) أَيْ: يُرْحَلُ لِأَجْلِ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهَا كَمَا عِنْدَهُ فِي الْجِهَادِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الْمَدِينَةِ) أَيِ: النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ وَسَكَنُوهَا، فَاكْتَفَى أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِعُلَمَائِهِ إِلَّا مَنْ طَلَبَ التَّوَسُّعَ فِي الْعِلْمِ فَرَحَلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّعْبِيُّ - مَعَ كَوْنِهِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ - بِقَوْلِهِ: كَانَ، وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ. وإِنَّمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِحِفْظِهِ وَأَجْلَبَ لِحِرْصِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ.
٣٢ - بَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ
٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
[الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٧٣٢٥، ٥٨٨٣، ٥٨٨١، ٥٨٨٠، ٥٢٤٩، ٤٨٩٥، ١٤٤٩، ١٤٣١، ٩٨٩، ٩٧٩، ٩٧٧، ٩٧٥، ٩٦٤، ٩٦٢، ٨٦٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ) نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنَ النَّدْبِ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَهْلَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَهْلِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ. وَاسْتُفِيدَ الْوَعْظُ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَوَعَظَهُنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٩٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُهملة والمُوحَّدة، الأزديُّ الأنصاريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) أي: ابن أبي رباحٍ أسلمَ (١) الكوفيَّ القرشيَّ الحبشيَّ الأسود الأعور الأفطس الأشلَّ الأعرج، ثمَّ عمي بأخرةٍ، المرفوع بالعلم والعمل حتَّى صار من الجلالة والثِّقة بمكانٍ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرةَ ومئةٍ، أو سنة أربعَ عشْرةَ ومئةٍ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (٢): «رسول الله» (ﷺ، أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) يعني: أنَّ الراويَ تردَّد هل لفظ «أشهد» من قول ابن عبَّاسٍ، أو من قول عطاءٍ؟ وأخرجه أحمد ابن حنبل عن غندر عن شعبة جازمًا بلفظ: «أشهد عن (٣) كلٍّ منهما»، وعبَّر بلفظ الشَّهادة تأكيدًا لتحقُّقه ووثوقًا بوقوعه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ) من بين صفوف الرِّجال إلى صفِّ النِّساء (وَمَعَهُ بِلَالٌ) أي: ابن (٤) رَبَاحٍ؛ بفتح الرَّاء وتخفيف المُوحَّدة، الحبشيُّ، واسم أمِّه: حمامة، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: «معه بلالٌ» بلا واوٍ على أنَّه حالٌ استغنى فيها عن الواو بالضَّمير كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] (فَظَنَّ) ﷺ (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) حين (٥) أسمع الرِّجال، فـ «أنَّ» مع اسمها
وخبرها سدَّت مسدَّ مفعولي «ظنَّ» وفي رواية غير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «أنَّه لم يُسمع» بدون ذكر «النِّساء» (فَوَعَظَهُنَّ) ﵊ بقوله: «إنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النَّار لأنكنَّ تكثرن اللَّعن وتكفرن العشير» [خ¦٣٠٤] وهذا أصلٌ في حضور النِّساء مجالس الوعظ ونحوه بشرط أمن الفتنة (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) النَّفليَّة (٢) لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار لأنَّها ممحاةٌ لكثيرٍ من الذُّنوب المدخلة النَّار، أو لأنَّه (٣) كان وقت حاجةٍ إلى المُواسَاة، والصَّدقة حينئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ (فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء آخره مُهمَلَةٌ: الذي يُعلَّق بشحمة أذنها (وَالخَاتَمَ) بالنَّصب عطفًا على المفعول (وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ) ما يلقينه ليصرفه ﵊ في مصارفه لأنَّه تحرم عليه الصَّدقة، وحُذِفَ المفعول للعلم به، ورُفِعَ «بلالٌ» بالابتداء، وتاليه خبرُه، والجملة حاليَّةٌ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريّ «وقال إسماعيل» أي: ابن عليَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت: «قال ابن عبَّاسٍ»: (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) فجزم بأنَّ لفظ «أشهد» من كلام ابن عبَّاسٍ فقط، وهذا من تعاليقه لأنَّه لم يدرك إسماعيل ابن عُلَيَّة؛ لأنَّه مات في عام ولادة المؤلِّف سنة أربع وتسعين ومئةٍ، ووصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩].
(٣٣) هذا (بابُ الحِرْصِ عَلَى) تحصيل (الحَدِيثِ) المُضَاف إلى النَّبيِّ ﷺ، وسقط لفظ «بابٍ» للأَصيليِّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ورحل، وَلِهَذَا قَالَ الشّعبِيّ، وَهُوَ من كبار التَّابِعين بقوله: وَقد كَانَ يركب. فَإِن قلت: هَل كَانَ سُؤال الْخُرَاسَانِي من الشّعبِيّ عَمَّن يعْتق أمته ثمَّ يَتَزَوَّجهَا مُجَرّد تعلم هَذِه الْمَسْأَلَة، أم لِمَعْنى آخر؟ قلت: بل لِمَعْنى آخر، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: (أَن رجلا من أهل خُرَاسَان سَأَلَ الشّعبِيّ، فَقَالَ: يَا عَامر! إِن من قبلنَا من أهل خُرَاسَان يَقُولُونَ فِي الرجل إِذا أعتق أمته ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كالراكب بدنته) . وَفِي طَرِيق: (كالراكب هَدْيه) ، كَأَنَّهُمْ توهموا فِي الْعتْق والتزوج الرُّجُوع بِالنِّكَاحِ فِيمَا خرج عَنهُ بِالْعِتْقِ، فَأَجَابَهُ الشّعبِيّ بِمَا يدل على أَنه محسن إِلَيْهَا إحساناً بعد إِحْسَان، وَأَنه لَيْسَ من الرُّجُوع فِي شَيْء، فَذكر لَهُم الحَدِيث.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ بَيَان أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من النَّاس لَهُم أَجْرَانِ. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا الْعلَّة فِي التَّخْصِيص بهؤلاء الثَّلَاثَة، وَالْحَال أَن غَيره كَذَلِك أَيْضا مثل من صلى وَصَامَ، فَإِن للصَّلَاة أجرا، وللصوم أجرا آخر، وَكَذَا مثل الْوَلَد إِذا أدّى حق الله وَحقّ وَالِديهِ؟ قلت: الْفرق بَين هَذِه الثَّلَاثَة وَغَيرهَا أَن الْفَاعِل فِي كل مِنْهَا جَامع بَين أَمريْن بَينهمَا مُخَالفَة عَظِيمَة، كَأَن الْفَاعِل لَهما فَاعل للضدين عَامل بالمتنافيين، بِخِلَاف غَيره عَامل. قلت: هَذَا الْجَواب لَيْسَ بِشَيْء، بل الْجَواب الصَّحِيح أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: التَّنْصِيص بِعَدَد مَحْصُور يدل على نفي الحكم عَن غَيره، وَإِلَيْهِ مَال صَاحب (الْهِدَايَة) ، لِأَن إِثْبَات الحكم فِي غَيره إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خمس من الفواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم) . فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا الْمَذْكُور. قلت: الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن التَّنْصِيص باسم الشَّيْء لَا يدل على النَّفْي فِيمَا عداهُ وَإِن كَانَ فِي الْعدَد المحصور، وَالْحكم فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت بِدلَالَة النَّص، فَلَا يُوجب إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص، فَافْهَم. الثَّانِي: قَالَ الْمُهلب: فِيهِ دَلِيل على من أحسن فِي مَعْنيين من أَي فعل كَانَ من أَفعَال الْبر فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. الثَّالِث: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي قَول الشّعبِيّ جَوَاز قَول الْعَالم مثله تحريضاً للسامع. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان مَا كَانَ السّلف عَلَيْهِ من الرحلة إِلَى الْبلدَانِ الْبَعِيدَة فِي حَدِيث وَاحِد، أَو مَسْأَلَة وَاحِدَة. الْخَامِس: قَالَ ابْن بطال: وَفِيه إِثْبَات فضل الْمَدِينَة، وَأَنَّهَا مَعْدن الْعلم، وإليها كَانَ يرحل فِي طلب الْعلم، وتقصد فِي اقتباسه. وَبَعض الْمَالِكِيَّة خصصواً الْعلم بِالْمَدِينَةِ بقول الشّعبِيّ، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلَا يقبل.
٣٢ - (بَاب عِظَةِ الإِمامِ النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وعظ الإِمَام النِّسَاء، وَهُوَ التَّذْكِير بالعواقب. وتعليمه النِّسَاء من الْأُمُور الدِّينِيَّة، والعظة، بِكَسْر الْعين: بِمَعْنى الْوَعْظ، لِأَنَّهُ مصدر من: وعظ يعظ وعظاً، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا الْهَاء.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق تَعْلِيم الرجل أَهله، وَهُوَ خَاص. وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب تَعْلِيم الإِمَام النِّسَاء وَهُوَ عَام، فتناسقا من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَالْمرَاد من الإِمَام هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم أَو من يَنُوب عَنهُ.
٩٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أشْهَدُ علَى النَّبيِّ أَو قَالَ عَطاءٌ: اشْهَدُ علَى ابنِ عَبَّاس، أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ ومَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَت المَرْأةُ تُلْقِي القُرْطَ والخَاتَمَ وبِلالٌ يأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ..
وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فوعظهن) ، لِأَن الْوَعْظ يسْتَلْزم العظة، وَكَانَت الموعظة بقوله: (إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار لأنكن تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . فَإِن قلت: أَيْن مطابقته لقَوْله: (وتعليمهن) ؟ قلت: فِي قَوْله: (وأمرهن بِالصَّدَقَةِ) . وَلَا شكّ أَن فِي الْأَمر بِالصَّدَقَةِ التَّعْلِيم بهَا أَنَّهَا تكفر الْخَطَايَا وتدفع البلايا.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: سُلَيْمَان بن حَرْب الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد تقدم. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد تقدم. الرَّابِع: عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وَاسم أبي رَبَاح: مُسلم الْمَكِّيّ الْقرشِي، مولى ابْن خَيْثَم الفِهري، وَابْن خَيْثَم عَامل عمر بن الْخطاب على مَكَّة،
ولد فِي آخر خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وروى عَنهُ ابْنه. قَالَ: أَعقل قتل عُثْمَان، وَيُقَال إِنَّه من مولدِي الْجند من مخاليف الْيمن وَنَشَأ بِمَكَّة وَصَارَ مفتيها، وَهُوَ من كبار التَّابِعين، وروى عَن العبادلة وَعَائِشَة وَغَيرهم، وروى عَنهُ اللَّيْث حَدِيثا وَاحِدًا، وجلالته وبراعته وثقته وديانته مُتَّفق عَلَيْهَا، وَحج سبعين حجَّة، وَكَانَت الْحلقَة بعد ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، لَهُ. مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَقيل أَربع عشرَة وَمِائَة، عَن ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ حَبَشِيًّا أسود أَعور أفطس أشل أعرج، لامْرَأَة من أهل مَكَّة، ثمَّ عمي بآخرة، وَلَكِن الْعلم وَالْعَمَل بِهِ رَفعه. وَمن غَرَائِبه أَنه يَقُول: إِذا أَرَادَ الْإِنْسَان سفرا لَهُ الْقصر قبل خُرُوجه من بَلَده، وَوَافَقَهُ طَائِفَة من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، وَخَالفهُ الْجُمْهُور. وَمن غَرَائِبه أَيْضا أَنه إِذا وَافق يَوْم عيد يَوْم جُمُعَة يصلى الْعِيد فَقَط، وَلَا ظهر وَلَا جُمُعَة فِي ذَلِك الْيَوْم. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابَة اثْنَان. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ لَفْظَة: أشهد تَأْكِيدًا لتحققه ووثوقاً بِوُقُوعِهِ، لِأَن الشَّهَادَة خبر قَاطع، تَقول مِنْهُ: شهد الرجل على كَذَا. وَإِنَّمَا قَالَ: أشهد، بِلَفْظَة: على، لزِيَادَة التَّأْكِيد فِي وثاقته، لِأَنَّهُ يدل على الاستعلاء بِالْعلمِ عَن خُرُوجه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَهُ بِلَال، إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَول ابْن عَبَّاس، أَو على استعلاء الْعلم على سَمَاعه من ابْن عَبَّاس إِذا كَانَ لفظ: أشهد، من قَوْله عَطاء. لِأَن الرَّاوِي تردد فِي هَذِه اللَّفْظَة، هَل هِيَ من قَول ابْن عَبَّاس أَو من قَول عَطاء؟ وَرَوَاهُ أَيْضا بِالشَّكِّ حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب. أخرجه أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) . وَأخرجه أَحْمد بن حَنْبَل عَن غنْدر عَن شُعْبَة جَازِمًا بِلَفْظ: أشهد عَن كل مِنْهُمَا.
بَيَان من أخرجه غَيره: وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان، وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أَيُّوب بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِيهَا عَن مُحَمَّد بن كثير وَحَفْص بن عمر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد بن حسان عَن حَمَّاد بن زيد، وَعَن أبي معمر عَن عبد اللَّه بن عَمْرو، ومسدد، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَارِث عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) ، وَهِي مَا تبذل من المَال لثواب الْآخِرَة، وَهِي تتَنَاوَل الْفَرِيضَة والتطوع، لَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا هُنَا هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (القرط) ، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: مَا يعلق فِي شحمة الْأذن، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل مَا فِي شحمة الْأذن فَهُوَ قرط سَوَاء كَانَ من ذهب أَو غَيره. وَفِي (البارع) : القرط يكون فِيهِ حَبَّة وَاحِدَة فِي حَلقَة وَاحِدَة. وَفِي (الْعباب) : وَالْجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط، مِثَال: برد وأبراد وبرود، و: قلب وقلبة، و: رمح ورماح. و: (الْخَاتم) فِيهِ أَربع لُغَات: كسر التَّاء وَفتحهَا وخيتام وخاتام، الْكل بِمَعْنى وَاحِد.
بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (خرج) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن، أَي: خرج من بَين صُفُوف الرِّجَال إِلَى صف النِّسَاء. قَوْله: (وَمَعَهُ بِلَال) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو، وَفِي رِوَايَة غَيره: (مَعَه بِلَال) . بِلَا وَاو، وَهُوَ جَائِز بِلَا ضعف، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: ٣٦ والأعراف: ٢٤) وبلال: هُوَ ابْن رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، الحبشي الْقرشِي، يكنى أَبَا عبد اللَّه أَو أَبَا عَمْرو أَو أَبَا عبد الرَّحْمَن أَو أَبَا عبد الْكَرِيم، وشهرته باسم أمه حمامة. قَوْله: (فَظن) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه لم يسمع النِّسَاء) حِين أسمع الرِّجَال، وَفِي بعض النّسخ: فَظن أَنه لم يسمع، بِدُونِ لَفْظَة النِّسَاء، و: أَن مَعَ اسْمهَا وخبرها سدت مسد مفعولي: ظن. قَوْله: (فوعظهن) الْفَاء فِيهِ تصلح للتَّعْلِيل، (وأمرهن) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (بِالصَّدَقَةِ) الْألف وَاللَّام فِيهَا للْعهد الْخَارِجِي، وَهِي صَدَقَة التَّطَوُّع، وَإِنَّمَا أمرهن بهَا لما رآهن أَكثر أهل النَّار، على مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح: (تصدقن يَا معشر النِّسَاء، إِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار) . وَقيل: أمرهن بهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَقت حَاجَة إِلَى الْمُوَاسَاة، وَالصَّدَََقَة يومئذٍ كَانَت أفضل وُجُوه الْبر. قَوْله: (فَجعلت الْمَرْأَة) جعلت: من أَفعَال المقاربة، وَهِي مثل: كَاد، فِي الِاسْتِعْمَال، ترفع الِاسْم، وَخَبره الْفِعْل الْمُضَارع بِغَيْر أَن، متأول باسم الْفَاعِل، وَقَوله: (القرط) بِالنّصب مفعول: (تلقي) من الْإِلْقَاء. (والخاتم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وبلال) مُبْتَدأ (وَيَأْخُذ فِي أَطْرَاف ثَوْبه) خَبره، وَالْجُمْلَة حَالية، ومفعول: يَأْخُذ، مَحْذُوف.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ اسْتِحْبَاب وعظ النِّسَاء وتذكيرهن الْآخِرَة وَأَحْكَام الْإِسْلَام، وحثهن على الصَّدَقَة، وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب على
ذَلِك مفْسدَة أَو خوف فتْنَة على الْوَاعِظ أَو الموعوظ، وَنَحْو ذَلِك. الثَّانِي: فِي قَوْله: (فَظن أَنه لم يسمع النِّسَاء) دَلِيل على أَن على الإِمَام افتقاد رَعيته وتعليمهم ووعظهم. الثَّالِث: فِيهِ أَن صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول، وَيَكْفِي فِيهَا المعاطاة، لِأَنَّهُنَّ ألقين الصَّدَقَة فِي ثوب بِلَال من غير كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا من بِلَال وَلَا من غَيرهمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي، رَحمَه الله؛ خلافًا لأكْثر الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابه حَيْثُ قَالُوا: يفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول. الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على أَن الصَّدقَات الْعَامَّة إِنَّمَا يصرفهَا مصارفها الإِمَام. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل أَن الصَّدَقَة قد تنجي من النَّار، قَالَه ابْن بطال. السَّادِس: فِيهِ جَوَاز صَدَقَة الْمَرْأَة من مَالهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَلَا يتَوَقَّف فِي ذَلِك على ثلث مَالهَا. وَقَالَ مَالك: لَا تجوز الزِّيَادَة على الثُّلُث إلَاّ بِإِذن الزَّوْج، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يسْأَل: هَل هَذَا بِإِذن أَزوَاجهنَّ أم لَا؟ وَهل هُوَ خَارج من الثُّلُث أَو لَا؟ وَلَو اخْتلف الحكم بذلك لسأل. قَالَ القَاضِي عِيَاض، رَحمَه الله، احتجاجاً لمَذْهَب مَالك: الْغَالِب حُضُور أَزوَاجهنَّ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فتركهم الْإِنْكَار رضى مِنْهُم بفعلهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُنَّ معتزلات لَا يعلم الرِّجَال المتصدقة مِنْهُم من غَيرهَا، وَلَا قدر مَا يتصدقن بِهِ، وَلَو علمُوا فسكوتهم لَيْسَ إِذْنا. فَإِن قلت: احْتج مَالك وَمن تبعه فِي ذَلِك بِمَا خرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يجوز لامْرَأَة أمرٌ فِي مَالهَا إِذا ملك زَوجهَا عصمتها) . وَبِمَا خرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي كَامِل عَن خَالِد، يَعْنِي ابْن الْحَارِث: ثَنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب أَن أَبَاهُ أخبرهُ عَن عبد اللَّه بن عَمْرو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لامْرَأَة عَطِيَّة إلَاّ بِإِذن زَوجهَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الطَّرِيق إِلَى عَمْرو بن شُعَيْب صَحِيح، فَمن أثبت أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب لزمَه إثْبَاته. وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه: أَحدهَا: معارضته بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة على الْجَوَاز عِنْد الْإِطْلَاق، وَهِي أقوى مِنْهُ، فَقدمت عَلَيْهِ. وَقد يُقَال: انه وَاقعَة حَال، فَيمكن حملهَا على أَنَّهَا كَانَت قدر الثُّلُث. الثَّانِي: على تَسْلِيم الصِّحَّة إِنَّه مَحْمُول على الأولى، وَالْأَدب ذكره الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ، قَالَ: وَقد أعتقت مَيْمُونَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلم يعب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا. وكما يُقَال: لَيْسَ لَهَا أَن تَصُوم وَزوجهَا حَاضر إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت فصومها جَائِز، وَمثله إِن خرجت بِغَيْر إِذْنه فباعت، فَهُوَ جَائِز. الثَّالِث: الطعْن فِيهِ، قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث سمعناه وَلَيْسَ بِثَابِت، فيلزمنا أَن نقُول بِهِ وَالْقُرْآن يدل على خِلَافه ثمَّ الْأَمر ثمَّ الْمَنْقُول ثمَّ الْمَعْقُول. قيل: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ، قَوْله تَعَالَى: {فَنصف مَا فرضتم إلاّ أَن يعفون} (الْبَقَرَة: ٢٣٧) وَقَوله: {فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئاً} (النِّسَاء: ٤) . وَقَوله: {فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ} (الْبَقَرَة: ٢٢٩) وَقَوله: {من بعد وَصِيَّة يوصين بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ١٢) وَقَوله: {وابتلوا الْيَتَامَى} الْآيَة (النِّسَاء: ٦) وَلم يفرق، فدلت هَذِه الْآيَات على نُفُوذ تصرفها فِي مَالهَا دون إِذن زَوجهَا، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وسلمن لزوجة الزبير رَضِي الله عَنهُ: (إرضخي وَلَا توعي فيوعى الله عَلَيْك) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَقَالَ: (يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة) . واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زَوجهَا من كل شَيْء، فَلم يُنكر ذَلِك ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَقد طعن إِبْنِ حزم فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب بِأَن قَالَ: صحيفَة مُنْقَطِعَة، وَقد علمت أَن شعيباً صرح بِعَبْد الله بن عَمْرو، فَلَا انْقِطَاع. وَقد أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد بن أبي هِنْد وحبِيب الْمعلم عَن عَمْرو بِهِ، ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، ثمَّ ذكر ابْن حزم من حَدِيث ابْن عمر: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَمَا حق الزَّوْج على زَوجته؟ قَالَ: لَا تصدق إلَاّ بِإِذْنِهِ، فَإِن فعلت كَانَ لَهُ الْأجر وَعَلَيْهَا الْوزر) . ثمَّ قَالَ: هَذَا خَيرهَا لَك، لِأَن فِيهِ مُوسَى بن أعين وَهُوَ مَجْهُول، وَلَيْث بن أبي سليم وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، فَإِن مُوسَى بن أعين روى عَن جمَاعَة وَعنهُ جمَاعَة، وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ. نعم، فِيهِ الْحسن بن عبد الْغفار وَهُوَ مَجْهُول، وليته أعله بِهِ. ثمَّ ذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رَفعه: (لَا تنْفق الْمَرْأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَلِك أفضل أَمْوَالنَا) . ثمَّ إِسْمَاعِيل ضَعِيف، وشرحبيل مَجْهُول لَا يدرى من هُوَ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ. فإسماعيل حجَّة فِيمَا يروي عَن الشاميين، وشرحبيل شَامي، وحاشاه من الْجَهَالَة. روى عَنهُ جمَاعَة. قَالَ أَحْمد: هُوَ من ثِقَات الشاميين، نعم، ضعفه ابْن معِين، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. الرَّابِع: من أوجه الْجَواب، مَا قيل: إِن المُرَاد من مَال زَوجهَا لَا من مَالهَا، وَفِيه نظر.
وَقَالَ إسْماعِيلُ: عنْ أيُّوبَ عنْ عَطَاءُ، وَقَالَ عنِ ابْن عَباسٍ: أشْهَدُ علَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق أَن إِسْمَاعِيل روى عَن أَيُّوب عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أشهد على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْجَزْمِ، لِأَن لَفْظَة: أشهد، من كَلَام ابْن عَبَّاس فَقَط. وَكَذَا جزم بِهِ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) ، وَكَذَا قَالَ وهيب عَن أَيُّوب: ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه تَعْلِيق، لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك إِسْمَاعِيل بن علية، وَهُوَ مَاتَ فِي عَام ولادَة البُخَارِيّ سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) عطفا على: (قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة) ، فَيكون المُرَاد مِنْهُ حَدثنَا سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، فَيخرج عَن التَّعْلِيق. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن سُلَيْمَان بن حَرْب لَا رِوَايَة لَهُ عَن إِسْمَاعِيل أصلا، لَا لهَذَا الحَدِيث وَلَا لغيره، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الزَّكَاة مَوْصُولا عَن مُؤَمل بن هِشَام عَن إِسْمَاعِيل، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣٣ - (بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحِرْص على تَحْصِيل الحَدِيث، والْحَدِيث فِي اللُّغَة: الْجَدِيد، من حدث أَمر أَي: وَقع، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. وَيُقَال: أَخَذَنِي مَا قدُم وَمَا حدُث، لَا يضم: حدث، فِي شَيْء من الْكَلَام إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَذَلِكَ لمَكَان: قدم، على الإزدواج. والْحَدِيث: الْخَبَر يَأْتِي على الْقَلِيل وَالْكثير، وَيجمع على: أَحَادِيث، على غير قِيَاس. قَالَ الْفراء: ترى أَن وَاحِد الْأَحَادِيث أحدوثة، ثمَّ جَعَلُوهُ جمعا للْحَدِيث، وَسمي حَدِيثا لِأَنَّهُ يحدث مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء، والأحدوثة مَا يتحدث بِهِ. وَقَوله تَعَالَى: {وجعلناهم أَحَادِيث} (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٤) أَي: عبرا يتحدث بهلاكهم، وَالْحَدَث، والحدثى مثل: بشرى والحادثة والحدثان كُله بِمَعْنى، والحدثان أَيْضا: النَّاس. وَالْجمع: الْحدثَان بِالْكَسْرِ، والتركيب يدل على كَون شَيْء لم يكن، والْحَدِيث فِي عرف الْعَامَّة: الْكَلَام، وَفِي عرف الشَّرْع: مَا يتحدث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَأَنَّهُ لوحظ فِيهِ مُقَابلَته لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قديم وَهَذَا حَدِيث، والْحَدِيث ضد الْقَدِيم، وَيسْتَعْمل فِي قَلِيل الْكَلَام وَكَثِيره، لِأَنَّهُ يحدث شَيْئا فَشَيْئًا كَمَا ذكرنَا.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، وَكَذَلِكَ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّعْلِيم الْخَاص، لِأَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، أجَاب أَبَا هُرَيْرَة فِيمَا سَأَلَهُ بِالْخِطَابِ إِلَيْهِ خَاصَّة، وَالْجَوَاب عَن سُؤال من لَا يعلم جَوَابه تَعْلِيم من الْمُجيب، فَافْهَم.
٩٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ عَمْرو بن أبي عَمْرٍ وعنْ سَعيد بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله! مَنْ أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يوْمَ القِيامةِ؟ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْأَلَنِي عنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ منْ حِرْصِكَ علَى الحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفاعَتِيِ يَوْمَ القيامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَاّ الله، خالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أوْ نَفْسِهِ) .
(الحَدِيث ٩٩ طرفه فِي: ٦٥٧٠) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث) .
بَيَان رِجَاله:. وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّه بن يحيى بن عَمْرو بن أويس بن سعيد بن أبي سرح، بالمهملات، ابْن حُذَيْفَة بن نصر بن مَالك بن حسل بن عَامر ابْن لؤَي بن فهر، أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي الْفَقِيه، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى البُخَارِيّ فِي الْإِصْلَاح عَن مُحَمَّد بن عبد اللَّه مَقْرُونا بالفروي عَنهُ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ أَبُو حَاتِم: مدنِي صَدُوق. وَعنهُ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيّ من يحيى بن بكير. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال، أَبُو مُحَمَّد التَّيْمِيّ القريشي الْمدنِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: عَمْرو بن أبي عَمْرو، بِفَتْح الْعين وبالواو فيهمَا، وَأَبُو عَمْرو اسْمه: ميسرَة، وَعَمْرو يكنى أَبَا عُثْمَان، وميسرة مولى الْمطلب بن عبد اللَّه بن حنْطَب، بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُهْملَة وبالموحدة، المَخْزُومِي الْقرشِي
الْمدنِي، روى عَن أنس بن مَالك وَغَيره، وَعنهُ مَالك والدراوردي. قَالَ أَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ. وَأما يحيى بن معِين فَقَالَ: ضَعِيف لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَيْسَ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن عدي: لَا بَأْس بِهِ لِأَن مَالِكًا روى عَنهُ، وَلَا يروي إلَاّ عَن صَدُوق ثِقَة. مَاتَ سنة خلَافَة الْمَنْصُور فِي أَولهَا وَكَانَت أول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَزِيَاد بن عبد اللَّه على الْمَدِينَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، بِضَم الْبَاء وَفتحهَا. وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عبد الْعَزِيز، وَفِي صفة الْجنَّة عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ. وَقَالَ الْمزي. روى عَن سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَيْسَ فِي الرِّوَايَة، وَلم يذكرهُ أَبُو الْقَاسِم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أَنه قَالَ) بِفَتْح: أَن. وَقَوله: قَالَ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر: أَن. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة البَاقِينَ لَفْظَة: قيل، وَإِنَّمَا هُوَ: (أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَقَوله: قيل، وهم، وَالصَّوَاب سُقُوط: قيل، كَمَا جَاءَ عِنْد الْأصيلِيّ والقابسي، لِأَن السَّائِل هُوَ أَبُو هُرَيْرَة نَفسه، لقَوْله بعد: (لقد ظَنَنْت أَن لَا يسألني عَن هَذَا أحد أول مِنْك) ، وَالْأول وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ وهم. قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه القَاضِي، فَإِن البُخَارِيّ أخرجه فِي الرقَاق كَذَلِك. وَأخرجه فِي الْجنَّة أَنه قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله) وَهَذَا مِمَّا يُؤَيّد أَن: قلت، تصحف: بقيل. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (أَنه سَأَلَ) . وَفِي رِوَايَة أبي نعيم أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: (يَا رَسُول الله) . قَوْله: (مَنْ أسعد النَّاس) مُبْتَدأ وَخبر، و: من، إستفهامية، (وَيَوْم الْقِيَامَة) كَلَام إضافي نصب على الظّرْف. قَوْله: (لقد ظَنَنْت) اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف، قَالَه الْكرْمَانِي، وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّه لَام التَّأْكِيد.
قَوْله: (يابا هُرَيْرَة) أَصله يَا أَبَا هُرَيْرَة، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَهُوَ معترض بَين ظَنَنْت ومفعوله، وَهُوَ قَوْله: (أَن لَا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث أحد) ، وَيجوز ضم اللَّام فِي: يسألني، وَفتحهَا لِأَن كلمة: أَن، إِذا وَقعت بعد الظَّن يجوز فِي مدخولها الْوَجْهَانِ: الرّفْع وَالنّصب. وَاعْلَم أَن: أَن، الْمَفْتُوحَة الْهمزَة الساكنة النُّون على وَجْهَيْن: اسْم وحرف، فالحرف على أَرْبَعَة أوجه: الأول: أَن يكون حرفا مصدرياً ناصباً للمضارع، وَتَقَع فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي الِابْتِدَاء، فَتكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {وَأَن تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَالثَّانِي: بعد لفظ دَال على معنى غير الْيَقِين، فَيكون فِي مَوضِع رفع نَحْو: {ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله} (الْحَدِيد: ١٦) وَنصب نَحْو: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يُفترى من دون الله} (يُونُس: ٣٧) وخفض نَحْو: {أوذينا من قبل أَن تَأْتِينَا} (الْأَعْرَاف: ١٢٩) ومحتملة لَهما نَحْو: {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي} (الشُّعَرَاء: ٨٢) أَصله: فِي أَن يغْفر لي. الثَّانِي: أَن تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، فَتَقَع بعد فعل الْيَقِين أَو مَا نزل مَنْزِلَته، نَحْو: {أَفلا يرَوْنَ أَن لَا يرجع إِلَيْهِم قولا} (طه: ٨٩) {علم أَن سَيكون} (المزمل: ٢٠) {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} (الْمَائِدَة: ٧١) فِيمَن رفع: تكون، فَإِن هَذِه ثلاثية الْوَضع، وَهِي مَصْدَرِيَّة أَيْضا، وتنصب الِاسْم وترفع الْخَبَر، خلافًا للكوفيين؛ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تعْمل شَيْئا، وَشرط اسْمهَا أَن يكون محذوفاً، وَرُبمَا ثَبت فِي الضَّرُورَة على الْأَصَح، وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة، وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ. الثَّالِث: أَن تكون مفسرة، بِمَنْزِلَة: أَي، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك} (الْمُؤْمِنُونَ: ٢٧) وَعَن الكوفية إِنْكَار: أَن، التفسيرية أَلْبَتَّة. وَإِذا ولي: أَن، الصَّالِحَة للتفسير مضارع مَعَه: لَا، نَحْو: أَشرت إِلَيْهِ أَن لَا يفعل، جَازَ رَفعه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة. وجزمه على تقديرها ناهية. وَعَلَيْهِمَا فَأن مفسرة، ونصبه على تَقْدِير: لَا، نَافِيَة و: أَن، مَصْدَرِيَّة. فَإِن فقدت: لَا، امْتنع الْجَزْم وَجَاز الرّفْع وَالنّصب. الرَّابِع: أَن تكون زَائِدَة، وَلها مَوَاضِع ذكرت فِي النَّحْو.
قَوْله: (أحد) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: يسألني، قَوْله: (أول مِنْك) ، يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، فالرفع على أَنه صفة لأحد، أَو بدل مِنْهُ. وَالنّصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: على الْمَفْعُول الثَّانِي لظَنَنْت. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء: على الْحَال، أَي: لَا يسألني أحد سَابِقًا لَك: قَالَ: وَجَاز نصب الْحَال عَن النكرَة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي فَتكون عاملة كَقَوْلِهِم: مَا كَانَ أحد مثلك. وَاخْتلف فِي: أول، هَل وَزنه: أفعل أَو فوعل، وَالصَّحِيح أَنه: أفعل، واستعماله: بِمن، من جملَة أَدِلَّة صِحَّته. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: أول، تسْتَعْمل إسماً وَصفَة. فَإِن اسْتعْملت صفة كَانَت بِالْألف وَاللَّام، أَو بِالْإِضَافَة أَو: بِمن، ظَاهِرَة أَو مقدرَة. مثل قَوْله تَعَالَى: {يعلم السِّرّ واخفى} (طه: ٧) أَي: اخفى من السِّرّ، فَإِن كَانَت: بِمن، جرت فِي الْأَحْوَال كلهَا على لفظ وَاحِد، تَقول: هِنْد أول من زَيْنَب، والزيدان
أول من العمرين، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ الصّفة تَقول: رَأَيْت زيدا أول من عامنا، فَأول بِمَنْزِلَة: قبل، كَأَنَّك قلت: رَأَيْت زيدا عَاما قبل عامنا، فَحكم لَهُ بالظرف حَتَّى قَالُوا: أبدأ بِهَذَا أَوله، وَبَنوهُ على الضَّم كَمَا قَالُوا: أبدأ بِهِ قبل، فَصَارَ كَأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة. وَمن النصب على الظّرْف قَوْله تَعَالَى: {الركب أَسْفَل مِنْكُم} (الْأَنْفَال: ٤٢) كَمَا تَقول: الركب أمامك، وَأَصله الصّفة، وَصَارَ: أَسْفَل، ظرفا. وَالتَّقْدِير: والركب فِي مَكَان أَسْفَل من مَكَانكُمْ، ثمَّ حذف الْمَوْصُوف وأقيمت الصّفة مقَامه، فَصَارَ: أَسْفَل مِنْكُم، بِمَنْزِلَة: تحتكم، وَمن لم يَجْعَل أَولا صلَة صرفه بِمَنْزِلَة: فَكل، الَّذِي هُوَ بِمَعْنى: الرعدة. وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ وزن الْفِعْل. تَقول: مَا ترك لنا أَولا وَلَا آخر، كَقَوْلِك: لَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله (لما رَأَيْت) بِكَسْر اللَّام و: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف. و: من، بَيَانِيَّة تَقْدِيره: للَّذي رَأَيْته من حرصك. أَو تكون: مَا، مَصْدَرِيَّة و: من، تبعيضية، وَتَكون مفعول: رَأَيْت، وَالتَّقْدِير. لرؤيتي بعض حرصك. قَوْله: (على الحَدِيث) يتَعَلَّق بالحرص. قَوْله: (أسعدُ النَّاس) كَلَام إضافي مُبْتَدأ. وَالْبَاء فِي: (بشفاعتي) يتَعَلَّق بِهِ: (وَيَوْم الْقِيَامَة) نصب على الظَّرْفِيَّة. وَقَوله: (من قَالَ) فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ. و: (من) ، مَوْصُولَة. وَقَوله: (خَالِصا) ، حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (قَالَ) . وَقَوله: (من قلبه) يجوز أَن يتَعَلَّق بقوله: خَالِصا، أَو بقوله: قَالَ. وَالظَّاهِر أَن يتَعَلَّق: بقال. فَإِذا تعلق: بقال يكون ظرفا لَغوا، وَإِن تعلق بخالصاً، يكون ظرفا مُسْتَقرًّا، إِذْ تَقْدِيره حينئذٍ ناشئاً من قلبه، واللغو لَا مَحل لَهُ من الْإِعْرَاب. والمستقر هُنَا مَنْصُوب على الْحَال.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (من أسعد النَّاس) أسعد: أفعل، والسعد هُوَ الْيمن، تَقول مِنْهُ: سعد يَوْمنَا يسْعد سعوداً، والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، تَقول مِنْهُ: سعد الرجل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سعيد، مِثَال: سلم فَهُوَ سليم. وَسعد، على مَا لم يسم فَاعله، فَهُوَ: مَسْعُود. فَإِن قلت: أسعد، هُنَا من أَي الْبَاب؟ قلت: من الْبَاب الثَّانِي، وَهُوَ من بَاب: فعل يفعل بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي وَالْفَتْح فِي الغابر، وَالْأول من بَاب: فعل يفعل، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالضَّم فِي الغابر. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل يدل على الشّركَة، والمشرك وَالْمُنَافِق لَا سَعَادَة لَهما. قلت: أسعد هَهُنَا بِمَعْنى سعيد، يَعْنِي سعيد النَّاس، كَقَوْلِهِم: النَّاقِص والأشج أعدلا بني مَرْوَان، يَعْنِي عادلا بني مَرْوَان، وَيجوز أَن يكون على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ الْمَشْهُور، والتفضيل بِحَسب الْمَرَاتِب أَي: هُوَ أسعد مِمَّن لم يكن فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِخْلَاص الْمُؤَكّد الْبَالِغ غَايَته، وَكثير من النَّاس يحصل لَهُ سعد بِشَفَاعَتِهِ، لَكِن الْمُؤمن المخلص أَكثر سَعَادَة بهَا، فَإِن النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يشفع فِي الْخلق بإراحتهم من هول الْموقف، ويشفع فِي بعض الْكفَّار بتَخْفِيف الْعَذَاب، كَمَا صَحَّ فِي حق أبي طَالب، ويشفع فِي بعض الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ من النَّار بعد أَن دخلوها، وَفِي بَعضهم بِعَدَمِ دُخُولهَا بعد أَن يستوجبوا دُخُولهَا، وَفِي بَعضهم بِدُخُول الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَفِي بَعضهم بِرَفْع الدَّرَجَات فِيهَا، فَظهر الِاشْتِرَاك فِي مُطلق السَّعَادَة بالشفاعة، وَأَن أسعدهم بهَا الْمُؤمن المخلص. قَوْله: (بشفاعتك) ، الشَّفَاعَة مُشْتَقَّة من الشفع، وَهُوَ ضم الشَّيْء إِلَى مثله، كَأَن الْمَشْفُوع لَهُ كَانَ فَردا فَجعله الشَّفِيع شفعاً بِضَم نَفسه إِلَيْهِ، والشفاعة: الضَّم إِلَى إِلَى آخر معاوناً لَهُ، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي انضمام من هُوَ أَعلَى مرتبَة إِلَى من هُوَ أدنى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن الشَّفَاعَة إِنَّمَا تكون فِي أهل الْإِخْلَاص خَاصَّة، وهم أهل التَّوْحِيد، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لكل نَبِي دَعْوَة، وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة، فَهِيَ نائلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى من مَاتَ من أمتِي لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) . قلت: هَذَا الحَدِيث مَعَ غَيره من الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب، الْجَارِيَة مجْرى الْقطع، دَلِيل على ثُبُوت الشَّفَاعَة.
قَالَ عِيَاض: مَذْهَب أهل السّنة جَوَاز الشَّفَاعَة عقلا، ووجوبها بِصَرِيح الْآيَات وَالْأَخْبَار الَّتِي بلغ مجموعها التَّوَاتُر لصحتها فِي الْآخِرَة لمذنبي الْمُؤمنِينَ. وَأجْمع السّلف الصَّالح وَمن بعدهمْ من أهل السّنة على ذَلِك، ومنعت الْخَوَارِج وَبَعض الْمُعْتَزلَة مِنْهَا، وتأولت الْأَحَادِيث على زيادات الدَّرَجَات وَالثَّوَاب، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: {فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين} (المدثر: ٤٨) {مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع} (غَافِر: ١٨) وَهَذِه إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكفَّار، وَالْأَحَادِيث مصرحة بِأَنَّهَا فِي المذنبين. وَقَالَ: الشَّفَاعَة خَمْسَة أَقسَام. أَولهَا: الإراحة من هول الْموقف. الثَّانِيَة: الشَّفَاعَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب، وَهَذِه أَيْضا وَردت للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقشيرِي: لَا أعلم هَل هِيَ مُخْتَصَّة أم لَا؟ قلت: يُرِيد القَاضِي بِالصَّحِيحِ مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فأنطلق تَحت الْعَرْش فأقع سَاجِدا) ، وَفِيه: (فَيُقَال يَا مُحَمَّد أَدخل من أمتك من لَا حِسَاب عَلَيْهِ من الْبَاب الْأَيْمن من أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَشبهه من الْأَحَادِيث. الثَّالِثَة: قوم استوجبوا النَّار فَيشفع فيهم نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدم دُخُولهمْ فِيهَا، قَالَ القَاضِي: وَهَذِه أَيْضا يشفع فِيهَا نَبينَا مُحَمَّد،