«دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٩

الحديث رقم ١٣٩ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إسباغ الوضوء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب…

«دَفَعَ رَسُولُ اللهِ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ. فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا».

سند حديث: ١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. [١٠٢ الصافات]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّخْفِيفِ فِي الْوُضُوءِ) أَيْ: جَوَازِ التَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانَ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرُو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ الْمَكِّيُّ لَا الْبَصْرِيُّ، وَكُرَيْبٌ بِالتَّصْغِيرِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالْإِسْنَادُ مَكِّيُّونَ، سِوَى عَلِيٍّ وَقَدْ أَقَامَ بِهَا مُدَّةً. وَفِيهِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ: عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ.

قَوْلُهُ. (وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ) أَيْ: كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ تَارَةً نَامَ وَتَارَةً اضْطَجَعَ، وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ بَلْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ ; لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِقَامَةَ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ، بَلْ كَانَ إِذَا رَوَى الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا قَالَ اضْطَجَعَ فَنَامَ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِذَا اخْتَصَرَهُ قَالَ نَامَ أَيْ: مُضْطَجِعًا أَوِ اضْطَجَعَ أَيْ نَائِمًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَدَّثَنَا) يَعْنِي أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِهِ مُخْتَصَرًا ثُمَّ صَارَ يُحَدِّثُهُمْ بِهِ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (لَيْلَةً فَقَامَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِابْنِ السَّكَنِ فَنَامَ بِالنُّونِ بَدَلَ الْقَافِ وَصَوَّبَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ، انْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِخَطَئِهَا لِأَنَّ تَوْجِيهَهَا ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ فَلَمَّا تَفْصِيلِيَّةٌ، فَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَإِنْ كَانَ مَضْمُونُهَا مَضْمُونَ الْأُولَى لَكِنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ (فِي بَعْضِ اللَّيْلِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ بَدَلَ فِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَاهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً وَكَانَ تَامَّةٌ، أَيْ: فَلَمَّا حَصَلَ بَعْضُ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (شَنٍّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أِيِ الْقِرْبَةِ الْعَتِيقَةِ.

قَوْلُهُ: (مُعَلَّقٍ) ذُكِّرَ عَلَى إِرَادَةِ الْجِلْدِ أَوِ الْوِعَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ بِلَفْظِ مُعَلَّقَةٍ.

قَوْلُهُ: (يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ) أَيْ: يَصِفُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّقْلِيلِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُخَفِّفُهُ أَيْ: لَا يُكْثِرُ الدَّلْكَ، وَيُقَلِّلُهُ أَيْ: لَا يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ مَرَّةٍ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَابِ الدَّلْكِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُمْكِنُ اخْتِصَارُهُ لَاخْتَصَرَهُ ; لَكِنَّهُ لَمْ يَخْتَصِرْهُ، انْتَهَى. وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِي الدَّلْكَ، بَلِ الِاقْتِصَارِ عَلَى سَيَلَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ أَخَفُّ مِنْ قَلِيلِ الدَّلْكِ.

قَوْلُهُ: (نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَمْ يَقُلْ مِثْلًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ مُمَاثَلَتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، انْتَهَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْمِثْلِيَّةِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَآذَنُهُ) بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمُهُ، وَلِلْمُسْتَمْلِي فَنَادَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا بَلْ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَلَوْ أَحْدَثَ لَعَلِمَ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأْ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا مُنِعَ قَلْبُهُ النَّوْمَ لِيَعِيَ الْوَحْيَ الَّذِي يَأْتِيهِ فِي مَنَامِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْنَا) الْقَائِلُ سُفْيَانُ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلِأَبِيهِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ صُحْبَةٌ. وَقَوْلُهُ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسٍ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِمَا تَلَاهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرُّؤْيَا لَوْ لَمْ تَكُنْ وَحْيًا لَمَا جَازَ لِإِبْرَاهِيمَ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَقَالَ: قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَذَا الْبَابِ. وَهَذَا إِلْزَامٌ مِنْهُ لِلْبُخَارِيِّ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَصْلًا فَمَمْنُوعٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٦ - بَاب إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ الْإِنْقَاءُ

١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٩ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن (١) أبي عيَّاشٍ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، ذي «المغازي» التي هي أصحُّ المغازي (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة الكلبيُّ المدنيُّ، الحِبُّ ابن الحِبِّ، وأمُّه أمُّ أيمن، المُتوفَّى بوادي القرى سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» سبعة عشر حديثًا (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ مِنْ) وقوف (عَرَفَةَ) بعرفات، الأوَّل: غير مُنوَّنٍ، وهو اسمٌ للزَّمان، وهو التَّاسع من ذي الحِجِّة، والثَّاني: الموضع الذي يقف به الحاجُّ، وحينئذٍ فيكون المُضَاف فيه (٢) محذوفًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) (بِالشِّعْبِ) بكسر الشِّين المُعجَمَة وسكون العَيْن المُهمَلَة، الطَّريق المعهودة للحاجِّ (نَزَلَ) (فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ) بماء زمزم كما في «زوائد المُسنَد» بإسنادٍ حسنٍ (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه لإعجاله (٣) الدَّفع إلى المزدلفة، وفي «مسلمٍ»: «فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا»، وقِيلَ: معناه: توضَّأ مرَّةً مرَّةً لكن بالإسباغ، أو خفَّف استعمال الماء بالنِّسبة إلى غالب عاداته، واستُبعِد القول بأنَّ المُرَاد به: الوضوء اللُّغويُّ، وأبعدُ منه القولُ بأنَّ المُرَاد به: الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعاده: قوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه»: «أنَّه عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ» [خ¦١٨١] إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامةُ إلَّا وضوء الصَّلاة؛ لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بتقدير: «أتريد»؟ أو «أتصلِّي» (٤) الصَّلاة (يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ) وفي رواية أبوي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(بَاب إسباغ الْوضُوء)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان إسباغ الْوضُوء والإسباغ مصدر أَسْبغ وثلاثيه من سبغت النِّعْمَة تسبغ سبوغا أَي اتسعت وَقَالَ اللَّيْث كل شَيْء طَال إِلَى الأَرْض فَهُوَ سابغ وأسبغ الله عَلَيْهِ النِّعْمَة أَي أتمهَا قَالَ الله تَعَالَى {وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة} وإسباغ الْوضُوء إبلاغه موَاضعه وإيفاء كل عُضْو حَقه والتركيب يدل على تَمام الشَّيْء وكماله وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول تَخْفيف الْوضُوء وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب مَا يُقَابله صُورَة وَإِن كَانَ لَا بُد فِي التَّخْفِيف من الإسباغ أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ (وَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا إسباغ الْوضُوء الإنقاء) هَذَا تَعْلِيق أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه مَوْصُولا بِإِسْنَاد صَحِيح وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فسر الإسباغ بالإنقاء فَإِن قلت قد مر أَن الإسباغ فِي اللُّغَة الْإِتْمَام والاتساع قلت هَذَا من بَاب تَفْسِير الشَّيْء بلازمه إِذْ الْإِتْمَام يسْتَلْزم الإنقاء عَادَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح أَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا كَانَ يغسل رجلَيْهِ فِي الْوضُوء سبع مَرَّات فَإِنَّهُ كَانَ يقْصد بذلك الإنقاء فَإِن قلت لم اقْتصر فِي ذَلِك على الرجلَيْن قلت لِأَنَّهُمَا مَحل الأوساخ غَالِبا لاعتيادهم الْمَشْي حُفَاة بِخِلَاف بَقِيَّة الْأَعْضَاء فَإِن قلت مَا وَجه ذَلِك وَقد مر أَن الزِّيَادَة على الثَّلَاث ظلم وتعد قلت قد ذكرنَا أَن وَجه ذَلِك فِيمَن لم ير الثَّلَاث سنة وَأما إِذا رَآهَا وَزَاد على أَنه من بَاب الْوضُوء على الْوضُوء يكون نورا على نور

٥ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه سَمعه يَقُول دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ نزل فَبَال ثمَّ تَوَضَّأ وَلم يسبغ الْوضُوء فَقلت الصَّلَاة يَا رَسُول الله فَقَالَ الصَّلَاة أمامك فَركب فَلَمَّا جَاءَ الْمزْدَلِفَة نزل فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فصلى الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ كل إِنْسَان بعيره فِي منزله ثمَّ أُقِيمَت الْعشَاء فصلى وَلم يصل بَينهمَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَتَوَضَّأ وأسبغ الْوضُوء فَإِن قلت الْمَذْكُور فِيهِ شَيْئَانِ الإسباغ وَتَركه فَمَا الْمُرَجح فِي تبويب التَّرْجَمَة على الإسباغ قلت لِأَنَّهُ بوب الْبَاب السَّابِق فِي تَخْفيف الْوضُوء فَتعين أَن يكون الْبَاب الَّذِي يتلوه فِي الإسباغ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول عبد الله بن مسلمة بِفَتْح الميمين وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة القعْنبِي وَقد مر الثَّانِي الإِمَام مَالك رَحمَه الله الثَّالِث مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي مولى الزبير بن الْعَوام وَيُقَال مولى أم خَالِد زَوْجَة الزبير القريشي أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى روى عَن كريب وَأم خَالِد الصحابية وَغَيرهمَا وَعنهُ مَالك والسفيانان وَغَيرهم وَكَانَ من الْمُفْتِينَ الثِّقَات مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة ومغازيه أصح الْمَغَازِي كَمَا قَالَه مَالك وَغَيره وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه مُوسَى بن عقبَة غَيره الرَّابِع كريب وَقد تقدم عَن قريب الْخَامِس أُسَامَة بِضَم الْهمزَة بن زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل الْكَلْبِيّ الْمدنِي الْحبّ ابْن الْحبّ وَكَانَ نقش خَاتمه حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ مولى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَابْن حاضنته ومولاته أم أَيمن اسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة وَقبض النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ ابْن عشْرين روى لَهُ مائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ حَدِيثا اتفقَا على خَمْسَة عشر حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين وَمُسلم بحديثين مَاتَ بوادي الْقرى سنة أَربع وَخمسين على الْأَصَح وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين وَذكر الله أَبَاهُ زيدا فِي الْقُرْآن باسمه وَأُسَامَة بن زيد سِتَّة أحدهم هَذَا وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه أُسَامَة بن زيد سواهُ وَإِن كَانَ فيهم من اسْمه أُسَامَة الثَّانِي تنوخي روى عَن زيد بن أسلم وَغَيره الثَّالِث ليثي روى عَن نَافِع وَغَيره الرَّابِع مدنِي مولى عمر بن الْخطاب ضَعِيف الْخَامِس كَلْبِي روى عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَغَيره السَّادِس شيرازي روى عَن أبي حَامِد الفضلي

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم مدنيون وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ مُوسَى عَن كريب وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من رجال الْكتب السِّتَّة إِلَّا عبد الله بن مسلمة فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن سعيد عَن مُوسَى بن عقبَة عَن كريب وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن يزِيد بن هرون عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رمح عَن لَيْث بن سعد عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن إِسْحَق عَن يحيى بن آدم عَن زُهَيْر كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة وَعَن إِسْحَق عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن كريب بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِهِ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يزِيد بن هَارُون بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِهِ مُخْتَصرا (بَيَان اللُّغَات) قَوْله دفع من عَرَفَة أَي أَفَاضَ مِنْهَا يُقَال دفع السَّيْل من الْجَبَل إِذا انصب مِنْهُ وَدفعت إِلَيْهِ شَيْئا أدفعه دفعا وَدفعت الرجل قَالَ الله تَعَالَى {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس} وَدفعت عَنهُ الْأَذَى واندفعوا فِي الحَدِيث أَو الإنشاد أفاضوا فِيهِ والاندفاع مُطَاوع الدّفع وتدافع الْقَوْم فِي الْحَرْب أَي دفع بَعضهم بَعْضًا قَالَ الصغاني التَّرْكِيب يدل على تنحية الشَّيْء قَوْله من عَرَفَة على وزن فعلة اسْم للزمان وَهُوَ الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل عَرَفَة وعرفات كِلَاهُمَا اسمان للمكان الْمَخْصُوص وَقَالَ الصغاني وَيَوْم عَرَفَة التَّاسِع من ذِي الْحجَّة وَتقول هَذَا يَوْم عَرَفَة غير منون وَلَا تدْخلهَا الْألف وَاللَّام وعرفات الْموضع الَّذِي يقف الْحَاج بِهِ يَوْم عَرَفَة قَالَ الله تَعَالَى {فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات} وَهِي اسْم فِي لفظ الْجمع فَلَا تجمع قَالَ الْفراء لَا وَاحِد لَهَا وَقَول النَّاس نزلنَا عَرَفَة شَبيه بمولد وَلَيْسَ بعربي مَحْض سميت بِهِ لِأَن آدم عرف حَوَّاء بهَا فَإِن الله تَعَالَى أهبط آدم بِالْهِنْدِ وحواء بجدة فتعارفا فِي الْموقف أَو لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عرف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمَنَاسِك هُنَاكَ أَو للجبال الَّتِي فِيهَا وَالْجِبَال الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاف وكل بَاب فَهُوَ عرف وَمِنْه عرف الديك أَو لِأَن النَّاس يعترفون فِيهَا بِذُنُوبِهِمْ ويسألون غفرانها وَقيل لِأَنَّهَا مَكَان مقدس مُعظم كَأَنَّهُ قد عرف أَي طيب قَوْله بِالشعبِ بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَالْمرَاد بِهِ الشّعب الْمَعْهُود للحجاج قَوْله الْمزْدَلِفَة هِيَ مَوضِع مَخْصُوص بَين عَرَفَات وَمنى وَقيل سميت بهَا لِأَن الْحجَّاج يزدلفون فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى أَي يَتَقَرَّبُون بِالْوُقُوفِ فِيهَا إِلَيْهِ وَيُسمى أَيْضا جمعا لِأَن آدم اجْتمع فِيهَا مَعَ حَوَّاء عَلَيْهِمَا السَّلَام وازدلف إِلَيْهَا أَي دنا فَلذَلِك سميت مُزْدَلِفَة أَيْضا وَعَن قَتَادَة لِأَنَّهُ يجمع فِيهَا بَين الصَّلَاتَيْنِ قلت الْمزْدَلِفَة بِضَم الْمِيم من الازدلاف وَهُوَ التَّقَرُّب أَو الِاجْتِمَاع فَمن الأول قَوْله تَعَالَى {وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين} أَي قربت وَمن الثَّانِي قَوْله تَعَالَى {وأزلفنا ثمَّ الآخرين} أَي جمعناهم وَلذَلِك قيل لَهَا جمع (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله سَمعه جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقول القَوْل قَوْله حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ كلمة حَتَّى هَذِه ابتدائية أَعنِي حرفا يبتدأ بعده الْجُمْلَة سَوَاء كَانَت اسمية أَو فعلية وَيجوز أَن تكون جَارة على مَا نقل عَن الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى {حَتَّى إِذا فشلتم} فعلى هَذَا قَوْله إِذا فِي مَحل الْجَرّ بهَا وعَلى الأول يكون موضعهَا النصب وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله نزل وَالْبَاء فِي بِالشعبِ ظرفية قَوْله فَبَال عطف على نزل قَوْله فَقلت الصَّلَاة بِالنّصب وَاخْتلفُوا فِي الناصب فَقَالَ القَاضِي على الاغراء وَقيل على تَقْدِير أَتُرِيدُ الصَّلَاة وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة تَأتي فَقلت أَتُصَلِّي يَا رَسُول الله يَعْنِي أَتُرِيدُ الصَّلَاة قلت الأولى أَن يقدر نصلي الصَّلَاة يَا رَسُول الله وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير حانت الصَّلَاة أَو حضرت قَوْله الصَّلَاة أمامك بِرَفْع الصَّلَاة على الِابْتِدَاء وَخَبره أمامك قَوْله الْمزْدَلِفَة بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول جَاءَ وَفِي الأَصْل جَاءَ إِلَى الْمزْدَلِفَة وَقَوله نزل جَوَاب لما (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة أَي رَجَعَ من وقُوف عَرَفَة بِعَرَفَات لأَنا قُلْنَا أَن عَرَفَة اسْم الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة فَحِينَئِذٍ يكون الْمُضَاف فِيهِ محذوفا وعَلى قَول من يَقُول أَن عَرَفَة اسْم للمكان أَيْضا لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير وَقد مر أَنه لُغَة بلدية قَوْله وَلم يسبغ الْوضُوء أَي خففه وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم فَتَوَضَّأ وضوأ خَفِيفا

وَيُقَال مَعْنَاهُ لم يكمله يَعْنِي تَوَضَّأ مرّة مرّة لَكِن بالإسباغ وَقيل مَعْنَاهُ خفف اسْتِعْمَال المَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالب عاداته وَقيل المُرَاد بِهِ الْوضُوء اللّغَوِيّ أَي اقْتصر على بعض الْأَعْضَاء وَهُوَ بعيد وَأبْعد مِنْهُ مَا قيل أَن المُرَاد بِهِ الِاسْتِنْجَاء كَمَا قَالَ عِيسَى بن دِينَار وَجَمَاعَة وَمِمَّا يوهنه رِوَايَة البُخَارِيّ الْآتِيَة فِي بَاب الرجل يوضىء صَاحبه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عدل إِلَى الشّعب فَقضى حَاجته فَجعلت أصب المَاء عَلَيْهِ وَيتَوَضَّأ وَلَا يجوز أَن يصب أُسَامَة عَلَيْهِ إِلَّا وضوء الصَّلَاة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يقرب مِنْهُ أحد وَهُوَ على حَاجته وَأَيْضًا فقد قَالَ أُسَامَة عقيب ذَلِك الصَّلَاة يَا رَسُول الله ومحال أَن يَقُول لَهُ الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة وَأبْعد من قَالَ إِنَّمَا لم يسبغه لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ فَفعله ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي مسيره فَإِنَّهُ كَانَ فِي عَامَّة أَحْوَاله على طهر وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد إِنَّمَا لم يسبغه ليذكر الله لأَنهم يكثرون مِنْهُ عَشِيَّة الدّفع من عَرَفَة وَقَالَ غَيره إِنَّمَا فعله لإعجاله الدّفع إِلَى الْمزْدَلِفَة فَأَرَادَ أَن يتَوَضَّأ وضُوءًا يرفع بِهِ الْحَدث لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ لَا يبْقى بِغَيْر طَهَارَة وَكَذَا قَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا ترك إسباغه حَتَّى نزل الشّعب ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي طَرِيقه وَيجوز فِيهِ لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ فَلَمَّا نزل وَأَرَادَهَا أسبغه قَوْله الصَّلَاة أمامك بِفَتْح الْهمزَة أَي قدامك وَقَالَ الْخطابِيّ يُرِيد أَن مَوضِع هَذِه الصَّلَاة الْمزْدَلِفَة وَهِي أمامك وَهَذَا تَخْصِيص لعُمُوم الْأَوْقَات المؤقتة للصلوات الْخمس لبَيَان فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا يُصليهَا الْحَاج إِذا أَفَاضَ من عَرَفَة حَتَّى يبلغهَا وَأَن عَلَيْهِ أَن يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء بِجمع على مَا سنه الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِفِعْلِهِ وَبَينه بقوله وَلَو أَجْزَأته فِي غير الْمَكَان لما أَخّرهَا عَن وَقتهَا الْمُؤَقت لَهَا فِي سَائِر الْأَيَّام وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يجوز إِذْ فعله الْمُجَرّد لَا يدل إِلَّا على النّدب وملازمة الشّرطِيَّة فِي قَوْله لما أَخّرهَا مَمْنُوعَة لِأَن ذَلِك لبَيَان جَوَاز تَأْخِيرهَا أَو بَيَان ندبية التَّأْخِير إِذْ الأَصْل عدم الْجَوَاز قلت لَا نسلم نفي الدَّلِيل على عدم الْجَوَاز لِأَن فعله قارنه قَوْله فَدلَّ على عدم الْجَوَاز وَإِنَّمَا يمشي كَلَامه إِن لَو كَانَ أُسَامَة عَالما بِالسنةِ وَلم يكن يعلم ذَلِك لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أول من سنّهَا فِي حجَّة الْوَدَاع والموضع مَوضِع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان فقر أَن بقوله دَلِيل على عدم الْجَوَاز وَوُجُوب تَأْخِيرهَا إِلَى غير وَقتهَا الْمَعْهُود وَالله أعلم فَإِن قلت الصَّلَاة أمامك قَضِيَّة حملية فَكيف يَصح هَذَا الْحمل لِأَن الصَّلَاة لَيست بِإِمَام قلت الْمُضَاف فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره وَقت الصَّلَاة أمامك إِذْ نَفسهَا لَا تُوجد قبل إيجادها وَعند إيجادها لَا تكون أَمَامه وَقيل مَعْنَاهُ الْمصلى أمامك أَي مَكَان الصَّلَاة فَيكون من قبيل ذكر الْحَال وَإِرَادَة الْمحل وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَكَانا أَو زَمَانا قَوْله ثمَّ أَنَاخَ كل إِنْسَان بعيره كَأَنَّهُمْ فعلوا ذَلِك خشيَة مَا يحصل مِنْهَا من التشويش بقيامها قَوْله ثمَّ أُقِيمَت الْعشَاء بِكَسْر الْعين وبالمد وَالْمرَاد بِهِ صَلَاة الْعشَاء وَهِي الَّتِي وَقتهَا من غرُوب الشَّفق إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق وَهُوَ فِي اللُّغَة من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة وَقيل من الزَّوَال إِلَى الطُّلُوع (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ دَلِيل لأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن فِيمَا ذَهَبا إِلَيْهِ من وجوب تَأْخِير صَلَاة الْمغرب إِلَى وَقت الْعشَاء حَتَّى لَو صلى الْمغرب فِي الطَّرِيق لم يجز وَعَلِيهِ إِعَادَتهَا مَا لم يطلع الْفجْر وَبِه قَالَ زفر وَجَمَاعَة من الْكُوفِيّين وَقَالَ مَالك لَا يجوز أَن يُصليهَا قبلهَا إِلَّا من بِهِ أَو بدابته عذر فَلهُ أَن يُصليهَا قبلهَا بِشَرْط كَونه بعد مغيب الشَّفق وَحكى ابْن التِّين عَن الْمُدَوَّنَة أَنه يُعِيد إِذا صلى الْمغرب قبل أَن يَأْتِي الْمزْدَلِفَة أَو جمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء بعد مغيب الشَّفق وَقبل أَن يَأْتِيهَا وَعَن أَشهب الْمَنْع إِلَّا أَن يكون صلى قبل مغيب الشَّفق فَيُعِيد الْعشَاء بعْدهَا أبدا وَبئسَ مَا صنع وَقيل يُعِيد الْأَخِيرَة فَقَط وَقَالَ فِي المعونة إِن صلى الْمغرب بِعَرَفَة فِي وَقتهَا فقد ترك الِاخْتِيَار وَالسّنة ويجزيه خلافًا لأبي حنيفَة وَقَالَ أَشهب وَإِذا أسْرع فوصل الْمزْدَلِفَة قبل مغيب الشَّفق جمع وَخَالفهُ ابْن الْقَاسِم فَقَالَ لَا يجمع حَتَّى يغيب وَقَالَت الشَّافِعِيَّة لَو جمع بَينهمَا فِي وَقت الْمغرب فِي أَرض عَرَفَات أَو فِي الطَّرِيق أَو فِي مَوضِع آخر وَصلى كل صَلَاة فِي وَقتهَا جَازَ جَمِيع ذَلِك وَإِن خَالف الْأَفْضَل وَبِه قَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَشْهَب وفقهاء أَصْحَاب الحَدِيث. الثَّانِي فِيهِ عدم وجوب الْمُوَالَاة فِي جمع التَّأْخِير فَإِنَّهُ وَقع الْفَصْل بَينهَا بإناخة كل إِنْسَان بعيره فِي منزله. الثَّالِث فِيهِ الْإِقَامَة لكل من صَلَاتي الْجمع وَهُوَ مَذْهَب عبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَالْأسود وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَهُوَ مَذْهَب عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك كل صَلَاة إِلَى الْأَئِمَّة فلهَا أَذَان وَإِقَامَة وَقَالَ

أَحْمد بن خَالِد أعجب من مَالك أَخذ فِي هَذَا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود وَلم يروه وَترك مَا روى وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة لَهما وَهُوَ المروى عَن جَابر وَعبد الله بن عمر وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قلت لم يذكر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الْأَذَان وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه يُؤذن للأولى وَبِه قَالَ أَحْمد وَأَبُو ثَوْر وَعبد الْملك بن الْمَاجشون الْمَالِكِي وَهُوَ مَذْهَب الطَّحَاوِيّ وَللشَّافِعِيّ وَأحمد قَول أَنه يُصَلِّي كل وَاحِدَة بِإِقَامَة بِلَا أَذَان وَهُوَ محكي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم وَعَن كل وَاحِد من مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه يُصَلِّي بأذانين. الرَّابِع فِيهِ تَنْبِيه الْمَفْضُول الْفَاضِل إِذا خَافَ عَلَيْهِ النسْيَان لما كَانَ فِيهِ من الشّغل لقَوْل أُسَامَة الصَّلَاة يَا رَسُول الله. الْخَامِس فِي قَوْله فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء إِن الْوضُوء عبَادَة وَإِن لم يصل بِهِ يَعْنِي بِالْأولِ نبه عَلَيْهِ الْخطابِيّ وَقد قَالَت جمَاعَة من تَوَضَّأ ثمَّ أَرَادَ أَن يجدد وضوءه قبل أَن يُصَلِّي لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يُوقع بِهِ عبَادَة وَيكون كمن زَاد على ثَلَاث فِي وضوء وَاحِد وَهَذَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة قَالُوا وَلَا يسن تجديده إِلَّا إِذا صلى بِالْأولَى صَلَاة فرضا كَانَت أَو نفلا قلت اسْتِدْلَال الْخطابِيّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على مَا ادَّعَاهُ غير تَامّ لَا يخفى ذَلِك. السَّادِس فِيهِ أَنهم صلوا قبل حط رحالهم وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيح وَعَن مَالك يبْدَأ بِالصَّلَاةِ قبل حط الرَّوَاحِل وَقَالَ أَشهب لَهُ أَن يحط رَحْله قبل أَن يُصَلِّي وَبعد الْمغرب أحب إِلَى مَا لم تكن دَابَّته معقلة وَلَا يتعشى قبل الْمغرب وَأَن خفف عشاءه وَلَا يتعشى بعْدهَا وَإِن كَانَ عشاؤه خَفِيفا وَإِن طَال فَبعد الْعشَاء أحب إِلَيّ. السَّابِع فِيهِ ترك النَّافِلَة فِي السّفر كَذَا استنبطه الْمُهلب من قَوْله وَلم يصل بَينهمَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَو كنت مسبحا لأتممت وَقَالَ غَيره لَا دلَالَة فِيهِ لِأَن الْوَقْت بَين الصَّلَاتَيْنِ لَا يَتَّسِع لذَلِك أَلا ترى أَن بَعْضهَا قَالَ لَا يحطون رواحلهم تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى يجمعوا وَمِنْهُم من قَالَ يحط بعد الاولى مَعَ مَا فِي ترك الرَّوَاحِل مَا وقى مَا نهى عَنهُ وَلم يُتَابع ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا على قَوْله وَالْفُقَهَاء متفقون على اخْتِيَار التَّنَفُّل فِي السّفر وَقَالَ ابْن بطال وَقد تنفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاجِلا وراكبا. الثَّامِن اسْتدلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ على جَوَاز التَّنَفُّل بَين صَلَاتي الْجمع قَالَ وَهُوَ قَول ابْن وهب قَالَ وَخَالفهُ بَقِيَّة أَصْحَابنَا فمنعوه قلت الحَدِيث نَص على أَنه لم يصل بَينهمَا وَلَعَلَّه أَخذه من إناخة الْبَعِير بَينهمَا وَمذهب الشَّافِعِيَّة أَنه جَائِز فِي جمع التَّأْخِير مُمْتَنع فِي جمع التَّقْدِيم وَمذهب الْحَنَفِيَّة الْمَنْع من التَّطَوُّع بَينهمَا لِأَنَّهُ يخل بِالْجمعِ وَلَو تطوع أَو تشاغل بِشَيْء أعَاد الْإِقَامَة لوُقُوع الْفَصْل نَص عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَة. التَّاسِع فِيهِ الدّفع من عَرَفَة إِلَى مُزْدَلِفَة رَاكِبًا. الْعَاشِر قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ الِاسْتِنْجَاء من الْبَوْل لغير صَلَاة تنظفا وقطعا لمادته قلت كَأَنَّهُ حمل الْوضُوء الأول فِيهِ على الِاسْتِنْجَاء وَقد رددنا عَلَيْهِ ذَلِك. الْحَادِي عشر فِيهِ اشْتِرَاك وَقت الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْجمع خَاصَّة وَكَذَا وَقت الظّهْر وَالْعصر فِي عَرَفَة خَاصَّة وَلَيْسَ ذَلِك فِي غَيرهمَا فَإِن قلت مَا السَّبَب فِي جمع التَّأْخِير بِمُزْدَلِفَة قلت السّفر عِنْد الشَّافِعِيَّة وَلِهَذَا لَا يجمع المزدلفي والنسك عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلهَذَا يجمع المزدلفي وَالله أعلم. الثَّانِي عشر اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن الْفَوَائِت لَا يُؤذن لَهَا لَكِن يُقَام قلت هَذَا الِاسْتِدْلَال غير تَامّ لِأَن تَأْخِير الْمغرب إِلَى الْعشَاء لَيْسَ بِقَضَاء وَإِنَّمَا هُوَ أَدَاء لِأَن وقته قد تحول إِلَى وَقت الْعشَاء لأجل الْعذر المرخص فَكيف يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ فِيمَا ذكره وَالله أعلم. الثَّالِث عشر قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن يسير الْعَمَل إِذا تخَلّل بَين الصَّلَاتَيْنِ غير قَاطع نظام الْجمع بَينهمَا لقَوْله ثمَّ أَنَاخَ وَلكنه لَا يتَكَلَّم قلت لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على عدم جَوَاز التَّكَلُّم بَينهمَا وَلَا مَا يدل على عدم قطع الْيَسِير وعَلى قطع الْكثير بل يدل على عدم الْقطع مُطلقًا يَسِيرا أَو كثيرا.

(بَاب غسل الْوَجْه باليدين من غرفَة وَاحِدَة)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْوَجْه إِلَى آخِره والغرفة بِالْفَتْح بِمَعْنى الْمصدر وبالضم بِمَعْنى المغروف وَهِي ملْء الْكَفّ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو (إِلَّا من اغترف غرفَة) بِفَتْحِهَا وَفِي الْعباب غرفت المَاء بيَدي غرفا فالغرفة الْمرة الْوَاحِدَة والغرفة بِالضَّمِّ اسْم للْمَفْعُول مِنْهُ لِأَنَّك مَا لم تغرفه لَا تسميه غرفَة وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو جَعْفَر وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو إِلَّا من اغترف غرفَة بِالْفَتْح وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وَجمع المضمومة غراف كنطفة ونطاف والغرفة بِالضَّمِّ أَيْضا الْعلية وَالْجمع غرفات وغرف والغرفة أَيْضا الْخصْلَة من الشّعْر وَالْحَبل الْمَعْقُود بالشوطة أَيْضا انْتهى ويحكي أَن أَبَا عَمْرو وتطلب شَاهدا على قِرَاءَته من أشعار

الْعَرَب فَلَمَّا طلبه الْحجَّاج هرب مِنْهُ إِلَى الْيمن فَخرج ذَات يَوْم فَإِذا هُوَ بِرَاكِب ينشد قَول أُميَّة بن الصَّلْت

(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحل العقال)

قَالَ فَقلت لَهُ مَا الْخَبَر قَالَ مَاتَ الْحجَّاج قَالَ أَبُو عَمْرو فَلَا أَدْرِي بِأَيّ الْأَمريْنِ كَانَ فرحي أَكثر بِمَوْت الْحجَّاج أَو بقوله فُرْجَة لِأَنَّهُ شَاهد لقرَاءَته أَي كَمَا أَن مَفْتُوح الفرجة هُنَا بِمَعْنى المنفرج كَذَا مَفْتُوح الغرفة بِمَعْنى المغروف فقراءة الضَّم وَالْفَتْح يتطابقان فَإِن قلت مَا المُرَاد من هَذِه التَّرْجَمَة قلت التَّنْبِيه على عدم اشْتِرَاط الاغتراف باليدين جَمِيعًا فَإِن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما تَوَضَّأ كوضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ غرفَة من المَاء بِيَدِهِ الْوَاحِدَة ثمَّ ضم إِلَيْهَا يَده الْأُخْرَى ثمَّ غسل بِتِلْكَ الغرفة وَجهه على مَا يَأْتِي الْآن إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَبَين أَكثر أَبْوَاب كتاب الْوضُوء غير ظَاهِرَة وَلذَلِك قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت مَا وَجه التَّرْتِيب لهَذِهِ الْأَبْوَاب وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَهُنَا ثمَّ قَالَ فِي بَاب التَّسْمِيَة إِذْ التَّسْمِيَة إِنَّمَا هِيَ قبل غسل الْوَجْه لَا بعده ثمَّ إِن توَسط أَمر الْخَلَاء بَين أَبْوَاب الْوضُوء لَا يُنَاسب مَا عَلَيْهِ الْوُجُوه ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله قلت البُخَارِيّ لَا يُرَاعِي حسن التَّرْتِيب وَجُمْلَة قَصده إِنَّمَا هُوَ فِي نقل الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِتَصْحِيحِهِ لَا غير وَنعم الْمَقْصد انْتهى قلت لَا نسلم أَن جملَة قَصده نقل الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِتَصْحِيحِهِ فَقَط بل مُعظم قَصده ذَلِك مَعَ سرده فِي أَبْوَاب مَخْصُوصَة وَلِهَذَا بوب الْأَبْوَاب على تراجم مُعينَة حَتَّى وَقع مِنْهُ تكْرَار كثير لأجل ذَلِك فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يَنْبَغِي أَن تتطلب وُجُوه المناسبات بَين الْأَبْوَاب وَإِن كَانَت غير ظَاهِرَة بِحَسب الظَّاهِر فَنَقُول وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين من حَيْثُ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول بعض وصف وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي هَذَا الْبَاب الْمَذْكُور أَيْضا وصف وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما تَوَضَّأ على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَالَ هَكَذَا رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ فَهَذَا الْمِقْدَار من الْوَجْه كَاف على أَن الْمُنَاسبَة الْعَامَّة مَوْجُودَة بَين الْأَبْوَاب كلهَا لكَونهَا من وَاد وَاحِد ثمَّ تَوْجِيه المناسبات الْخَاصَّة إِنَّمَا يكون بِقدر الْإِدْرَاك.

٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم قَالَ أخبرنَا أَبُو سَلمَة الْخُزَاعِيّ مَنْصُور بن سَلمَة قَالَ أخبرنَا ابْن بِلَال يَعْنِي سُلَيْمَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَوَضَّأ فَغسل وَجهه أَخذ غرفَة من مَاء فَمَضْمض بهَا واستنشق ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَجعل بهَا هَكَذَا أضافها إِلَى يَده الْأُخْرَى فَغسل بهَا وَجهه ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَغسل بهَا يَده الْيُمْنَى ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَغسل بهَا يَده الْيُسْرَى ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فرش على رجله الْيُمْنَى حَتَّى غسلهَا ثمَّ أَخذ غرفَة أُخْرَى فَغسل بهَا رجله يَعْنِي الْيُسْرَى ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة فَجعل بهَا هَكَذَا أضافها إِلَى يَده الْأُخْرَى فَغسل بهَا وَجهه. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن أبي زُهَيْر أَبُو يحيى الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بصاعقة لقب بذلك لسرعة حفظه وَشدَّة ضَبطه روى عَن يزِيد بن هَارُون وروح وطبقتهما وَعنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وابو حَامِد والمحاملي وَآخَرُونَ وَكَانَ بزازا مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي أَبُو سَلمَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة مَنْصُور بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ روى عَن مَالك وَغَيره وَعنهُ الصغاني وَغَيره خرج إِلَى الثغر فَمَاتَ بِالْمصِّيصَةِ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سِتَّة عشر وَقيل سنة سبع أَو تسع وَمِائَتَيْنِ الثَّالِث سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي وَقد مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان الرَّابِع زيد بن أسلم وَقد مر الْخَامِس عَطاء بن يسَار وَقد مر السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ يزِيد عَن عَطاء وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي ومدني. وَمِنْهَا ان فِيهِ تَفْسِير الْبَعْض الروَاة الْمُجْمل وَهُوَ قَوْله يَعْنِي سُلَيْمَان وَهُوَ يحْتَمل أَن

يكون كَلَام البُخَارِيّ وَيحْتَمل أَن يكون كَلَام شَيْخه مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا شَاهده ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي مَعْدُودَة قَالَ الدَّاودِيّ الَّذِي صَحَّ مِمَّا سمع من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اثْنَا عشر حَدِيثا وَحكى غَيره عَن غنْدر عشرَة أَحَادِيث وَعَن يحيى الْقطَّان وَأبي دَاوُد تِسْعَة وَوَقع فِي الْمُسْتَصْفى للغزالي أَن ابْن عَبَّاس مَعَ كَثْرَة رِوَايَته قيل أَنه لم يسمع من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث لصِغَر سنه وَصرح بذلك فِي حَدِيث إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة وَقَالَ حَدثنِي بِهِ أُسَامَة بن زيد وَلما روى حَدِيث قطع التَّلْبِيَة حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة قَالَ حَدثنِي بِهِ أخي الْفضل. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن بشر عَن هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار قَالَ قَالَ لنا ابْن عَبَّاس أتحبون أَن أريكم كَيفَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ فدعى بِإِنَاء فِيهِ مَاء فاغترف غرفَة وَذكر الحَدِيث نَحوه بِطُولِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطلقاني وقتيبة بن سعيد كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن الدَّرَاورْدِي وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن أبي عجلَان كِلَاهُمَا عَن زيد بن أسلم نَحوه وَحَدِيث ابْن عجلَان أتم وَعَن هناد بن السّري عَن ابْن إِدْرِيس بِبَعْضِه فَمسح بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما وَأخرجه ابْن ماجة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن إِدْرِيس بِمثل حَدِيث هناد وَعَن عبد الله بن الْجراح وَأبي بكر بن خَلاد كِلَاهُمَا عَن الدَّرَاورْدِي بِبَعْضِه مضمض واستنشق من غرفَة وَاحِدَة وَهَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم وَلم يخرج مُسلم عَن ابْن عَبَّاس فِي صفة الْوضُوء شَيْئا. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله فَتَمَضْمَض من الْمَضْمَضَة وَهِي تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم وَقَالَ ابْن سَيّده مضمض وتمضمض وكماله أَن يَجْعَل المَاء فِي فِيهِ ثمَّ يديره ويمجه وَأقله أَن يَجْعَل المَاء فِي فِيهِ وَلَا يشْتَرط إدارته على مَشْهُور مَذْهَب الشَّافِعِي وَقَالَ جمَاعَة من أَصْحَابه يشْتَرط وأصل الْمَضْمَضَة التحريك وَمِنْه مضمض النعاس فِي عَيْنَيْهِ إِذا تحرّك وَاسْتعْمل فِي الْمَضْمَضَة لتحريك المَاء فِي الْفَم قَوْله واستنشق من الِاسْتِنْشَاق وَهُوَ إِدْخَال المَاء فِي الْأنف وَقَالَ ابْن طريف نثر المَاء من أَنفه دفْعَة وَقَالَ ابْن سَيّده استنشق المَاء فِي أَنفه صبه فِي أَنفه وَقَالَ فِي الغريين يستنشق أَي يبلغ المَاء خياشيمه وَذكر ابْن الْأَعرَابِي وَابْن قُتَيْبَة الِاسْتِنْشَاق والاستنثار وَاحِد وَقَالَ ابْن سَيّده يُقَال استنثر إِذا استنشق المَاء فِي أَنفه وصبه مِنْهُ وَفِي جَامع الْقَزاز نثرت الشَّيْء أنثره وأنثره نثرا إِذا بددته فَأَنت ناثر وَالشَّيْء منثور والمتوضىء يستنشق إِذا جذب المَاء برِيح أَنفه ثمَّ يستنثره وَفِي الْعباب استنشقت المَاء وَغَيره إِذا أدخلته فِي الْأنف واستنشقت الرّيح إِذا شممتها والتركيب يدل على نشوب شَيْء فِي شَيْء والمنشق الْأنف ونشقت مِنْهُ ريحًا طيبَة بِالْكَسْرِ أَي شممت وَهَذِه ريح مَكْرُوهَة النشق أَي الشم وَقَالَ رؤبة الراجز يصف حمارا وحشيا

(كَأَنَّهُ مستنشق من الشرق ... حرا من الْخَرْدَل مَكْرُوه النشق)

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله فَغسل وَجهه عطف على قَوْله تَوَضَّأ وَهُوَ من قبيل عطف مفصل على مُجمل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ} وَقَوله {فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا أرنا الله جهرة} وَقد علم أَن الْفَاء العاطفة تفِيد ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا التَّرْتِيب وَهُوَ نَوْعَانِ معنوي كَمَا فِي قَامَ زيد فعمر وذكرى وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل الثَّانِي التعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ الثَّالِث السَّبَبِيَّة قَوْله أَخذ غرفَة بِدُونِ حرف الْعَطف وَإِنَّمَا ترك لِأَنَّهُ بَيَان لقَوْله غسل على وَجه الِاسْتِئْنَاف فَإِن قلت كَيفَ يكون بَيَانا والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق ليستا من غسل الْوَجْه قلت أعطي لَهما حكم الْوَجْه قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة إِنَّمَا عطف بثم لوُجُود المهلة بَين الغرفتين وَقد علم أَن ثمَّ حرف عطف يَقْتَضِي ثَلَاثَة أُمُور التَّشْرِيك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب والمهلة قَوْله أضافها بِدُونِ حرف الْعَطف لِأَنَّهُ بَيَان لقَوْله جعل بهَا هَكَذَا قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة عطف على ثمَّ أَخذ غرفَة الْمَذْكُور أَولا قَوْله من مَاء كلمة من للْبَيَان مَعَ إِفَادَة التَّبْعِيض قَوْله حَتَّى غسلهَا أَي إِلَى أَن غسلهَا وَكلمَة حَتَّى للغاية قَوْله يتَوَضَّأ جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَوَضَّأ زَاد أَبُو دَاوُد فِي أَوله أتحبون أَن أريكم كَيفَ كَانَ رَسُول الله عَلَيْهِ

الصَّلَاة وَالسَّلَام يتَوَضَّأ فدعى بِإِنَاء فِيهِ مَاء كَمَا قد ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله أضافها مَعْنَاهُ جعل المَاء الَّذِي فِي يَده فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ أمكن فِي الْغسْل قَوْله فَغسل بهَا أَي بالغرفة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة فَغسل بهما أَي باليدين قَوْله ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ قَالَ الْكرْمَانِي وَهَهُنَا تَقْدِير إِذْ لَا يجوز الْمسْح بِمَاء غسل بِهِ يَده وَذَلِكَ نَحْو أَن يقدر ثمَّ بل يَده فَمسح بِرَأْسِهِ قلت فِي رِوَايَة أبي دَاوُد ثمَّ قبض قَبْضَة من المَاء ثمَّ نفض يَده ثمَّ مسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ وَلَو وقف الْكرْمَانِي على هَذِه الرِّوَايَة لقَالَ الحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا وَالتَّقْدِير هَهُنَا هَكَذَا وَذكر رِوَايَة أبي دَاوُد وَزَاد النَّسَائِيّ من طَرِيق الدَّرَاورْدِي عَن زيد وَأُذُنَيْهِ مرّة وَاحِدَة وَمن طَرِيق ابْن عجلَان باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه وَزَاد ابْن خُزَيْمَة من هَذَا الْوَجْه وَأدْخل أصبعيه فيهمَا قَوْله فرش على رجله الْيُمْنَى أَي صبه قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى صَار غسلا وَقَوله حَتَّى غسلهَا صَرِيح فِي أَنه لم يكتف بالرش وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْمَشْهُور أَن الرش وَالْغسْل يتمايزان بسيلان المَاء وَعَدَمه فَكيف قَالَ أَولا رش ثمَّ قَالَ ثَانِيًا حَتَّى غسلهَا وَأَيْضًا لَا يُمكن غسل الرجل بغرفة وَاحِدَة قلت الْفرق مَمْنُوع وَكَذَا عدم إِمْكَان غسلهَا بغرفة وَلَعَلَّ الْغَرَض من ذكره على هَذَا الْوَجْه بَيَان تقليل المَاء فِي الْعُضْو الَّذِي هُوَ مَظَنَّة للإسراف فِيهِ انْتهى قلت قَوْله الْفرق مَمْنُوع مَمْنُوع من حَيْثُ اللُّغَة وَلَكِن الْجَواب هُوَ أَن يُقَال أَن الرش قد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَدِيث أَسمَاء رَضِي الله عَنْهَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ حتيه ثمَّ اقرضيه ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ زَاد اغسليه قَالَه الْبَغَوِيّ وَيُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ قَوْله حَتَّى غسلهَا فَإِنَّهُ قرينَة على أَن المُرَاد من الرش هُوَ الْغسْل وَفَائِدَته التَّنْبِيه على الِاحْتِرَاز عَن الْإِسْرَاف لِأَن الرجل مَظَنَّة الْإِسْرَاف فِي الْغسْل فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم فرش على رجله الْيُمْنَى وفيهَا النَّعْل ثمَّ مسحها بيدَيْهِ يَد فَوق الْقدَم وَيَد تَحت النَّعْل قلت المُرَاد من الْمسْح هَهُنَا الْغسْل وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وابو زيد الْأنْصَارِيّ الْمسْح فِي كَلَام الْعَرَب يكون غسلا وَيكون مسحا وَمِنْه يُقَال للرجل إِذا تَوَضَّأ فَغسل أعضاءه قد تمسح وَأما قَوْله تَحت النَّعْل فَمَحْمُول على التَّجَوُّز عَن الْقدَم على أَنا نقُول هَذِه رِوَايَة شَاذَّة رَوَاهَا هِشَام بن سعد وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بهم عِنْد الِانْفِرَاد فَكيف إِذا خَالفه غَيره قَوْله فَغسل بهَا رجله يَعْنِي الْيُسْرَى هُوَ بغين مُعْجمَة وسين مُهْملَة من الْغسْل كَذَا وَقع فِي الْأُصُول وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَلَعَلَّه على الرجلَيْن بِمَنْزِلَة الْعُضْو الْوَاحِد فَكَأَنَّهُ كرر غسله لِأَن الْعلَّة هُوَ الشّرْب الثَّانِي ثمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن أرَاهُ فَغسل فَسَقَطت السِّين انْتهى هَذَا كُله غَرِيب وتكلف وَالصَّوَاب مَا وَقع فِي الْأُصُول فَغسل بهَا وَقَوله يَعْنِي رجله الْيُسْرَى قَائِل لَفْظَة يَعْنِي زيد بن أسلم أَو من هُوَ دونه من الروَاة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَلَفظ يَعْنِي لَيْسَ من كَلَام عَطاء بل من راو آخر بعده قلت لم لَا يجوز أَن يكون من كَلَام عَطاء وَلم أدر وَجه النَّفْي عَنهُ مَا هُوَ ثمَّ إِن هَذِه اللَّفْظَة قد وَقعت فِي بعض النّسخ بعد لَفْظَة رجله قبل لفظ الْيُسْرَى وَفِي بَعْضهَا قبل رجله. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول أَن الْوضُوء مرّة مرّة هُوَ مجمع عَلَيْهِ الثَّانِي فِيهِ الْجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بغرفة وَهُوَ حجَّة للشَّافِعِيَّة فِي أحد الْوُجُوه فيهمَا وَقَالُوا فِي كيفيتها خَمْسَة أوجه الأول أَن يجمع بَينهمَا بغرفة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا. وَالثَّانِي أَن يجمع أَيْضا بغرفة لَكِن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق وَلَفظ الرَّاوِي هَهُنَا يحْتَمل هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. وَالثَّالِث أَنه يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات يتمضمض من كل وَاحِدَة ثمَّ يستنشق مِنْهَا. وَالرَّابِع أَن يفصل بَينهمَا بغرفتين فيتمضمض من إِحْدَاهمَا بِثَلَاث ثمَّ يستنشق من الْأُخْرَى ثَلَاثًا. وَالْخَامِس أَن يفصل بست غرفات يتمضمض بِثَلَاث ثمَّ يستنشق بِثَلَاث. قَالَ الْكرْمَانِي وَالأَصَح أَن الْأَفْضَل هُوَ الرَّابِع وَقَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الثَّالِث وَاتَّفَقُوا على أَن الْمَضْمَضَة على كل قَول مُقَدّمَة على الِاسْتِنْشَاق وَهل هُوَ تَقْدِيم اسْتِحْبَاب أَو اشْتِرَاط فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا اشْتِرَاط لاخْتِلَاف العضوين وَالثَّانِي اسْتِحْبَاب كتقديم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَفِي الرَّوْضَة فِي كيفيته وَجْهَان أصَحهمَا يتمضمض من غرفَة ثَلَاثًا ويستنشق من أُخْرَى ثَلَاثًا وَالثَّانِي بست غرفات وَفِي الْجَوَاهِر للمالكية حكى ابْن سَابق فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ أَحدهمَا يغْرف غرفَة وَاحِدَة لفيه وَأَنْفه وَالثَّانِي يتمضمض ثَلَاثًا فِي غرفَة ويستنشق ثَلَاثًا فِي غرفَة فَقَالَ وَهَذَا اخْتِيَار مَالك وَالْأول اخْتِيَار الشَّافِعِي وَفِي الْمُغنِي للحنابلة وَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يتمضمض

ويستنشق ثَلَاثًا من غرفَة أَو بِثَلَاث غرفات فَإِن عبد الله بن زيد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مضمض واستنشق ثَلَاثًا ثَلَاثًا من غرفَة وَاحِدَة وروى الْأَثْرَم وَابْن ماجة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا من كف وَاحِد وَإِن أفرد لكل عُضْو ثَلَاث غرفات جَازَ لِأَن الْكَيْفِيَّة فِي الْغسْل غير وَاجِبَة وَفِي التَّلْوِيح شرح البُخَارِيّ وَالْأَفْضَل أَن يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات كَمَا فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا وَوجه ثَان يجمع بَينهمَا بغرفة وَاحِدَة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَرَوَاهُ أَيْضا وَائِل بن حجر بِسَنَد ضَعِيف عِنْد الْبَزَّار وثالث يجمع بَينهمَا بغرفة وَهُوَ أَن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ الثَّانِيَة كَذَلِك ثمَّ الثَّالِثَة رَوَاهُ عبد الله بن زيد عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم عِنْد التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب ورابع يفصل بَينهمَا بغرفتين يتمضمض من إِحْدَاهمَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق من الْأُخْرَى ثَلَاثًا وخامس يفصل بست غرفات يتمضمض بِثَلَاث ويستنشق بِثَلَاث انْتهى قلت احْتج أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا هناد وقتيبة قَالَا حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي حَيَّة قَالَ رَأَيْت عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تَوَضَّأ فَغسل كفيه حَتَّى أنقاهما ثمَّ تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وذراعيه ثَلَاثًا وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة ثمَّ غسل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ قَامَ فَأخذ فضل طهوره فشربه وَهُوَ قَائِم ثمَّ قَالَ أَحْبَبْت أَن أريكم كَيفَ كَانَ طهُور رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح فَإِن قلت لم يحك فِيهِ أَن كل وَاحِدَة من المضامض والاستنشاقات بِمَاء وَاحِد بل حُكيَ أَنه تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا قلت مَدْلُوله ظَاهرا مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن يتمضمض ثَلَاثًا يَأْخُذ لكل مرّة مَاء جَدِيدا ثمَّ يستنشق كَذَلِك وَهُوَ رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي فَإِنَّهُ روى عَنهُ أَن يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة وَثَلَاث غرفات للاستنشاق وَفِي رِوَايَة غَيره عَنهُ فِي الْأُم يغْرف غرفَة يتمضمض بهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف غرفَة يتمضمض بهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف ثَالِثَة يتمضمض بهَا ويستنشق فَيجمع فِي كل غرفَة بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَاخْتلف نَصه فِي الكيفيتين فنص فِي الْأُم وَهُوَ نَص مُخْتَصر الْمُزنِيّ أَن الْجمع أفضل وَنَصّ الْبُوَيْطِيّ أَن الْفَصْل أفضل وَنَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ صَاحب الْمُهَذّب القَوْل بِالْجمعِ أَكثر فِي كَلَام الشَّافِعِي وَهُوَ أَيْضا أَكثر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَالْجَوَاب عَن كل مَا روى من ذَلِك أَنه مَحْمُول على الْجَوَاز وَقَالَ المرغيناني لَو أَخذ المَاء بكفه وتمضمض بِبَعْضِه واستنشق بِالْبَاقِي جَازَ وعَلى عَكسه لَا يجوز لصيرورة المَاء مُسْتَعْملا وَالْجَوَاب عَمَّا ورد فِي الحَدِيث فَتَمَضْمَض واستنشق من كف وَاحِد أَنه مُحْتَمل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه تمضمض واستنشق بكف وَاحِد بِمَاء وَاحِد وَيحْتَمل أَنه فعل ذَلِك بكف وَاحِد بمياه لَا يقوم بِهِ حجَّة أَو يرد هَذَا الْمُحْتَمل إِلَى الْمُحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ تَوْفِيقًا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَقد يُقَال أَن المُرَاد اسْتِعْمَال الْكَفّ الْوَاحِد بِدُونِ الِاسْتِعَانَة بالكفين كَمَا فِي الْوَجْه وَقد يُقَال أَنه فعلهمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى ردا على قَول من يَقُول يسْتَعْمل فِي الِاسْتِنْشَاق الْيَد الْيُسْرَى لِأَن الْأنف مَوضِع الْأَذَى كموضع الِاسْتِنْجَاء كَذَا فِي الْمَبْسُوط وَفِيه نظر لَا يخفى. وَأما وَجه الْفَصْل بَينهمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا فَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن جده كَعْب بن عَمْرو اليمامي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا فَأخذ لكل وَاحِدَة مَاء جَدِيدا وَكَذَا روى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَسكت عَنهُ وَهُوَ دَلِيل رِضَاهُ بِالصِّحَّةِ. ثمَّ اعْلَم أَن السّنة أَن تكون الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق باليمنى وَقَالَ بَعضهم الْمَضْمَضَة بِالْيَمِينِ وَالِاسْتِنْشَاق باليسار لِأَن الْفَم مطهرة وَالْأنف مقذرة واليمنى للاطهار واليسار للاقذار وَلنَا مَا روى عَن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه استنثر بِيَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة جهلت السّنة فَقَالَ كَيفَ أَجْهَل السّنة وَالسّنة من بُيُوتنَا خرجت أما علمت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْيَمين للْوَجْه واليسار للمقعد كَذَا ذكره صَاحب الْبَدَائِع وَالتَّرْتِيب بَينهمَا سنة ذكره فِي الْخُلَاصَة لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي صفة وضوئِهِ إِلَّا هَكَذَا. الحكم الثَّالِث قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن المَاء الْمُسْتَعْمل طَاهِر مطهر وَهُوَ قَول مَالك وَالْحجّة لَهُ أَن الْأَعْضَاء كلهَا إِذا غسلت مرّة فَإِن المَاء إِذا لَاقَى أول جُزْء من أَجزَاء الْعُضْو فقد صَار مُسْتَعْملا مَعَ أَنه يُجزئهُ فِي سَائِر أَجزَاء ذَلِك الْعُضْو فَلَو كَانَ الْوضُوء بِالْمُسْتَعْملِ لَا يجوز لم يجز الْوضُوء مرّة مرّة وَلما أَجمعُوا أَنه جَازَ اسْتِعْمَاله فِي الْعُضْو الْوَاحِد كَانَ فِي سَائِر الْأَعْضَاء كَذَلِك قلت هَذَا الِاسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن المَاء مَا دَامَ بالعضو فَهُوَ فِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. [١٠٢ الصافات]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّخْفِيفِ فِي الْوُضُوءِ) أَيْ: جَوَازِ التَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ: (سُفْيَانَ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَمْرُو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ الْمَكِّيُّ لَا الْبَصْرِيُّ، وَكُرَيْبٌ بِالتَّصْغِيرِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالْإِسْنَادُ مَكِّيُّونَ، سِوَى عَلِيٍّ وَقَدْ أَقَامَ بِهَا مُدَّةً. وَفِيهِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ: عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ.

قَوْلُهُ. (وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ) أَيْ: كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ تَارَةً نَامَ وَتَارَةً اضْطَجَعَ، وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ بَلْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ ; لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِقَامَةَ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ، بَلْ كَانَ إِذَا رَوَى الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا قَالَ اضْطَجَعَ فَنَامَ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِذَا اخْتَصَرَهُ قَالَ نَامَ أَيْ: مُضْطَجِعًا أَوِ اضْطَجَعَ أَيْ نَائِمًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَدَّثَنَا) يَعْنِي أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِهِ مُخْتَصَرًا ثُمَّ صَارَ يُحَدِّثُهُمْ بِهِ مُطَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (لَيْلَةً فَقَامَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِابْنِ السَّكَنِ فَنَامَ بِالنُّونِ بَدَلَ الْقَافِ وَصَوَّبَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ، انْتَهَى. وَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِخَطَئِهَا لِأَنَّ تَوْجِيهَهَا ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ فَلَمَّا تَفْصِيلِيَّةٌ، فَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَإِنْ كَانَ مَضْمُونُهَا مَضْمُونَ الْأُولَى لَكِنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ (فِي بَعْضِ اللَّيْلِ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ بَدَلَ فِي، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَاهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً وَكَانَ تَامَّةٌ، أَيْ: فَلَمَّا حَصَلَ بَعْضُ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (شَنٍّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أِيِ الْقِرْبَةِ الْعَتِيقَةِ.

قَوْلُهُ: (مُعَلَّقٍ) ذُكِّرَ عَلَى إِرَادَةِ الْجِلْدِ أَوِ الْوِعَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ بِلَفْظِ مُعَلَّقَةٍ.

قَوْلُهُ: (يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ) أَيْ: يَصِفُهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّقْلِيلِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُخَفِّفُهُ أَيْ: لَا يُكْثِرُ الدَّلْكَ، وَيُقَلِّلُهُ أَيْ: لَا يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ مَرَّةٍ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَابِ الدَّلْكِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُمْكِنُ اخْتِصَارُهُ لَاخْتَصَرَهُ ; لَكِنَّهُ لَمْ يَخْتَصِرْهُ، انْتَهَى. وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَقْتَضِي الدَّلْكَ، بَلِ الِاقْتِصَارِ عَلَى سَيَلَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ أَخَفُّ مِنْ قَلِيلِ الدَّلْكِ.

قَوْلُهُ: (نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَمْ يَقُلْ مِثْلًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ مُمَاثَلَتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، انْتَهَى. وَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْمِثْلِيَّةِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَآذَنُهُ) بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمُهُ، وَلِلْمُسْتَمْلِي فَنَادَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ حَدَثًا بَلْ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ فَلَوْ أَحْدَثَ لَعَلِمَ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا كَانَ رُبَّمَا تَوَضَّأَ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَرُبَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأْ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا مُنِعَ قَلْبُهُ النَّوْمَ لِيَعِيَ الْوَحْيَ الَّذِي يَأْتِيهِ فِي مَنَامِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْنَا) الْقَائِلُ سُفْيَانُ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلِأَبِيهِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ صُحْبَةٌ. وَقَوْلُهُ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسٍ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِمَا تَلَاهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرُّؤْيَا لَوْ لَمْ تَكُنْ وَحْيًا لَمَا جَازَ لِإِبْرَاهِيمَ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَقَالَ: قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَذَا الْبَابِ. وَهَذَا إِلْزَامٌ مِنْهُ لِلْبُخَارِيِّ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَصْلًا فَمَمْنُوعٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٦ - بَاب إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ الْإِنْقَاءُ

١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٩ - وبالسَّند إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن (١) أبي عيَّاشٍ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ، ذي «المغازي» التي هي أصحُّ المغازي (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة الكلبيُّ المدنيُّ، الحِبُّ ابن الحِبِّ، وأمُّه أمُّ أيمن، المُتوفَّى بوادي القرى سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» سبعة عشر حديثًا (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ) أي: رجع (رَسُولُ اللهِ مِنْ) وقوف (عَرَفَةَ) بعرفات، الأوَّل: غير مُنوَّنٍ، وهو اسمٌ للزَّمان، وهو التَّاسع من ذي الحِجِّة، والثَّاني: الموضع الذي يقف به الحاجُّ، وحينئذٍ فيكون المُضَاف فيه (٢) محذوفًا (حَتَّى إِذَا كَانَ) (بِالشِّعْبِ) بكسر الشِّين المُعجَمَة وسكون العَيْن المُهمَلَة، الطَّريق المعهودة للحاجِّ (نَزَلَ) (فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ) بماء زمزم كما في «زوائد المُسنَد» بإسنادٍ حسنٍ (وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ) أي: خفَّفه لإعجاله (٣) الدَّفع إلى المزدلفة، وفي «مسلمٍ»: «فتوضَّأ وضوءًا خفيفًا»، وقِيلَ: معناه: توضَّأ مرَّةً مرَّةً لكن بالإسباغ، أو خفَّف استعمال الماء بالنِّسبة إلى غالب عاداته، واستُبعِد القول بأنَّ المُرَاد به: الوضوء اللُّغويُّ، وأبعدُ منه القولُ بأنَّ المُرَاد به: الاستنجاء، وممَّا يقوِّي استبعاده: قوله في الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب الرَّجل يوضِّئ صاحبه»: «أنَّه عدل إلى الشِّعب فقضى حاجته، فجعلت أصبُّ الماء عليه ويتوضَّأ» [خ¦١٨١] إذ لا يجوز أن يصبَّ عليه أسامةُ إلَّا وضوء الصَّلاة؛ لأنَّه كان لا يقرب منه أحدٌ وهو على حاجته (فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ) بالنَّصب على الإغراء، أو بتقدير: «أتريد»؟ أو «أتصلِّي» (٤) الصَّلاة (يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ) وفي رواية أبوي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(بَاب إسباغ الْوضُوء)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان إسباغ الْوضُوء والإسباغ مصدر أَسْبغ وثلاثيه من سبغت النِّعْمَة تسبغ سبوغا أَي اتسعت وَقَالَ اللَّيْث كل شَيْء طَال إِلَى الأَرْض فَهُوَ سابغ وأسبغ الله عَلَيْهِ النِّعْمَة أَي أتمهَا قَالَ الله تَعَالَى {وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة} وإسباغ الْوضُوء إبلاغه موَاضعه وإيفاء كل عُضْو حَقه والتركيب يدل على تَمام الشَّيْء وكماله وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول تَخْفيف الْوضُوء وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب مَا يُقَابله صُورَة وَإِن كَانَ لَا بُد فِي التَّخْفِيف من الإسباغ أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ (وَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا إسباغ الْوضُوء الإنقاء) هَذَا تَعْلِيق أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه مَوْصُولا بِإِسْنَاد صَحِيح وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فسر الإسباغ بالإنقاء فَإِن قلت قد مر أَن الإسباغ فِي اللُّغَة الْإِتْمَام والاتساع قلت هَذَا من بَاب تَفْسِير الشَّيْء بلازمه إِذْ الْإِتْمَام يسْتَلْزم الإنقاء عَادَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَاد صَحِيح أَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا كَانَ يغسل رجلَيْهِ فِي الْوضُوء سبع مَرَّات فَإِنَّهُ كَانَ يقْصد بذلك الإنقاء فَإِن قلت لم اقْتصر فِي ذَلِك على الرجلَيْن قلت لِأَنَّهُمَا مَحل الأوساخ غَالِبا لاعتيادهم الْمَشْي حُفَاة بِخِلَاف بَقِيَّة الْأَعْضَاء فَإِن قلت مَا وَجه ذَلِك وَقد مر أَن الزِّيَادَة على الثَّلَاث ظلم وتعد قلت قد ذكرنَا أَن وَجه ذَلِك فِيمَن لم ير الثَّلَاث سنة وَأما إِذا رَآهَا وَزَاد على أَنه من بَاب الْوضُوء على الْوضُوء يكون نورا على نور

٥ - (حَدثنَا عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن مُوسَى بن عقبَة عَن كريب مولى ابْن عَبَّاس عَن أُسَامَة بن زيد رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه سَمعه يَقُول دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ نزل فَبَال ثمَّ تَوَضَّأ وَلم يسبغ الْوضُوء فَقلت الصَّلَاة يَا رَسُول الله فَقَالَ الصَّلَاة أمامك فَركب فَلَمَّا جَاءَ الْمزْدَلِفَة نزل فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فصلى الْمغرب ثمَّ أَنَاخَ كل إِنْسَان بعيره فِي منزله ثمَّ أُقِيمَت الْعشَاء فصلى وَلم يصل بَينهمَا) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَتَوَضَّأ وأسبغ الْوضُوء فَإِن قلت الْمَذْكُور فِيهِ شَيْئَانِ الإسباغ وَتَركه فَمَا الْمُرَجح فِي تبويب التَّرْجَمَة على الإسباغ قلت لِأَنَّهُ بوب الْبَاب السَّابِق فِي تَخْفيف الْوضُوء فَتعين أَن يكون الْبَاب الَّذِي يتلوه فِي الإسباغ. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول عبد الله بن مسلمة بِفَتْح الميمين وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة القعْنبِي وَقد مر الثَّانِي الإِمَام مَالك رَحمَه الله الثَّالِث مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي مولى الزبير بن الْعَوام وَيُقَال مولى أم خَالِد زَوْجَة الزبير القريشي أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى روى عَن كريب وَأم خَالِد الصحابية وَغَيرهمَا وَعنهُ مَالك والسفيانان وَغَيرهم وَكَانَ من الْمُفْتِينَ الثِّقَات مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة ومغازيه أصح الْمَغَازِي كَمَا قَالَه مَالك وَغَيره وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه مُوسَى بن عقبَة غَيره الرَّابِع كريب وَقد تقدم عَن قريب الْخَامِس أُسَامَة بِضَم الْهمزَة بن زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل الْكَلْبِيّ الْمدنِي الْحبّ ابْن الْحبّ وَكَانَ نقش خَاتمه حب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ مولى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَابْن حاضنته ومولاته أم أَيمن اسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة وَقبض النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ ابْن عشْرين روى لَهُ مائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ حَدِيثا اتفقَا على خَمْسَة عشر حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين وَمُسلم بحديثين مَاتَ بوادي الْقرى سنة أَربع وَخمسين على الْأَصَح وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين وَذكر الله أَبَاهُ زيدا فِي الْقُرْآن باسمه وَأُسَامَة بن زيد سِتَّة أحدهم هَذَا وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه أُسَامَة بن زيد سواهُ وَإِن كَانَ فيهم من اسْمه أُسَامَة الثَّانِي تنوخي روى عَن زيد بن أسلم وَغَيره الثَّالِث ليثي روى عَن نَافِع وَغَيره الرَّابِع مدنِي مولى عمر بن الْخطاب ضَعِيف الْخَامِس كَلْبِي روى عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَغَيره السَّادِس شيرازي روى عَن أبي حَامِد الفضلي

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم مدنيون وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ مُوسَى عَن كريب وَمِنْهَا أَن رِجَاله كلهم من رجال الْكتب السِّتَّة إِلَّا عبد الله بن مسلمة فَإِن ابْن مَاجَه لم يخرج لَهُ (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِهِ وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن سعيد عَن مُوسَى بن عقبَة عَن كريب وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن يزِيد بن هرون عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رمح عَن لَيْث بن سعد عَن يحيى بن سعيد بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن إِسْحَق عَن يحيى بن آدم عَن زُهَيْر كِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة وَعَن إِسْحَق عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عقبَة كِلَاهُمَا عَن كريب بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن القعْنبِي بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِهِ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان عَن يزِيد بن هَارُون بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ وَعَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِهِ مُخْتَصرا (بَيَان اللُّغَات) قَوْله دفع من عَرَفَة أَي أَفَاضَ مِنْهَا يُقَال دفع السَّيْل من الْجَبَل إِذا انصب مِنْهُ وَدفعت إِلَيْهِ شَيْئا أدفعه دفعا وَدفعت الرجل قَالَ الله تَعَالَى {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس} وَدفعت عَنهُ الْأَذَى واندفعوا فِي الحَدِيث أَو الإنشاد أفاضوا فِيهِ والاندفاع مُطَاوع الدّفع وتدافع الْقَوْم فِي الْحَرْب أَي دفع بَعضهم بَعْضًا قَالَ الصغاني التَّرْكِيب يدل على تنحية الشَّيْء قَوْله من عَرَفَة على وزن فعلة اسْم للزمان وَهُوَ الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل عَرَفَة وعرفات كِلَاهُمَا اسمان للمكان الْمَخْصُوص وَقَالَ الصغاني وَيَوْم عَرَفَة التَّاسِع من ذِي الْحجَّة وَتقول هَذَا يَوْم عَرَفَة غير منون وَلَا تدْخلهَا الْألف وَاللَّام وعرفات الْموضع الَّذِي يقف الْحَاج بِهِ يَوْم عَرَفَة قَالَ الله تَعَالَى {فَإِذا أَفَضْتُم من عَرَفَات} وَهِي اسْم فِي لفظ الْجمع فَلَا تجمع قَالَ الْفراء لَا وَاحِد لَهَا وَقَول النَّاس نزلنَا عَرَفَة شَبيه بمولد وَلَيْسَ بعربي مَحْض سميت بِهِ لِأَن آدم عرف حَوَّاء بهَا فَإِن الله تَعَالَى أهبط آدم بِالْهِنْدِ وحواء بجدة فتعارفا فِي الْموقف أَو لِأَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عرف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمَنَاسِك هُنَاكَ أَو للجبال الَّتِي فِيهَا وَالْجِبَال الَّتِي هِيَ الْأَعْرَاف وكل بَاب فَهُوَ عرف وَمِنْه عرف الديك أَو لِأَن النَّاس يعترفون فِيهَا بِذُنُوبِهِمْ ويسألون غفرانها وَقيل لِأَنَّهَا مَكَان مقدس مُعظم كَأَنَّهُ قد عرف أَي طيب قَوْله بِالشعبِ بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَالْمرَاد بِهِ الشّعب الْمَعْهُود للحجاج قَوْله الْمزْدَلِفَة هِيَ مَوضِع مَخْصُوص بَين عَرَفَات وَمنى وَقيل سميت بهَا لِأَن الْحجَّاج يزدلفون فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى أَي يَتَقَرَّبُون بِالْوُقُوفِ فِيهَا إِلَيْهِ وَيُسمى أَيْضا جمعا لِأَن آدم اجْتمع فِيهَا مَعَ حَوَّاء عَلَيْهِمَا السَّلَام وازدلف إِلَيْهَا أَي دنا فَلذَلِك سميت مُزْدَلِفَة أَيْضا وَعَن قَتَادَة لِأَنَّهُ يجمع فِيهَا بَين الصَّلَاتَيْنِ قلت الْمزْدَلِفَة بِضَم الْمِيم من الازدلاف وَهُوَ التَّقَرُّب أَو الِاجْتِمَاع فَمن الأول قَوْله تَعَالَى {وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين} أَي قربت وَمن الثَّانِي قَوْله تَعَالَى {وأزلفنا ثمَّ الآخرين} أَي جمعناهم وَلذَلِك قيل لَهَا جمع (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله سَمعه جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر أَن قَوْله يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال قَوْله دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقول القَوْل قَوْله حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ كلمة حَتَّى هَذِه ابتدائية أَعنِي حرفا يبتدأ بعده الْجُمْلَة سَوَاء كَانَت اسمية أَو فعلية وَيجوز أَن تكون جَارة على مَا نقل عَن الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى {حَتَّى إِذا فشلتم} فعلى هَذَا قَوْله إِذا فِي مَحل الْجَرّ بهَا وعَلى الأول يكون موضعهَا النصب وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله نزل وَالْبَاء فِي بِالشعبِ ظرفية قَوْله فَبَال عطف على نزل قَوْله فَقلت الصَّلَاة بِالنّصب وَاخْتلفُوا فِي الناصب فَقَالَ القَاضِي على الاغراء وَقيل على تَقْدِير أَتُرِيدُ الصَّلَاة وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة تَأتي فَقلت أَتُصَلِّي يَا رَسُول الله يَعْنِي أَتُرِيدُ الصَّلَاة قلت الأولى أَن يقدر نصلي الصَّلَاة يَا رَسُول الله وَيجوز فِيهِ الرّفْع على تَقْدِير حانت الصَّلَاة أَو حضرت قَوْله الصَّلَاة أمامك بِرَفْع الصَّلَاة على الِابْتِدَاء وَخَبره أمامك قَوْله الْمزْدَلِفَة بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول جَاءَ وَفِي الأَصْل جَاءَ إِلَى الْمزْدَلِفَة وَقَوله نزل جَوَاب لما (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله دفع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة أَي رَجَعَ من وقُوف عَرَفَة بِعَرَفَات لأَنا قُلْنَا أَن عَرَفَة اسْم الْيَوْم التَّاسِع من ذِي الْحجَّة فَحِينَئِذٍ يكون الْمُضَاف فِيهِ محذوفا وعَلى قَول من يَقُول أَن عَرَفَة اسْم للمكان أَيْضا لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير وَقد مر أَنه لُغَة بلدية قَوْله وَلم يسبغ الْوضُوء أَي خففه وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم فَتَوَضَّأ وضوأ خَفِيفا

وَيُقَال مَعْنَاهُ لم يكمله يَعْنِي تَوَضَّأ مرّة مرّة لَكِن بالإسباغ وَقيل مَعْنَاهُ خفف اسْتِعْمَال المَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالب عاداته وَقيل المُرَاد بِهِ الْوضُوء اللّغَوِيّ أَي اقْتصر على بعض الْأَعْضَاء وَهُوَ بعيد وَأبْعد مِنْهُ مَا قيل أَن المُرَاد بِهِ الِاسْتِنْجَاء كَمَا قَالَ عِيسَى بن دِينَار وَجَمَاعَة وَمِمَّا يوهنه رِوَايَة البُخَارِيّ الْآتِيَة فِي بَاب الرجل يوضىء صَاحبه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عدل إِلَى الشّعب فَقضى حَاجته فَجعلت أصب المَاء عَلَيْهِ وَيتَوَضَّأ وَلَا يجوز أَن يصب أُسَامَة عَلَيْهِ إِلَّا وضوء الصَّلَاة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يقرب مِنْهُ أحد وَهُوَ على حَاجته وَأَيْضًا فقد قَالَ أُسَامَة عقيب ذَلِك الصَّلَاة يَا رَسُول الله ومحال أَن يَقُول لَهُ الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ وضوء الصَّلَاة وَأبْعد من قَالَ إِنَّمَا لم يسبغه لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ فَفعله ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي مسيره فَإِنَّهُ كَانَ فِي عَامَّة أَحْوَاله على طهر وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد إِنَّمَا لم يسبغه ليذكر الله لأَنهم يكثرون مِنْهُ عَشِيَّة الدّفع من عَرَفَة وَقَالَ غَيره إِنَّمَا فعله لإعجاله الدّفع إِلَى الْمزْدَلِفَة فَأَرَادَ أَن يتَوَضَّأ وضُوءًا يرفع بِهِ الْحَدث لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ لَا يبْقى بِغَيْر طَهَارَة وَكَذَا قَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا ترك إسباغه حَتَّى نزل الشّعب ليَكُون مستصحبا للطَّهَارَة فِي طَرِيقه وَيجوز فِيهِ لِأَنَّهُ لم يرد أَن يُصَلِّي بِهِ فَلَمَّا نزل وَأَرَادَهَا أسبغه قَوْله الصَّلَاة أمامك بِفَتْح الْهمزَة أَي قدامك وَقَالَ الْخطابِيّ يُرِيد أَن مَوضِع هَذِه الصَّلَاة الْمزْدَلِفَة وَهِي أمامك وَهَذَا تَخْصِيص لعُمُوم الْأَوْقَات المؤقتة للصلوات الْخمس لبَيَان فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا يُصليهَا الْحَاج إِذا أَفَاضَ من عَرَفَة حَتَّى يبلغهَا وَأَن عَلَيْهِ أَن يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء بِجمع على مَا سنه الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِفِعْلِهِ وَبَينه بقوله وَلَو أَجْزَأته فِي غير الْمَكَان لما أَخّرهَا عَن وَقتهَا الْمُؤَقت لَهَا فِي سَائِر الْأَيَّام وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يجوز إِذْ فعله الْمُجَرّد لَا يدل إِلَّا على النّدب وملازمة الشّرطِيَّة فِي قَوْله لما أَخّرهَا مَمْنُوعَة لِأَن ذَلِك لبَيَان جَوَاز تَأْخِيرهَا أَو بَيَان ندبية التَّأْخِير إِذْ الأَصْل عدم الْجَوَاز قلت لَا نسلم نفي الدَّلِيل على عدم الْجَوَاز لِأَن فعله قارنه قَوْله فَدلَّ على عدم الْجَوَاز وَإِنَّمَا يمشي كَلَامه إِن لَو كَانَ أُسَامَة عَالما بِالسنةِ وَلم يكن يعلم ذَلِك لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أول من سنّهَا فِي حجَّة الْوَدَاع والموضع مَوضِع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان فقر أَن بقوله دَلِيل على عدم الْجَوَاز وَوُجُوب تَأْخِيرهَا إِلَى غير وَقتهَا الْمَعْهُود وَالله أعلم فَإِن قلت الصَّلَاة أمامك قَضِيَّة حملية فَكيف يَصح هَذَا الْحمل لِأَن الصَّلَاة لَيست بِإِمَام قلت الْمُضَاف فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره وَقت الصَّلَاة أمامك إِذْ نَفسهَا لَا تُوجد قبل إيجادها وَعند إيجادها لَا تكون أَمَامه وَقيل مَعْنَاهُ الْمصلى أمامك أَي مَكَان الصَّلَاة فَيكون من قبيل ذكر الْحَال وَإِرَادَة الْمحل وَهُوَ أَعم من أَن يكون مَكَانا أَو زَمَانا قَوْله ثمَّ أَنَاخَ كل إِنْسَان بعيره كَأَنَّهُمْ فعلوا ذَلِك خشيَة مَا يحصل مِنْهَا من التشويش بقيامها قَوْله ثمَّ أُقِيمَت الْعشَاء بِكَسْر الْعين وبالمد وَالْمرَاد بِهِ صَلَاة الْعشَاء وَهِي الَّتِي وَقتهَا من غرُوب الشَّفق إِلَى طُلُوع الْفجْر الصَّادِق وَهُوَ فِي اللُّغَة من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة وَقيل من الزَّوَال إِلَى الطُّلُوع (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ دَلِيل لأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن فِيمَا ذَهَبا إِلَيْهِ من وجوب تَأْخِير صَلَاة الْمغرب إِلَى وَقت الْعشَاء حَتَّى لَو صلى الْمغرب فِي الطَّرِيق لم يجز وَعَلِيهِ إِعَادَتهَا مَا لم يطلع الْفجْر وَبِه قَالَ زفر وَجَمَاعَة من الْكُوفِيّين وَقَالَ مَالك لَا يجوز أَن يُصليهَا قبلهَا إِلَّا من بِهِ أَو بدابته عذر فَلهُ أَن يُصليهَا قبلهَا بِشَرْط كَونه بعد مغيب الشَّفق وَحكى ابْن التِّين عَن الْمُدَوَّنَة أَنه يُعِيد إِذا صلى الْمغرب قبل أَن يَأْتِي الْمزْدَلِفَة أَو جمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء بعد مغيب الشَّفق وَقبل أَن يَأْتِيهَا وَعَن أَشهب الْمَنْع إِلَّا أَن يكون صلى قبل مغيب الشَّفق فَيُعِيد الْعشَاء بعْدهَا أبدا وَبئسَ مَا صنع وَقيل يُعِيد الْأَخِيرَة فَقَط وَقَالَ فِي المعونة إِن صلى الْمغرب بِعَرَفَة فِي وَقتهَا فقد ترك الِاخْتِيَار وَالسّنة ويجزيه خلافًا لأبي حنيفَة وَقَالَ أَشهب وَإِذا أسْرع فوصل الْمزْدَلِفَة قبل مغيب الشَّفق جمع وَخَالفهُ ابْن الْقَاسِم فَقَالَ لَا يجمع حَتَّى يغيب وَقَالَت الشَّافِعِيَّة لَو جمع بَينهمَا فِي وَقت الْمغرب فِي أَرض عَرَفَات أَو فِي الطَّرِيق أَو فِي مَوضِع آخر وَصلى كل صَلَاة فِي وَقتهَا جَازَ جَمِيع ذَلِك وَإِن خَالف الْأَفْضَل وَبِه قَالَ جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَشْهَب وفقهاء أَصْحَاب الحَدِيث. الثَّانِي فِيهِ عدم وجوب الْمُوَالَاة فِي جمع التَّأْخِير فَإِنَّهُ وَقع الْفَصْل بَينهَا بإناخة كل إِنْسَان بعيره فِي منزله. الثَّالِث فِيهِ الْإِقَامَة لكل من صَلَاتي الْجمع وَهُوَ مَذْهَب عبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَالْأسود وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَهُوَ مَذْهَب عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك كل صَلَاة إِلَى الْأَئِمَّة فلهَا أَذَان وَإِقَامَة وَقَالَ

أَحْمد بن خَالِد أعجب من مَالك أَخذ فِي هَذَا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود وَلم يروه وَترك مَا روى وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَة وَاحِدَة لَهما وَهُوَ المروى عَن جَابر وَعبد الله بن عمر وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قلت لم يذكر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور الْأَذَان وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه يُؤذن للأولى وَبِه قَالَ أَحْمد وَأَبُو ثَوْر وَعبد الْملك بن الْمَاجشون الْمَالِكِي وَهُوَ مَذْهَب الطَّحَاوِيّ وَللشَّافِعِيّ وَأحمد قَول أَنه يُصَلِّي كل وَاحِدَة بِإِقَامَة بِلَا أَذَان وَهُوَ محكي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم وَعَن كل وَاحِد من مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه يُصَلِّي بأذانين. الرَّابِع فِيهِ تَنْبِيه الْمَفْضُول الْفَاضِل إِذا خَافَ عَلَيْهِ النسْيَان لما كَانَ فِيهِ من الشّغل لقَوْل أُسَامَة الصَّلَاة يَا رَسُول الله. الْخَامِس فِي قَوْله فَتَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء إِن الْوضُوء عبَادَة وَإِن لم يصل بِهِ يَعْنِي بِالْأولِ نبه عَلَيْهِ الْخطابِيّ وَقد قَالَت جمَاعَة من تَوَضَّأ ثمَّ أَرَادَ أَن يجدد وضوءه قبل أَن يُصَلِّي لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لم يُوقع بِهِ عبَادَة وَيكون كمن زَاد على ثَلَاث فِي وضوء وَاحِد وَهَذَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة قَالُوا وَلَا يسن تجديده إِلَّا إِذا صلى بِالْأولَى صَلَاة فرضا كَانَت أَو نفلا قلت اسْتِدْلَال الْخطابِيّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على مَا ادَّعَاهُ غير تَامّ لَا يخفى ذَلِك. السَّادِس فِيهِ أَنهم صلوا قبل حط رحالهم وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الصَّحِيح وَعَن مَالك يبْدَأ بِالصَّلَاةِ قبل حط الرَّوَاحِل وَقَالَ أَشهب لَهُ أَن يحط رَحْله قبل أَن يُصَلِّي وَبعد الْمغرب أحب إِلَى مَا لم تكن دَابَّته معقلة وَلَا يتعشى قبل الْمغرب وَأَن خفف عشاءه وَلَا يتعشى بعْدهَا وَإِن كَانَ عشاؤه خَفِيفا وَإِن طَال فَبعد الْعشَاء أحب إِلَيّ. السَّابِع فِيهِ ترك النَّافِلَة فِي السّفر كَذَا استنبطه الْمُهلب من قَوْله وَلم يصل بَينهمَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَو كنت مسبحا لأتممت وَقَالَ غَيره لَا دلَالَة فِيهِ لِأَن الْوَقْت بَين الصَّلَاتَيْنِ لَا يَتَّسِع لذَلِك أَلا ترى أَن بَعْضهَا قَالَ لَا يحطون رواحلهم تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى يجمعوا وَمِنْهُم من قَالَ يحط بعد الاولى مَعَ مَا فِي ترك الرَّوَاحِل مَا وقى مَا نهى عَنهُ وَلم يُتَابع ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا على قَوْله وَالْفُقَهَاء متفقون على اخْتِيَار التَّنَفُّل فِي السّفر وَقَالَ ابْن بطال وَقد تنفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاجِلا وراكبا. الثَّامِن اسْتدلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ على جَوَاز التَّنَفُّل بَين صَلَاتي الْجمع قَالَ وَهُوَ قَول ابْن وهب قَالَ وَخَالفهُ بَقِيَّة أَصْحَابنَا فمنعوه قلت الحَدِيث نَص على أَنه لم يصل بَينهمَا وَلَعَلَّه أَخذه من إناخة الْبَعِير بَينهمَا وَمذهب الشَّافِعِيَّة أَنه جَائِز فِي جمع التَّأْخِير مُمْتَنع فِي جمع التَّقْدِيم وَمذهب الْحَنَفِيَّة الْمَنْع من التَّطَوُّع بَينهمَا لِأَنَّهُ يخل بِالْجمعِ وَلَو تطوع أَو تشاغل بِشَيْء أعَاد الْإِقَامَة لوُقُوع الْفَصْل نَص عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَة. التَّاسِع فِيهِ الدّفع من عَرَفَة إِلَى مُزْدَلِفَة رَاكِبًا. الْعَاشِر قَالَ الدَّاودِيّ فِيهِ الِاسْتِنْجَاء من الْبَوْل لغير صَلَاة تنظفا وقطعا لمادته قلت كَأَنَّهُ حمل الْوضُوء الأول فِيهِ على الِاسْتِنْجَاء وَقد رددنا عَلَيْهِ ذَلِك. الْحَادِي عشر فِيهِ اشْتِرَاك وَقت الْمغرب وَالْعشَاء فِي الْجمع خَاصَّة وَكَذَا وَقت الظّهْر وَالْعصر فِي عَرَفَة خَاصَّة وَلَيْسَ ذَلِك فِي غَيرهمَا فَإِن قلت مَا السَّبَب فِي جمع التَّأْخِير بِمُزْدَلِفَة قلت السّفر عِنْد الشَّافِعِيَّة وَلِهَذَا لَا يجمع المزدلفي والنسك عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلهَذَا يجمع المزدلفي وَالله أعلم. الثَّانِي عشر اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن الْفَوَائِت لَا يُؤذن لَهَا لَكِن يُقَام قلت هَذَا الِاسْتِدْلَال غير تَامّ لِأَن تَأْخِير الْمغرب إِلَى الْعشَاء لَيْسَ بِقَضَاء وَإِنَّمَا هُوَ أَدَاء لِأَن وقته قد تحول إِلَى وَقت الْعشَاء لأجل الْعذر المرخص فَكيف يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ فِيمَا ذكره وَالله أعلم. الثَّالِث عشر قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن يسير الْعَمَل إِذا تخَلّل بَين الصَّلَاتَيْنِ غير قَاطع نظام الْجمع بَينهمَا لقَوْله ثمَّ أَنَاخَ وَلكنه لَا يتَكَلَّم قلت لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على عدم جَوَاز التَّكَلُّم بَينهمَا وَلَا مَا يدل على عدم قطع الْيَسِير وعَلى قطع الْكثير بل يدل على عدم الْقطع مُطلقًا يَسِيرا أَو كثيرا.

(بَاب غسل الْوَجْه باليدين من غرفَة وَاحِدَة)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْوَجْه إِلَى آخِره والغرفة بِالْفَتْح بِمَعْنى الْمصدر وبالضم بِمَعْنى المغروف وَهِي ملْء الْكَفّ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو (إِلَّا من اغترف غرفَة) بِفَتْحِهَا وَفِي الْعباب غرفت المَاء بيَدي غرفا فالغرفة الْمرة الْوَاحِدَة والغرفة بِالضَّمِّ اسْم للْمَفْعُول مِنْهُ لِأَنَّك مَا لم تغرفه لَا تسميه غرفَة وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو جَعْفَر وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو إِلَّا من اغترف غرفَة بِالْفَتْح وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وَجمع المضمومة غراف كنطفة ونطاف والغرفة بِالضَّمِّ أَيْضا الْعلية وَالْجمع غرفات وغرف والغرفة أَيْضا الْخصْلَة من الشّعْر وَالْحَبل الْمَعْقُود بالشوطة أَيْضا انْتهى ويحكي أَن أَبَا عَمْرو وتطلب شَاهدا على قِرَاءَته من أشعار

الْعَرَب فَلَمَّا طلبه الْحجَّاج هرب مِنْهُ إِلَى الْيمن فَخرج ذَات يَوْم فَإِذا هُوَ بِرَاكِب ينشد قَول أُميَّة بن الصَّلْت

(رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحل العقال)

قَالَ فَقلت لَهُ مَا الْخَبَر قَالَ مَاتَ الْحجَّاج قَالَ أَبُو عَمْرو فَلَا أَدْرِي بِأَيّ الْأَمريْنِ كَانَ فرحي أَكثر بِمَوْت الْحجَّاج أَو بقوله فُرْجَة لِأَنَّهُ شَاهد لقرَاءَته أَي كَمَا أَن مَفْتُوح الفرجة هُنَا بِمَعْنى المنفرج كَذَا مَفْتُوح الغرفة بِمَعْنى المغروف فقراءة الضَّم وَالْفَتْح يتطابقان فَإِن قلت مَا المُرَاد من هَذِه التَّرْجَمَة قلت التَّنْبِيه على عدم اشْتِرَاط الاغتراف باليدين جَمِيعًا فَإِن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما تَوَضَّأ كوضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ غرفَة من المَاء بِيَدِهِ الْوَاحِدَة ثمَّ ضم إِلَيْهَا يَده الْأُخْرَى ثمَّ غسل بِتِلْكَ الغرفة وَجهه على مَا يَأْتِي الْآن إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ قلت الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَبَين أَكثر أَبْوَاب كتاب الْوضُوء غير ظَاهِرَة وَلذَلِك قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت مَا وَجه التَّرْتِيب لهَذِهِ الْأَبْوَاب وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَهُنَا ثمَّ قَالَ فِي بَاب التَّسْمِيَة إِذْ التَّسْمِيَة إِنَّمَا هِيَ قبل غسل الْوَجْه لَا بعده ثمَّ إِن توَسط أَمر الْخَلَاء بَين أَبْوَاب الْوضُوء لَا يُنَاسب مَا عَلَيْهِ الْوُجُوه ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله قلت البُخَارِيّ لَا يُرَاعِي حسن التَّرْتِيب وَجُمْلَة قَصده إِنَّمَا هُوَ فِي نقل الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِتَصْحِيحِهِ لَا غير وَنعم الْمَقْصد انْتهى قلت لَا نسلم أَن جملَة قَصده نقل الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِتَصْحِيحِهِ فَقَط بل مُعظم قَصده ذَلِك مَعَ سرده فِي أَبْوَاب مَخْصُوصَة وَلِهَذَا بوب الْأَبْوَاب على تراجم مُعينَة حَتَّى وَقع مِنْهُ تكْرَار كثير لأجل ذَلِك فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك يَنْبَغِي أَن تتطلب وُجُوه المناسبات بَين الْأَبْوَاب وَإِن كَانَت غير ظَاهِرَة بِحَسب الظَّاهِر فَنَقُول وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين من حَيْثُ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول بعض وصف وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي هَذَا الْبَاب الْمَذْكُور أَيْضا وصف وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما تَوَضَّأ على الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَالَ هَكَذَا رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ فَهَذَا الْمِقْدَار من الْوَجْه كَاف على أَن الْمُنَاسبَة الْعَامَّة مَوْجُودَة بَين الْأَبْوَاب كلهَا لكَونهَا من وَاد وَاحِد ثمَّ تَوْجِيه المناسبات الْخَاصَّة إِنَّمَا يكون بِقدر الْإِدْرَاك.

٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم قَالَ أخبرنَا أَبُو سَلمَة الْخُزَاعِيّ مَنْصُور بن سَلمَة قَالَ أخبرنَا ابْن بِلَال يَعْنِي سُلَيْمَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَوَضَّأ فَغسل وَجهه أَخذ غرفَة من مَاء فَمَضْمض بهَا واستنشق ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَجعل بهَا هَكَذَا أضافها إِلَى يَده الْأُخْرَى فَغسل بهَا وَجهه ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَغسل بهَا يَده الْيُمْنَى ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فَغسل بهَا يَده الْيُسْرَى ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ أَخذ غرفَة من مَاء فرش على رجله الْيُمْنَى حَتَّى غسلهَا ثمَّ أَخذ غرفَة أُخْرَى فَغسل بهَا رجله يَعْنِي الْيُسْرَى ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة فَجعل بهَا هَكَذَا أضافها إِلَى يَده الْأُخْرَى فَغسل بهَا وَجهه. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن أبي زُهَيْر أَبُو يحيى الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بصاعقة لقب بذلك لسرعة حفظه وَشدَّة ضَبطه روى عَن يزِيد بن هَارُون وروح وطبقتهما وَعنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وابو حَامِد والمحاملي وَآخَرُونَ وَكَانَ بزازا مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي أَبُو سَلمَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة مَنْصُور بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ روى عَن مَالك وَغَيره وَعنهُ الصغاني وَغَيره خرج إِلَى الثغر فَمَاتَ بِالْمصِّيصَةِ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقيل سِتَّة عشر وَقيل سنة سبع أَو تسع وَمِائَتَيْنِ الثَّالِث سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي وَقد مر فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان الرَّابِع زيد بن أسلم وَقد مر الْخَامِس عَطاء بن يسَار وَقد مر السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ يزِيد عَن عَطاء وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي ومدني. وَمِنْهَا ان فِيهِ تَفْسِير الْبَعْض الروَاة الْمُجْمل وَهُوَ قَوْله يَعْنِي سُلَيْمَان وَهُوَ يحْتَمل أَن

يكون كَلَام البُخَارِيّ وَيحْتَمل أَن يكون كَلَام شَيْخه مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا شَاهده ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي مَعْدُودَة قَالَ الدَّاودِيّ الَّذِي صَحَّ مِمَّا سمع من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اثْنَا عشر حَدِيثا وَحكى غَيره عَن غنْدر عشرَة أَحَادِيث وَعَن يحيى الْقطَّان وَأبي دَاوُد تِسْعَة وَوَقع فِي الْمُسْتَصْفى للغزالي أَن ابْن عَبَّاس مَعَ كَثْرَة رِوَايَته قيل أَنه لم يسمع من النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث لصِغَر سنه وَصرح بذلك فِي حَدِيث إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة وَقَالَ حَدثنِي بِهِ أُسَامَة بن زيد وَلما روى حَدِيث قطع التَّلْبِيَة حِين رمى جَمْرَة الْعقبَة قَالَ حَدثنِي بِهِ أخي الْفضل. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن بشر عَن هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار قَالَ قَالَ لنا ابْن عَبَّاس أتحبون أَن أريكم كَيفَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ فدعى بِإِنَاء فِيهِ مَاء فاغترف غرفَة وَذكر الحَدِيث نَحوه بِطُولِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطلقاني وقتيبة بن سعيد كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن الدَّرَاورْدِي وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى عَن عبد الله بن إِدْرِيس عَن أبي عجلَان كِلَاهُمَا عَن زيد بن أسلم نَحوه وَحَدِيث ابْن عجلَان أتم وَعَن هناد بن السّري عَن ابْن إِدْرِيس بِبَعْضِه فَمسح بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما وَأخرجه ابْن ماجة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن إِدْرِيس بِمثل حَدِيث هناد وَعَن عبد الله بن الْجراح وَأبي بكر بن خَلاد كِلَاهُمَا عَن الدَّرَاورْدِي بِبَعْضِه مضمض واستنشق من غرفَة وَاحِدَة وَهَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم وَلم يخرج مُسلم عَن ابْن عَبَّاس فِي صفة الْوضُوء شَيْئا. (بَيَان اللُّغَات) قَوْله فَتَمَضْمَض من الْمَضْمَضَة وَهِي تَحْرِيك المَاء فِي الْفَم وَقَالَ ابْن سَيّده مضمض وتمضمض وكماله أَن يَجْعَل المَاء فِي فِيهِ ثمَّ يديره ويمجه وَأقله أَن يَجْعَل المَاء فِي فِيهِ وَلَا يشْتَرط إدارته على مَشْهُور مَذْهَب الشَّافِعِي وَقَالَ جمَاعَة من أَصْحَابه يشْتَرط وأصل الْمَضْمَضَة التحريك وَمِنْه مضمض النعاس فِي عَيْنَيْهِ إِذا تحرّك وَاسْتعْمل فِي الْمَضْمَضَة لتحريك المَاء فِي الْفَم قَوْله واستنشق من الِاسْتِنْشَاق وَهُوَ إِدْخَال المَاء فِي الْأنف وَقَالَ ابْن طريف نثر المَاء من أَنفه دفْعَة وَقَالَ ابْن سَيّده استنشق المَاء فِي أَنفه صبه فِي أَنفه وَقَالَ فِي الغريين يستنشق أَي يبلغ المَاء خياشيمه وَذكر ابْن الْأَعرَابِي وَابْن قُتَيْبَة الِاسْتِنْشَاق والاستنثار وَاحِد وَقَالَ ابْن سَيّده يُقَال استنثر إِذا استنشق المَاء فِي أَنفه وصبه مِنْهُ وَفِي جَامع الْقَزاز نثرت الشَّيْء أنثره وأنثره نثرا إِذا بددته فَأَنت ناثر وَالشَّيْء منثور والمتوضىء يستنشق إِذا جذب المَاء برِيح أَنفه ثمَّ يستنثره وَفِي الْعباب استنشقت المَاء وَغَيره إِذا أدخلته فِي الْأنف واستنشقت الرّيح إِذا شممتها والتركيب يدل على نشوب شَيْء فِي شَيْء والمنشق الْأنف ونشقت مِنْهُ ريحًا طيبَة بِالْكَسْرِ أَي شممت وَهَذِه ريح مَكْرُوهَة النشق أَي الشم وَقَالَ رؤبة الراجز يصف حمارا وحشيا

(كَأَنَّهُ مستنشق من الشرق ... حرا من الْخَرْدَل مَكْرُوه النشق)

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله فَغسل وَجهه عطف على قَوْله تَوَضَّأ وَهُوَ من قبيل عطف مفصل على مُجمل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ} وَقَوله {فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا أرنا الله جهرة} وَقد علم أَن الْفَاء العاطفة تفِيد ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا التَّرْتِيب وَهُوَ نَوْعَانِ معنوي كَمَا فِي قَامَ زيد فعمر وذكرى وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل الثَّانِي التعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ الثَّالِث السَّبَبِيَّة قَوْله أَخذ غرفَة بِدُونِ حرف الْعَطف وَإِنَّمَا ترك لِأَنَّهُ بَيَان لقَوْله غسل على وَجه الِاسْتِئْنَاف فَإِن قلت كَيفَ يكون بَيَانا والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق ليستا من غسل الْوَجْه قلت أعطي لَهما حكم الْوَجْه قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة إِنَّمَا عطف بثم لوُجُود المهلة بَين الغرفتين وَقد علم أَن ثمَّ حرف عطف يَقْتَضِي ثَلَاثَة أُمُور التَّشْرِيك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب والمهلة قَوْله أضافها بِدُونِ حرف الْعَطف لِأَنَّهُ بَيَان لقَوْله جعل بهَا هَكَذَا قَوْله ثمَّ أَخذ غرفَة عطف على ثمَّ أَخذ غرفَة الْمَذْكُور أَولا قَوْله من مَاء كلمة من للْبَيَان مَعَ إِفَادَة التَّبْعِيض قَوْله حَتَّى غسلهَا أَي إِلَى أَن غسلهَا وَكلمَة حَتَّى للغاية قَوْله يتَوَضَّأ جملَة فِي مَحل النصب على الْحَال. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَوَضَّأ زَاد أَبُو دَاوُد فِي أَوله أتحبون أَن أريكم كَيفَ كَانَ رَسُول الله عَلَيْهِ

الصَّلَاة وَالسَّلَام يتَوَضَّأ فدعى بِإِنَاء فِيهِ مَاء كَمَا قد ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله أضافها مَعْنَاهُ جعل المَاء الَّذِي فِي يَده فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ أمكن فِي الْغسْل قَوْله فَغسل بهَا أَي بالغرفة وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة فَغسل بهما أَي باليدين قَوْله ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ قَالَ الْكرْمَانِي وَهَهُنَا تَقْدِير إِذْ لَا يجوز الْمسْح بِمَاء غسل بِهِ يَده وَذَلِكَ نَحْو أَن يقدر ثمَّ بل يَده فَمسح بِرَأْسِهِ قلت فِي رِوَايَة أبي دَاوُد ثمَّ قبض قَبْضَة من المَاء ثمَّ نفض يَده ثمَّ مسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ وَلَو وقف الْكرْمَانِي على هَذِه الرِّوَايَة لقَالَ الحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا وَالتَّقْدِير هَهُنَا هَكَذَا وَذكر رِوَايَة أبي دَاوُد وَزَاد النَّسَائِيّ من طَرِيق الدَّرَاورْدِي عَن زيد وَأُذُنَيْهِ مرّة وَاحِدَة وَمن طَرِيق ابْن عجلَان باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه وَزَاد ابْن خُزَيْمَة من هَذَا الْوَجْه وَأدْخل أصبعيه فيهمَا قَوْله فرش على رجله الْيُمْنَى أَي صبه قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى صَار غسلا وَقَوله حَتَّى غسلهَا صَرِيح فِي أَنه لم يكتف بالرش وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْمَشْهُور أَن الرش وَالْغسْل يتمايزان بسيلان المَاء وَعَدَمه فَكيف قَالَ أَولا رش ثمَّ قَالَ ثَانِيًا حَتَّى غسلهَا وَأَيْضًا لَا يُمكن غسل الرجل بغرفة وَاحِدَة قلت الْفرق مَمْنُوع وَكَذَا عدم إِمْكَان غسلهَا بغرفة وَلَعَلَّ الْغَرَض من ذكره على هَذَا الْوَجْه بَيَان تقليل المَاء فِي الْعُضْو الَّذِي هُوَ مَظَنَّة للإسراف فِيهِ انْتهى قلت قَوْله الْفرق مَمْنُوع مَمْنُوع من حَيْثُ اللُّغَة وَلَكِن الْجَواب هُوَ أَن يُقَال أَن الرش قد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَدِيث أَسمَاء رَضِي الله عَنْهَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ حتيه ثمَّ اقرضيه ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ زَاد اغسليه قَالَه الْبَغَوِيّ وَيُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ قَوْله حَتَّى غسلهَا فَإِنَّهُ قرينَة على أَن المُرَاد من الرش هُوَ الْغسْل وَفَائِدَته التَّنْبِيه على الِاحْتِرَاز عَن الْإِسْرَاف لِأَن الرجل مَظَنَّة الْإِسْرَاف فِي الْغسْل فَإِن قلت وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم فرش على رجله الْيُمْنَى وفيهَا النَّعْل ثمَّ مسحها بيدَيْهِ يَد فَوق الْقدَم وَيَد تَحت النَّعْل قلت المُرَاد من الْمسْح هَهُنَا الْغسْل وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وابو زيد الْأنْصَارِيّ الْمسْح فِي كَلَام الْعَرَب يكون غسلا وَيكون مسحا وَمِنْه يُقَال للرجل إِذا تَوَضَّأ فَغسل أعضاءه قد تمسح وَأما قَوْله تَحت النَّعْل فَمَحْمُول على التَّجَوُّز عَن الْقدَم على أَنا نقُول هَذِه رِوَايَة شَاذَّة رَوَاهَا هِشَام بن سعد وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بهم عِنْد الِانْفِرَاد فَكيف إِذا خَالفه غَيره قَوْله فَغسل بهَا رجله يَعْنِي الْيُسْرَى هُوَ بغين مُعْجمَة وسين مُهْملَة من الْغسْل كَذَا وَقع فِي الْأُصُول وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَلَعَلَّه على الرجلَيْن بِمَنْزِلَة الْعُضْو الْوَاحِد فَكَأَنَّهُ كرر غسله لِأَن الْعلَّة هُوَ الشّرْب الثَّانِي ثمَّ قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن أرَاهُ فَغسل فَسَقَطت السِّين انْتهى هَذَا كُله غَرِيب وتكلف وَالصَّوَاب مَا وَقع فِي الْأُصُول فَغسل بهَا وَقَوله يَعْنِي رجله الْيُسْرَى قَائِل لَفْظَة يَعْنِي زيد بن أسلم أَو من هُوَ دونه من الروَاة وَقَالَ الْكرْمَانِي وَلَفظ يَعْنِي لَيْسَ من كَلَام عَطاء بل من راو آخر بعده قلت لم لَا يجوز أَن يكون من كَلَام عَطاء وَلم أدر وَجه النَّفْي عَنهُ مَا هُوَ ثمَّ إِن هَذِه اللَّفْظَة قد وَقعت فِي بعض النّسخ بعد لَفْظَة رجله قبل لفظ الْيُسْرَى وَفِي بَعْضهَا قبل رجله. (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول أَن الْوضُوء مرّة مرّة هُوَ مجمع عَلَيْهِ الثَّانِي فِيهِ الْجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بغرفة وَهُوَ حجَّة للشَّافِعِيَّة فِي أحد الْوُجُوه فيهمَا وَقَالُوا فِي كيفيتها خَمْسَة أوجه الأول أَن يجمع بَينهمَا بغرفة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا. وَالثَّانِي أَن يجمع أَيْضا بغرفة لَكِن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق وَلَفظ الرَّاوِي هَهُنَا يحْتَمل هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. وَالثَّالِث أَنه يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات يتمضمض من كل وَاحِدَة ثمَّ يستنشق مِنْهَا. وَالرَّابِع أَن يفصل بَينهمَا بغرفتين فيتمضمض من إِحْدَاهمَا بِثَلَاث ثمَّ يستنشق من الْأُخْرَى ثَلَاثًا. وَالْخَامِس أَن يفصل بست غرفات يتمضمض بِثَلَاث ثمَّ يستنشق بِثَلَاث. قَالَ الْكرْمَانِي وَالأَصَح أَن الْأَفْضَل هُوَ الرَّابِع وَقَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الثَّالِث وَاتَّفَقُوا على أَن الْمَضْمَضَة على كل قَول مُقَدّمَة على الِاسْتِنْشَاق وَهل هُوَ تَقْدِيم اسْتِحْبَاب أَو اشْتِرَاط فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا اشْتِرَاط لاخْتِلَاف العضوين وَالثَّانِي اسْتِحْبَاب كتقديم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَفِي الرَّوْضَة فِي كيفيته وَجْهَان أصَحهمَا يتمضمض من غرفَة ثَلَاثًا ويستنشق من أُخْرَى ثَلَاثًا وَالثَّانِي بست غرفات وَفِي الْجَوَاهِر للمالكية حكى ابْن سَابق فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ أَحدهمَا يغْرف غرفَة وَاحِدَة لفيه وَأَنْفه وَالثَّانِي يتمضمض ثَلَاثًا فِي غرفَة ويستنشق ثَلَاثًا فِي غرفَة فَقَالَ وَهَذَا اخْتِيَار مَالك وَالْأول اخْتِيَار الشَّافِعِي وَفِي الْمُغنِي للحنابلة وَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يتمضمض

ويستنشق ثَلَاثًا من غرفَة أَو بِثَلَاث غرفات فَإِن عبد الله بن زيد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مضمض واستنشق ثَلَاثًا ثَلَاثًا من غرفَة وَاحِدَة وروى الْأَثْرَم وَابْن ماجة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا من كف وَاحِد وَإِن أفرد لكل عُضْو ثَلَاث غرفات جَازَ لِأَن الْكَيْفِيَّة فِي الْغسْل غير وَاجِبَة وَفِي التَّلْوِيح شرح البُخَارِيّ وَالْأَفْضَل أَن يتمضمض ويستنشق بِثَلَاث غرفات كَمَا فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا وَوجه ثَان يجمع بَينهمَا بغرفة وَاحِدَة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم عِنْد ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَرَوَاهُ أَيْضا وَائِل بن حجر بِسَنَد ضَعِيف عِنْد الْبَزَّار وثالث يجمع بَينهمَا بغرفة وَهُوَ أَن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ثمَّ الثَّانِيَة كَذَلِك ثمَّ الثَّالِثَة رَوَاهُ عبد الله بن زيد عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم عِنْد التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب ورابع يفصل بَينهمَا بغرفتين يتمضمض من إِحْدَاهمَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق من الْأُخْرَى ثَلَاثًا وخامس يفصل بست غرفات يتمضمض بِثَلَاث ويستنشق بِثَلَاث انْتهى قلت احْتج أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا هناد وقتيبة قَالَا حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي حَيَّة قَالَ رَأَيْت عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تَوَضَّأ فَغسل كفيه حَتَّى أنقاهما ثمَّ تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وذراعيه ثَلَاثًا وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة ثمَّ غسل قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثمَّ قَامَ فَأخذ فضل طهوره فشربه وَهُوَ قَائِم ثمَّ قَالَ أَحْبَبْت أَن أريكم كَيفَ كَانَ طهُور رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح فَإِن قلت لم يحك فِيهِ أَن كل وَاحِدَة من المضامض والاستنشاقات بِمَاء وَاحِد بل حُكيَ أَنه تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا قلت مَدْلُوله ظَاهرا مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن يتمضمض ثَلَاثًا يَأْخُذ لكل مرّة مَاء جَدِيدا ثمَّ يستنشق كَذَلِك وَهُوَ رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي فَإِنَّهُ روى عَنهُ أَن يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة وَثَلَاث غرفات للاستنشاق وَفِي رِوَايَة غَيره عَنهُ فِي الْأُم يغْرف غرفَة يتمضمض بهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف غرفَة يتمضمض بهَا ويستنشق ثمَّ يغْرف ثَالِثَة يتمضمض بهَا ويستنشق فَيجمع فِي كل غرفَة بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَاخْتلف نَصه فِي الكيفيتين فنص فِي الْأُم وَهُوَ نَص مُخْتَصر الْمُزنِيّ أَن الْجمع أفضل وَنَصّ الْبُوَيْطِيّ أَن الْفَصْل أفضل وَنَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ صَاحب الْمُهَذّب القَوْل بِالْجمعِ أَكثر فِي كَلَام الشَّافِعِي وَهُوَ أَيْضا أَكثر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَالْجَوَاب عَن كل مَا روى من ذَلِك أَنه مَحْمُول على الْجَوَاز وَقَالَ المرغيناني لَو أَخذ المَاء بكفه وتمضمض بِبَعْضِه واستنشق بِالْبَاقِي جَازَ وعَلى عَكسه لَا يجوز لصيرورة المَاء مُسْتَعْملا وَالْجَوَاب عَمَّا ورد فِي الحَدِيث فَتَمَضْمَض واستنشق من كف وَاحِد أَنه مُحْتَمل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه تمضمض واستنشق بكف وَاحِد بِمَاء وَاحِد وَيحْتَمل أَنه فعل ذَلِك بكف وَاحِد بمياه لَا يقوم بِهِ حجَّة أَو يرد هَذَا الْمُحْتَمل إِلَى الْمُحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ تَوْفِيقًا بَين الدَّلِيلَيْنِ وَقد يُقَال أَن المُرَاد اسْتِعْمَال الْكَفّ الْوَاحِد بِدُونِ الِاسْتِعَانَة بالكفين كَمَا فِي الْوَجْه وَقد يُقَال أَنه فعلهمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى ردا على قَول من يَقُول يسْتَعْمل فِي الِاسْتِنْشَاق الْيَد الْيُسْرَى لِأَن الْأنف مَوضِع الْأَذَى كموضع الِاسْتِنْجَاء كَذَا فِي الْمَبْسُوط وَفِيه نظر لَا يخفى. وَأما وَجه الْفَصْل بَينهمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا فَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن جده كَعْب بن عَمْرو اليمامي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمَضْمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا فَأخذ لكل وَاحِدَة مَاء جَدِيدا وَكَذَا روى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَسكت عَنهُ وَهُوَ دَلِيل رِضَاهُ بِالصِّحَّةِ. ثمَّ اعْلَم أَن السّنة أَن تكون الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق باليمنى وَقَالَ بَعضهم الْمَضْمَضَة بِالْيَمِينِ وَالِاسْتِنْشَاق باليسار لِأَن الْفَم مطهرة وَالْأنف مقذرة واليمنى للاطهار واليسار للاقذار وَلنَا مَا روى عَن الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه استنثر بِيَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة جهلت السّنة فَقَالَ كَيفَ أَجْهَل السّنة وَالسّنة من بُيُوتنَا خرجت أما علمت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْيَمين للْوَجْه واليسار للمقعد كَذَا ذكره صَاحب الْبَدَائِع وَالتَّرْتِيب بَينهمَا سنة ذكره فِي الْخُلَاصَة لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي صفة وضوئِهِ إِلَّا هَكَذَا. الحكم الثَّالِث قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن المَاء الْمُسْتَعْمل طَاهِر مطهر وَهُوَ قَول مَالك وَالْحجّة لَهُ أَن الْأَعْضَاء كلهَا إِذا غسلت مرّة فَإِن المَاء إِذا لَاقَى أول جُزْء من أَجزَاء الْعُضْو فقد صَار مُسْتَعْملا مَعَ أَنه يُجزئهُ فِي سَائِر أَجزَاء ذَلِك الْعُضْو فَلَو كَانَ الْوضُوء بِالْمُسْتَعْملِ لَا يجوز لم يجز الْوضُوء مرّة مرّة وَلما أَجمعُوا أَنه جَازَ اسْتِعْمَاله فِي الْعُضْو الْوَاحِد كَانَ فِي سَائِر الْأَعْضَاء كَذَلِك قلت هَذَا الِاسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن المَاء مَا دَامَ بالعضو فَهُوَ فِي

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله