«قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٨٧

الحديث رقم ١٥٨٧ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل الحرم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٨٧ في صحيح البخاري

«قَالَ رَسُولُ اللهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا».

بَابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَأَنَّ النَّاسَ فِي مَسْجدِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الْبَادِ: الطَّارِي ﴿مَعْكُوفًا﴾: مَحْبُوسًا

إسناد حديث البخاري رقم ١٥٨٧

١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٨٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى يَدَيْ بَعْضِ الْجُنْدِ، فَجَدَّدَ لَهَا سَقْفًا، وَرَخَّمَ السَّطْحَ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ صَارَ الْمَطَرُ إِذَا نَزَلَ يَنْزِلُ إِلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا، فَأَدَّاهُ رَأْيُهُ الْفَاسِدُ إِلَى نَقْضِ السَّقْفِ مَرَّةً أُخْرَى وَسَدِّ مَا كَانَ فِي السَّطْحِ مِنَ الطَّاقَاتِ الَّتِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ امْتِهَانُ الْكَعْبَةِ، بَلْ صَارَ الْعُمَّالُ يَصْعَدُونَ فِيهَا بِغَيْرِ أَدَبٍ، فَغَارَ بَعْضُ الْمُجَاوِرِينَ فَكَتَبَ إِلَى الْقَاهِرَةِ يَشْكُو ذَلِكَ.

فَبَلَغَ السُّلْطَانَ الظَّاهِرَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَجَهَّزَ بَعْضَ الْجُنْدِ لِكَشْفِ ذَلِكَ فَتَعَصَّبَ لِلْأَوَّلِ بَعْضُ مَنْ جَاوَرَ وَاجْتَمَعَ الْبَاقُونَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، فَكَتَبُوا مَحْضَرًا بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ مَصْلَحَةٌ، فَسَكَنَ غَضَبُ السُّلْطَانِ وَغَطَّى عَنْهُ الْأَمْرَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، وَبَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ (١) هَلَكُوا.

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْأَمْنَ مِنَ الْفِتَنِ بِحِلْمِهِ وَكَرَمِهِ، وَمِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقِ الِاحْتِيَاجُ فِي الْكَعْبَةِ إِلَى الْإِصْلَاحِ إِلَّا فِيمَا صَنَعَهُ الْحَجَّاجُ إِمَّا مِنَ الْجِدَارِ الَّذِي بَنَاهُ فِي الْجِهَةِ الشَّامِيَّةِ، وَإِمَّا فِي السُّلَّمِ الَّذِي جَدَّدَهُ لِلسَّطْحِ وَالْعَتَبَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةٍ مَحْضَةٍ كَالرُّخَامِ أَوْ لِتَحْسِينٍ كَالْبَابِ وَالْمِيزَابِ، وَكَذَا مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُكَرَّمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاوَرْتُ بِمَكَّةَ فَعَابَتْ - أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أُسْطُوَانَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْبَيْتِ فَأُخْرِجَتْ وَجِيءَ بِأُخْرَى لِيُدْخِلُوهَا مَكَانَهَا فَطَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ وَالْكَعْبَةُ لَا تُفْتَحُ لَيْلًا فَتَرَكُوهَا لِيَعُودُوا مِنْ غَدٍ لِيُصْلِحُوهَا فَجَاءُوا مِنْ غَدٍ فَأَصَابُوهَا أَقْدَمَ مِنْ قِدْحٍ. أَيْ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّهْمُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَبَكْرٌ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَكَأَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَتِ الْأُسْطُوَانَةُ مِنْ خَشَبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٣ - بَاب فَضْلِ الْحَرَمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَوْلِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾

١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَرَمِ) أَيِ: الْمَكِّيِّ الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُ حُدُودِهِ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ الْآيَةَ) وَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ إِضَافَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْبَلْدَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ لَهَا، وَهِيَ أَصْلُ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الْآيَةَ، رَوَى النَّسَائِيُّ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحارث بن عامر بن نوفلٍ قال للنَّبيِّ : إن نتَّبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليه (١): ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ … الآيةَ.

١٥٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بفتح الجيم، و «عبد الحَمِيد» -بفتح الحاء المهملة وكسر الميم- ابن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- الضَّبِّيُّ (٢) الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنْ مَنْصُورٍ) هو (٣) ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ) زاد المؤلِّف في «باب غزوة الفتح»: «يوم خلق السَّموات والأرض فهي حرام بحرامِ (٤) الله إلى يوم القيامة» [خ¦٤٣١٣] يعني: أنَّ تحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرةٌ، ليس ممَّا أحدثه أو اختصَّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: إنَّ إبراهيم حرَّمها لأنَّ إسناد التَّحريم إليه من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلِّها هو الله تعالى والأنبياء يبلِّغونها، فكما تُضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتُبيَّن على لسانهم (٥)، والحاصل: أنَّه أظهر (٦) تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلَّا أنَّه ابتدأه أو حرَّمها بإذن الله؛ يعني: أنَّه تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله تعالى.

(لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) لا يُزعَج من مكانه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السُّكون ضمن دمه بالتَّنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنَّه إذا حُرِّم التَّنفير فالإتلاف أَولى (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَْطَتَهُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة»، وبسكونها في غيرها، قال الأزهريُّ: والمحدِّثون لا يعرفون غير (١) الفتح، ونقل الطِّيبيُّ عن صاحب «شرح السُّنَّة» أنَّه قال: اللُّقَْطة: بفتح القاف (٢)، والعامَّة تسكِّنها، وقال الخليل: هو بالسُّكون، وأمَّا بالفتح فهو الكثير الالتقاطِ، قال الأزهريُّ: وهو القياس، وقال ابن برِّيٍّ في حواشي «الصِّحاح»: وهذا هو الصَّواب لأنَّ الفعلة للفاعل كالضُّحَكَة: للكثير الضَّحك، وفي «القاموس»: واللَّقَطُ -مُحرَّكةً- أي: بغير هاءٍ، وكحُزْمةٍ وهُمَزَةٍ وثُمامةٍ (٣): ما التُقِط. انتهى. وهي هنا نصب مفعولٍ مُقدَّمٍ، والفاعل قوله: (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أي: أشهرها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها، أي: عرَّفها ليعرف مالكها فيردُّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنَّه يجوز تملُّكها بشرطه، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: حكمها واحدٌ في سائر البلاد لعموم قوله : «اِعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنةً» [خ¦٢٣٧٢] من غير فصلٍ، لنا: أنَّ قوله: «ولا يلتقط لقطته» ورد مورد بيان الفضائل المختصَّة بمكَّة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم وبين (٤) لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن (٥) الفائدة.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] و «الجزية» [خ¦٣١٨٩] و «الجهاد» [خ¦٤٣١٣]، ومسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» و «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

(٤٤) (بَابُ) حكم (تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ) بالتَّنكير في الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «في المسجد الحرام» بالتَّعريف فيهما (سَوَاءٌ خَاصَّةً) قيدٌ للمسجد الحرام، أي: المساواة إنَّما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكَّة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) تعليلٌ لقوله: وأنَّ الناس في المسجد الحرام سواءٌ: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: أهل مكَّة (﴿وَيَصُدُّونَ﴾) يصرفون النَّاس (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن دين الإسلام، قال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: لا يريد به حالًا ولا استقبالًا، وإنَّما يريد استمرار الصَّدِّ منهم ولذلك حَسُنَ عطفه على الماضي، وقِيلَ: هو حالٌ من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾ (﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) عُطِفَ على ﴿سَبِيلِ (١) اللهِ﴾ يعني: وعن المسجد الحرام، والآية مدنيَّةٌ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ لمَّا خرج مع أصحابه عام (٢) الحديبية منعهم المشركون عن المسجد الحرام (﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]) ﴿سَوَاء﴾: رُفِع على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ و ﴿وَالْبَادِ﴾: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وإنَّما وُحِّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين لأنَّ «سواءً» في الأصل مصدرٌ وُصِف به، وقرأ حفصٌ: ﴿سَوَاء﴾ بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «جعل» إن جعلناه يتعدَّى لمفعولين، وإن قلنا: يتعدَّى لواحدٍ كان حالًا من هاء ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وعلى التَّقديرين: فـ ﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوعٌ على الفاعليَّة لأنَّه مصدرٌ وُصِف به (٣)، فهو في قوَّة اسم الفاعل المشتقِّ، تقديره: جعلناه مستويًا فيه العاكف والبادي، والمراد بـ ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾: الذي يكون فيه النُّسك والصَّلاة لا سائر دور مكَّة، وأوَّله أبو حنيفة بمكَّة، واستشهد (٤) بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء﴾ على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع

ضعفه مُعارَضٌ بحديث الباب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فنسب الله الدِّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدِّيار ليست بملكٍ لهم لمَا كانوا مظلومين في الإخراج من دورٍ ليست بملكٍ لهم، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم وأنَّ اسم المسجد الحرام واقعٌ على جميع الحرم لمَا جاز حفر بئرٍ ولا قبرٍ ولا التَّغوُّط ولا (١) البول ولا إلقاء الجيف والنَّتن، ولا نعلم عالمًا منع من (٢) ذلك، ولا كُرِه لجنبٍ وحائضٍ دخول الحرم ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكَّة وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ (﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]) الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ صلةٌ، أي: ومن يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. قال في «الكشَّاف»: ومفعول ﴿يُرِدْ﴾ متروكٌ ليتناول كلَّ مُتناوَلٍ، كأنَّه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد، وقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٣) حالان مترادفان، وخبر «إنَّ» محذوفٌ لدلالة جواب الشَّرط عليه (٤)، تقديره: إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذابٍ أليمٍ، وكلُّ من ارتكب فيه (٥) ذنبًا، فهو كذلك.

وقال المؤلِّف يفسِّر ما يقع (٦) من غريب الألفاظ على عادته: (البَادِي: الطَّارِي) وفي الفرع: بالهمز (٧)، مُصلَّحٌ على كشط، وهو تفسيرٌ منه بالمعنى، قال في «الفتح»: وهو مقتضى ما جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره كما رواه عبد بن حُمَيدٍ وغيره، وهو موافقٌ لما قاله البيضاويُّ وغيره. (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) وليست هذه الكلمة في (٨) هذه الآية، بل في قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] في سورة «الفتح»، ويمكن أن يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى يَدَيْ بَعْضِ الْجُنْدِ، فَجَدَّدَ لَهَا سَقْفًا، وَرَخَّمَ السَّطْحَ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ صَارَ الْمَطَرُ إِذَا نَزَلَ يَنْزِلُ إِلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا، فَأَدَّاهُ رَأْيُهُ الْفَاسِدُ إِلَى نَقْضِ السَّقْفِ مَرَّةً أُخْرَى وَسَدِّ مَا كَانَ فِي السَّطْحِ مِنَ الطَّاقَاتِ الَّتِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ امْتِهَانُ الْكَعْبَةِ، بَلْ صَارَ الْعُمَّالُ يَصْعَدُونَ فِيهَا بِغَيْرِ أَدَبٍ، فَغَارَ بَعْضُ الْمُجَاوِرِينَ فَكَتَبَ إِلَى الْقَاهِرَةِ يَشْكُو ذَلِكَ.

فَبَلَغَ السُّلْطَانَ الظَّاهِرَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَجَهَّزَ بَعْضَ الْجُنْدِ لِكَشْفِ ذَلِكَ فَتَعَصَّبَ لِلْأَوَّلِ بَعْضُ مَنْ جَاوَرَ وَاجْتَمَعَ الْبَاقُونَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، فَكَتَبُوا مَحْضَرًا بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ مَصْلَحَةٌ، فَسَكَنَ غَضَبُ السُّلْطَانِ وَغَطَّى عَنْهُ الْأَمْرَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، وَبَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ (١) هَلَكُوا.

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْأَمْنَ مِنَ الْفِتَنِ بِحِلْمِهِ وَكَرَمِهِ، وَمِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقِ الِاحْتِيَاجُ فِي الْكَعْبَةِ إِلَى الْإِصْلَاحِ إِلَّا فِيمَا صَنَعَهُ الْحَجَّاجُ إِمَّا مِنَ الْجِدَارِ الَّذِي بَنَاهُ فِي الْجِهَةِ الشَّامِيَّةِ، وَإِمَّا فِي السُّلَّمِ الَّذِي جَدَّدَهُ لِلسَّطْحِ وَالْعَتَبَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فَإِنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةٍ مَحْضَةٍ كَالرُّخَامِ أَوْ لِتَحْسِينٍ كَالْبَابِ وَالْمِيزَابِ، وَكَذَا مَا حَكَاهُ الْفَاكِهِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُكَرَّمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاوَرْتُ بِمَكَّةَ فَعَابَتْ - أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أُسْطُوَانَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْبَيْتِ فَأُخْرِجَتْ وَجِيءَ بِأُخْرَى لِيُدْخِلُوهَا مَكَانَهَا فَطَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ، وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ وَالْكَعْبَةُ لَا تُفْتَحُ لَيْلًا فَتَرَكُوهَا لِيَعُودُوا مِنْ غَدٍ لِيُصْلِحُوهَا فَجَاءُوا مِنْ غَدٍ فَأَصَابُوهَا أَقْدَمَ مِنْ قِدْحٍ. أَيْ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّهْمُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَبَكْرٌ هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَكَأَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَتِ الْأُسْطُوَانَةُ مِنْ خَشَبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٣ - بَاب فَضْلِ الْحَرَمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَوْلِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾

١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَرَمِ) أَيِ: الْمَكِّيِّ الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُ حُدُودِهِ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ الْآيَةَ) وَجْهُ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ إِضَافَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى الْبَلْدَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ لَهَا، وَهِيَ أَصْلُ الْحَرَمِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الْآيَةَ، رَوَى النَّسَائِيُّ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحارث بن عامر بن نوفلٍ قال للنَّبيِّ : إن نتَّبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليه (١): ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ … الآيةَ.

١٥٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ) بفتح الجيم، و «عبد الحَمِيد» -بفتح الحاء المهملة وكسر الميم- ابن قُرْطٍ -بضمِّ القاف وسكون الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ- الضَّبِّيُّ (٢) الكوفيُّ، نزيل الرَّيِّ وقاضيها (عَنْ مَنْصُورٍ) هو (٣) ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان، اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ) زاد المؤلِّف في «باب غزوة الفتح»: «يوم خلق السَّموات والأرض فهي حرام بحرامِ (٤) الله إلى يوم القيامة» [خ¦٤٣١٣] يعني: أنَّ تحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرةٌ، ليس ممَّا أحدثه أو اختصَّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله في حديث جابرٍ عند مسلمٍ: إنَّ إبراهيم حرَّمها لأنَّ إسناد التَّحريم إليه من حيث إنَّه مبلِّغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلِّها هو الله تعالى والأنبياء يبلِّغونها، فكما تُضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تُضاف إلى الرُّسل لأنَّها تُسمَع منهم وتُبيَّن على لسانهم (٥)، والحاصل: أنَّه أظهر (٦) تحريمها بعد أن كان مهجورًا إلَّا أنَّه ابتدأه أو حرَّمها بإذن الله؛ يعني: أنَّه تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرِّم مكَّة بأمر الله تعالى.

(لَا يُعْضَدُ) بضمِّ أوَّله وفتح الضَّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع (شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) لا يُزعَج من مكانه، فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السُّكون ضمن دمه بالتَّنفير على الإتلاف ونحوه؛ لأنَّه إذا حُرِّم التَّنفير فالإتلاف أَولى (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَْطَتَهُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة»، وبسكونها في غيرها، قال الأزهريُّ: والمحدِّثون لا يعرفون غير (١) الفتح، ونقل الطِّيبيُّ عن صاحب «شرح السُّنَّة» أنَّه قال: اللُّقَْطة: بفتح القاف (٢)، والعامَّة تسكِّنها، وقال الخليل: هو بالسُّكون، وأمَّا بالفتح فهو الكثير الالتقاطِ، قال الأزهريُّ: وهو القياس، وقال ابن برِّيٍّ في حواشي «الصِّحاح»: وهذا هو الصَّواب لأنَّ الفعلة للفاعل كالضُّحَكَة: للكثير الضَّحك، وفي «القاموس»: واللَّقَطُ -مُحرَّكةً- أي: بغير هاءٍ، وكحُزْمةٍ وهُمَزَةٍ وثُمامةٍ (٣): ما التُقِط. انتهى. وهي هنا نصب مفعولٍ مُقدَّمٍ، والفاعل قوله: (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أي: أشهرها، ثمَّ يحفظها لمالكها ولا يتملَّكها، أي: عرَّفها ليعرف مالكها فيردُّها إليه، وهذا بخلاف غير الحرم فإنَّه يجوز تملُّكها بشرطه، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: حكمها واحدٌ في سائر البلاد لعموم قوله : «اِعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها سنةً» [خ¦٢٣٧٢] من غير فصلٍ، لنا: أنَّ قوله: «ولا يلتقط لقطته» ورد مورد بيان الفضائل المختصَّة بمكَّة كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم وبين (٤) لقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن (٥) الفائدة.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٣٤] و «الجزية» [خ¦٣١٨٩] و «الجهاد» [خ¦٤٣١٣]، ومسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» و «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «السِّير»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».

(٤٤) (بَابُ) حكم (تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وأنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ) بالتَّنكير في الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «في المسجد الحرام» بالتَّعريف فيهما (سَوَاءٌ خَاصَّةً) قيدٌ للمسجد الحرام، أي: المساواة إنَّما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكَّة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) تعليلٌ لقوله: وأنَّ الناس في المسجد الحرام سواءٌ: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: أهل مكَّة (﴿وَيَصُدُّونَ﴾) يصرفون النَّاس (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن دين الإسلام، قال البيضاويُّ -كالزَّمخشريِّ-: لا يريد به حالًا ولا استقبالًا، وإنَّما يريد استمرار الصَّدِّ منهم ولذلك حَسُنَ عطفه على الماضي، وقِيلَ: هو حالٌ من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾ (﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) عُطِفَ على ﴿سَبِيلِ (١) اللهِ﴾ يعني: وعن المسجد الحرام، والآية مدنيَّةٌ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ لمَّا خرج مع أصحابه عام (٢) الحديبية منعهم المشركون عن المسجد الحرام (﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]) ﴿سَوَاء﴾: رُفِع على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، و ﴿الْعَاكِفُ﴾ و ﴿وَالْبَادِ﴾: مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، وإنَّما وُحِّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين لأنَّ «سواءً» في الأصل مصدرٌ وُصِف به، وقرأ حفصٌ: ﴿سَوَاء﴾ بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ «جعل» إن جعلناه يتعدَّى لمفعولين، وإن قلنا: يتعدَّى لواحدٍ كان حالًا من هاء ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ وعلى التَّقديرين: فـ ﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوعٌ على الفاعليَّة لأنَّه مصدرٌ وُصِف به (٣)، فهو في قوَّة اسم الفاعل المشتقِّ، تقديره: جعلناه مستويًا فيه العاكف والبادي، والمراد بـ ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾: الذي يكون فيه النُّسك والصَّلاة لا سائر دور مكَّة، وأوَّله أبو حنيفة بمكَّة، واستشهد (٤) بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء﴾ على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع

ضعفه مُعارَضٌ بحديث الباب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فنسب الله الدِّيار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الدِّيار ليست بملكٍ لهم لمَا كانوا مظلومين في الإخراج من دورٍ ليست بملكٍ لهم، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم وأنَّ اسم المسجد الحرام واقعٌ على جميع الحرم لمَا جاز حفر بئرٍ ولا قبرٍ ولا التَّغوُّط ولا (١) البول ولا إلقاء الجيف والنَّتن، ولا نعلم عالمًا منع من (٢) ذلك، ولا كُرِه لجنبٍ وحائضٍ دخول الحرم ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكَّة وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ (﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]) الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ صلةٌ، أي: ومن يرد فيه إلحادًا كما في قوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. قال في «الكشَّاف»: ومفعول ﴿يُرِدْ﴾ متروكٌ ليتناول كلَّ مُتناوَلٍ، كأنَّه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عادلًا عن القصد، وقوله: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٣) حالان مترادفان، وخبر «إنَّ» محذوفٌ لدلالة جواب الشَّرط عليه (٤)، تقديره: إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذابٍ أليمٍ، وكلُّ من ارتكب فيه (٥) ذنبًا، فهو كذلك.

وقال المؤلِّف يفسِّر ما يقع (٦) من غريب الألفاظ على عادته: (البَادِي: الطَّارِي) وفي الفرع: بالهمز (٧)، مُصلَّحٌ على كشط، وهو تفسيرٌ منه بالمعنى، قال في «الفتح»: وهو مقتضى ما جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره كما رواه عبد بن حُمَيدٍ وغيره، وهو موافقٌ لما قاله البيضاويُّ وغيره. (مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا) وليست هذه الكلمة في (٨) هذه الآية، بل في قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] في سورة «الفتح»، ويمكن أن يكون ذكرها لمناسبة قوله تعالى هنا: ﴿سَوَاء الْعَاكِفُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل