الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩١٤
الحديث رقم ١٩١٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾
١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ) بِالنُّونِ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ عِنْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُهُ ﷺ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَشَيْخُهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَيِ: ابْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، مَدَنِيٌّ، سَكَنَ دِمَشْقَ ثُمَّ الْكُوفَةَ تَابِعِيٌّ شَهِيرٌ، سَمِعَ عَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، فَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ كَالَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّا) أَيِ: الْعَرَبُ، وَقِيلَ: أَرَادَ نَفْسَهُ. وَقَوْلُهُ: (أُمِّيَّةٌ) بِلَفْظِ النَّسَبِ إِلَى الْأُمِّ فَقِيلَ: أَرَادَ أُمَّةَ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكْتُبُ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّهَاتِ، أَيْ: أنَّهُمْ عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ أُمِّهِمْ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هَذِهِ صِفَتُهَا غَالِبًا، وَقِيلَ: مَنْسُوبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى، وَقَوْلُهُ: (لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ، وَقِيلَ لِلْعَرَبِ: أُمِّيُّونَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ عَزِيزَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْتُبُ وَيَحْسِبُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ قَلِيلَةً نَادِرَةً، وَالْمُرَادُ بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَابُ النُّجُومِ وَتَسْيِيرِهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيرِ وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ: فَسَلُوا أَهْلَ الْحِسَابِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْعَدَدِ عِنْدَ الْإِغْمَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ فَيَرْتَفِعُ الِاخْتِلَافُ وَالنِّزَاعُ عَنْهُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِ التَّسْيِيرِ فِي ذَلِكَ وَهُمُ الرَّوَافِضُ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوَافَقَتُهُمْ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَقَدْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنِ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعٌ وَلَا ظَنٌّ غَالِبٌ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ ارْتَبَطَ الْأَمْرُ بِهَا لَضَاقَ، إِذْ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ.
قَوْلُهُ: (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَمُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي: تَمَامَ الثَّلَاثِينَ أَيْ: أَشَارَ أَوَّلًا بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ الْعَشْرَ جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ، وَقَبَضَ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَهَذَا الْمَعْبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَأَشَارَ مَرَّةً أُخْرَى بِهِمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثُونَ، وَفِي رِوَايَةِ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَخَنَسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَوَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِ، وَقَبَضَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَطَبَقَ الثَّالِثَةَ فَقَبَضَ الْإِبْهَامَ.
قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ شَهْرًا فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَشَهْرٌ ثَلَاثُونَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ رَفْعٌ لِمُرَاعَاةِ النُّجُومِ بِقَوَانِينِ التَّعْدِيلِ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ رُؤْيَةُ الْأَهِلَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي مُرَاعَاةِ مَا غَمُضَ حَتَّى لَا يُدْرَكَ إِلَّا بِالظُّنُونِ غَايَةَ التَّكَلُّفِ. وَفِي الْحَدِيثِ مُسْتَنَدٌ لِمَنْ رَأَى الْحُكْمَ بِالْإِشَارَةِ، قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
١٤ - بَاب لَا يَتَقَدَّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: لَا يُتَقَدَّمُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا، أَيِ: الْمُكَلَّفُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُتَقَدَّمُ رَمَضَانُ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أَيْ: لَا يُتَقَدَّمُ رَمَضَانُ بِصَوْمِ يَوْمٍ يُعَدُّ مِنْهُ بِقَصْدِ الِاحْتِيَاطِ لَهُ؛ فَإِنَّ صَوْمَهُ مُرْتَبِطٌ بِالرُّؤْيَةِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ، وَاكْتَفَى فِي التَّرْجَمَةِ عَنْ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِ الْخَبَرِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (لَا يَتَقَدَّمْنَ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِصَوْمِ وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ: لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ وَلِأَحْمَدَ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ هِشَامٍ: لَا تَقَدَّمُوا قَبْلَ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ) كَانَ تَامَّةٌ، أَيْ: إِلَّا أَنْ يُوجَدَ رَجُلٌ.
قَوْلُهُ: (يَصُومُ صَوْمًا) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَحْمَدَ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَيَأْتِي عَلَى صِيَامِهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ رَوْحٍ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصِلْهُ بِهِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصِيَامٍ عَلَى نِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَانَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَمَّا أَخْرَجَهُ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ اهـ.
وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّقَوِّي بِالْفِطْرِ لِرَمَضَانَ لِيَدْخُلَ فِيهِ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ جَازَ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ قَرِيبًا، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ خَشْيَةُ اخْتِلَاطِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالرُّؤْيَةِ، فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَأَلِفَهُ، وَتَرْكُ الْمَأْلُوفِ شَدِيدٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنِ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ، وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ وَالنُّذُرُ لِوُجُوبِهِمَا، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُسْتَثْنَى الْقَضَاءُ وَالنُّذُرُ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِمَا، فَلَا يَبْطُلُ الْقَطْعِيُّ بِالظَّنِّ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ كَالرَّافِضَةِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَوْمِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ التَّقَدُّمُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ، وَاسْتَدَلَّ بِلَفْظِ التَّقَدُّمِ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الصِّيَامُ بِنْيَةِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، لَكِنَّ السِّيَاقَ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَدْفَعُهُ. وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلتَّأْقِيتِ لَا لِلتَّعْلِيلِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَمَعَ كَوْنِهَا مَحْمُولَةً عَلَى التَّأْقِيتِ فَلَا بُدَّ مِنَ ارْتِكَابِ مَجَازٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ - وَهُوَ اللَّيْلُ - لَا يَكُونُ مَحَلَّ الصَّوْمِ. وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بُقُولِهِ: صُومُوا انْوُوا الصِّيَامَ، وَاللَّيْلُ كُلُّهُ ظَرْفٌ لِلنِّيَّةِ. قُلْتُ: فَوَقَعَ فِي الْمَجَازِ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّاوِيَ لَيْسَ صَائِمًا حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بَعْدَ النِّيَّةِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَفِيهِ مَنْعُ إِنْشَاءِ الصَّوْمِ قَبْلَ رَمَضَانَ إِذَا كَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمَفْهُومُهُ الْجَوَازُ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ الْمَنْعُ لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين وبغيره (لا يَتَقَدَّمَنَّْ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة ويجوز تخفيفها، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لا يتقدَّم» أي (١): المُكلَّف (رَمَضَانَ) وقال الحافظ ابن حجرٍ: «لا يُتَقدَّم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه؛ يعني: مبنيًّا للمفعول، «رمضانُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، ثمَّ قال: ويجوز فتحهما، أي: أوَّل «يَتَقدَّم» وثانيه، ولم يعزُه لأحدٍ (بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا) ولابن عساكر: «أو» (يَومَينِ) يُعَدُّ منه (٢) بقصد الاحتياط له، فإنَّ صومه مرتبطٌ بالرُّؤية، فلا حاجة إلى التَّكلُّف.
١٩١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميُّ (٣)، أحد الثِّقات الأثبات إلَّا أنَّه كان كثير الإرسال والتَّدليس، رأى أنسًا ولم يسمع منه، واحتجَّ به الأئمَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أَنَّهُ (قَالَ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أي: بنيَّة الرَّمضانيَّة احتياطًا، ولكراهة التَّقدُّم معانٍ: أحدها: خوفًا من أن يُزاد في رمضان ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيد لذلك، حذرًا ممَّا وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم، وخرَّج (٤) الطَّبرانيُّ عن عائشة: أنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشَّهر فيصومون (٥) قبل النَّبيِّ ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين
آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ولهذا نُهِي عن صوم يوم الشَّكِّ، والمعنى الثَّاني: الفصل بين صيام الفرض والنَّفل، فإنَّ جنس الفصل بين الفرائض والنَّوافل مشروعٌ ولذا حرم صيام يوم العيد، ونهى رسول الله (١) ﷺ أن تُوصَل صلاةٌ مفروضةٌ بصلاةٍ حتَّى يُفصَل بينهما بسلامٍ أو كلامٍ خصوصًا سنَّة الفجر، وفي «المُسنَد»: أنَّه ﷺ فعله (٢)، وهذا فيه نظرٌ لأنَّه يجوز لمن له عادةٌ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والمعنى الثَّالث: أنَّه للتَّقوِّي على صيام رمضان، فإنَّ مواصلة الصِّيام تُضعِف عن صيام الفرض، فإذا حصل (٣) الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التَّقوّي على صيام رمضان، وفيه نظرٌ لأنَّ معنى الحديث: أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيَّامٍ فصاعدًا جاز، المعنى الرَّابع: أنَّ الحكم عُلِّق بالرُّؤية، فمن تقدَّمه بيومٍ أو يومين فقد حاول الطَّعن في ذلك الحكم.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ) المعتاد من وردٍ؛ كأن اعتاد صوم الدَّهر، أو صوم يومٍ وفطر يومٍ، أو يومٍ مُعيَّنٍ (٤) كالاثنين فصادفه (٥)، أو نذرٍ أو قضاءٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يصوم صومًا» (فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ) فإنَّه مأذونٌ له فيه (٦)، ويجب عليه النَّذر وما بعده، فهو مستثنًى بالأدلَّة القطعيَّة ولا يبطل القطعيُّ بالظَّنيِّ، ومفهوم الحديث: الجواز إذا كان التَّقدُّم بأكثر من يومين، وقيل: يمتدُّ المنع لما قبل ذلك، وبه قطع كثيرٌ من الشَّافعيَّة، وأجابوا عن الحديث بأنَّ المراد منه: التَّقدُّم بالصَّوم؛ فحيث وُجِد مُنِع، وإنَّما اقتصر على يومٍ أو يومين لأنَّه الغالب ممَّن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أوَّل السَّادس عشر من شعبان لحديث: «إذا انتصف شعبان؛ فلا تصوموا» رواه أبو داود وغيره، وظاهره: أنَّه يحرم الصَّوم إذا انتصف وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبيَّة الصَّوم، وقد قال النَّوويُّ في
«المجموع»: إذا انتصف شعبان حَرُم الصَّوم بلا سببٍ إن لم يصله بما قبله على الصَّحيح.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٥) (بَابُ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾) كنايةٌ عن الجماع، وعُدِّي بـ «إلى» لتضمُّنه معنى: الإفضاء، ثمَّ بيَّن سبب الإحلال (١) فقال: (﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾) لأنَّ الرَّجل والمرأة يتضاجعان ويشتمل كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه شُبِّه باللِّباس، أو لأنَّ كلًّا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه عن الفجور (﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾) تجامعون النِّساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حرامًا عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) لمَّا تبتم ممَّا اقترفتموه (﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾) ومحا عنكم أثره (﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾) أي: جامعوهنَّ، فقد نُسِخ عنكم التَّحريم (﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) واطلبوا ما قدَّره لكم وأثبته في اللَّوح المحفوظ من الولد، والمعنى: أنَّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإنَّه الحكمة في خلق الشَّهوة (٢) وشرع النِّكاح. ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ) بِالنُّونِ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ عِنْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُهُ ﷺ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَشَيْخُهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَيِ: ابْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، مَدَنِيٌّ، سَكَنَ دِمَشْقَ ثُمَّ الْكُوفَةَ تَابِعِيٌّ شَهِيرٌ، سَمِعَ عَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، فَفِي الْإِسْنَادِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ كَالَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّا) أَيِ: الْعَرَبُ، وَقِيلَ: أَرَادَ نَفْسَهُ. وَقَوْلُهُ: (أُمِّيَّةٌ) بِلَفْظِ النَّسَبِ إِلَى الْأُمِّ فَقِيلَ: أَرَادَ أُمَّةَ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكْتُبُ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمَّهَاتِ، أَيْ: أنَّهُمْ عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ أُمِّهِمْ، أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هَذِهِ صِفَتُهَا غَالِبًا، وَقِيلَ: مَنْسُوبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى، وَقَوْلُهُ: (لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ، وَقِيلَ لِلْعَرَبِ: أُمِّيُّونَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ عَزِيزَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْتُبُ وَيَحْسِبُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ قَلِيلَةً نَادِرَةً، وَالْمُرَادُ بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَابُ النُّجُومِ وَتَسْيِيرِهَا، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيرِ وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ: فَسَلُوا أَهْلَ الْحِسَابِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْعَدَدِ عِنْدَ الْإِغْمَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ فَيَرْتَفِعُ الِاخْتِلَافُ وَالنِّزَاعُ عَنْهُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِ التَّسْيِيرِ فِي ذَلِكَ وَهُمُ الرَّوَافِضُ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوَافَقَتُهُمْ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَقَدْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنِ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعٌ وَلَا ظَنٌّ غَالِبٌ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ ارْتَبَطَ الْأَمْرُ بِهَا لَضَاقَ، إِذْ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ.
قَوْلُهُ: (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَمُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى وَغَيْرُهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي: تَمَامَ الثَّلَاثِينَ أَيْ: أَشَارَ أَوَّلًا بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ الْعَشْرَ جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ، وَقَبَضَ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَهَذَا الْمَعْبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، وَأَشَارَ مَرَّةً أُخْرَى بِهِمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثُونَ، وَفِي رِوَايَةِ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَخَنَسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَوَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِ، وَقَبَضَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى وَرَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَطَبَقَ الثَّالِثَةَ فَقَبَضَ الْإِبْهَامَ.
قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ شَهْرًا فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَشَهْرٌ ثَلَاثُونَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ رَفْعٌ لِمُرَاعَاةِ النُّجُومِ بِقَوَانِينِ التَّعْدِيلِ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ رُؤْيَةُ الْأَهِلَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي مُرَاعَاةِ مَا غَمُضَ حَتَّى لَا يُدْرَكَ إِلَّا بِالظُّنُونِ غَايَةَ التَّكَلُّفِ. وَفِي الْحَدِيثِ مُسْتَنَدٌ لِمَنْ رَأَى الْحُكْمَ بِالْإِشَارَةِ، قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
١٤ - بَاب لَا يَتَقَدَّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: لَا يُتَقَدَّمُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا، أَيِ: الْمُكَلَّفُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُتَقَدَّمُ رَمَضَانُ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أَيْ: لَا يُتَقَدَّمُ رَمَضَانُ بِصَوْمِ يَوْمٍ يُعَدُّ مِنْهُ بِقَصْدِ الِاحْتِيَاطِ لَهُ؛ فَإِنَّ صَوْمَهُ مُرْتَبِطٌ بِالرُّؤْيَةِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ، وَاكْتَفَى فِي التَّرْجَمَةِ عَنْ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِ الْخَبَرِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ يَحْيَى.
قَوْلُهُ: (لَا يَتَقَدَّمْنَ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: لَا تَقَدَّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِصَوْمِ وَفِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ: لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ وَلِأَحْمَدَ، عَنْ رَوْحٍ، عَنْ هِشَامٍ: لَا تَقَدَّمُوا قَبْلَ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ) كَانَ تَامَّةٌ، أَيْ: إِلَّا أَنْ يُوجَدَ رَجُلٌ.
قَوْلُهُ: (يَصُومُ صَوْمًا) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ أَحْمَدَ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَيَأْتِي عَلَى صِيَامِهِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ رَوْحٍ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصِلْهُ بِهِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصِيَامٍ عَلَى نِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَانَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَمَّا أَخْرَجَهُ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ اهـ.
وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّقَوِّي بِالْفِطْرِ لِرَمَضَانَ لِيَدْخُلَ فِيهِ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ جَازَ، وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ قَرِيبًا، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ خَشْيَةُ اخْتِلَاطِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالرُّؤْيَةِ، فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَأَلِفَهُ، وَتَرْكُ الْمَأْلُوفِ شَدِيدٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنِ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ، وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ وَالنُّذُرُ لِوُجُوبِهِمَا، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُسْتَثْنَى الْقَضَاءُ وَالنُّذُرُ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِمَا، فَلَا يَبْطُلُ الْقَطْعِيُّ بِالظَّنِّ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ كَالرَّافِضَةِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَوْمِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ التَّقَدُّمُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ، وَاسْتَدَلَّ بِلَفْظِ التَّقَدُّمِ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الصِّيَامُ بِنْيَةِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، لَكِنَّ السِّيَاقَ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَدْفَعُهُ. وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلتَّأْقِيتِ لَا لِلتَّعْلِيلِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَمَعَ كَوْنِهَا مَحْمُولَةً عَلَى التَّأْقِيتِ فَلَا بُدَّ مِنَ ارْتِكَابِ مَجَازٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرُّؤْيَةِ - وَهُوَ اللَّيْلُ - لَا يَكُونُ مَحَلَّ الصَّوْمِ. وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بُقُولِهِ: صُومُوا انْوُوا الصِّيَامَ، وَاللَّيْلُ كُلُّهُ ظَرْفٌ لِلنِّيَّةِ. قُلْتُ: فَوَقَعَ فِي الْمَجَازِ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّاوِيَ لَيْسَ صَائِمًا حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بَعْدَ النِّيَّةِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَفِيهِ مَنْعُ إِنْشَاءِ الصَّوْمِ قَبْلَ رَمَضَانَ إِذَا كَانَ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمَفْهُومُهُ الْجَوَازُ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ الْمَنْعُ لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين وبغيره (لا يَتَقَدَّمَنَّْ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة ويجوز تخفيفها، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لا يتقدَّم» أي (١): المُكلَّف (رَمَضَانَ) وقال الحافظ ابن حجرٍ: «لا يُتَقدَّم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه؛ يعني: مبنيًّا للمفعول، «رمضانُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، ثمَّ قال: ويجوز فتحهما، أي: أوَّل «يَتَقدَّم» وثانيه، ولم يعزُه لأحدٍ (بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا) ولابن عساكر: «أو» (يَومَينِ) يُعَدُّ منه (٢) بقصد الاحتياط له، فإنَّ صومه مرتبطٌ بالرُّؤية، فلا حاجة إلى التَّكلُّف.
١٩١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميُّ (٣)، أحد الثِّقات الأثبات إلَّا أنَّه كان كثير الإرسال والتَّدليس، رأى أنسًا ولم يسمع منه، واحتجَّ به الأئمَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أَنَّهُ (قَالَ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) أي: بنيَّة الرَّمضانيَّة احتياطًا، ولكراهة التَّقدُّم معانٍ: أحدها: خوفًا من أن يُزاد في رمضان ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيد لذلك، حذرًا ممَّا وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم، وخرَّج (٤) الطَّبرانيُّ عن عائشة: أنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشَّهر فيصومون (٥) قبل النَّبيِّ ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين
آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ولهذا نُهِي عن صوم يوم الشَّكِّ، والمعنى الثَّاني: الفصل بين صيام الفرض والنَّفل، فإنَّ جنس الفصل بين الفرائض والنَّوافل مشروعٌ ولذا حرم صيام يوم العيد، ونهى رسول الله (١) ﷺ أن تُوصَل صلاةٌ مفروضةٌ بصلاةٍ حتَّى يُفصَل بينهما بسلامٍ أو كلامٍ خصوصًا سنَّة الفجر، وفي «المُسنَد»: أنَّه ﷺ فعله (٢)، وهذا فيه نظرٌ لأنَّه يجوز لمن له عادةٌ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والمعنى الثَّالث: أنَّه للتَّقوِّي على صيام رمضان، فإنَّ مواصلة الصِّيام تُضعِف عن صيام الفرض، فإذا حصل (٣) الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التَّقوّي على صيام رمضان، وفيه نظرٌ لأنَّ معنى الحديث: أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيَّامٍ فصاعدًا جاز، المعنى الرَّابع: أنَّ الحكم عُلِّق بالرُّؤية، فمن تقدَّمه بيومٍ أو يومين فقد حاول الطَّعن في ذلك الحكم.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ) المعتاد من وردٍ؛ كأن اعتاد صوم الدَّهر، أو صوم يومٍ وفطر يومٍ، أو يومٍ مُعيَّنٍ (٤) كالاثنين فصادفه (٥)، أو نذرٍ أو قضاءٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يصوم صومًا» (فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ) فإنَّه مأذونٌ له فيه (٦)، ويجب عليه النَّذر وما بعده، فهو مستثنًى بالأدلَّة القطعيَّة ولا يبطل القطعيُّ بالظَّنيِّ، ومفهوم الحديث: الجواز إذا كان التَّقدُّم بأكثر من يومين، وقيل: يمتدُّ المنع لما قبل ذلك، وبه قطع كثيرٌ من الشَّافعيَّة، وأجابوا عن الحديث بأنَّ المراد منه: التَّقدُّم بالصَّوم؛ فحيث وُجِد مُنِع، وإنَّما اقتصر على يومٍ أو يومين لأنَّه الغالب ممَّن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أوَّل السَّادس عشر من شعبان لحديث: «إذا انتصف شعبان؛ فلا تصوموا» رواه أبو داود وغيره، وظاهره: أنَّه يحرم الصَّوم إذا انتصف وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبيَّة الصَّوم، وقد قال النَّوويُّ في
«المجموع»: إذا انتصف شعبان حَرُم الصَّوم بلا سببٍ إن لم يصله بما قبله على الصَّحيح.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(١٥) (بَابُ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾) كنايةٌ عن الجماع، وعُدِّي بـ «إلى» لتضمُّنه معنى: الإفضاء، ثمَّ بيَّن سبب الإحلال (١) فقال: (﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾) لأنَّ الرَّجل والمرأة يتضاجعان ويشتمل كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه شُبِّه باللِّباس، أو لأنَّ كلًّا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه عن الفجور (﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾) تجامعون النِّساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حرامًا عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) لمَّا تبتم ممَّا اقترفتموه (﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾) ومحا عنكم أثره (﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾) أي: جامعوهنَّ، فقد نُسِخ عنكم التَّحريم (﴿وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]) واطلبوا ما قدَّره لكم وأثبته في اللَّوح المحفوظ من الولد، والمعنى: أنَّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإنَّه الحكمة في خلق الشَّهوة (٢) وشرع النِّكاح. ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾».