«قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٥٧

الحديث رقم ٢٢٥٧ من كتاب «كتاب الشفعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب الشفعة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٥٧ في صحيح البخاري

«قَضَى رَسُولُ اللهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ.»

بَابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْحَكَمُ إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهُوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٢٥٧

٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢٥٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٦ - كِتَاب الشُّفْعَةِ

١ - بَاب الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ

٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.

قَوْلُه: (كِتَابُ الشُّفْعَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. السَّلَمُ فِي الشُّفْعَةِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَسَقَطَ مَا سِوَى الْبَسْمَلَةِ لِلْبَاقِينَ، وَثَبَتَ لِلْجَمِيعِ بَابُ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ. وَالشُّفْعَةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَغَلِطَ مَنْ حَرَّكَهَا، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ لُغَةً مِنَ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَقِيلَ: مِنَ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِعَانَةِ. وَفِي الشَّرْعِ: انْتِقَالُ حِصَّةِ شَرِيكٍ إِلَى شَرِيكٍ كَانَتِ انْتَقَلَتْ إِلَى أَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى. وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ مِنْ إِنْكَارِهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى رِوَايَتِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأَرْضِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي قَوْلِهِ: (كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ) أَوْ كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِمَا يَكُونُ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) أَيْ: بُيِّنَتْ مَصَارِفُ الطُّرُقِ وَشَوَارِعِهَا، كَأَنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ أَوْ مِنَ التَّصْرِيفِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مَعْنَاهُ خَلَصَتْ وَبَانَتْ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الصِّرْفِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ؛ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِي الْمُشَاعِ، وَصَدْرُهُ يُشْعِرُ بِثُبُوتِهَا فِي الْمَنْقُولَاتِ، وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِهَا بِالْعَقَارِ وَبِمَا فِيهِ الْعَقَارُ. وَقَدْ أَخَذَ بِعُمُومِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ تَثْبُتُ فِي الْحَيَوَانَاتِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَنْقُولَاتِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ، وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِرُوَاتِهِ. قَالَ عِيَاضٌ: لَوِ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْقِطْعَةِ الْأُولَى لَكَانَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سُقُوطِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ، وَلَكِنْ أَضَافَ إِلَيْهَا صَرْفَ الطُّرُقِ، وَالْمُتَرَتِّبِ عَلَى أَمْرَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرَتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، وَعَلَى ثُبُوتِهَا لِكُلِّ شَرِيكٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا شُفْعَةَ لِذِمِّيٍّ.

وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: لَا شُفْعَةَ لِمَنْ لَمْ يَسْكُنِ الْمِصْرَ.

(تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ اخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَ مَالِكٌ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا، كَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَالْمَاجِشُونُ عَنْهُ، فَوَصَلَهُ بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ: عَنْهُمَا، أَوْ: عَنْ أَحَدِهِمَا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ مَوْصُولًا، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ النَّبِيِّ مُرْسَلًا، وَمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ () (١) وقد اختُلِف على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فقال مالكٌ: عنه، عن أبي سلمة وابن المُسيَّب مرسلًا؛ كذا رواه الشَّافعيُّ وغيره، والمحفوظ روايته عن أبي سلمة عن جابرٍ أنَّه (قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قضى (٢) النَّبيُّ» ( بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا) أي: في كلِّ مشتركٍ مشاعٍ قابلٍ للقسمة (لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ) جمع حدٍّ، وهو هنا ما تتميَّز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحدِّ: المنع، ففي تحديد الشَّيء منع خروج شيءٍ منه، ومنع دخول غيره فيه (٣) (وَصُرِِّفَتِ الطُّرُقُ) بضمِّ الصَّاد المهملة وكسر الرَّاء المُخفَّفة وتُشدَّد (٤)، أي: بُيِّنت مصارفها وشوارعها (فَلَا شُفْعَةَ) لأنَّه لا مجال لها بعد أن تميَّزت الحقوق بالقسمة، وهذا الحديث أصلٌ في ثبوت الشُّفعة، وقد أخرجه مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ بلفظ: قضى رسول الله بالشُّفعة في كلِّ شركٍ لم يُقسَم، رَبْعَةٍ أو حائطٍ، ولا يحلُّ له أن يبيع حتَّى يُؤْذِن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحقُّ به، والرَّبعة -بفتح الرَّاء- تأنيث الرَّبع، وهو المنزل، والحائط: البستان، وقد تضمَّن هذا الحديث ثبوت الشُّفعة في المشاع، وصدره يُشعِر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يُشعِر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور

مذهب المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة تخصيصها بالعقار؛ لأنَّه أكثر الأنواع ضررًا، والمراد بالعقار: الأرض وتوابعها المُثبَتة فيها للدَّوام؛ كالبناء وتوابعه الدَّاخلة في مُطلَق البيع؛ من الأبواب والرُّفوف والمسامير وحجري الطَّاحونة (١) والأشجار، فلا تثبت في منقولٍ غير تابعٍ، ويُشتَرط أن يكون العقار قابلًا للقسمة، واحتُرِز به عمَّا إذا كان لا يقبلها، أو يقبلها بضررٍ؛ كالحمَّام ونحوها؛ لِمَا سبق أن علَّة (٢) ثبوت الشُّفعة دفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصَّة الصَّائرة إلى الشَّفيع، وفي «الفتح»: وقد أخذ بعمومها في كلِّ شيءٍ مالكٌ في روايةٍ، وهو قول عطاءٍ، وعن أحمد: تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، وروى البيهقيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «الشُّفعة في كلِّ شيءٍ»، ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّه قد أُعِلَّ بالإرسال، وقد أخرج الطَّحاويُّ له شاهدًا من حديث جابرٍ بإسنادٍ لا بأس به. انتهى. ومشهور مذهب مالكٍ -كما سبق- تخصيصها بالعقار، وقال المرداويُّ الحنبليُّ في «تنقيحه»: ولا شفعة في طريقٍ مشتركٍ لا ينفذ، ولا فيما لا تجب قسمته، وما ليس بعقارٍ، كشجرٍ وحيوانٍ وجوهرٍ وسيفٍ ونحوها. انتهى. وخرج بقوله في الحديث: «في كلِّ شركٍ» الجارُ ولو ملاصقًا خلافًا للحنفيَّة حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا، وفي «الجامع»: وللجار المقابل في السِّكَّة الغير النَّافذة، أمَّا المقابل في السِّكَّة النَّافذة فلا شفعة له اتِّفاقًا، واستدلَّ لهم بقوله : «الجار أحقُّ بشفعة جاره يُنتَظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا» أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ، وقد زعم بعضهم أنَّ قوله: «فإذا وقعت الحدود … » إلى آخره مُدرَجٌ من كلام جابرٍ، قال: لأنَّ قوله (٣) الأوَّل كلامٌ تامٌّ، والثَّاني كلامٌ مستقلٌّ، ولو كان الثَّاني مرفوعًا لقال: وقال (٤): إذا وقعت الحدود.

انتهى. ولا يخفى ما فيه؛ لأنَّ الأصل أنَّ كلَّ ما ذُكِر في الحديث فهو منه حتَّى يثبت الإدراج بدليلٍ، والله الموفِّق.

وحديث الباب قد سبق في «باب بيع الشَّريك من شريكه» [خ¦٢٢١٣].

(٢) (بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ) أي: عرض الشَّريك الشُّفعة (عَلَى صَاحِبِهَا) الذي هي له (قَبْلَ) صدور (البَيْعِ. وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتَيبَة -بضمِّ العين المهملة وفتح الفوقيَّة والمُوحَّدة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، مُصغَّرًا- الكوفيُّ التَّابعيُّ: (إِذَا أَذِنَ) مستحقُّ الشُّفعة (لَهُ) أي: للشَّريك الذي يريد البيع (قَبْلَ البَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) وهذا وصله ابن أبي شيبة (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل الكوفيُّ التَّابعيُّ الكبير، فيما وصله ابن أبي شيبة: (مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ (١)) ومذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفة وأصحابهم: لو أعلم الشَّريك بالبيع فأذن فيه فباع، ثمَّ أراد الشَّريك أن يأخذ بالشُّفعة فله ذلك، ومفهوم قوله في حديث مسلمٍ السَّابق: «ولا يحلُّ له أن يبيع حتَّى يُؤْذِن شريكه … » إلى آخره وجوب (٢) الإعلام، لكن حمله الشَّافعيَّة على النَّدب إلى إعلامه (٣)، وكراهة (٤) بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيهٍ، ويصدق على المكروه أنَّه ليس بحلالٍ، ويكون الحلال (٥) بمعنى المباح، وهو مستوي الطَّرفين، بل هو راجحُ التَّرك (٦)، قاله النَّوويُّ، وقال في «المَطْلَب»: والخبر يقتضي استئذان الشَّريك قبل البيع، ولم أظفر به

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٦ - كِتَاب الشُّفْعَةِ

١ - بَاب الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ

٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.

قَوْلُه: (كِتَابُ الشُّفْعَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. السَّلَمُ فِي الشُّفْعَةِ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَسَقَطَ مَا سِوَى الْبَسْمَلَةِ لِلْبَاقِينَ، وَثَبَتَ لِلْجَمِيعِ بَابُ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ. وَالشُّفْعَةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَغَلِطَ مَنْ حَرَّكَهَا، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ لُغَةً مِنَ الشَّفْعِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَقِيلَ: مِنَ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِعَانَةِ. وَفِي الشَّرْعِ: انْتِقَالُ حِصَّةِ شَرِيكٍ إِلَى شَرِيكٍ كَانَتِ انْتَقَلَتْ إِلَى أَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى. وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ مِنْ إِنْكَارِهَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى رِوَايَتِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأَرْضِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي قَوْلِهِ: (كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ) أَوْ كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِ الشُّفْعَةِ بِمَا يَكُونُ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) أَيْ: بُيِّنَتْ مَصَارِفُ الطُّرُقِ وَشَوَارِعِهَا، كَأَنَّهُ مِنَ التَّصَرُّفِ أَوْ مِنَ التَّصْرِيفِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مَعْنَاهُ خَلَصَتْ وَبَانَتْ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الصِّرْفِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ؛ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِي الْمُشَاعِ، وَصَدْرُهُ يُشْعِرُ بِثُبُوتِهَا فِي الْمَنْقُولَاتِ، وَسِيَاقُهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِهَا بِالْعَقَارِ وَبِمَا فِيهِ الْعَقَارُ. وَقَدْ أَخَذَ بِعُمُومِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ تَثْبُتُ فِي الْحَيَوَانَاتِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَنْقُولَاتِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ، وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِرُوَاتِهِ. قَالَ عِيَاضٌ: لَوِ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْقِطْعَةِ الْأُولَى لَكَانَتْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سُقُوطِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ، وَلَكِنْ أَضَافَ إِلَيْهَا صَرْفَ الطُّرُقِ، وَالْمُتَرَتِّبِ عَلَى أَمْرَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرَتُّبُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، وَعَلَى ثُبُوتِهَا لِكُلِّ شَرِيكٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا شُفْعَةَ لِذِمِّيٍّ.

وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: لَا شُفْعَةَ لِمَنْ لَمْ يَسْكُنِ الْمِصْرَ.

(تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ اخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَ مَالِكٌ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا، كَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَالْمَاجِشُونُ عَنْهُ، فَوَصَلَهُ بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ: عَنْهُمَا، أَوْ: عَنْ أَحَدِهِمَا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ مَوْصُولًا، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ النَّبِيِّ مُرْسَلًا، وَمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ () (١) وقد اختُلِف على الزُّهريِّ في هذا الإسناد، فقال مالكٌ: عنه، عن أبي سلمة وابن المُسيَّب مرسلًا؛ كذا رواه الشَّافعيُّ وغيره، والمحفوظ روايته عن أبي سلمة عن جابرٍ أنَّه (قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قضى (٢) النَّبيُّ» ( بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا) أي: في كلِّ مشتركٍ مشاعٍ قابلٍ للقسمة (لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ) جمع حدٍّ، وهو هنا ما تتميَّز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحدِّ: المنع، ففي تحديد الشَّيء منع خروج شيءٍ منه، ومنع دخول غيره فيه (٣) (وَصُرِِّفَتِ الطُّرُقُ) بضمِّ الصَّاد المهملة وكسر الرَّاء المُخفَّفة وتُشدَّد (٤)، أي: بُيِّنت مصارفها وشوارعها (فَلَا شُفْعَةَ) لأنَّه لا مجال لها بعد أن تميَّزت الحقوق بالقسمة، وهذا الحديث أصلٌ في ثبوت الشُّفعة، وقد أخرجه مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ بلفظ: قضى رسول الله بالشُّفعة في كلِّ شركٍ لم يُقسَم، رَبْعَةٍ أو حائطٍ، ولا يحلُّ له أن يبيع حتَّى يُؤْذِن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحقُّ به، والرَّبعة -بفتح الرَّاء- تأنيث الرَّبع، وهو المنزل، والحائط: البستان، وقد تضمَّن هذا الحديث ثبوت الشُّفعة في المشاع، وصدره يُشعِر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يُشعِر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار، ومشهور

مذهب المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة تخصيصها بالعقار؛ لأنَّه أكثر الأنواع ضررًا، والمراد بالعقار: الأرض وتوابعها المُثبَتة فيها للدَّوام؛ كالبناء وتوابعه الدَّاخلة في مُطلَق البيع؛ من الأبواب والرُّفوف والمسامير وحجري الطَّاحونة (١) والأشجار، فلا تثبت في منقولٍ غير تابعٍ، ويُشتَرط أن يكون العقار قابلًا للقسمة، واحتُرِز به عمَّا إذا كان لا يقبلها، أو يقبلها بضررٍ؛ كالحمَّام ونحوها؛ لِمَا سبق أن علَّة (٢) ثبوت الشُّفعة دفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداث المرافق في الحصَّة الصَّائرة إلى الشَّفيع، وفي «الفتح»: وقد أخذ بعمومها في كلِّ شيءٍ مالكٌ في روايةٍ، وهو قول عطاءٍ، وعن أحمد: تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، وروى البيهقيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «الشُّفعة في كلِّ شيءٍ»، ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّه قد أُعِلَّ بالإرسال، وقد أخرج الطَّحاويُّ له شاهدًا من حديث جابرٍ بإسنادٍ لا بأس به. انتهى. ومشهور مذهب مالكٍ -كما سبق- تخصيصها بالعقار، وقال المرداويُّ الحنبليُّ في «تنقيحه»: ولا شفعة في طريقٍ مشتركٍ لا ينفذ، ولا فيما لا تجب قسمته، وما ليس بعقارٍ، كشجرٍ وحيوانٍ وجوهرٍ وسيفٍ ونحوها. انتهى. وخرج بقوله في الحديث: «في كلِّ شركٍ» الجارُ ولو ملاصقًا خلافًا للحنفيَّة حيث أثبتوها للجار الملاصق أيضًا، وفي «الجامع»: وللجار المقابل في السِّكَّة الغير النَّافذة، أمَّا المقابل في السِّكَّة النَّافذة فلا شفعة له اتِّفاقًا، واستدلَّ لهم بقوله : «الجار أحقُّ بشفعة جاره يُنتَظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا» أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ، وقد زعم بعضهم أنَّ قوله: «فإذا وقعت الحدود … » إلى آخره مُدرَجٌ من كلام جابرٍ، قال: لأنَّ قوله (٣) الأوَّل كلامٌ تامٌّ، والثَّاني كلامٌ مستقلٌّ، ولو كان الثَّاني مرفوعًا لقال: وقال (٤): إذا وقعت الحدود.

انتهى. ولا يخفى ما فيه؛ لأنَّ الأصل أنَّ كلَّ ما ذُكِر في الحديث فهو منه حتَّى يثبت الإدراج بدليلٍ، والله الموفِّق.

وحديث الباب قد سبق في «باب بيع الشَّريك من شريكه» [خ¦٢٢١٣].

(٢) (بابُ عَرْضِ الشُّفْعَةِ) أي: عرض الشَّريك الشُّفعة (عَلَى صَاحِبِهَا) الذي هي له (قَبْلَ) صدور (البَيْعِ. وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتَيبَة -بضمِّ العين المهملة وفتح الفوقيَّة والمُوحَّدة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، مُصغَّرًا- الكوفيُّ التَّابعيُّ: (إِذَا أَذِنَ) مستحقُّ الشُّفعة (لَهُ) أي: للشَّريك الذي يريد البيع (قَبْلَ البَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) وهذا وصله ابن أبي شيبة (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل الكوفيُّ التَّابعيُّ الكبير، فيما وصله ابن أبي شيبة: (مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ (١)) ومذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفة وأصحابهم: لو أعلم الشَّريك بالبيع فأذن فيه فباع، ثمَّ أراد الشَّريك أن يأخذ بالشُّفعة فله ذلك، ومفهوم قوله في حديث مسلمٍ السَّابق: «ولا يحلُّ له أن يبيع حتَّى يُؤْذِن شريكه … » إلى آخره وجوب (٢) الإعلام، لكن حمله الشَّافعيَّة على النَّدب إلى إعلامه (٣)، وكراهة (٤) بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيهٍ، ويصدق على المكروه أنَّه ليس بحلالٍ، ويكون الحلال (٥) بمعنى المباح، وهو مستوي الطَّرفين، بل هو راجحُ التَّرك (٦)، قاله النَّوويُّ، وقال في «المَطْلَب»: والخبر يقتضي استئذان الشَّريك قبل البيع، ولم أظفر به

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله