بَابُ كِتَابَةِ الْقَطَائِعِ٢٣٧٧ - وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٧٧

الحديث رقم ٢٣٧٧ من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب كتابة القطائع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٧٧ في صحيح البخاري

بَابُ كِتَابَةِ الْقَطَائِعِ

٢٣٧٧ - وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ دَعَا النَّبِيُّ الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةَ فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي.

بَابُ حَلَبِ الْإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٧٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَتَخْرِيجُهُ عَلَى طَرِيقٍ فِقْهِيٍّ مُشْكِلٍ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لِلْمُقْطَعِ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ كَاخْتِصَاصِ الْمُتَحَجِّرِ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَادَّعَى الْأَذْرَعِيُّ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بَعْضَ الْجُنْدِ بِغَلَّةِ أَرْضٍ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَوَقَعَ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ لِحَمَّادٍ مِنْ يَحْيَى.

قَوْلُهُ: (أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ) يَعْنِي لِلْأَنْصَارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لِيُقْطِعَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنَ أَوْ طَائِفَةً مِنْهَا وَكَأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ حَمَّادٍ، فَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنَ وَلَهُمْ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُمْ أقْطَاعًا.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَوَاتَ مِنْهَا لِيَتَمَلَّكُوهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْعَامِرَ مِنْهَا لَكِنْ فِي حَقِّهِ مِنَ الْخُمُسِ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَرَكَ أَرْضَهَا فَلَمْ يَقْسِمْهَا.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِتَنَاوُلِ جِزْيَت هَا، وَبِهِ جَزَمَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَابْنُ قُرْقُولٍ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ أَرْضَ الصُّلْحِ لَا تُقْسَمُ فَلَا تُمْلَكُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنَ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ. قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيكٍ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ إِقْطَاعُهُ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ الدُّورَ يَعْنِي أَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ بِرِضَاهُمُ انْتَهَى.

وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْخُمُسِ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إنَّ النَّبِيَّ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَجْلَاهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهَا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا إِقْطَاعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ النَّبِيَّ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ الْأَنْصَارَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، أَمَّا النَّاجِزُ يَوْمَ عَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهَا، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتِ الْفُتُوحُ فَخَرَاجُ الْأَرْضِ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَرَاضٍ بَعْدَ فَتْحِهَا وَقَبْلَ فَتْحِهَا، مِنْهَا إِقْطَاعُهُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ بَيْتَ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا فُتِحَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ نَجَزَ ذَلِكَ لِتَمِيمٍ، وَاسْتَمَرَّ فِي أَيْدِي ذُرِّيَّتِهِ مِنَ ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ، وَبِيَدِهِمْ كِتَابٌ مِنَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ يَعْنِي سَبَبَ قِلَّةِ الْفُتُوحِ يَوْمَئِذٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِعْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ أَرْضَ بَنِي النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ: (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنِ اسْتِئْثَارِ الْمُلُوكِ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الْأَنْصَارِ بِالْأَمْوَالِ وَالتَّفْضِيلِ فِي الْعَطَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٥ - بَاب كِتَابَةِ الْقَطَائِعِ

٢٣٧٧ - وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ : دَعَا النَّبِيُّ الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي الحديث: أنَّ للإمام أن يقطع من الأراضي التي تحت يده لمن يراه أهلًا لذلك.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجزية» [خ¦٣١٦٣] و «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩٤].

(١٥) (باب كِتَابَةِ القَطَائِعِ) لمن أقطعه الإمام ليكون (١) توثقةً بيده دفعًا للنِّزاع.

٢٣٧٧ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه قال: (دَعَا النَّبِيُّ الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالبَحْرَيْنِ) قال الخطَّابيُّ: يحتمل أنَّه أراد الموات منها ليتملَّكوه بالإحياء، أو أراد أن يخصَّهم بتناول جزيتها، وبه جزم إسماعيل القاضي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ فَعَلْتَ) أي: الإقطاع (فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا (٢)، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) المثل (عِنْدَ النَّبِيِّ ) يعني: بسبب قلَّة الفتوح يومئذٍ (فَقَالَ) : (إِنَّكُمْ (٣) سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةً) بضمِّ الهمزة وسكون المُثلَّثة وفتحهما، وهذا من أعلام نبوَّته، فإنَّ فيه إشارةً إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريشٍ عن الأنصار بالأموال وغيرها (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) أي: يوم القيامة، قيل: فيه أنَّ الأنصار لا تكون فيهم الخلافة؛ لأنَّه جعلهم تحت الصَّبر إلى يوم القيامة، والصَّبر لا يكون إلَّا من مغلوبٍ محكومٍ عليه، وفيه: فضيلةٌ ظاهرةٌ للأنصار حيث لم يستأثروا بشيءٍ من الدُّنيا دون المهاجرين، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لذلك في «باب فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩٤].

وهذا الحديث أورده المؤلِّف غير موصولٍ، قال أبو نُعيمٍ: وكأنَّه أخذه عن عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث عنه، وقال ابن حجرٍ: لم أره موصولًا من طريقه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَتَخْرِيجُهُ عَلَى طَرِيقٍ فِقْهِيٍّ مُشْكِلٍ. قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لِلْمُقْطَعِ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ كَاخْتِصَاصِ الْمُتَحَجِّرِ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَادَّعَى الْأَذْرَعِيُّ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بَعْضَ الْجُنْدِ بِغَلَّةِ أَرْضٍ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، وَوَقَعَ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ لِحَمَّادٍ مِنْ يَحْيَى.

قَوْلُهُ: (أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ) يَعْنِي لِلْأَنْصَارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لِيُقْطِعَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنَ أَوْ طَائِفَةً مِنْهَا وَكَأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ حَمَّادٍ، فَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنَ وَلَهُمْ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُمْ أقْطَاعًا.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَوَاتَ مِنْهَا لِيَتَمَلَّكُوهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْعَامِرَ مِنْهَا لَكِنْ فِي حَقِّهِ مِنَ الْخُمُسِ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَرَكَ أَرْضَهَا فَلَمْ يَقْسِمْهَا.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِتَنَاوُلِ جِزْيَت هَا، وَبِهِ جَزَمَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَابْنُ قُرْقُولٍ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ أَرْضَ الصُّلْحِ لَا تُقْسَمُ فَلَا تُمْلَكُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنَ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ. قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيكٍ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ إِقْطَاعُهُ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ الدُّورَ يَعْنِي أَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ بِرِضَاهُمُ انْتَهَى.

وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْخُمُسِ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إنَّ النَّبِيَّ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَجْلَاهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهَا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا إِقْطَاعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ النَّبِيَّ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ الْأَنْصَارَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، أَمَّا النَّاجِزُ يَوْمَ عَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهَا، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتِ الْفُتُوحُ فَخَرَاجُ الْأَرْضِ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَرَاضٍ بَعْدَ فَتْحِهَا وَقَبْلَ فَتْحِهَا، مِنْهَا إِقْطَاعُهُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ بَيْتَ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا فُتِحَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ نَجَزَ ذَلِكَ لِتَمِيمٍ، وَاسْتَمَرَّ فِي أَيْدِي ذُرِّيَّتِهِ مِنَ ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ، وَبِيَدِهِمْ كِتَابٌ مِنَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرُهُمَا.

قَوْلُهُ: (مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ يَعْنِي سَبَبَ قِلَّةِ الْفُتُوحِ يَوْمَئِذٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِعْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ أَرْضَ بَنِي النَّضِيرِ.

قَوْلُهُ: (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنِ اسْتِئْثَارِ الْمُلُوكِ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الْأَنْصَارِ بِالْأَمْوَالِ وَالتَّفْضِيلِ فِي الْعَطَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٥ - بَاب كِتَابَةِ الْقَطَائِعِ

٢٣٧٧ - وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ : دَعَا النَّبِيُّ الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي الحديث: أنَّ للإمام أن يقطع من الأراضي التي تحت يده لمن يراه أهلًا لذلك.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجزية» [خ¦٣١٦٣] و «فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩٤].

(١٥) (باب كِتَابَةِ القَطَائِعِ) لمن أقطعه الإمام ليكون (١) توثقةً بيده دفعًا للنِّزاع.

٢٣٧٧ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه قال: (دَعَا النَّبِيُّ الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالبَحْرَيْنِ) قال الخطَّابيُّ: يحتمل أنَّه أراد الموات منها ليتملَّكوه بالإحياء، أو أراد أن يخصَّهم بتناول جزيتها، وبه جزم إسماعيل القاضي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ فَعَلْتَ) أي: الإقطاع (فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا (٢)، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) المثل (عِنْدَ النَّبِيِّ ) يعني: بسبب قلَّة الفتوح يومئذٍ (فَقَالَ) : (إِنَّكُمْ (٣) سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةً) بضمِّ الهمزة وسكون المُثلَّثة وفتحهما، وهذا من أعلام نبوَّته، فإنَّ فيه إشارةً إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريشٍ عن الأنصار بالأموال وغيرها (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) أي: يوم القيامة، قيل: فيه أنَّ الأنصار لا تكون فيهم الخلافة؛ لأنَّه جعلهم تحت الصَّبر إلى يوم القيامة، والصَّبر لا يكون إلَّا من مغلوبٍ محكومٍ عليه، وفيه: فضيلةٌ ظاهرةٌ للأنصار حيث لم يستأثروا بشيءٍ من الدُّنيا دون المهاجرين، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لذلك في «باب فضل الأنصار» [خ¦٣٧٩٤].

وهذا الحديث أورده المؤلِّف غير موصولٍ، قال أبو نُعيمٍ: وكأنَّه أخذه عن عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث عنه، وقال ابن حجرٍ: لم أره موصولًا من طريقه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله