الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٩٠
الحديث رقم ٢٣٩٠ من كتاب «كتاب في الاستقراض» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب استقراض الإبل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ حُسْنِ التَّقَاضِي
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خَبَرًا مَنْصُوبًا.
قَوْلُهُ: (أَرْصُدُهُ) ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ رَصَدَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ تَقُولُ: أَرْصَدْتُهُ أَيْ هَيَّأْتُهُ وَأَعْدَدْتُهُ وَرَصَدْتُهُ أَيْ رَقَبْتُهُ، وَقَوْلُهُ: الْأَكْثَرُونَ؛ أَيْ: مَالًا وَالْأَقَلُّونَ أَيْ: ثَوَابًا إِلَّا مَنْ ذَكَرَ، وَقَوْلُهُ: وَقَلِيلٌ مَا هُمْ مَا زَائِدَةٌ أَوْ صِفَةٌ، وَقَوْلُهُ: مَكَانَكَ بِالنَّصْبِ مَحْذُوفُ الْعَامِلِ أَيِ الْزَمْ مَكَانَكَ، وَقَوْلُهُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِي سَمِعْتُ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَا هُوَ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فُسِّرَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا وَإِنْ بَدَلَ وَمَنْ.
قَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (وَرَوَاهُ صَالِحٌ، وَعُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَرِيقُهُمَا مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ وُقُوعُ التَّمْيِيزِ بَعْدَ مِثْلٍ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ قَوْلُهُ: (مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ وُقُوعُ جَوَابِ لَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا بِمَا، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا مُثْبَتًا، وَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُضَارِعَ مَوْقِعَ الْمَاضِي، أَوْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَا كَانَ يَسُرُّنِي فَحَذَفَ كَانَ وَهُوَ جَوَابُ لَوْ، وَفِيهِ ضَمِيرٌ هُوَ الِاسْمُ وَيَسُرُّنِي الْخَبَرُ، وَحَذْفُ كَانَ مَعَ اسْمِهَا وَبَقَاءُ خَبَرِهَا كَثِيرٌ وَهَذَا أَوْلَى اهـ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَسُرُّنِي أَنْ يَمْكُثَ عِنْدِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ وَمَفْهُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطَابِقٌ لِمَنْطُوقِ الْآخَرَ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ وَعَلَى هَذَا فَلَا زَائِدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب اسْتِقْرَاضِ الْإِبِلِ
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِمِنًى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ. وَقَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً.
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِقْرَاضِ الْإِبِلِ) أَيْ جَوَازُهُ لِيَرُدَّ الْمُقْتَرِضُ نَظِيرَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ فِي الْهِبَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ سِنًّا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ قَضَاءَ الدَّيْنِ، وَفِي أَوَّلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ يَتَقَاضَى النَّبِيَّ ﷺ بَعِيرًا، وَلَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ: اسْتَقْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ: اسْتَقْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ سِنًّا.
قَوْلُهُ: (فَأَغْلَظَ لَهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِغْلَاظُ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ قَدْرٍ زَائِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ كَافِرًا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ كَانَ أَعْرَابِيًّا، وَكَأَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنْ جَفَاءِ الْمُخَاطَبَةِ. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ هُوَ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُهُ وَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأَعْرَابِيٍّ، وَوَقَعَ لِلْعِرْبَاضِ نَحْوُهَا.
قَوْلُهُ: (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) أَيْ أَرَادَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُؤْذُوهُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، لَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَدَبًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا) أَيْ
صَوْلَةَ الطَّلَبِ وَقُوَّةَ الْحُجَّةِ، لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ الْمَشْرُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْتَمِسُوا لَهُ مِثْلَ سِنِّ بَعِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا لَا نَجِدُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَهَا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَالْتَمَسُوا لَهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَ سِنِّ بَعِيرِهِ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ هُوَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ: اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَالَ: إِذَا جَاءَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ قَضَيْنَاكَ، فَلَمَّا جَاءَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ أَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: اشْتَرُوا لَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِالشِّرَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ قَدِمَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهُ أَمَرَ بِالشِّرَاءِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مِمَّنِ اسْتَحَقَّ مِنْهَا شَيْئًا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ الْمَذْكُورَةُ: إِذَا جَاءَتِ الصَّدَقَةُ قَضَيْنَاكَ اهـ. وَالْبَكْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ الصَّغِيرُ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْخِيَارُ الْجَيِّدُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَالرَّبَاعِي، بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ أَلْقَى رَبَاعِيَتَهُ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ فِي الْهِبَةِ: فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ كَذَا عَلَى الشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ خِيَارُكُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُفْرَدَ بِمَعْنَى الْمُخْتَارِ أَوِ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ خَيْرُهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ تَكُونَ مِنْ مُقَدَّرَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ.
وَقَوْلُهُ: أَحْسَنُكُمْ لَمَّا أُضِيفَ أَفْعَلُ وَالْمَقْصُودُ بِهِ الزِّيَادَةُ جَازَ فِيهِ الْإِفْرَادُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بَعْدَ بَابِ مِنْ خِيَارِكُمْ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ إِذَا حَلَّ أَجَلُهُ. وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ وَعِظَمُ حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَإِنْصَافِهِ، وَأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَنْبَغِي لَهُ مُجَافَاةُ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَأَنَّ مَنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَى الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ. وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ اسْتِقْرَاضُ الْإِبِلِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً، وَهُوَ حَدِيثٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا إِرْسَالَهُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، وَفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ اخْتِلَافٌ. وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ حَدِيثٌ صَالِحٌ لِلْحُجَّةِ.
وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ نَسِيئَةً مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ بَقِيَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ وَالسَّلَمِ فِيهِ. وَاعْتَلَّ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا حَتَّى لَا يُوقَفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْمِثْلِيَّةِ فِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِهِ بِالْوَصْفِ بِمَا يَدْفَعُ التَّغَايُرَ، وَقَدْ جَوَّزَ الْحَنَفِيَّةُ التَّزْوِيجَ وَالْكِتَابَةَ عَلَى الرَّقِيقِ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ، وَفِيهِ جَوَازُ وَفَاءِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمِثْلِ الْمُقْتَرَضِ إِذَا لَمْ تَقَعْ شَرْطِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ اتِّفَاقًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي الزِّيَادَةِ إِنْ كَانَتْ بِالْعَدَدِ مُنِعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْوَصْفِ جَازَتْ. وَفِيهِ أَنَّ الِاقْتِرَاضَ فِي الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَكَذَا الْأُمُورُ الْمُبَاحَةُ لَا يُعَابُ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِحَاجَةِ بَعْضِ الْمُحْتَاجِينَ لِيُوَفِّيَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ.
هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَوْجِيهُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا قِيلَ فِي سَبَبِ اقْتِرَاضِهِ ﷺ وَأَنَّهُ كَانَ اقْتَرَضَهُ لِبَعْضِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بفتح لام «سلَمة»، وضمِّ كاف «كُهِيلٍ» مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (بِبَيْتِنَا) أي: منزل سكننا، كذا في الفرع وغيره، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «بمنًى» أي: لمَّا حجَّ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) ولأحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ، وفي «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ ما يُفهِم أنَّه العرباض بن سارية، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور، وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، ولفظه عن عِرباضٍ: بعتُ من النَّبيِّ ﷺ بكرًا، فأتيته أتقاضاه، فقال: «أجل، لا أقضيكها إلَّا النَّجيبة»، فقضاني فأحسن قضائي، وجاءه أعرابيٌّ يتقاضاه سنًّا … الحديث، وأخرجه ابن ماجه أيضًا عن العِرباض، فذكر قصَّة الأعرابيِّ، وأسقط قصَّة العِرباض (١)، فتبيَّن بهذا أنَّه سقط من رواية (٢) الطَّبرانيِّ قصَّة الأعرابيِّ فلا يُفسَّر المبهم (٣). (تَقَاضَى رَسُولَ اللهِ ﷺ) أي: طلب (٤) منه قضاء دينٍ له عليه، ولأحمد: استقرض النَّبيُّ ﷺ من رجلٍ بعيرًا (فَأَغْلَظَ لَهُ) بالتَّشدُّد (٥) في المطالبة لا سيَّما وقد كان أعرابيًّا -كما مرَّ- فقد جرى على عادته في الجفاء والغلظة في الطَّلب، وقيل: إنَّ الكلام الذي أغلظ فيه هو أنَّه قال: يا بني عبد المطَّلب، إنَّكم مُطْلٌ وكَذَبَ، فإنَّه لم يكن في أجداده ﷺ ولا في أعمامه من هو كذلك، بل هم أهل الكرم والوفاء، ويبعد أن يصدر هذا من مسلمٍ (فَهَمَّ أَصْحَابُهُ) ﷺ ورضي عنهم، ولأبي ذرٍّ: «فهمَّ به أصحابه»، أي: عزموا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكنَّهم تركوا ذلك أدبًا معه ﷺ (فَقَالَ) ﵊:
(دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكن مع مراعاة الأدب المشروع (وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا) وعند أحمد عن (١) عبد الرَّزَّاق: التمسوا له مثل سنِّ بعيره (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا» بإسقاط الواو (لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ) أي: فوق سنِّ بعيره (قَالَ: اشْتَرُوهُ) أي: الأفضل (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ) والمخاطب بذلك أبو رافعٍ مولى رسول الله ﷺ -كما في «مسلمٍ» - (٢) (فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) أي: من خيركم (٣)، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]: «فإنَّ من خيركم» -أو خيركم- على الشَّكِّ، كما في بعض الأصول، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه.
وفي هذا الحديث ما ترجم له وهو استقراض الإبل ويلتحق بها جميع الحيوان (٤) -كما مرَّ- وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ والجمهور، ومنع ذلك الحنفيَّة؛ لحديث النَّهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، رواه ابن حبَّان والدَّارقُطنيُّ عن (٥) ابن عبَّاسٍ مرفوعًا بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ إلَّا أنَّ الحفَّاظ رجَّحوا إرساله، وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث الحسن عن سَمُرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلافٌ، وقول الطَّحاويِّ: -إنَّه ناسخٌ لحديث الباب- مُتعقَّبٌ بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد جمع الشَّافعيُّ ﵀ بين الحديثين بحمل النَّهي على ما إذا كان نسيئةً من الجانبين. وحديث الباب قد مرَّ في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] وهو من غرائب الصَّحيح، قال البزَّار: لا يُروَى عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، ومداره على سلمة بن كُهَيلٍ، وقد صرَّح في هذا الباب بأنَّه سمعه من أبي سلمة، كما سبق، والله أعلم (٦).
(٥) (باب) استحباب (حُسْنِ التَّقَاضِي) أي: المطالبة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خَبَرًا مَنْصُوبًا.
قَوْلُهُ: (أَرْصُدُهُ) ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ رَصَدَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ تَقُولُ: أَرْصَدْتُهُ أَيْ هَيَّأْتُهُ وَأَعْدَدْتُهُ وَرَصَدْتُهُ أَيْ رَقَبْتُهُ، وَقَوْلُهُ: الْأَكْثَرُونَ؛ أَيْ: مَالًا وَالْأَقَلُّونَ أَيْ: ثَوَابًا إِلَّا مَنْ ذَكَرَ، وَقَوْلُهُ: وَقَلِيلٌ مَا هُمْ مَا زَائِدَةٌ أَوْ صِفَةٌ، وَقَوْلُهُ: مَكَانَكَ بِالنَّصْبِ مَحْذُوفُ الْعَامِلِ أَيِ الْزَمْ مَكَانَكَ، وَقَوْلُهُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِي سَمِعْتُ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَا هُوَ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فُسِّرَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الرِّقَاقِ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا وَإِنْ بَدَلَ وَمَنْ.
قَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ (وَرَوَاهُ صَالِحٌ، وَعُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَرِيقُهُمَا مَوْصُولٌ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ وُقُوعُ التَّمْيِيزِ بَعْدَ مِثْلٍ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ قَوْلُهُ: (مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ وُقُوعُ جَوَابِ لَوْ مُضَارِعًا مَنْفِيًّا بِمَا، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا مُثْبَتًا، وَكَأَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُضَارِعَ مَوْقِعَ الْمَاضِي، أَوْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَا كَانَ يَسُرُّنِي فَحَذَفَ كَانَ وَهُوَ جَوَابُ لَوْ، وَفِيهِ ضَمِيرٌ هُوَ الِاسْمُ وَيَسُرُّنِي الْخَبَرُ، وَحَذْفُ كَانَ مَعَ اسْمِهَا وَبَقَاءُ خَبَرِهَا كَثِيرٌ وَهَذَا أَوْلَى اهـ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَسُرُّنِي أَنْ يَمْكُثَ عِنْدِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ وَمَفْهُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطَابِقٌ لِمَنْطُوقِ الْآخَرَ، وَوَقَعَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمْكُثَ وَعَلَى هَذَا فَلَا زَائِدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٤ - بَاب اسْتِقْرَاضِ الْإِبِلِ
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِمِنًى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ. وَقَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً.
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِقْرَاضِ الْإِبِلِ) أَيْ جَوَازُهُ لِيَرُدَّ الْمُقْتَرِضُ نَظِيرَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ فِي الْهِبَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ سِنًّا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ قَضَاءَ الدَّيْنِ، وَفِي أَوَّلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ يَتَقَاضَى النَّبِيَّ ﷺ بَعِيرًا، وَلَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ: اسْتَقْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ: اسْتَقْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ سِنًّا.
قَوْلُهُ: (فَأَغْلَظَ لَهُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِغْلَاظُ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمُطَالَبَةِ مِنْ غَيْرِ قَدْرٍ زَائِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ كَافِرًا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ كَانَ أَعْرَابِيًّا، وَكَأَنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ مِنْ جَفَاءِ الْمُخَاطَبَةِ. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ مَا يُفْهِمُ أَنَّهُ هُوَ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَفِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُهُ وَأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأَعْرَابِيٍّ، وَوَقَعَ لِلْعِرْبَاضِ نَحْوُهَا.
قَوْلُهُ: (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) أَيْ أَرَادَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُؤْذُوهُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، لَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَدَبًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا) أَيْ
صَوْلَةَ الطَّلَبِ وَقُوَّةَ الْحُجَّةِ، لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ الْمَشْرُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْتَمِسُوا لَهُ مِثْلَ سِنِّ بَعِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا لَا نَجِدُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَهَا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَالْتَمَسُوا لَهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا فَوْقَ سِنِّ بَعِيرِهِ وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ هُوَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ: اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَالَ: إِذَا جَاءَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ قَضَيْنَاكَ، فَلَمَّا جَاءَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ أَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: اشْتَرُوا لَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِالشِّرَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ قَدِمَتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا، أَوْ أَنَّهُ أَمَرَ بِالشِّرَاءِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مِمَّنِ اسْتَحَقَّ مِنْهَا شَيْئًا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ الْمَذْكُورَةُ: إِذَا جَاءَتِ الصَّدَقَةُ قَضَيْنَاكَ اهـ. وَالْبَكْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ الصَّغِيرُ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْخِيَارُ الْجَيِّدُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَالرَّبَاعِي، بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ أَلْقَى رَبَاعِيَتَهُ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ فِي الْهِبَةِ: فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَوْ خَيْرَكُمْ كَذَا عَلَى الشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ خِيَارُكُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُفْرَدَ بِمَعْنَى الْمُخْتَارِ أَوِ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ خَيْرُهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ تَكُونَ مِنْ مُقَدَّرَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهَا الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ.
وَقَوْلُهُ: أَحْسَنُكُمْ لَمَّا أُضِيفَ أَفْعَلُ وَالْمَقْصُودُ بِهِ الزِّيَادَةُ جَازَ فِيهِ الْإِفْرَادُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بَعْدَ بَابِ مِنْ خِيَارِكُمْ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ إِذَا حَلَّ أَجَلُهُ. وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ وَعِظَمُ حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَإِنْصَافِهِ، وَأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَنْبَغِي لَهُ مُجَافَاةُ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَأَنَّ مَنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَى الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ. وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ اسْتِقْرَاضُ الْإِبِلِ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً، وَهُوَ حَدِيثٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا إِرْسَالَهُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، وَفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ اخْتِلَافٌ. وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ حَدِيثٌ صَالِحٌ لِلْحُجَّةِ.
وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُمْكِنٌ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ نَسِيئَةً مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ بَقِيَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ وَالسَّلَمِ فِيهِ. وَاعْتَلَّ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا حَتَّى لَا يُوقَفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْمِثْلِيَّةِ فِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِهِ بِالْوَصْفِ بِمَا يَدْفَعُ التَّغَايُرَ، وَقَدْ جَوَّزَ الْحَنَفِيَّةُ التَّزْوِيجَ وَالْكِتَابَةَ عَلَى الرَّقِيقِ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ، وَفِيهِ جَوَازُ وَفَاءِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمِثْلِ الْمُقْتَرَضِ إِذَا لَمْ تَقَعْ شَرْطِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ اتِّفَاقًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي الزِّيَادَةِ إِنْ كَانَتْ بِالْعَدَدِ مُنِعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْوَصْفِ جَازَتْ. وَفِيهِ أَنَّ الِاقْتِرَاضَ فِي الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَكَذَا الْأُمُورُ الْمُبَاحَةُ لَا يُعَابُ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِحَاجَةِ بَعْضِ الْمُحْتَاجِينَ لِيُوَفِّيَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ.
هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي تَوْجِيهُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا قِيلَ فِي سَبَبِ اقْتِرَاضِهِ ﷺ وَأَنَّهُ كَانَ اقْتَرَضَهُ لِبَعْضِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بفتح لام «سلَمة»، وضمِّ كاف «كُهِيلٍ» مُصغَّرًا (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (بِبَيْتِنَا) أي: منزل سكننا، كذا في الفرع وغيره، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «بمنًى» أي: لمَّا حجَّ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) ولأحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ، وفي «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ ما يُفهِم أنَّه العرباض بن سارية، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور، وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، ولفظه عن عِرباضٍ: بعتُ من النَّبيِّ ﷺ بكرًا، فأتيته أتقاضاه، فقال: «أجل، لا أقضيكها إلَّا النَّجيبة»، فقضاني فأحسن قضائي، وجاءه أعرابيٌّ يتقاضاه سنًّا … الحديث، وأخرجه ابن ماجه أيضًا عن العِرباض، فذكر قصَّة الأعرابيِّ، وأسقط قصَّة العِرباض (١)، فتبيَّن بهذا أنَّه سقط من رواية (٢) الطَّبرانيِّ قصَّة الأعرابيِّ فلا يُفسَّر المبهم (٣). (تَقَاضَى رَسُولَ اللهِ ﷺ) أي: طلب (٤) منه قضاء دينٍ له عليه، ولأحمد: استقرض النَّبيُّ ﷺ من رجلٍ بعيرًا (فَأَغْلَظَ لَهُ) بالتَّشدُّد (٥) في المطالبة لا سيَّما وقد كان أعرابيًّا -كما مرَّ- فقد جرى على عادته في الجفاء والغلظة في الطَّلب، وقيل: إنَّ الكلام الذي أغلظ فيه هو أنَّه قال: يا بني عبد المطَّلب، إنَّكم مُطْلٌ وكَذَبَ، فإنَّه لم يكن في أجداده ﷺ ولا في أعمامه من هو كذلك، بل هم أهل الكرم والوفاء، ويبعد أن يصدر هذا من مسلمٍ (فَهَمَّ أَصْحَابُهُ) ﷺ ورضي عنهم، ولأبي ذرٍّ: «فهمَّ به أصحابه»، أي: عزموا أن يؤذوه بالقول أو الفعل، لكنَّهم تركوا ذلك أدبًا معه ﷺ (فَقَالَ) ﵊:
(دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكن مع مراعاة الأدب المشروع (وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا) وعند أحمد عن (١) عبد الرَّزَّاق: التمسوا له مثل سنِّ بعيره (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا» بإسقاط الواو (لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ) أي: فوق سنِّ بعيره (قَالَ: اشْتَرُوهُ) أي: الأفضل (فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ) والمخاطب بذلك أبو رافعٍ مولى رسول الله ﷺ -كما في «مسلمٍ» - (٢) (فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) أي: من خيركم (٣)، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]: «فإنَّ من خيركم» -أو خيركم- على الشَّكِّ، كما في بعض الأصول، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه.
وفي هذا الحديث ما ترجم له وهو استقراض الإبل ويلتحق بها جميع الحيوان (٤) -كما مرَّ- وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ والجمهور، ومنع ذلك الحنفيَّة؛ لحديث النَّهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، رواه ابن حبَّان والدَّارقُطنيُّ عن (٥) ابن عبَّاسٍ مرفوعًا بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ إلَّا أنَّ الحفَّاظ رجَّحوا إرساله، وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث الحسن عن سَمُرة، وفي سماع الحسن من سمرة اختلافٌ، وقول الطَّحاويِّ: -إنَّه ناسخٌ لحديث الباب- مُتعقَّبٌ بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد جمع الشَّافعيُّ ﵀ بين الحديثين بحمل النَّهي على ما إذا كان نسيئةً من الجانبين. وحديث الباب قد مرَّ في «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] وهو من غرائب الصَّحيح، قال البزَّار: لا يُروَى عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، ومداره على سلمة بن كُهَيلٍ، وقد صرَّح في هذا الباب بأنَّه سمعه من أبي سلمة، كما سبق، والله أعلم (٦).
(٥) (باب) استحباب (حُسْنِ التَّقَاضِي) أي: المطالبة.