«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٢٩

الحديث رقم ٢٤٢٩ من كتاب «كتاب في اللقطة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة…

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.»

سند حديث: ٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ⦗١٢٥⦘بْنُ…

٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ

⦗١٢٥⦘

بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة…

سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم المال الضال عن ربه، من الذهب، و الفضة، والإبل، والغنم.
فبين له صلى الله عليه وسلم حكم هذه الأشياء لتكون مثالا لأشباهها، من الأموال الضائعة، فتأخذ حكمها.
فقال عن الذهب والفضة: اعرف الرباط الذي شدت به، والوعاء الذي جعلت فيه، لتميزها من بين مالك، ولتخبر بعلمك بها من ادعاها.
فإن طابق وصفه صفاتها، أعطيه إياها، وإلا تبين لك عدم صحة دعواه .
وأمره أن يعرفها سنة كاملة بعد التقاطه إياها.
ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق ، وأبواب المساجد. والمجمعات العامة، وفي مكان التقاطها.
ثم أباح له- بعد تعريفها سنة، وعدم العثور على صاحبها أن يستنفقها، فإذا جاء صاحبها في أي يوم من أيام الدهر، أداها إليه.
وأما ضالة الإبل ونحوها، مما يمتنع بنفسه، فنهاه عن التقاطها؛ لأنها ليست بحاجة إلى الحفظ، فلها من طبيعتها حافظ، لأن فيها القوة على صيانة نفسها من صغار السباع، ولها من أخفافها ما تقطع به المفاوز، ومن عنقها ما تتناول به الشجر والماء، ومن جوفها ما تحمل به الغذاء، فهي حافظة نفسها حتى يجدها ربها الذي سيبحث عنها في مكان ضياعها.
وأما ضالة الغنم ونحوها من صغار الحيوان، فأمره أن يأخذها حفظا لها من الهلاك وافتراس السباع، وبعد أخذها يأتي صاحبها فيأخذها، أو يمضي عليها حول التعريف فتكون لواجدها .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • لا يجوز التقاط اللقطة إلا لمن قدر على تعريفها وأمن نفسه عليها، ومن لم يقدر فعليه أن يسلمها للحاكم الشرعي.
  • أن يعرف الواجد وكاءها ووعاءها وجنسها ليميزها عن ماله وليعرف صفاتها فيختبر من ادعى ضياعها منه، فذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربها.
  • أن يعرفها سنة في مجامع الناس كأبواب المساجد والمحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة .وفي زمننا يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة.
  • إن لم تعرف في مدة العام، جاز له إنفاقها وبقى مستعدا لإعطاء صاحبها عوضها مثلها، إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة.
  • إن مضى عليها الحول ولم تعرف، ملكها ملتقطها ملكًا قهريًّا من غير اختيار كالإرث وإذا جاء صاحبها بعد الحول فله عوضها، أو هي بعينها إن كانت موجودة.
  • إن جاء صاحبها ولو بعد أمد طويل ووصفها دفعت إليه، ويكفى وصفها بينة على أنها له، فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى يمين، لأن وصفها هو بينتها، فبينة كل شيء بحسبه، فإن البينة ما أبان الحق وأظهره، ووصفها كاف في ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال، التي يدعيها أحد ولا يكون له فيها منازع، فيكتفي بوصفه إياها.
  • أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته أو بعَدْوه أو بطيرانه، فلا يجوز التقاطها، لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها، ما يحفظها ويمنعها، لكن إن وجدت في مهلكة رُدتْ بقصد الإنقاذ، لا التقاط.
  • أما الشاة فالأحسن- بعد أخذها- أن يعمل فيها الأصلح من أكلها مقدرا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف، وتركها بدون أخذها، تعريض لها للهلاك، فإن جاء صاحبها، رجع بها أو بقيمتها وإن لم يأت فهي لمن وجدها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى فَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ وَكَذَلِكَ جَزَمَ بِرَفْعِهَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْفَهْمِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى، وَرَبِيعَةَ جَمِيعًا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى رُجْحَانِ رَفْعِهَا فَتَرْجَمَ بَعْدَ أَبْوَابٍ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِكَوْنِهَا وَدِيعَةً هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ يَزِيدُ وَهِيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا) هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَشُكَّ يَحْيَى فِي كَونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى يَزِيدَ، وَلَمْ أَرَهَا مَرْفُوعَةً فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٤ - بَاب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا

٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا) أَيْ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ وَفِيهِ قَوْلُهُ: ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا شَأْنَكَ بِهَا فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَشَأْنَكَ بِهَا، فَحَذَفَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَوَابَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَشَرْطَ إِنِ الثَّانِيَةِ وَالْفَاءَ مِنْ جَوَابِهَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ بِلَفْظِ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ الْحَذْفُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أُبَيٍّ فِي أَوَّلِ اللُّقَطَةِ بِلَفْظِ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا بِإِثْبَاتِ الْفَاءِ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي، وَمَضَى مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ: وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا وَمِثْلُهُ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ الْمُقْدَّمِ ذِكْرُهَا، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّاقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: شَأْنَكَ بِهَا تَفْوِيضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَقَوْلُهُ: فَاسْتَنْفِقْهَا الْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ التَّلَفُّظِ بِالتَّمْلِيكِ، وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا، وَقِيلَ: تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: وَإِلَّا فَتَصْنَعُ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكَ.

قَوْلُهُ: (شَأْنَكَ بِهَا) الشَّأْنُ الْحَالُ أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا، وَهُوَ بِالنَّصْبِ أَيِ الْزَمْ شَأْنَكَ بِهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ بِهَا أَيْ شَأْنُكَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إِذَا تَصَرَّفَ فِي اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا هَلْ يَضْمَنُهَا لَهُ أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ مَوْجُودَةً، أَوِ الْبَدَلِ إِنْ كَانَتِ اسْتُهْلِكَتْ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْكَرَابِيسِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَوَافَقَهُ صَاحِبَاهُ لْبُخَارِيُّ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ إِمَامُ الظَّاهِرِيَّةِ، لَكِنْ وَافَقَ دَاوُدُ الْجُمْهُورَ إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً، وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بـ «الرَّأي»، المدنيِّ، واسم أبيه فرُّوخ (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ () أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) أي: أعرابيٌّ كما في السَّابقة [خ¦٢٤٢٧] أو هو بلالٌ كما قال ابن بشكوال، أو سويدٌ والد عقبة، كما رجَّحه ابن حجرٍ وقد مرَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) أي: عن حكمها (فَقَالَ) : (اعْرِفْ عِفَاصَهَا) وعاءها الذي (١) هي فيه (وَوِكَاءَهَا) الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الوعاء لتعرف صدق مدَّعيها عند طلبها (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فأدِّها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَشَأْنَكَ بِهَا) بالنَّصب، أي: الزم شأنَك بها، والشَّأن الحال، أي: تصرَّفْ فيها، وسبق في حديث أُبَيٍّ بلفظ [خ¦٢٤٢٦]: «فاستمتعْ بها»، ولمسلمٍ من طريق ابن وهبٍ: «فإن لم يأت لها طالبٌ فاستنفقها»، واستدلَّ به على أنَّ اللَّاقط يملكها بعد انقضاء مدَّة التَّعريف، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، لكنَّ المشهورَ عند الشَّافعيَّة اشتراطُ التَّلفُّظ بالتَّملُّك كما مرَّ قريبًا، وإذا تصرَّف فيها بعد التَّعريف سنةً ثمَّ جاء صاحبها فالجمهور على وجوب الرَّدِّ إن كانت العين موجودةً، أو البدل إن كانت استُهلِكت؛ لقوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٤٢٨]: «ولتكن وديعةً عندك»، وقوله أيضًا عند مسلمٍ: «ثمَّ كُلْها، فإن جاء صاحبُها فأدِّها إليه»، فإنَّه يقتضي وجوب ردِّها بعد أكلها، فيُحمَل على ردِّ البدل وحينئذٍ فيُحمَل قول المصنِّف في التَّرجمة «فهي لمن وجدها»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤ - (بابٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ صاحِبُ اللقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يُوجد صَاحب اللّقطَة بعد التَّعْرِيف بِسنة فَهِيَ، أَي: اللّقطَة، لمن وجدهَا، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل الْوَاجِد الْغَنِيّ وَالْفَقِير، وَهَذَا خلاف مَذْهَب الْجُمْهُور، فَإِن عِنْدهم: إِذا كَانَت الْعين مَوْجُودَة يجب الرَّد، وَإِن كَانَت استهلكت يجب الْبَدَل، وَلم يخالفهم فِي ذَلِك إلَاّ الْكَرَابِيسِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ: وَوَافَقَهُمَا البُخَارِيّ فِي ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث الْبَاب: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فشأنك بهَا، وَهَذَا تَفْوِيض إِلَى اخْتِيَاره. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي حَدِيث زيد بن خَالِد عَن الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة بِلَفْظ: وإلَاّ فتصنع بهَا مَا تصنع بِمَالك، وَمن حجَّة الْجُمْهُور، قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق: وَكَانَت وَدِيعَة عِنْده، وَقَوله فِي رِوَايَة بشر بن سعيد بن زيد بن خَالِد: فاعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ كُلها، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ فَإِن ظَاهر قَوْله: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا ... إِلَى آخِره، بعد قَوْله: كلهَا، يَقْتَضِي وجوب ردهَا بعد أكلهَا، فَيحمل على رد الْبَدَل، وَقَالَ ابْن بطال: إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة بعد الحَول لزم ملتقطها أَن يردهَا إِلَيْهِ، وعَلى هَذَا إِجْمَاع أَئِمَّة الْفَتْوَى، وَزعم بعض من نسب نَفسه إِلَى الْعلم: أَنَّهَا لَا تُؤَدّى إِلَيْهِ بعد الْحول، اسْتِدْلَالا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فشأنك بهَا) . قَالَ: فَهَذَا يدل على ملكهَا، قَالَ: وَهَذَا القَوْل يُؤَدِّي إِلَى تنَاقض السّنَن، إِذْ قَالَ: فأدها إِلَيْهِ قلت: قَوْله فأدها إِلَيْهِ دَلِيل على أَنه إِذا استنفقها أَو تلفت عِنْده بعد التَّمَلُّك أَنه يضمنهَا لصَاحِبهَا إِذا جَاءَ، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله فِي رِوَايَة بشر بن سعيد عَن زيد: ثمَّ كلهَا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها ... أمره بأدائها بعد الْهَلَاك إِذا كَانَ قد يملكهَا أما إِذا أتلفت عِنْده بِغَيْر تَفْرِيط مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يضمنهَا لصَاحِبهَا إِذا جَاءَ، لِأَن يَده عَلَيْهَا يَد أَمَانَة فَصَارَت كَالْوَدِيعَةِ.

٩٢٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزِيدَ مَوْلاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَألَهُ عنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ فَشأْنُكَ بِها قَالَ فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضالَّةُ الإبلِ قَالَ مالَكَ ولَهَا مَعَها سِقَاؤُها وحِذَاؤُها تَردُ الْمَاءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاها ربُّهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فشأنك بهَا) بِنصب النُّون، أَي: إلزم شَأْنك ملتبساً بهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: إِنَّه مَنْصُوب على الْمصدر، يُقَال: شأنت شَأْنه مَعهَا ... الخ أَي: قصدت قَصده، وأشأن شَأْنك أَي: إعمل مَا تُحسنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فشأنك) بِالنّصب وبالرفع، فَقَالَ فِي النصب: أَي: إلزم شَأْنك، وَلم يبين الرّفْع، وَوَجهه أَن يكون مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: فشأنك مُبَاح أَو جَائِز أَو نَحْو ذَلِك، والشأن: الْخطب وَالْأَمر وَالْحَال. قَوْله: (مَالك وَلها؟) أَي: مَالك وَأَخذهَا وَالْحَال أَنَّهَا مُسْتَقلَّة بِأَسْبَاب تعيشها، فَيكون قَوْله: (مَعهَا سقاؤها) ، على تَقْدِير الْحَال، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت.

٥ - (بابٌ إذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي الْبَحْرِ أوْ سَوْطاً أوْ نَحْوَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وجد شخص خَشَبَة فِي الْبَحْر أَو وجد سَوْطًا فِي مَوضِع أَو وجد شَيْئا وَنَحْو ذَلِك مثل عَصا وحبل وَمَا أشبههما، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: مَاذَا يصنع بِهِ؟ هَل يَأْخُذهُ أَو يتْركهُ؟ فَإِذا أَخذه هَل يَتَمَلَّكهُ أَو سَبيله سَبِيل اللّقطَة؟ فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء. فروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: إِذا ألْقى الْبَحْر خَشَبَة فَتَركهَا أفضل، وَقَالَ ابْن شعْبَان: فِيهَا قَول آخر: إِن وجدهَا يَأْخُذهَا، فَإِن جَاءَ رَبهَا غرم لَهُ قيمتهَا. ورخصت طَائِفَة فِي أَخذ اللّقطَة الْيَسِيرَة وَالِانْتِفَاع بهَا وَترك تَعْرِيفهَا، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ عمر وَعلي وَابْن عمر وَعَائِشَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالنَّخَعِيّ وطاووس، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي اللّقطَة: لَا بَأْس بِمَا دون الدِّرْهَم أَن يسْتَمْتع بِهِ. وَعَن جَابر كَانُوا يرخصون فِي السَّوْط وَالْحَبل وَنَحْوه أَن ينْتَفع بِهِ. وَقَالَ عَطاء: لَا بَأْس للْمُسَافِر إِذا وجد السَّوْط والسقاء والنعلين أَن ينْتَفع بهَا، اسْتدلَّ من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى فَقَالَ فِيهِ: فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ وَكَذَلِكَ جَزَمَ بِرَفْعِهَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْفَهْمِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى، وَرَبِيعَةَ جَمِيعًا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى رُجْحَانِ رَفْعِهَا فَتَرْجَمَ بَعْدَ أَبْوَابٍ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِكَوْنِهَا وَدِيعَةً هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ يَزِيدُ وَهِيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا) هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَشُكَّ يَحْيَى فِي كَونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى يَزِيدَ، وَلَمْ أَرَهَا مَرْفُوعَةً فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٤ - بَاب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا

٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا) أَيْ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ وَفِيهِ قَوْلُهُ: ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا شَأْنَكَ بِهَا فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَشَأْنَكَ بِهَا، فَحَذَفَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَوَابَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَشَرْطَ إِنِ الثَّانِيَةِ وَالْفَاءَ مِنْ جَوَابِهَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ بِلَفْظِ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ الْحَذْفُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ دُونَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أُبَيٍّ فِي أَوَّلِ اللُّقَطَةِ بِلَفْظِ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا بِإِثْبَاتِ الْفَاءِ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي، وَمَضَى مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ: وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا وَمِثْلُهُ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ الْمُقْدَّمِ ذِكْرُهَا، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ لَهَا طَالِبٌ فَاسْتَنْفِقْهَا.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّاقِطَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: شَأْنَكَ بِهَا تَفْوِيضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَقَوْلُهُ: فَاسْتَنْفِقْهَا الْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ التَّلَفُّظِ بِالتَّمْلِيكِ، وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا، وَقِيلَ: تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: وَإِلَّا فَتَصْنَعُ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكَ.

قَوْلُهُ: (شَأْنَكَ بِهَا) الشَّأْنُ الْحَالُ أَيْ تَصَرَّفْ فِيهَا، وَهُوَ بِالنَّصْبِ أَيِ الْزَمْ شَأْنَكَ بِهَا، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ بِهَا أَيْ شَأْنُكَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إِذَا تَصَرَّفَ فِي اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا هَلْ يَضْمَنُهَا لَهُ أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ مَوْجُودَةً، أَوِ الْبَدَلِ إِنْ كَانَتِ اسْتُهْلِكَتْ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْكَرَابِيسِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَوَافَقَهُ صَاحِبَاهُ لْبُخَارِيُّ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ إِمَامُ الظَّاهِرِيَّةِ، لَكِنْ وَافَقَ دَاوُدُ الْجُمْهُورَ إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً، وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بـ «الرَّأي»، المدنيِّ، واسم أبيه فرُّوخ (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ () أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) أي: أعرابيٌّ كما في السَّابقة [خ¦٢٤٢٧] أو هو بلالٌ كما قال ابن بشكوال، أو سويدٌ والد عقبة، كما رجَّحه ابن حجرٍ وقد مرَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) أي: عن حكمها (فَقَالَ) : (اعْرِفْ عِفَاصَهَا) وعاءها الذي (١) هي فيه (وَوِكَاءَهَا) الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الوعاء لتعرف صدق مدَّعيها عند طلبها (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فأدِّها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَشَأْنَكَ بِهَا) بالنَّصب، أي: الزم شأنَك بها، والشَّأن الحال، أي: تصرَّفْ فيها، وسبق في حديث أُبَيٍّ بلفظ [خ¦٢٤٢٦]: «فاستمتعْ بها»، ولمسلمٍ من طريق ابن وهبٍ: «فإن لم يأت لها طالبٌ فاستنفقها»، واستدلَّ به على أنَّ اللَّاقط يملكها بعد انقضاء مدَّة التَّعريف، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، لكنَّ المشهورَ عند الشَّافعيَّة اشتراطُ التَّلفُّظ بالتَّملُّك كما مرَّ قريبًا، وإذا تصرَّف فيها بعد التَّعريف سنةً ثمَّ جاء صاحبها فالجمهور على وجوب الرَّدِّ إن كانت العين موجودةً، أو البدل إن كانت استُهلِكت؛ لقوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٤٢٨]: «ولتكن وديعةً عندك»، وقوله أيضًا عند مسلمٍ: «ثمَّ كُلْها، فإن جاء صاحبُها فأدِّها إليه»، فإنَّه يقتضي وجوب ردِّها بعد أكلها، فيُحمَل على ردِّ البدل وحينئذٍ فيُحمَل قول المصنِّف في التَّرجمة «فهي لمن وجدها»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤ - (بابٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ صاحِبُ اللقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يُوجد صَاحب اللّقطَة بعد التَّعْرِيف بِسنة فَهِيَ، أَي: اللّقطَة، لمن وجدهَا، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل الْوَاجِد الْغَنِيّ وَالْفَقِير، وَهَذَا خلاف مَذْهَب الْجُمْهُور، فَإِن عِنْدهم: إِذا كَانَت الْعين مَوْجُودَة يجب الرَّد، وَإِن كَانَت استهلكت يجب الْبَدَل، وَلم يخالفهم فِي ذَلِك إلَاّ الْكَرَابِيسِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ: وَوَافَقَهُمَا البُخَارِيّ فِي ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث الْبَاب: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فشأنك بهَا، وَهَذَا تَفْوِيض إِلَى اخْتِيَاره. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي حَدِيث زيد بن خَالِد عَن الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة بِلَفْظ: وإلَاّ فتصنع بهَا مَا تصنع بِمَالك، وَمن حجَّة الْجُمْهُور، قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق: وَكَانَت وَدِيعَة عِنْده، وَقَوله فِي رِوَايَة بشر بن سعيد بن زيد بن خَالِد: فاعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ كُلها، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ فَإِن ظَاهر قَوْله: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا ... إِلَى آخِره، بعد قَوْله: كلهَا، يَقْتَضِي وجوب ردهَا بعد أكلهَا، فَيحمل على رد الْبَدَل، وَقَالَ ابْن بطال: إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة بعد الحَول لزم ملتقطها أَن يردهَا إِلَيْهِ، وعَلى هَذَا إِجْمَاع أَئِمَّة الْفَتْوَى، وَزعم بعض من نسب نَفسه إِلَى الْعلم: أَنَّهَا لَا تُؤَدّى إِلَيْهِ بعد الْحول، اسْتِدْلَالا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فشأنك بهَا) . قَالَ: فَهَذَا يدل على ملكهَا، قَالَ: وَهَذَا القَوْل يُؤَدِّي إِلَى تنَاقض السّنَن، إِذْ قَالَ: فأدها إِلَيْهِ قلت: قَوْله فأدها إِلَيْهِ دَلِيل على أَنه إِذا استنفقها أَو تلفت عِنْده بعد التَّمَلُّك أَنه يضمنهَا لصَاحِبهَا إِذا جَاءَ، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله فِي رِوَايَة بشر بن سعيد عَن زيد: ثمَّ كلهَا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها ... أمره بأدائها بعد الْهَلَاك إِذا كَانَ قد يملكهَا أما إِذا أتلفت عِنْده بِغَيْر تَفْرِيط مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يضمنهَا لصَاحِبهَا إِذا جَاءَ، لِأَن يَده عَلَيْهَا يَد أَمَانَة فَصَارَت كَالْوَدِيعَةِ.

٩٢٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزِيدَ مَوْلاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسَألَهُ عنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ فَشأْنُكَ بِها قَالَ فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضالَّةُ الإبلِ قَالَ مالَكَ ولَهَا مَعَها سِقَاؤُها وحِذَاؤُها تَردُ الْمَاءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاها ربُّهَا. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فشأنك بهَا) بِنصب النُّون، أَي: إلزم شَأْنك ملتبساً بهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: إِنَّه مَنْصُوب على الْمصدر، يُقَال: شأنت شَأْنه مَعهَا ... الخ أَي: قصدت قَصده، وأشأن شَأْنك أَي: إعمل مَا تُحسنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فشأنك) بِالنّصب وبالرفع، فَقَالَ فِي النصب: أَي: إلزم شَأْنك، وَلم يبين الرّفْع، وَوَجهه أَن يكون مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: فشأنك مُبَاح أَو جَائِز أَو نَحْو ذَلِك، والشأن: الْخطب وَالْأَمر وَالْحَال. قَوْله: (مَالك وَلها؟) أَي: مَالك وَأَخذهَا وَالْحَال أَنَّهَا مُسْتَقلَّة بِأَسْبَاب تعيشها، فَيكون قَوْله: (مَعهَا سقاؤها) ، على تَقْدِير الْحَال، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت.

٥ - (بابٌ إذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي الْبَحْرِ أوْ سَوْطاً أوْ نَحْوَهُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وجد شخص خَشَبَة فِي الْبَحْر أَو وجد سَوْطًا فِي مَوضِع أَو وجد شَيْئا وَنَحْو ذَلِك مثل عَصا وحبل وَمَا أشبههما، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: مَاذَا يصنع بِهِ؟ هَل يَأْخُذهُ أَو يتْركهُ؟ فَإِذا أَخذه هَل يَتَمَلَّكهُ أَو سَبيله سَبِيل اللّقطَة؟ فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء. فروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: إِذا ألْقى الْبَحْر خَشَبَة فَتَركهَا أفضل، وَقَالَ ابْن شعْبَان: فِيهَا قَول آخر: إِن وجدهَا يَأْخُذهَا، فَإِن جَاءَ رَبهَا غرم لَهُ قيمتهَا. ورخصت طَائِفَة فِي أَخذ اللّقطَة الْيَسِيرَة وَالِانْتِفَاع بهَا وَترك تَعْرِيفهَا، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ عمر وَعلي وَابْن عمر وَعَائِشَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالنَّخَعِيّ وطاووس، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي اللّقطَة: لَا بَأْس بِمَا دون الدِّرْهَم أَن يسْتَمْتع بِهِ. وَعَن جَابر كَانُوا يرخصون فِي السَّوْط وَالْحَبل وَنَحْوه أَن ينْتَفع بِهِ. وَقَالَ عَطاء: لَا بَأْس للْمُسَافِر إِذا وجد السَّوْط والسقاء والنعلين أَن ينْتَفع بهَا، اسْتدلَّ من

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر