«لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٣٤

الحديث رقم ٢٤٣٤ من كتاب «كتاب في اللقطة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف تعرف لقطة أهل مكة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس…

«لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ

⦗١٢٦⦘

لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِلَّا الْإِذْخِرَ فَقَامَ أَبُو شَاهٍ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ

سند حديث: ٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى…

٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس…

يخبر أبو هريرة رضي الله عنه أنه لما فُتحت مكة قتل رجلٌ من خُزاعة رجلاً من بني هُذيل بقتيلٍ لهم كان في الجاهلية وأن النبي صلى الله عليه وسلم قام فخطب بما ذكر في الحديث حيث بيَّن حرمة مكة وأن الله حبس عنها أهلَ الفيل وأباحَها لنبيه ساعة من نهار، وليس المراد بالساعة هي الساعة المحدودة، ولكن المراد وقتاً من نهارِ يوم الفتح إذ إنها أبيحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وأخبر أن حرمتها عادت بعد ذلك كما هي لا يعضد شوكها ولايختلى خلاها، أي لا يقطع شجرها ولا يجز حشيشها النابت في حدود الحرم إلا الإذخر، ولاتحل ساقطتها إلا لمنشد.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الدلالة على أن مكة فتنحت عَنْوَة.
  • أن مكة محرمة، لم تحِلَّ لأحد، وأنها لا تزال ولن تزال محرمة، فلا يعضد شجرها وشوكها، ولا يقطع حشيشها النابت في حدود الحرم.
  • يستثنى من ذلك ما أنبته الآدمي وما وجد مقطوعًا، ورَعي البهائم، والإذخر، فهذه مباحة.
  • أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمن أراد التعريف عليها حتى يجدها صاحبها.
  • مشروعية كتابة العلم، ففيها حفظه وتقييده عن الضياع.
  • كان القصاص مُتحَتِّما في التوراة، فخفف الله عن هذه الأمة بجواز العفو عن القاتل إلى الدية.
  • أن من أفعال الله -تعالى- الحبس، وهو المنع، على ما يليق بجلاله.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة، قام في الناس…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) ابن عبد ربِّه، السَّختيانيُّ البلخيُّ المعروف بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ، أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، واسمه صالحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ) عقب ما (٢) قَتَلَ رجلٌ من خزاعة رجلًا من بني ليثٍ راكبًا على راحلته، فخطب (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، وهو المذكور في التَّنزيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «القَتْل» بالقاف المفتوحة والفوقيَّة السَّاكنة، والصَّواب الأوَّل، والذي في الفرع كأصله (٣): «القتل» بالوجهين لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا) على مكَّة (رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) أي: لم تحلَّ (لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء المهملة، أي: أن أقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) هي ساعة الفتح (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) ولأبي ذرٍّ:

«لن تحلَّ» (لأَحَدٍ بَعْدِي) ولأبي ذرٍّ: «من بعدي» (١) (فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، أي: لا يجوز لمحرمٍ ولا حلالٍ (٢) (وَلَا يُخْتَلَى) أي: لا يُقطَع (شَوْكُهَا) بالرَّفع أيضًا كسابقه (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) لقطتها (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) معرِّفٍ يعرِّفها ويحفظها لمالكها، ولا يتملَّكها كسائر اللُّقطات في غيرها من البلاد (وَمَنْ قُتِلَ) بضمِّ القاف وكسر التَّاء (لَهُ قَتِيلٌ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، أي: يُعطَى الدِّية (وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٣)، أي: يقتصَّ (فَقَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب : (إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا) وللحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّما» (نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا) نمِّهدها به، ونسدُّ به فرج (٤) اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنات (وَ) سُقُف (بُيُوتِنَا) نجعله فوق الخشب، والمعنى: ليكن الإذخر استثناءً (٥) من كلامك يا رسول الله، فيتمسَّك به من يرى انتظام الكلام من متكلِّمين، لكنَّ التَّحقيق في المسألة أنَّ كلًّا من المتكلِّمين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر، كان كلٌّ متكلِّمًا (٦) بكلامٍ تامٍّ، ولهذا لم يكتف في هذا الحديث بقول العبَّاس: «إلَّا الإذخر» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِلَّا الإِذْخِرَ) وذلك إمَّا بوحيٍ أو إلهامٍ أو اجتهادٍ على الخلاف المشهور في مثله (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) بالهاء الأصليَّة منوَّنةً، وهو مصروفٌ، قال عياضٌ: كذا ضبطه بعضهم وقرأته أنا معرفةً ونكرةً، ونقل ابن الملقِّن عن ابن دحية أنَّه بالتَّاء منصوبًا، قال في «المصابيح»: لا يُتصوَّر نصبه؛ لأنَّه مضافٌ إليه في مثل هذا العَلَم دائمًا، وإنَّما مراده: أنَّه مُعرَبٌ بالفتحة في حال الجرِّ لكونه غير منصرفٍ؛ وذلك لأنَّ القاعدةَ في العَلَم ذي الإضافة اعتبارُ حال المضاف إليه بالنِّسبة إلى الصِّرف وعدمه، وامتناع دخول اللَّام (٧) ووجوبها، فيمتنع مثلُ هذا، ومثلُ: «أبي هريرة» من

الصَّرف، ومن دخول الألف واللَّام، وينصرف مثل: «أبي بكرٍ»، وتجب اللَّام في مثل: «امرئ القيس»، وتجوز في مثل: «ابن العبَّاس (١)». انتهى. و (٢) أبو شاه: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) ويُقال: إنَّه كلبيٌّ، ويُقال: فارسيٌّ، من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن (٣) ذي يزن، قال في «الإصابة»: كذا رأيته بخطِّ السِّلَفيِّ، وقال: إنَّ هاءه أصليَّةٌ، وهو بالفارسيِّ، ومعناه: الملك، قال (٤): ومن ظنَّ أنَّه (٥) باسم أحد الشِّياه فقد وهم. انتهى.

(فَقَالَ) أي: أبو شاهٍ: (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ) يعني: الخطبة المذكورة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ) قال الوليد بن مسلمٍ: (قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن: (مَا قَوْلُهُ) أي: أبي شاهٍ (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «قال: هذه الخطبةُ» بالرَّفع (الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ).

وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من المدلِّسين على نسقٍ واحدٍ، لكن قد صرَّح كلُّ واحدٍ من رواته بالتَّحديث، فزالت التُّهمة، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود وفي «العلم» و «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «العلم»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الدِّيات».

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ) بالتَّنوين (٦)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بغير إذنه» بالهاء، والماشية -فيما قاله في «النِّهاية» - تقع على الإبل والبقر والغنم، لكنَّها في الغنم أكثر.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

روى عبد الرَّزَّاق أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْتقط حبا أَو حَبَّة من رمان فَأكلهَا، وَعَن ابْن عمر أَنه وجد تَمْرَة فَأَخذهَا فَأكل نصفهَا ثمَّ لقِيه مِسْكين فَأعْطَاهُ النّصْف الآخر. وَفِيه: إِسْقَاط الْغرم عَن أكل الطَّعَام الْمُلْتَقط، وَقيل: يضمنهُ وَإِن أكله مُحْتَاجا إِلَيْهِ، ذكره ابْن الْجلاب.

٢٣٤٢ - وَقَالَ يَحْياى حدَّثنا سُفيانُ قَالَ حدَّثني مَنصُورً وَقَالَ زَائِدَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ طَلْحَةَ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّه عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنِّي لأَنقَلَّبُ إلاى أَهلِي فأجِدُ التَّمْرَةَ ساقِطَة عَلَى فِرَاشي فأرْفَعُهَا لِآكُلَها ثُمَّ أخْشَى أنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيها.

يحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي مُسْنده عَن يحيى، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُسَدّد.

قَوْله: (وَقَالَ زَائِدَة) ، أَي: ابْن قدامَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن زَائِدَة عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة بن مصرف، قَالَ: حَدثنَا أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بتمرة فِي الطَّرِيق فَقَالَ: لَوْلَا أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها. قَوْله: (عبد الله) ، هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم على وزن فعال: ابْن مُنَبّه بن كَامِل الْيَمَانِيّ الأبناوي، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يتنزه من الشُّبُهَات مُعَلّقا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فألقيها) ، بِضَم الْهمزَة: من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فألقيها بِالرَّفْع لَا غير، يَعْنِي: لَا يجوز نصب الْيَاء فِيهِ لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: فارفعها، فَإِذا نصب رُبمَا يظنّ أَنه عطف على قَوْله: أَن تكون، فَيفْسد الْمَعْنى.

٧ - (بابٌ كَيْفَ تُعَرَّفُ لَقَطَةُ أهْلِ مَكَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ تعرف، بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه التَّرْجَمَة تبين إِثْبَات لقطَة الْحرم، وَفِيه رد على من يَقُول: لَا يلتقط لقطَة أهل الْحرم، وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن لقطَة الْحَاج، وأجابت الْعَامَّة عَن ذَلِك بِأَن المُرَاد التقاطها للتَّمَلُّك لَا للْحِفْظ، وَقد أوضح هَذَا حَدِيث الْبَاب، وَقيل: لم يبين أَن كَيْفيَّة لقطَة الْحرم مثل كَيْفيَّة لقطَة غَيره فِي التَّعْرِيف وَالتَّمْلِيك أم هِيَ مقتصرة على الْحِفْظ فِيهِ؟ قلت: بل هِيَ مقتصرة على الْحِفْظ فَقَط، يدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن تَصْرِيح ذَلِك فِي التَّرْجَمَة.

وقالَ طَاوُوسٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَها إلَاّ مَنْ عَرَّفَها

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الْحَج فِي: بَاب لَا يحل الْقِتَال. قَوْله: (لَا يلتقط لقطتهَا) ، أَي: لقطَة أهل مَكَّة (إلَاّ من عرفهَا) يَعْنِي: للْحِفْظ لصَاحِبهَا.

وَقَالَ خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلَاّ لِمُعَرِّفٍ

خَالِد هُوَ الْحذاء، وَهَذَا أَيْضا قِطْعَة وَصلهَا البُخَارِيّ فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي الصواغ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٣٣٤٢ - وَقَالَ أحْمَدُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا رَوْحٌ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينار عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يُعْضَدُ عِضاهُما ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولَا تَحل لُقْطَتُها إلَاّ لِمُنْشِدٍ وَلَا يُخْتَلاى خِلَاها فَقَالَ عبَّاسٌ يَا رسولَ الله إلَاّ الْإذْخِرَ فَقَالَ إلَاّ الْإذْخِرَ. .

اخْتلف فِي أَحْمد بن سعيد هَذَا، فَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي: هُوَ ابو عبد الله أَحْمد بن سعيد الرباطي، وَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ، وروح هُوَ ابْن عبَادَة، وزكرياء هُوَ ابْن إِسْحَاق الْمَكِّيّ. وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الْعَبَّاس ابْن عبد الْعَظِيم، وَأَبُو نعيم من طَرِيق خلف بن سَالم، كِلَاهُمَا عَن روح بن عبَادَة.

قَوْله: (لَا يعضد) بِالْجَزْمِ، أَي: لَا يقطع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع. قلت: الْجَزْم على أَنه نهي، وَالرَّفْع على أَنه نفي، والعضاه شجر أم غيلَان، وكل شجر لَهُ شوك عَظِيم، الْوَاحِدَة عضة بِالتَّاءِ، وَأَصلهَا عضهة. وَقيل: واحدته عضاهة، وعضهت العضاه: إِذا قطعتها. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) ، وَهُوَ المعرّف، يُقَال: أنشدته، أَي: عَرفته. وَقَالَ ابْن بطال: قيل: معنى المنشد من سمع ناشده يَقُول: من أصَاب كَذَا، فَحِينَئِذٍ يجوز للملتقط أَن يرفعها لكَي يردهَا. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: المنشد الطَّالِب، وَهُوَ صَاحبهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال للطَّالِب: المنشد، إِنَّمَا هُوَ الْمُعَرّف، والطالب الناشد، وَقيل: إِنَّمَا لَا يتَمَلَّك لقطتهَا لِإِمْكَان إيصالها إِلَى رَبهَا إِن كَانَت للمكي، فَظَاهر، وَإِن كَانَت للغريب فيقصد فِي كل عَام من أقطار الأَرْض إِلَيْهَا فيسهل التَّوَصُّل إِلَيْهَا. قَوْله: (وَلَا يخْتَلى خَلاهَا) ، الخلا مَقْصُورا النَّبَات الرطب الرَّقِيق مَا دَامَ رطبا، واختلاؤه قطعه، واختلت الأَرْض كثر خَلاهَا، فَإِذا يبس فَهُوَ حشيش، والإذخر، بِكَسْر الْهمزَة: حشيشة طيبَة الرَّائِحَة يسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، وهمزتها زَائِدَة، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي لقطَة مَكَّة، فَقَالَت طَائِفَة: حكمهَا كَحكم سَائِر الْبلدَانِ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا هَذَا القَوْل عَن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَابْن الْمسيب، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَقَالَت طَائِفَة: لَا تحل أَلْبَتَّة، وَلَيْسَ لواجدها إلَاّ إنشادها، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَابْن مهْدي وَأبي عبيد بن سَلام.

٤٣٤٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ موساى قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا اْلأوْزَاعِي قَالَ حدَّثني يَحْياى بنُ أبِي كَثيرٍ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا فَتَحَ الله علَى رَسولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مكَّةَ قامَ فِي النَّاسِ فَحمِدَ الله وأثْنى علَيْهِ ثُمَّ قالَ إنَّ الله حبَسَ عنْ مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ علَيْها رسولَهُ والْمُؤْمِنينَ فإنَّها لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كانَ قَبْلي وإنَّها أُحِلَّتْ لي سَاعَة مِنْ نَهَارٍ وإنَّهَا لَا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُها وَلَا يخْتَلاى شَوْكُهَا وَلَا تَحلُّ ساقِطَتُها إلَاّ لِمُنْشِدٍ ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أنْ يُفْداى وإمَّا أنْ يُقِيدَ فَقَالَ العبَّاسُ إلَاّ الإذْخِرَ فإنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنَا فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ الإذْخِرَ فقامَ أَبُو شاهٍ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبُوا لِي يَا رسولَ الله فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اكْتُبُوا لِأَبِي شاهٍ قُلْتُ لِلأوْزَاعِيِّ مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رسولَ الله قَالَ هاذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَها مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تحل ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن مُوسَى ابْن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّاء السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، بِلَفْظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام.

الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير وَاسم أبي كثير صَالح. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهَذَا من الغرائب، أَن كل وَاحِد من الروَاة صرح بِالتَّحْدِيثِ. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ شاميان وَيحيى يمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من المدلسين على نسق وَاحِد.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ إلَاّ أَنه لم يذكر قصَّة أبي شاه، وَفِي الْعلم عَن مُؤَمل بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ مُخْتَصرا، وَعَن عَليّ بن سهل الرَّمْلِيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم وَفِي الدِّيات عَن الْعَبَّاس ابْن الْوَلِيد بن يزِيد عَن أَبِيه عَن الْأَوْزَاعِيّ بِبَعْضِه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات عَن مَحْمُود بن غيلَان وَيحيى بن مُوسَى، كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِبَعْضِه، وَفِي الْعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن يزِيد عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِبَعْضِه: من قتل لَهُ قَتِيل إِلَى قَوْله: يفدى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما فتح الله على رَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَكَّة قَامَ فِي النَّاس) ظَاهره أَن الْخطْبَة وَقعت عقيب الْفَتْح وَلَيْسَ كَذَلِك، بل وَقعت بعد الْفَتْح عقيب قتل رجل من خُزَاعَة رجلا من بني لَيْث، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة من وَجه آخر فِي الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم، عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى عَن سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث عَام فتح مَكَّة بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ، فَأخْبر بذلك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَركب رَاحِلَته فَخَطب فَقَالَ: إِن الله قد حبس عَن مَكَّة الْفِيل أَو الْقَتْل ... الحَدِيث. قَوْله: (الْقَتْل) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِالْقَافِ وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِالْفَاءِ وبالياء آخر الْحُرُوف، وَالْمرَاد بِهِ الْفِيل الَّذِي أخبر الله فِي كِتَابه فِي سُورَة {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} (الْفِيل: ١) . قَوْله: (وَلَا تحل لأحد كَانَ قبلي) ، كلمة: لَا، بِمَعْنى: لم، أَي: لم تحل. قَوْله: (وَلَا ينفر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التنفير، يُقَال: (نفر ينفر نفوراً ونفاراً إِذا فر وَذهب. قَوْله: (وَلَا تحل) على بِنَاء الْمَعْلُوم والساقطة هِيَ اللّقطَة. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) أَي، لمعرف يَعْنِي: لَا تحل لقطتهَا إلَاّ لمن يُرِيد أَن يعرفهَا فَقَط، لَا لمن أَرَادَ أَن يتملكها. قَوْله: (من قتل لَهُ قَتِيل) ، قد مر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا قَالَ هَذَا لما أخبر أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث عَام فتح مَكَّة بقتيل مِنْهُم، أَي: بِسَبَب قَتِيل مِنْهُم. قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) ، أَي: بِخَير الْأَمريْنِ، يَعْنِي: الْقصاص وَالدية، فَأَيّهمَا اخْتَار كَانَ لَهُ إِمَّا أَن يفدى، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: يعْطى لَهُ الْفِدْيَة، أَي: الدِّيَة، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَغَيره: إِمَّا أَن يودى لَهُ، من وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، وَإِمَّا أَن يُقيد، أَي: يقْتَصّ، من الْقود، وَهُوَ الْقصاص وَفِي رِوَايَة: وَأما أَن يُقَاد لَهُ. قَوْله: (فَقَامَ أَبُو شاه) ، بِالْهَاءِ لَا غير، قَالَ النَّوَوِيّ: وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات بِالتَّاءِ، وَكَذَا عَن ابْن دحْيَة. وَفِي (الْمطَالع) : وَأَبُو شاه، مصروفاً ضَبطه بَعضهم، وقرأته أَنا معرفَة ونكرة. قلت: معنى قَوْله: مصروفاً، أَنه بِالتَّنْوِينِ، وَمعنى: شاه، بِالْفَارِسِيَّةِ ملك وَيجمع على شاهان، وَقد ورد النَّهْي عَن القَوْل بشاهان شاه، يَعْنِي: ملك الْمُلُوك، وَيقدم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف فِي اللُّغَة الفارسية.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام: مِنْهَا: أَحْكَام تتَعَلَّق بحرم مَكَّة، وَقد مر أبحاثه فِي كتاب الْحَج. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق باللقطة، وَقد مر أبحاثها فِي كتاب اللّقطَة. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق بِكِتَاب أبي شاه، وَقد مر فِي كتاب الْعلم. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق بِالْقصاصِ وَالدية، وَهُوَ قَوْله: وَمن قتل لَهُ قَتِيل، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، وَهُوَ أَن من قتل لَهُ قَتِيل عمدا فَوَلِيه بِالْخِيَارِ بَين أنم يعْفُو وَيَأْخُذ الدِّيَة أَو يقْتَصّ، رَضِي بذلك الْقَاتِل أَو لم يرض، وَهُوَ مَذْهَب سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم،

وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعبد الله بن ذكْوَان وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الله بن شبْرمَة وَالْحسن ابْن حييّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله لَيْسَ لوَلِيّ الْمَقْتُول أَن يَأْخُذ الدِّيَة إلَاّ برضى الْقَاتِل، وَلَيْسَ لَهُ إلَاّ الْقود أَو الْعَفو. وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس أَن الرّبيع بنت النَّضر، عمته لطمت جَارِيَة فَكسرت سنّهَا، فعرضوا عَلَيْهِم الْأَرْش فَأَبَوا، فطلبوا الْعَفو فَأَبَوا، فَأتوا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَمرهمْ بِالْقصاصِ، فجَاء أَخُوهَا أنس بن النَّضر، فَقَالَ: يَا رَسُول الله {أتكسر سنّ الرّبيع؟ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تكسر سنّهَا. فَقَالَ: يَا أنس} كتاب الله الْقصاص، فَعَفَا الْقَوْم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من عباد الله لَو أقسم على الله لَأَبَره) ، فَثَبت بِهَذَا الحَدِيث أَن الَّذِي يجب بِكِتَاب الله وَسنة رَسُول الله فِي الْعمد هُوَ الْقصاص، لِأَنَّهُ لَو كَانَ للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ الْخِيَار بَين الْقصاص وَبَين أَخذ الدِّيَة إِذا لخيره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما حكم لَهَا بِالْقصاصِ بِعَيْنِه فأذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يحمل قَوْله: فَهُوَ بِخَير النظرين، إِمَّا أَن يفدى وَأما أَن يُقيد على أَخذ الدِّيَة برضى الْقَاتِل، حَتَّى تتفق مَعَاني الْآثَار. وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل الْقصاص، وَلم يكن فيهم الدِّيَة فَقَالَ الله لهَذِهِ الْأمة: {كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى} (الْبَقَرَة: ٨٧١) . الْآيَة، وَقَوله: {فَمن عفى لَهُ من أَخِيه شَيْء} (الْبَقَرَة: ٨٧١) . فالعفو أَن يقبل الدِّيَة فِي الْعمد، قَوْله: {ذَلِك تَخْفيف من ربكُم} (الْبَقَرَة: ٨٧١) . يَعْنِي: مِمَّا كتب على من كَانَ قبلكُمْ، أَو نقُول: التَّخْيِير من الشَّرْع تَجْوِيز الْفِعْلَيْنِ وَبَيَان المشروعية فيهمَا وَنفي الْحَرج عَنْهُمَا، كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الربويات: (إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم) ، مَعْنَاهُ: تَجْوِيز البيع مفاضلة ومماثلة بِمَعْنى نفي الْحَرج عَنْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِ أَن يسْتَقلّ بِهِ دون رضى المُشْتَرِي، فَكَذَا هُنَا جَوَاز الْقصاص وَجَوَاز أَخذ الدِّيَة، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِقْلَال يَسْتَغْنِي بِهِ عَن رضى الْقَاتِل. فَإِن قلت: قد أخبر الله تَعَالَى فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة أَن للْوَلِيّ الْعَفو وَاتِّبَاع الْقَاتِل بِإِحْسَان فَيَأْخُذ الدِّيَة من الْقَاتِل، وَإِن لم يكن اشْترط ذَلِك فِي عَفوه. قلت: الْعَفو فِي اللُّغَة الْبَذْل: {خُذ الْعَفو} (الْأَعْرَاف: ٩٩١) . أَي: مَا سهل، فَإِذا الْمَعْنى: فَمن بذل لَهُ شَيْء من الدِّيَة فليقبل، والإبذال لَا يجب إلَاّ برضى من يجب لَهُ ورضى من يجب عَلَيْهِ.

٨ - (بابٌ لَا تُحْتَلَبُ ماشِيَةُ أحَدٍ بِغَيْرِ إذْنٍ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تحتلب مَاشِيَة أحد بِغَيْر إِذن صَاحبهَا، والماشية تقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَلكنه فِي الْغنم أَكثر، قَالَه ابْن الْأَثِير. قَوْله: (بِغَيْر إِذن) بِالتَّنْوِينِ، ويروى: (بِغَيْر إِذْنه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقَضَاء وَأَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد جَمِيعًا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن نَافِع فِي موطأ مُحَمَّد بن الْحسن أخبرنَا نَافِع وَفِي رِوَايَة أبي قطن فِي الموطآت للدارقطني قلت لمَالِك أحَدثك نَافِع قَوْله " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَفِي رِوَايَة يزِيد بن الْهَاد عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول قَوْله " لَا يحلبن بِضَم اللَّام وبالنون الثَّقِيلَة كَذَا فِي البُخَارِيّ وَأكْثر الموطآت وَفِي رِوَايَة ابْن الْهَاد " لَا يحتلبن " من الاحتلاب من بَاب الافتعال قَوْله " مَاشِيَة امرىء " وَفِي رِوَايَة ابْن الْهَاد وَجَمَاعَة من رُوَاة الْمُوَطَّأ " مَاشِيَة رجل " وَفِي بعض شُرُوح الْمُوَطَّأ بِلَفْظ " مَاشِيَة أَخِيه " وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَيْسَ بِقَيْد لِأَنَّهُ لَا اخْتِصَاص لَهُ بِالرِّجَالِ وَلَا بِالْمُسْلِمين لأَنهم سَوَاء فِي هَذَا الحكم قيل فرق بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِذْن فِي الذِّمِّيّ لِأَن الصَّحَابَة شرطُوا على أهل الذِّمَّة من الضِّيَافَة للْمُسلمين وَصَحَّ ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذكر ابْن وهب عَن مَالك فِي الْمُسَافِر ينزل بالذمي قَالَ لَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا بِإِذْنِهِ قيل لَهُ فالضيافة الَّتِي جعلت عَلَيْهِم قَالَ كَانُوا يَوْمئِذٍ يُخَفف عَنْهُم بِسَبَبِهَا وَأما

الْآن فَلَا وَقَالَ بَعضهم نسخ الْإِذْن وَحَمَلُوهُ على أَنه كَانَ قبل فرض الزَّكَاة قَالُوا وَكَانَت الضِّيَافَة وَاجِبَة حِينَئِذٍ ثمَّ نسخ ذَلِك بِفَرْض الزَّكَاة وَذكر الطَّحَاوِيّ كَذَلِك أَيْضا قَوْله " مشْربَته " بِضَم الرَّاء وَفتحهَا هِيَ الْموضع المصون لما يخزن كالغرفة وَقَالَ الْكرْمَانِي هِيَ الغرفة المرتفعة عَن الأَرْض وفيهَا خزانَة الْمَتَاع انْتهى والمشربة بِفَتْح الرَّاء خَاصَّة مَكَان الشّرْب والمشربة بِكَسْر الرَّاء إِنَاء الشّرْب قَوْله " خزانته " بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة الْموضع أَو الْوِعَاء الَّذِي يخزن فِيهِ الشَّيْء مِمَّا يُرَاد حفظه وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عِنْد أَحْمد فيكسر بَابهَا قَوْله " فَينْتَقل " بالنُّون وَالْقَاف من الِانْتِقَال وَهُوَ التَّحْوِيل من مَكَان إِلَى مَكَان وَهَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الموطآت عَن مَالك وَحكى ابْن عبد الْبر عَن بَعضهم فينتثل بنُون ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ ثاء مُثَلّثَة من الانتثال من النثل وَهُوَ النثر مرّة وَاحِدَة بِسُرْعَة وَيُقَال نثل مَا فِي كِنَانَته إِذا صبها ونثرها وَهَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق روح بن عبَادَة وَمُسلم من رِوَايَة أَيُّوب ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهمَا عَن نَافِع وَرَوَاهُ عَن اللَّيْث عَن نَافِع بِالْقَافِ وَهُوَ عِنْد ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِالْمُثَلثَةِ وَقَوله تُؤْتى وَقَوله فتكسر وَقَوله فَينْتَقل كلهَا على بِنَاء الْمَجْهُول قَوْله تخزن بِضَم الزَّاي على بِنَاء الْفَاعِل وضروع مَوَاشِيهمْ كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل تخزن وَقَوله أطعماتهم بِالنّصب مَفْعُوله وَهِي جمع أَطْعِمَة والأطعمة جمع طَعَام وَالْمرَاد بِهِ هُنَا اللَّبن والضروع جمع ضرع وَهُوَ لكل ذَات خف وظلف كالثدي للْمَرْأَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني تحرز ضروع مَوَاشِيهمْ بِضَم التَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي وَالْمعْنَى أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شبه اللَّبن فِي الضَّرع بِالطَّعَامِ المخزون الْمَحْفُوظ فِي الخزانة فِي أَنه لَا يحل أَخذه بِغَيْر إِذن وَلَا فرق بَين اللَّبن وَغَيره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ أَبُو عمر يحمل هَذَا الحَدِيث على مَا لَا تطيب بِهِ النَّفس لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام وَإِنَّمَا خص اللَّبن بِالذكر لتساهل النَّاس فِي تنَاوله وَلَا فرق بَين اللَّبن وَالتَّمْر وَغَيرهمَا فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يحل شَيْء من لبن الْمَاشِيَة وَلَا من التَّمْر إِلَّا إِذا علم طيب نفس صَاحبه وَذهب بَعضهم إِلَى أَن ذَلِك يحل وَإِن لم يعلم حَال صَاحبه لِأَن ذَلِك حق جعله الشَّارِع لَهُ يُؤَيّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِذا أَتَى أحدكُم على مَاشِيَة فَإِن كَانَ فِيهَا صَاحبهَا فليستأذنه فَإِن أذن لَهُ وَإِلَّا فليحلب وَيشْرب وَإِن لم يكن فِيهَا فليصوت ثَلَاثًا فَإِن أجَاب فليستأذنه فَإِن أذن لَهُ وَإِلَّا فليحلب وَيشْرب وَلَا يحمل وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث سَمُرَة حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سَماع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح وَقد تكلم بعض أهل الحَدِيث فِي رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة وَقَالُوا إِنَّمَا يحدث عَن صحيفَة سَمُرَة وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بِحَدِيث أبي سعيد رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أبي نَضرة عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا أتيت على رَاع فناده ثَلَاث مَرَّات فَإِن أجابك وَإِلَّا فَاشْرَبْ من غير أَن تفْسد وَإِذا أتيت على حَائِط بُسْتَان فناده ثَلَاث مَرَّات فَإِن أجابك وَإِلَّا فَكل من غير أَن تفْسد وَبِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث يحيى بن سليم عَن عبد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ من أصَاب مِنْهُ من ذِي حَاجَة غير متخذ خبنة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يحيى بن سليم وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق إِلَى آخِره نَحوه والخبنة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا نون قَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ مَا تحمله فِي حضنك وَقَالَ ابْن الْأَثِير الخبنة معطف الْإِزَار وطرف الثَّوْب أَي لَا يَأْخُذ مِنْهُ فِي طرف ثَوْبه يُقَال أخبن الرجل إِذا خبأ شَيْئا فِي خبنة ثَوْبه أَو سراويله وَالْمرَاد من التَّمْر الْمُعَلق هُوَ التَّمْر على النّخل قبل أَن يقطع وَلَيْسَ المُرَاد مَا كَانُوا يعلقونه فِي الْمَسْجِد من الأقناء فِي أَيَّام التمرة فَإِن ذَلِك مُسبل مَأْذُون فِيهِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بقضية الْهِجْرَة وَشرب أبي بكر وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من غنم الرَّاعِي وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء وفقهاء الْأَمْصَار مِنْهُم الْأَئِمَّة أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم لَا يجوز لأحد أَن يَأْكُل من بُسْتَان أحد وَلَا يشرب من لبن غنمه إِلَّا بِإِذن صَاحبه اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ مُضْطَرّا فَحِينَئِذٍ يجوز لَهُ ذَلِك قدر دفع الْحَاجة وَالْجَوَاب عَن الْأَحَادِيث

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) ابن عبد ربِّه، السَّختيانيُّ البلخيُّ المعروف بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ، أبو العبَّاس الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة، واسمه صالحٌ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ (١) مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ) عقب ما (٢) قَتَلَ رجلٌ من خزاعة رجلًا من بني ليثٍ راكبًا على راحلته، فخطب (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء المكسورة والمُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، وهو المذكور في التَّنزيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ -كما في «الفتح» -: «القَتْل» بالقاف المفتوحة والفوقيَّة السَّاكنة، والصَّواب الأوَّل، والذي في الفرع كأصله (٣): «القتل» بالوجهين لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا) على مكَّة (رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) أي: لم تحلَّ (لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي) بضمِّ الهمزة وكسر الحاء المهملة، أي: أن أقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) هي ساعة الفتح (وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ) ولأبي ذرٍّ:

«لن تحلَّ» (لأَحَدٍ بَعْدِي) ولأبي ذرٍّ: «من بعدي» (١) (فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل، أي: لا يجوز لمحرمٍ ولا حلالٍ (٢) (وَلَا يُخْتَلَى) أي: لا يُقطَع (شَوْكُهَا) بالرَّفع أيضًا كسابقه (وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا) لقطتها (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) معرِّفٍ يعرِّفها ويحفظها لمالكها، ولا يتملَّكها كسائر اللُّقطات في غيرها من البلاد (وَمَنْ قُتِلَ) بضمِّ القاف وكسر التَّاء (لَهُ قَتِيلٌ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، أي: يُعطَى الدِّية (وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٣)، أي: يقتصَّ (فَقَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب : (إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا) وللحَمُّويي والمُستملي: «فإنَّما» (نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا) نمِّهدها به، ونسدُّ به فرج (٤) اللَّحد المتخلِّلة بين اللَّبِنات (وَ) سُقُف (بُيُوتِنَا) نجعله فوق الخشب، والمعنى: ليكن الإذخر استثناءً (٥) من كلامك يا رسول الله، فيتمسَّك به من يرى انتظام الكلام من متكلِّمين، لكنَّ التَّحقيق في المسألة أنَّ كلًّا من المتكلِّمين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر، كان كلٌّ متكلِّمًا (٦) بكلامٍ تامٍّ، ولهذا لم يكتف في هذا الحديث بقول العبَّاس: «إلَّا الإذخر» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِلَّا الإِذْخِرَ) وذلك إمَّا بوحيٍ أو إلهامٍ أو اجتهادٍ على الخلاف المشهور في مثله (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) بالهاء الأصليَّة منوَّنةً، وهو مصروفٌ، قال عياضٌ: كذا ضبطه بعضهم وقرأته أنا معرفةً ونكرةً، ونقل ابن الملقِّن عن ابن دحية أنَّه بالتَّاء منصوبًا، قال في «المصابيح»: لا يُتصوَّر نصبه؛ لأنَّه مضافٌ إليه في مثل هذا العَلَم دائمًا، وإنَّما مراده: أنَّه مُعرَبٌ بالفتحة في حال الجرِّ لكونه غير منصرفٍ؛ وذلك لأنَّ القاعدةَ في العَلَم ذي الإضافة اعتبارُ حال المضاف إليه بالنِّسبة إلى الصِّرف وعدمه، وامتناع دخول اللَّام (٧) ووجوبها، فيمتنع مثلُ هذا، ومثلُ: «أبي هريرة» من

الصَّرف، ومن دخول الألف واللَّام، وينصرف مثل: «أبي بكرٍ»، وتجب اللَّام في مثل: «امرئ القيس»، وتجوز في مثل: «ابن العبَّاس (١)». انتهى. و (٢) أبو شاه: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) ويُقال: إنَّه كلبيٌّ، ويُقال: فارسيٌّ، من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن (٣) ذي يزن، قال في «الإصابة»: كذا رأيته بخطِّ السِّلَفيِّ، وقال: إنَّ هاءه أصليَّةٌ، وهو بالفارسيِّ، ومعناه: الملك، قال (٤): ومن ظنَّ أنَّه (٥) باسم أحد الشِّياه فقد وهم. انتهى.

(فَقَالَ) أي: أبو شاهٍ: (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ) يعني: الخطبة المذكورة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ) قال الوليد بن مسلمٍ: (قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن: (مَا قَوْلُهُ) أي: أبي شاهٍ (اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «قال: هذه الخطبةُ» بالرَّفع (الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ).

وفي هذا الحديث ثلاثةٌ من المدلِّسين على نسقٍ واحدٍ، لكن قد صرَّح كلُّ واحدٍ من رواته بالتَّحديث، فزالت التُّهمة، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود وفي «العلم» و «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «العلم»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الدِّيات».

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ) بالتَّنوين (٦)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بغير إذنه» بالهاء، والماشية -فيما قاله في «النِّهاية» - تقع على الإبل والبقر والغنم، لكنَّها في الغنم أكثر.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

روى عبد الرَّزَّاق أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْتقط حبا أَو حَبَّة من رمان فَأكلهَا، وَعَن ابْن عمر أَنه وجد تَمْرَة فَأَخذهَا فَأكل نصفهَا ثمَّ لقِيه مِسْكين فَأعْطَاهُ النّصْف الآخر. وَفِيه: إِسْقَاط الْغرم عَن أكل الطَّعَام الْمُلْتَقط، وَقيل: يضمنهُ وَإِن أكله مُحْتَاجا إِلَيْهِ، ذكره ابْن الْجلاب.

٢٣٤٢ - وَقَالَ يَحْياى حدَّثنا سُفيانُ قَالَ حدَّثني مَنصُورً وَقَالَ زَائِدَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ طَلْحَةَ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّه عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنِّي لأَنقَلَّبُ إلاى أَهلِي فأجِدُ التَّمْرَةَ ساقِطَة عَلَى فِرَاشي فأرْفَعُهَا لِآكُلَها ثُمَّ أخْشَى أنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيها.

يحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي مُسْنده عَن يحيى، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُسَدّد.

قَوْله: (وَقَالَ زَائِدَة) ، أَي: ابْن قدامَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن زَائِدَة عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة بن مصرف، قَالَ: حَدثنَا أنس بن مَالك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بتمرة فِي الطَّرِيق فَقَالَ: لَوْلَا أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها. قَوْله: (عبد الله) ، هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم على وزن فعال: ابْن مُنَبّه بن كَامِل الْيَمَانِيّ الأبناوي، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يتنزه من الشُّبُهَات مُعَلّقا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فألقيها) ، بِضَم الْهمزَة: من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فألقيها بِالرَّفْع لَا غير، يَعْنِي: لَا يجوز نصب الْيَاء فِيهِ لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: فارفعها، فَإِذا نصب رُبمَا يظنّ أَنه عطف على قَوْله: أَن تكون، فَيفْسد الْمَعْنى.

٧ - (بابٌ كَيْفَ تُعَرَّفُ لَقَطَةُ أهْلِ مَكَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ تعرف، بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه التَّرْجَمَة تبين إِثْبَات لقطَة الْحرم، وَفِيه رد على من يَقُول: لَا يلتقط لقطَة أهل الْحرم، وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن لقطَة الْحَاج، وأجابت الْعَامَّة عَن ذَلِك بِأَن المُرَاد التقاطها للتَّمَلُّك لَا للْحِفْظ، وَقد أوضح هَذَا حَدِيث الْبَاب، وَقيل: لم يبين أَن كَيْفيَّة لقطَة الْحرم مثل كَيْفيَّة لقطَة غَيره فِي التَّعْرِيف وَالتَّمْلِيك أم هِيَ مقتصرة على الْحِفْظ فِيهِ؟ قلت: بل هِيَ مقتصرة على الْحِفْظ فَقَط، يدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن تَصْرِيح ذَلِك فِي التَّرْجَمَة.

وقالَ طَاوُوسٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَها إلَاّ مَنْ عَرَّفَها

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الْحَج فِي: بَاب لَا يحل الْقِتَال. قَوْله: (لَا يلتقط لقطتهَا) ، أَي: لقطَة أهل مَكَّة (إلَاّ من عرفهَا) يَعْنِي: للْحِفْظ لصَاحِبهَا.

وَقَالَ خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلَاّ لِمُعَرِّفٍ

خَالِد هُوَ الْحذاء، وَهَذَا أَيْضا قِطْعَة وَصلهَا البُخَارِيّ فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي الصواغ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٣٣٤٢ - وَقَالَ أحْمَدُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا رَوْحٌ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينار عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يُعْضَدُ عِضاهُما ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولَا تَحل لُقْطَتُها إلَاّ لِمُنْشِدٍ وَلَا يُخْتَلاى خِلَاها فَقَالَ عبَّاسٌ يَا رسولَ الله إلَاّ الْإذْخِرَ فَقَالَ إلَاّ الْإذْخِرَ. .

اخْتلف فِي أَحْمد بن سعيد هَذَا، فَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي: هُوَ ابو عبد الله أَحْمد بن سعيد الرباطي، وَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ، وروح هُوَ ابْن عبَادَة، وزكرياء هُوَ ابْن إِسْحَاق الْمَكِّيّ. وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الْعَبَّاس ابْن عبد الْعَظِيم، وَأَبُو نعيم من طَرِيق خلف بن سَالم، كِلَاهُمَا عَن روح بن عبَادَة.

قَوْله: (لَا يعضد) بِالْجَزْمِ، أَي: لَا يقطع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع. قلت: الْجَزْم على أَنه نهي، وَالرَّفْع على أَنه نفي، والعضاه شجر أم غيلَان، وكل شجر لَهُ شوك عَظِيم، الْوَاحِدَة عضة بِالتَّاءِ، وَأَصلهَا عضهة. وَقيل: واحدته عضاهة، وعضهت العضاه: إِذا قطعتها. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) ، وَهُوَ المعرّف، يُقَال: أنشدته، أَي: عَرفته. وَقَالَ ابْن بطال: قيل: معنى المنشد من سمع ناشده يَقُول: من أصَاب كَذَا، فَحِينَئِذٍ يجوز للملتقط أَن يرفعها لكَي يردهَا. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: المنشد الطَّالِب، وَهُوَ صَاحبهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال للطَّالِب: المنشد، إِنَّمَا هُوَ الْمُعَرّف، والطالب الناشد، وَقيل: إِنَّمَا لَا يتَمَلَّك لقطتهَا لِإِمْكَان إيصالها إِلَى رَبهَا إِن كَانَت للمكي، فَظَاهر، وَإِن كَانَت للغريب فيقصد فِي كل عَام من أقطار الأَرْض إِلَيْهَا فيسهل التَّوَصُّل إِلَيْهَا. قَوْله: (وَلَا يخْتَلى خَلاهَا) ، الخلا مَقْصُورا النَّبَات الرطب الرَّقِيق مَا دَامَ رطبا، واختلاؤه قطعه، واختلت الأَرْض كثر خَلاهَا، فَإِذا يبس فَهُوَ حشيش، والإذخر، بِكَسْر الْهمزَة: حشيشة طيبَة الرَّائِحَة يسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، وهمزتها زَائِدَة، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي لقطَة مَكَّة، فَقَالَت طَائِفَة: حكمهَا كَحكم سَائِر الْبلدَانِ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا هَذَا القَوْل عَن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَابْن الْمسيب، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَقَالَت طَائِفَة: لَا تحل أَلْبَتَّة، وَلَيْسَ لواجدها إلَاّ إنشادها، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَابْن مهْدي وَأبي عبيد بن سَلام.

٤٣٤٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ موساى قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا اْلأوْزَاعِي قَالَ حدَّثني يَحْياى بنُ أبِي كَثيرٍ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا فَتَحَ الله علَى رَسولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مكَّةَ قامَ فِي النَّاسِ فَحمِدَ الله وأثْنى علَيْهِ ثُمَّ قالَ إنَّ الله حبَسَ عنْ مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ علَيْها رسولَهُ والْمُؤْمِنينَ فإنَّها لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كانَ قَبْلي وإنَّها أُحِلَّتْ لي سَاعَة مِنْ نَهَارٍ وإنَّهَا لَا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُها وَلَا يخْتَلاى شَوْكُهَا وَلَا تَحلُّ ساقِطَتُها إلَاّ لِمُنْشِدٍ ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أنْ يُفْداى وإمَّا أنْ يُقِيدَ فَقَالَ العبَّاسُ إلَاّ الإذْخِرَ فإنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنَا فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ الإذْخِرَ فقامَ أَبُو شاهٍ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبُوا لِي يَا رسولَ الله فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اكْتُبُوا لِأَبِي شاهٍ قُلْتُ لِلأوْزَاعِيِّ مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رسولَ الله قَالَ هاذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَها مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تحل ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد) .

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن مُوسَى ابْن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّاء السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، بِلَفْظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام.

الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير وَاسم أبي كثير صَالح. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهَذَا من الغرائب، أَن كل وَاحِد من الروَاة صرح بِالتَّحْدِيثِ. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ شاميان وَيحيى يمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من المدلسين على نسق وَاحِد.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ إلَاّ أَنه لم يذكر قصَّة أبي شاه، وَفِي الْعلم عَن مُؤَمل بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ مُخْتَصرا، وَعَن عَليّ بن سهل الرَّمْلِيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم وَفِي الدِّيات عَن الْعَبَّاس ابْن الْوَلِيد بن يزِيد عَن أَبِيه عَن الْأَوْزَاعِيّ بِبَعْضِه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات عَن مَحْمُود بن غيلَان وَيحيى بن مُوسَى، كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِبَعْضِه، وَفِي الْعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن يزِيد عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِبَعْضِه: من قتل لَهُ قَتِيل إِلَى قَوْله: يفدى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما فتح الله على رَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَكَّة قَامَ فِي النَّاس) ظَاهره أَن الْخطْبَة وَقعت عقيب الْفَتْح وَلَيْسَ كَذَلِك، بل وَقعت بعد الْفَتْح عقيب قتل رجل من خُزَاعَة رجلا من بني لَيْث، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة من وَجه آخر فِي الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم، عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى عَن سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث عَام فتح مَكَّة بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ، فَأخْبر بذلك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَركب رَاحِلَته فَخَطب فَقَالَ: إِن الله قد حبس عَن مَكَّة الْفِيل أَو الْقَتْل ... الحَدِيث. قَوْله: (الْقَتْل) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِالْقَافِ وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِالْفَاءِ وبالياء آخر الْحُرُوف، وَالْمرَاد بِهِ الْفِيل الَّذِي أخبر الله فِي كِتَابه فِي سُورَة {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} (الْفِيل: ١) . قَوْله: (وَلَا تحل لأحد كَانَ قبلي) ، كلمة: لَا، بِمَعْنى: لم، أَي: لم تحل. قَوْله: (وَلَا ينفر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التنفير، يُقَال: (نفر ينفر نفوراً ونفاراً إِذا فر وَذهب. قَوْله: (وَلَا تحل) على بِنَاء الْمَعْلُوم والساقطة هِيَ اللّقطَة. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) أَي، لمعرف يَعْنِي: لَا تحل لقطتهَا إلَاّ لمن يُرِيد أَن يعرفهَا فَقَط، لَا لمن أَرَادَ أَن يتملكها. قَوْله: (من قتل لَهُ قَتِيل) ، قد مر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا قَالَ هَذَا لما أخبر أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث عَام فتح مَكَّة بقتيل مِنْهُم، أَي: بِسَبَب قَتِيل مِنْهُم. قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) ، أَي: بِخَير الْأَمريْنِ، يَعْنِي: الْقصاص وَالدية، فَأَيّهمَا اخْتَار كَانَ لَهُ إِمَّا أَن يفدى، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: يعْطى لَهُ الْفِدْيَة، أَي: الدِّيَة، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَغَيره: إِمَّا أَن يودى لَهُ، من وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، وَإِمَّا أَن يُقيد، أَي: يقْتَصّ، من الْقود، وَهُوَ الْقصاص وَفِي رِوَايَة: وَأما أَن يُقَاد لَهُ. قَوْله: (فَقَامَ أَبُو شاه) ، بِالْهَاءِ لَا غير، قَالَ النَّوَوِيّ: وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات بِالتَّاءِ، وَكَذَا عَن ابْن دحْيَة. وَفِي (الْمطَالع) : وَأَبُو شاه، مصروفاً ضَبطه بَعضهم، وقرأته أَنا معرفَة ونكرة. قلت: معنى قَوْله: مصروفاً، أَنه بِالتَّنْوِينِ، وَمعنى: شاه، بِالْفَارِسِيَّةِ ملك وَيجمع على شاهان، وَقد ورد النَّهْي عَن القَوْل بشاهان شاه، يَعْنِي: ملك الْمُلُوك، وَيقدم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف فِي اللُّغَة الفارسية.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام: مِنْهَا: أَحْكَام تتَعَلَّق بحرم مَكَّة، وَقد مر أبحاثه فِي كتاب الْحَج. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق باللقطة، وَقد مر أبحاثها فِي كتاب اللّقطَة. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق بِكِتَاب أبي شاه، وَقد مر فِي كتاب الْعلم. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق بِالْقصاصِ وَالدية، وَهُوَ قَوْله: وَمن قتل لَهُ قَتِيل، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، وَهُوَ أَن من قتل لَهُ قَتِيل عمدا فَوَلِيه بِالْخِيَارِ بَين أنم يعْفُو وَيَأْخُذ الدِّيَة أَو يقْتَصّ، رَضِي بذلك الْقَاتِل أَو لم يرض، وَهُوَ مَذْهَب سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم،

وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعبد الله بن ذكْوَان وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الله بن شبْرمَة وَالْحسن ابْن حييّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، رَحِمهم الله لَيْسَ لوَلِيّ الْمَقْتُول أَن يَأْخُذ الدِّيَة إلَاّ برضى الْقَاتِل، وَلَيْسَ لَهُ إلَاّ الْقود أَو الْعَفو. وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس أَن الرّبيع بنت النَّضر، عمته لطمت جَارِيَة فَكسرت سنّهَا، فعرضوا عَلَيْهِم الْأَرْش فَأَبَوا، فطلبوا الْعَفو فَأَبَوا، فَأتوا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَمرهمْ بِالْقصاصِ، فجَاء أَخُوهَا أنس بن النَّضر، فَقَالَ: يَا رَسُول الله {أتكسر سنّ الرّبيع؟ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تكسر سنّهَا. فَقَالَ: يَا أنس} كتاب الله الْقصاص، فَعَفَا الْقَوْم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من عباد الله لَو أقسم على الله لَأَبَره) ، فَثَبت بِهَذَا الحَدِيث أَن الَّذِي يجب بِكِتَاب الله وَسنة رَسُول الله فِي الْعمد هُوَ الْقصاص، لِأَنَّهُ لَو كَانَ للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ الْخِيَار بَين الْقصاص وَبَين أَخذ الدِّيَة إِذا لخيره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلما حكم لَهَا بِالْقصاصِ بِعَيْنِه فأذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يحمل قَوْله: فَهُوَ بِخَير النظرين، إِمَّا أَن يفدى وَأما أَن يُقيد على أَخذ الدِّيَة برضى الْقَاتِل، حَتَّى تتفق مَعَاني الْآثَار. وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل الْقصاص، وَلم يكن فيهم الدِّيَة فَقَالَ الله لهَذِهِ الْأمة: {كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى} (الْبَقَرَة: ٨٧١) . الْآيَة، وَقَوله: {فَمن عفى لَهُ من أَخِيه شَيْء} (الْبَقَرَة: ٨٧١) . فالعفو أَن يقبل الدِّيَة فِي الْعمد، قَوْله: {ذَلِك تَخْفيف من ربكُم} (الْبَقَرَة: ٨٧١) . يَعْنِي: مِمَّا كتب على من كَانَ قبلكُمْ، أَو نقُول: التَّخْيِير من الشَّرْع تَجْوِيز الْفِعْلَيْنِ وَبَيَان المشروعية فيهمَا وَنفي الْحَرج عَنْهُمَا، كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الربويات: (إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم) ، مَعْنَاهُ: تَجْوِيز البيع مفاضلة ومماثلة بِمَعْنى نفي الْحَرج عَنْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِ أَن يسْتَقلّ بِهِ دون رضى المُشْتَرِي، فَكَذَا هُنَا جَوَاز الْقصاص وَجَوَاز أَخذ الدِّيَة، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِقْلَال يَسْتَغْنِي بِهِ عَن رضى الْقَاتِل. فَإِن قلت: قد أخبر الله تَعَالَى فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة أَن للْوَلِيّ الْعَفو وَاتِّبَاع الْقَاتِل بِإِحْسَان فَيَأْخُذ الدِّيَة من الْقَاتِل، وَإِن لم يكن اشْترط ذَلِك فِي عَفوه. قلت: الْعَفو فِي اللُّغَة الْبَذْل: {خُذ الْعَفو} (الْأَعْرَاف: ٩٩١) . أَي: مَا سهل، فَإِذا الْمَعْنى: فَمن بذل لَهُ شَيْء من الدِّيَة فليقبل، والإبذال لَا يجب إلَاّ برضى من يجب لَهُ ورضى من يجب عَلَيْهِ.

٨ - (بابٌ لَا تُحْتَلَبُ ماشِيَةُ أحَدٍ بِغَيْرِ إذْنٍ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تحتلب مَاشِيَة أحد بِغَيْر إِذن صَاحبهَا، والماشية تقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَلكنه فِي الْغنم أَكثر، قَالَه ابْن الْأَثِير. قَوْله: (بِغَيْر إِذن) بِالتَّنْوِينِ، ويروى: (بِغَيْر إِذْنه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقَضَاء وَأَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد جَمِيعًا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن نَافِع فِي موطأ مُحَمَّد بن الْحسن أخبرنَا نَافِع وَفِي رِوَايَة أبي قطن فِي الموطآت للدارقطني قلت لمَالِك أحَدثك نَافِع قَوْله " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَفِي رِوَايَة يزِيد بن الْهَاد عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول قَوْله " لَا يحلبن بِضَم اللَّام وبالنون الثَّقِيلَة كَذَا فِي البُخَارِيّ وَأكْثر الموطآت وَفِي رِوَايَة ابْن الْهَاد " لَا يحتلبن " من الاحتلاب من بَاب الافتعال قَوْله " مَاشِيَة امرىء " وَفِي رِوَايَة ابْن الْهَاد وَجَمَاعَة من رُوَاة الْمُوَطَّأ " مَاشِيَة رجل " وَفِي بعض شُرُوح الْمُوَطَّأ بِلَفْظ " مَاشِيَة أَخِيه " وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَيْسَ بِقَيْد لِأَنَّهُ لَا اخْتِصَاص لَهُ بِالرِّجَالِ وَلَا بِالْمُسْلِمين لأَنهم سَوَاء فِي هَذَا الحكم قيل فرق بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِذْن فِي الذِّمِّيّ لِأَن الصَّحَابَة شرطُوا على أهل الذِّمَّة من الضِّيَافَة للْمُسلمين وَصَحَّ ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذكر ابْن وهب عَن مَالك فِي الْمُسَافِر ينزل بالذمي قَالَ لَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا بِإِذْنِهِ قيل لَهُ فالضيافة الَّتِي جعلت عَلَيْهِم قَالَ كَانُوا يَوْمئِذٍ يُخَفف عَنْهُم بِسَبَبِهَا وَأما

الْآن فَلَا وَقَالَ بَعضهم نسخ الْإِذْن وَحَمَلُوهُ على أَنه كَانَ قبل فرض الزَّكَاة قَالُوا وَكَانَت الضِّيَافَة وَاجِبَة حِينَئِذٍ ثمَّ نسخ ذَلِك بِفَرْض الزَّكَاة وَذكر الطَّحَاوِيّ كَذَلِك أَيْضا قَوْله " مشْربَته " بِضَم الرَّاء وَفتحهَا هِيَ الْموضع المصون لما يخزن كالغرفة وَقَالَ الْكرْمَانِي هِيَ الغرفة المرتفعة عَن الأَرْض وفيهَا خزانَة الْمَتَاع انْتهى والمشربة بِفَتْح الرَّاء خَاصَّة مَكَان الشّرْب والمشربة بِكَسْر الرَّاء إِنَاء الشّرْب قَوْله " خزانته " بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة الْموضع أَو الْوِعَاء الَّذِي يخزن فِيهِ الشَّيْء مِمَّا يُرَاد حفظه وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عِنْد أَحْمد فيكسر بَابهَا قَوْله " فَينْتَقل " بالنُّون وَالْقَاف من الِانْتِقَال وَهُوَ التَّحْوِيل من مَكَان إِلَى مَكَان وَهَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الموطآت عَن مَالك وَحكى ابْن عبد الْبر عَن بَعضهم فينتثل بنُون ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ ثاء مُثَلّثَة من الانتثال من النثل وَهُوَ النثر مرّة وَاحِدَة بِسُرْعَة وَيُقَال نثل مَا فِي كِنَانَته إِذا صبها ونثرها وَهَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق روح بن عبَادَة وَمُسلم من رِوَايَة أَيُّوب ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهمَا عَن نَافِع وَرَوَاهُ عَن اللَّيْث عَن نَافِع بِالْقَافِ وَهُوَ عِنْد ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِالْمُثَلثَةِ وَقَوله تُؤْتى وَقَوله فتكسر وَقَوله فَينْتَقل كلهَا على بِنَاء الْمَجْهُول قَوْله تخزن بِضَم الزَّاي على بِنَاء الْفَاعِل وضروع مَوَاشِيهمْ كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل تخزن وَقَوله أطعماتهم بِالنّصب مَفْعُوله وَهِي جمع أَطْعِمَة والأطعمة جمع طَعَام وَالْمرَاد بِهِ هُنَا اللَّبن والضروع جمع ضرع وَهُوَ لكل ذَات خف وظلف كالثدي للْمَرْأَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني تحرز ضروع مَوَاشِيهمْ بِضَم التَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي وَالْمعْنَى أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شبه اللَّبن فِي الضَّرع بِالطَّعَامِ المخزون الْمَحْفُوظ فِي الخزانة فِي أَنه لَا يحل أَخذه بِغَيْر إِذن وَلَا فرق بَين اللَّبن وَغَيره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ أَبُو عمر يحمل هَذَا الحَدِيث على مَا لَا تطيب بِهِ النَّفس لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام وَإِنَّمَا خص اللَّبن بِالذكر لتساهل النَّاس فِي تنَاوله وَلَا فرق بَين اللَّبن وَالتَّمْر وَغَيرهمَا فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يحل شَيْء من لبن الْمَاشِيَة وَلَا من التَّمْر إِلَّا إِذا علم طيب نفس صَاحبه وَذهب بَعضهم إِلَى أَن ذَلِك يحل وَإِن لم يعلم حَال صَاحبه لِأَن ذَلِك حق جعله الشَّارِع لَهُ يُؤَيّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِذا أَتَى أحدكُم على مَاشِيَة فَإِن كَانَ فِيهَا صَاحبهَا فليستأذنه فَإِن أذن لَهُ وَإِلَّا فليحلب وَيشْرب وَإِن لم يكن فِيهَا فليصوت ثَلَاثًا فَإِن أجَاب فليستأذنه فَإِن أذن لَهُ وَإِلَّا فليحلب وَيشْرب وَلَا يحمل وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث سَمُرَة حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سَماع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح وَقد تكلم بعض أهل الحَدِيث فِي رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة وَقَالُوا إِنَّمَا يحدث عَن صحيفَة سَمُرَة وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بِحَدِيث أبي سعيد رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أبي نَضرة عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا أتيت على رَاع فناده ثَلَاث مَرَّات فَإِن أجابك وَإِلَّا فَاشْرَبْ من غير أَن تفْسد وَإِذا أتيت على حَائِط بُسْتَان فناده ثَلَاث مَرَّات فَإِن أجابك وَإِلَّا فَكل من غير أَن تفْسد وَبِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث يحيى بن سليم عَن عبد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ من أصَاب مِنْهُ من ذِي حَاجَة غير متخذ خبنة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يحيى بن سليم وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق إِلَى آخِره نَحوه والخبنة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا نون قَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ مَا تحمله فِي حضنك وَقَالَ ابْن الْأَثِير الخبنة معطف الْإِزَار وطرف الثَّوْب أَي لَا يَأْخُذ مِنْهُ فِي طرف ثَوْبه يُقَال أخبن الرجل إِذا خبأ شَيْئا فِي خبنة ثَوْبه أَو سراويله وَالْمرَاد من التَّمْر الْمُعَلق هُوَ التَّمْر على النّخل قبل أَن يقطع وَلَيْسَ المُرَاد مَا كَانُوا يعلقونه فِي الْمَسْجِد من الأقناء فِي أَيَّام التمرة فَإِن ذَلِك مُسبل مَأْذُون فِيهِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بقضية الْهِجْرَة وَشرب أبي بكر وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من غنم الرَّاعِي وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء وفقهاء الْأَمْصَار مِنْهُم الْأَئِمَّة أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم لَا يجوز لأحد أَن يَأْكُل من بُسْتَان أحد وَلَا يشرب من لبن غنمه إِلَّا بِإِذن صَاحبه اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ مُضْطَرّا فَحِينَئِذٍ يجوز لَهُ ذَلِك قدر دفع الْحَاجة وَالْجَوَاب عَن الْأَحَادِيث

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر